الذكاء الاصطناعي في المحاكم: الشروط والحدود وفق إرشادات اليونسكو والقانون المغربي

 

الذكاء الاصطناعي في المحاكم: الشروط والحدود وفق إرشادات اليونسكو والقانون المغربي

يجوز للمحاكم والقضاة استعمال الذكاء الاصطناعي في مهام المساندة، كالبحث القانوني وتصنيف الملفات والتفريغ والترجمة وإعداد مسودات أولية، بشرط أن يبقى القرار القضائي وتعليله وتقدير الأدلة بيد القاضي وحده، وأن تُحمى المعطيات الشخصية وسرية الملفات، وأن تُراجَع كل نتيجة تنتجها الآلة قبل اعتمادها. هذا هو جوهر إرشادات اليونسكو الصادرة بالعربية سنة 2026، وهو ما ينسجم مع ما يفرضه الدستور المغربي من استقلال القاضي وتعليل الأحكام وحماية الحياة الخاصة. أما في المغرب، فلا يوجد إلى اليوم نص تشريعي خاص ينظم هذا الاستعمال، والقواعد المطبقة تُستخلص من النصوص العامة.

ما الذي تقوله إرشادات اليونسكو حول الذكاء الاصطناعي في المحاكم؟

أصدرت منظمة اليونسكو وثيقة بعنوان «إرشادات استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي في المحاكم والهيئات القضائية». أُطلقت النسخة الإنجليزية رسميا في لندن يوم 4 دجنبر 2025، ثم صدرت الترجمة العربية سنة 2026 في 43 صفحة، من إعداد الباحث خوان ديفيد غوتييريز، بتمويل من الاتحاد الأوروبي، وتحت رخصة مفتوحة. الوثيقة متاحة بالعربية على مكتبة اليونسكو الرقمية.

الوثيقة ليست اتفاقية دولية ملزمة. هي إطار توجيهي يخاطب طرفين: الهيئات القضائية بصفتها مؤسسات (المحاكم، مجالس القضاء، إدارات العدالة)، والأفراد العاملين داخلها من قضاة وموظفين ومساعدين. ولهذا التمييز أثر عملي: ما يُطلب من المؤسسة يتعلق بالشراء والتقييم والحكامة، وما يُطلب من القاضي يتعلق بطريقة الاستعمال اليومي.

خلفية الوثيقة رقمية قبل أن تكون نظرية. فقد أظهر استطلاع أجرته اليونسكو سنة 2023 شمل فاعلين قضائيين من 96 دولة أن 44% منهم يستعملون أدوات الذكاء الاصطناعي في عملهم، في حين أن 9% فقط تلقوا تكوينا أو توجيهات مؤسسية بشأنها. الفجوة بين الاستعمال والتأطير هي التي دفعت إلى صياغة هذه الإرشادات. وقد مرت الوثيقة بمرحلة مشاورة عمومية سنة 2024 تضمنت فيها المسودة 13 مبدأ، قبل أن تستقر النسخة النهائية على 15 مبدأ.

الفكرة المحورية في الإرشادات: الذكاء الاصطناعي أداة مساندة، وليس بديلا عن الاستدلال القانوني ولا عن التقدير البشري. فالنماذج اللغوية التوليدية تشتغل بمنطق احتمالي يركّب الكلمات، ولا تفهم المعنى القانوني للنزاع، وقد تنتج نصا متماسكا في ظاهره يتضمن وقائع أو مراجع غير صحيحة.

المبادئ الأساسية لإرشادات اليونسكو وأثرها العملي

تقوم الإرشادات على 15 مبدأ تسري على كامل دورة حياة النظام: من التطوير والاقتناء إلى الاستعمال والتقييم. من بينها حماية حقوق الإنسان، والتناسب، والسلامة، وأمن المعلومات، والدقة والموثوقية، وقابلية التفسير، وقابلية التدقيق، والشفافية، والاستعمال الواعي، والمسؤولية، والمساءلة وقابلية الطعن، والإشراف البشري، والتصميم المتمحور حول الإنسان، والحكامة التشاركية. والجدول الآتي يجمعها حسب أثرها في الممارسة اليومية.

المحورالمبادئ المعنيةما يعنيه عمليا
الحقوق والضماناتحماية حقوق الإنسان، عدم التمييز، التناسبلا يُستعمل نظام إذا كانت كلفته على الحقوق أكبر من فائدته، ولا يُقبل نظام يعيد إنتاج تحيزات ضد فئات معينة.
جودة المخرجاتالدقة والموثوقية، السلامة، قابلية التفسيريجب أن يعمل النظام بشكل سليم في حالات متنوعة، وأن يكون ممكنا فهم سبب وصوله إلى نتيجة ما.
حماية المعطياتأمن المعلومات، حماية الخصوصيةمنع تسرب معطيات الملفات، والحذر من الأدوات المفتوحة التي قد تستعمل المدخلات في تدريب نماذجها.
الرقابةالشفافية، قابلية التدقيق، المساءلة وقابلية الطعنالإعلان عن الأنظمة المستعملة، وإمكان مراجعتها من مدققين مستقلين، وحق المتقاضي في الطعن في قرار ساهم فيه نظام آلي.
القرار القضائيالإشراف البشري واتخاذ القرار، التصميم المتمحور حول الإنسانلا يفوّض القاضي أي جزء من ولايته للآلة، ولا يعتمد عليها حصريا، ويحتفظ دائما بإمكان التدخل البشري.
الحكامةالمسؤولية، الاستعمال الواعي، الحكامة التشاركيةتكوين المستعملين، وإشراك المحامين والخبراء والمجتمع المدني في قرارات إدماج هذه الأنظمة.

أكثر هذه المبادئ حسما في عمل القاضي هو مبدأ الإشراف البشري واتخاذ القرار. فالإرشادات تمنع القضاة من تفويض أي جزء من ولايتهم أو الاعتماد حصريا على نظام آلي لاتخاذ قرارات أو أتمتة مساطر كاملة يمكن أن تمس حقوق الأفراد. وعلى مستوى المؤسسات، تدعو الوثيقة إلى إجراء تقييم للأثر الخوارزمي قبل نشر أي نظام وبعده، والإفصاح عن المعلومات الأساسية المتعلقة بالأنظمة المستعملة، وحظر أو تقييد ممارسات بعينها، أبرزها إنتاج قرارات ملزمة بشكل آلي وإنشاء مواد إثبات بواسطة الذكاء الاصطناعي.

الإطار القانوني المغربي: ما الذي يحكم استعمال الذكاء الاصطناعي في المحاكم اليوم؟

إلى غاية تاريخ تحرير هذا المقال، لم نقف على قانون أو مرسوم منشور بالجريدة الرسمية ينظم بشكل خاص استعمال الذكاء الاصطناعي من طرف المحاكم المغربية. لكن غياب النص الخاص لا يعني الفراغ. فمجموعة من القواعد الدستورية والتشريعية تضع حدودا واضحة لأي استعمال.

الدستور: أربعة قيود مباشرة

  • الفصل 109: يمنع كل تدخل في القضايا المعروضة على القضاء، ولا يتلقى القاضي بشأن مهمته أي أوامر أو تعليمات، ولا يخضع لأي ضغط. نظام آلي يقترح «الحل الأرجح» ويُفرض استعماله على القاضي قد يتحول إلى ضغط غير مباشر.
  • الفصل 110: لا يلزم قضاة الأحكام إلا بتطبيق القانون، ولا تصدر أحكام القضاء إلا على أساس التطبيق العادل للقانون. مخرجات الآلة ليست قانونا ولا تلزم القاضي.
  • الفصل 125: تكون الأحكام معللة وتصدر في جلسة علنية. التعليل عمل ذهني شخصي للقاضي، يُسأل عنه أمام جهات الطعن.
  • الفصل 24: لكل شخص الحق في حماية حياته الخاصة، وهو أساس حماية المعطيات الواردة في الملفات القضائية.

ويضاف إليها الفصل 120 الذي يضمن المحاكمة العادلة والحكم داخل أجل معقول وحقوق الدفاع. ويمكن الرجوع إلى نص دستور 2011 على قاعدة ويبو لِكس.

قانون المسطرة المدنية 58.25: الرقمنة نعم، والتعليل البشري دائما

دخل القانون رقم 58.25 حيز التنفيذ بعد ستة أشهر من نشره بالجريدة الرسمية عدد 7485 بتاريخ 23 فبراير 2026. وقد وسّع الرقمنة القضائية: الإيداع الإلكتروني، والجلسات عن بعد، والنسخ الإلكترونية للمقررات. ويمكن الاطلاع على تفاصيل ذلك في مستجدات قانون المسطرة المدنية الجديد رقم 58.25، وعلى شروط الجلسة عن بعد وضماناتها في قواعد الجلسات والتواصل عن بعد في القانون 58.25.

لكن القانون نفسه أبقى على وجوب تعليل الأحكام وتحريرها كاملة، وعلى تضمينها مستنتجات الأطراف وتحليلا لوسائل دفاعهم والنصوص المطبقة، كما يتضح في قواعد إصدار الأحكام وتسبيبها في القانون 58.25. معنى ذلك أن الرقمنة التي أقرها المشرع رقمنة إجرائية، ولا تمتد إلى صناعة القرار.

حماية المعطيات والسر المهني

يسري القانون رقم 09.08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي على كل معالجة تتم بواسطة أنظمة الذكاء الاصطناعي متى تعلقت بمعطيات شخصية. وقد أكدت اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي ذلك صراحة في بلاغها حول الذكاء الاصطناعي وحماية المعطيات، وأعلنت بدء الاشتغال على مداولة خاصة بمعالجات الذكاء الاصطناعي.

ويضاف إلى ذلك واجب كتمان سر المداولات المفروض على القضاة بمقتضى نظامهم الأساسي، والسر المهني الذي يعاقب على إفشائه الفصل 446 من القانون الجنائي، وسرية البحث والتحقيق في المادة الزجرية. نسخ وقائع ملف معروض على القضاء ولصقها في أداة دردشة عامة يمكن أن يطرح، بحسب الحالة، مسألة الإخلال بهذه الالتزامات.

الممارسة المؤسساتية المغربية

  • في يونيو 2024، أعلن وزير العدل أمام لجنة العدل بمجلس النواب أن الوزارة اقتنت برنامجا للذكاء الاصطناعي وسلمته للمجلس الأعلى للسلطة القضائية لتوزيعه على القضاة، يتولى رقن الأحكام التي يمليها القاضي، ويساعد على البحث في النصوص والاجتهادات.
  • نشر المرصد الوطني للإجرام التابع لوزارة العدل قراءة في دليل اليونسكو «أساسيات الذكاء الاصطناعي للقضاة»، أبرز فيها ثلاث ممارسات: التحقق من المخرجات لرصد «الهلوسة»، وإشعار الأطراف عند توظيف هذه التقنيات، والامتناع عن إدخال المعطيات الشخصية أو الحساسة في الأنظمة التوليدية.
  • يومي 14 و15 أكتوبر 2026، نظمت محكمة النقض بالرباط، بشراكة مع جمعية المحاكم العليا الفرنكوفونية، مؤتمرا دوليا حول «العدالة والذكاء الاصطناعي: الفرص والمخاطر». ودعا الرئيس الأول لمحكمة النقض، الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، إلى تدخل المشرع واعتماد مبادئ توجيهية أخلاقية أو مدونات سلوك. وشدد رئيس النيابة العامة على منع إدخال البيانات السرية في أنظمة غير معتمدة أو غير آمنة.

تمييز ضروري: التصريحات الصادرة في المؤتمرات والبلاغات الصحفية تعبر عن توجه مؤسساتي، لكنها ليست قواعد قانونية ملزمة. والقاعدة الملزمة اليوم تستخرج من الدستور والقانون 58.25 والقانون 09.08 والنظام الأساسي للقضاة، إلى حين صدور إطار خاص.

استخدام الذكاء الاصطناعي في المحاكم: ما المسموح وما الممنوع؟

لا يوجد في المغرب جدول رسمي يصنف الاستعمالات. الجدول الآتي تحليل يجمع بين إرشادات اليونسكو والقواعد المغربية العامة، ويصنف الاستعمالات حسب درجة اقترابها من جوهر الوظيفة القضائية.

الاستعمالالتقديرالشرط أو العلة
جدولة الجلسات وتدبير المواعيد وتوزيع الملفات إداريامقبولمهام إدارية لا تمس جوهر النزاع، مع مراقبة معايير التوزيع.
رقن الأحكام المملاة وتفريغ التسجيلاتمقبول بشرطمراجعة النص المفرّغ من القاضي أو كاتب الضبط قبل التوقيع.
البحث في النصوص والاجتهاداتمقبول بشرطالتحقق من كل مرجع في مصدره الرسمي قبل الاستناد إليه.
الترجمة الآلية لوثائق الملفمقبول بحذرلا تعوض الترجمة المحلفة متى اشترطها القانون، ويحق للأطراف منازعتها.
تلخيص الملفات الطويلةمقبول بحذرالملخص قد يُسقط واقعة مؤثرة، والقاضي ملزم بالاطلاع على الملف كاملا.
إعداد مسودة أولية لجزء الوقائعمحل نقاشيبقى القاضي مسؤولا عن كل كلمة، ويستحسن الإفصاح عن الاستعمال.
صياغة التعليل وتقدير الأدلةغير مقبوليتعارض مع الفصلين 110 و125 من الدستور ومع مبدأ الإشراف البشري.
إصدار قرار ملزم بشكل آليغير مقبولتفويض للولاية القضائية، وهو ما تدعو اليونسكو إلى حظره.
إدخال وقائع ملف سري في أداة عامةغير مقبولمخاطر الإخلال بالسر المهني وبالقانون 09.08.
تنميط القضاة والتنبؤ بقراراتهم الفرديةمرفوضمساس باستقلال القاضي وحريته في التقدير.

شروط الاستعمال المشروع للذكاء الاصطناعي من طرف المحاكم والقضاة

بالجمع بين الإرشادات الدولية والنصوص المغربية، يمكن تحديد ستة شروط عملية. بعضها موجه للمؤسسة، وبعضها للقاضي المستعمل.

  1. أداة معتمدة مؤسساتيا. الأصل أن يستعمل القاضي أو الموظف أدوات وفرتها الإدارة القضائية وخضعت لتقييم أمني، لا أدوات اختارها بشكل فردي. هذا ما يسميه الخبراء «الاستعمال الخفي»، وهو من أكبر مصادر تسرب المعطيات.
  2. تقييم مسبق ولاحق للأثر. قبل نشر النظام وبعده، يجب فحص دقته وانحيازاته وأثره على الحقوق، مع إمكان مراجعته من مدقق مستقل.
  3. حماية المعطيات. إخفاء الهوية أو استعمال أسماء مستعارة كلما أمكن، وعدم نقل معطيات الملفات إلى خوادم لا تخضع لرقابة وطنية، واحترام القانون 09.08.
  4. تحقق بشري من كل مخرج. كل مرجع، وكل رقم قرار، وكل اقتباس يُراجع في مصدره الرسمي. المسؤولية تقع على من وقّع، لا على الأداة.
  5. شفافية تجاه الأطراف. إشعار المتقاضين عند توظيف أداة ذكاء اصطناعي في مرحلة من مراحل معالجة قضيتهم، وفق ما توصي به اليونسكو.
  6. تكوين المستعمل. لا يمكن الإشراف على نظام لا نفهم حدوده. التكوين شرط للاستعمال الواعي، وليس ترفا.

حدود الذكاء الاصطناعي في القضاء: ما لا يجوز تفويضه للآلة

التعليل وتقدير الحجج

التعليل ليس نصا يُكتب. هو بيان للطريق الذهني الذي سلكه القاضي من الوقائع إلى النتيجة، مع الرد على الدفوع الجوهرية. وحين يُكتب بأداة توليدية، يصبح الحكم معللا في الشكل وفارغا في المضمون، لأن الأداة لا تعرف لماذا رجّحت شهادة على أخرى. هذه هي النقطة التي تلتقي فيها إرشادات اليونسكو مع الفصل 125 من الدستور.

إنتاج وسائل الإثبات

لا يجوز أن تتحول المحكمة أو أحد أعوانها إلى منتج لوسيلة إثبات عبر نظام توليدي، كإعادة بناء صورة أو تسجيل. ومن جهة أخرى، يجب على المحكمة أن تتعامل بحذر مع الوثائق والتسجيلات التي يقدمها الأطراف وقد تكون مولدة أو معدلة رقميا.

التنبؤ بسلوك القاضي

تحليل قرارات قاض بعينه لتوقع موقفه في قضية مقبلة يطرح مشكلة استقلال حقيقية. وقد ذهب المشرع الفرنسي سنة 2019 إلى حظر استعمال معطيات هوية القضاة لتقييم ممارساتهم المهنية أو التنبؤ بها، في المادة 33 من القانون رقم 2019-222. لا يوجد نص مماثل في المغرب، لكن الفصل 109 من الدستور يوفر أساسا لرفض أي استعمال من هذا النوع داخل المرفق القضائي.

إشكالات عملية يثيرها الذكاء الاصطناعي أمام المحاكم

1. مذكرة تستند إلى اجتهادات غير موجودة

الحالة الأشهر دوليا وقعت في الولايات المتحدة. ففي قضية Mata v. Avianca، فرضت محكمة فدرالية في نيويورك بتاريخ 22 يونيو 2023 غرامة قدرها 5000 دولار على محاميين قدما مذكرة تتضمن قرارات قضائية مختلقة أنتجتها أداة توليدية، ثم تمسكا بها بعد التنبيه إلى عدم وجودها. وتشير اليونسكو إلى حالات مماثلة لقضاة ومحامين في جنوب إفريقيا والبرازيل.

الوضع في الاجتهاد المغربي

لم نقف، في قواعد الاجتهاد المنشورة، على قرار لمحكمة النقض المغربية يعالج صراحة استعمال الذكاء الاصطناعي في تحرير حكم أو مذكرة. لذلك يبقى التحليل هنا مستندا إلى النصوص: الاستناد إلى قرار غير موجود يجعل الحجة منعدمة الأساس، وإذا تبناه الحكم في تعليله صار التعليل معيبا، وهو ما يُثار عبر طرق الطعن المقررة في القانون 58.25.

2. وثيقة أو تسجيل مولد رقميا

صورة معدلة، أو تسجيل صوتي مركب بتقنية التزييف العميق، أو رسالة نصية مصطنعة. الطرف الذي يواجه وثيقة من هذا النوع يملك وسائل إجرائية واضحة: المنازعة في صحتها، وطلب خبرة تقنية، وسلوك مسطرة الزور الفرعي متى تعلق الأمر بمحرر، وهي مشروحة في مسطرة الزور الفرعي في القانون 58.25. وإذا استُعمل المحتوى المزيف للمس بسمعة شخص، فقد تقوم مسؤولية جنائية وفق ما يرد في أركان جريمة الفصل 447-2 من القانون الجنائي.

3. محضر جلسة مفرغ آليا يتضمن خطأ

التفريغ الآلي قد ينسب قولا لغير قائله، أو يحرف رقما، خاصة مع اللهجات واختلاط الدارجة بالفصحى والفرنسية. المحضر يحرر تحت مسؤولية رئيس الجلسة وكاتب الضبط، ولا يغير استعمال الآلة من هذه المسؤولية. والطرف المتضرر يثير الخطأ فورا ويطلب تصحيحه وتضمين ملاحظته.

4. تسرب معطيات الملف

هذا الخطر لا يأتي غالبا من أنظمة المحكمة، بل من الاستعمال الفردي لأدوات عامة. وقد تستعمل بعض هذه الأدوات المدخلات لتحسين نماذجها، وتخزنها على خوادم خارج المغرب. التحقق من شروط الاستعمال وإعدادات الخصوصية واجب مهني على القاضي والمحامي معا.

5. انحياز في أدوات الفرز أو التقييم

نظام يرتب الملفات حسب «الأولوية» قد يتعلم من بيانات قديمة تعكس ممارسات غير منصفة. ولهذا تشترط الإرشادات تمثيلية بيانات التدريب ومراجعة النماذج بشكل دوري.

الذكاء الاصطناعي في القضاء: مقارنة بين الأطر الدولية والوضع المغربي

الإطارالطبيعةالموقف من القرار القضائيأهم ما يضيفه
إرشادات اليونسكو 2025/2026توجيهية عالميةلا تفويض للولاية القضائية، والإشراف البشري إلزامي15 مبدأ، وتوصيات منفصلة للمؤسسات والأفراد
الميثاق الأخلاقي الأوروبي (CEPEJ) 2018توجيهي أوروبيالمستعمل يبقى فاعلا مطلعا ومتحكما في اختياراتهخمسة مبادئ منها احترام الحقوق الأساسية والشفافية
اللائحة الأوروبية للذكاء الاصطناعي 2024/1689ملزمة داخل الاتحاد الأوروبيالقرار النهائي نشاط بشري، والأداة تساند ولا تعوضتصنيف الأنظمة المساعدة للقاضي في البحث وتطبيق القانون ضمن الأنظمة عالية المخاطر
المغربنصوص عامة دون إطار خاصاستقلال القاضي وتعليل الأحكام (الفصلان 110 و125)القانون 09.08، ورقمنة إجرائية في القانون 58.25، ودعوات مؤسساتية لتأطير خاص

اللائحة الأوروبية تميز بين الأنظمة التي تساعد القاضي في البحث في الوقائع والقانون وتطبيقه، وهي عالية المخاطر، وبين الأنشطة الإدارية المساعدة الصرفة كإخفاء هوية الأحكام أو التواصل الداخلي، وهي خارج هذا التصنيف. هذا التمييز مفيد للقارئ المغربي لأنه يعطي معيارا واضحا: كلما اقتربت الأداة من الحسم في النزاع، ارتفعت الضمانات المطلوبة. انظر نص اللائحة الأوروبية 2024/1689 والميثاق الأخلاقي الأوروبي لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الأنظمة القضائية.

أمثلة توضيحية

الأمثلة الآتية افتراضية، الغرض منها توضيح القواعد، ولا تحيل على قضايا حقيقية.

المثال الأول: مرجع وهمي في مذكرة استئنافية. يقدم محام مذكرة تستند إلى ثلاثة قرارات لمحكمة النقض. يتحقق دفاع الخصم فلا يجد أحدها في قواعد الاجتهاد الرسمية. الموقف السليم للمحكمة: استبعاد الحجة المعتمدة على القرار غير الموجود، وعدم بناء أي تعليل عليها. والمحامي يتحمل تبعات ذلك على المستوى المهني، بصرف النظر عن الأداة التي استعملها.

المثال الثاني: تسجيل صوتي في نزاع أسري. تدلي زوجة بتسجيل يُنسب فيه للزوج اعتراف بواقعة. ينكر الزوج صوته ويدفع بالتزييف. الطريق الإجرائي هنا هو المنازعة الصريحة وطلب خبرة تقنية على الملف الأصلي وبياناته الوصفية، لا الاكتفاء بالإنكار المجرد.

المثال الثالث: خطأ نسبي في أداة فرز. لنفترض أن محكمة تستعمل نظاما يرتب 1000 ملف استعجالي شهريا، وأن نسبة خطئه في التصنيف 3%. معنى ذلك 30 ملفا قد تتأخر كل شهر رغم استعجالها. نسبة تبدو صغيرة، لكنها تمس 30 متقاضيا. لهذا تشترط اليونسكو التقييم الدوري وإمكان التدخل البشري.

نصائح عملية للمدعي والمدعى عليه والمحامي

إذا كنت مدعيا

  • إذا استعملت أداة ذكاء اصطناعي لصياغة مقالك، راجع كل مادة قانونية وكل رقم قرار في مصدره الرسمي قبل الإيداع. خطأ واحد قد يضعف ثقة المحكمة في المذكرة كلها.
  • لا تدرج في الأداة معطيات شخصية لخصمك أو لأطراف ثالثة دون حاجة. حماية هذه المعطيات واجب عليك أيضا.
  • احتفظ بالملفات الأصلية للصور والتسجيلات التي تقدمها، بصيغتها الأولى وبياناتها الوصفية، لأنك قد تُطالب بإثبات أصالتها.
  • إذا جرت جلستك عن بعد، تأكد من جودة الاتصال، وأثر أي خلل تقني يحول دون مشاركتك الفعلية فورا ليُضمن في المحضر.

إذا كنت مدعى عليه

  • تحقق من كل مرجع يستند إليه خصمك. المراجع المختلقة أصبحت ممكنة، والدفع بعدم وجودها دفع جدي.
  • إذا شككت في أن وثيقة أو تسجيلا مولد رقميا، نازع فيه صراحة وفي الوقت المناسب، واطلب الخبرة التقنية بدل الاكتفاء بالإنكار.
  • إذا لاحظت أن حكما صادرا ضدك يتضمن مراجع غير موجودة أو تعليلا لا يرد على دفوعك الجوهرية، فاجعل ذلك سببا في طعنك، مع احترام الآجال.
  • راجع محاضر الجلسات المفرغة آليا بدقة، واطلب تصحيح كل خطأ في نسبة الأقوال.

للمحامي

  • استعمال الذكاء الاصطناعي لا ينقل المسؤولية المهنية إلى الأداة. أنت من يوقع المذكرة.
  • اختر أدوات تضمن عدم استعمال مدخلاتك في التدريب، أو أخف هوية الأطراف قبل أي استعمال.
  • أخبر موكلك إذا كانت معطياته ستعالج بأداة خارجية، خاصة إذا كانت حساسة.

أسئلة شائعة حول استخدام الذكاء الاصطناعي في المحاكم

هل يجوز للقاضي في المغرب استعمال الذكاء الاصطناعي؟

نعم في مهام المساندة كالبحث والرقن والتفريغ والتصنيف، ولا يوجد نص يمنع ذلك. لكن التعليل وتقدير الأدلة واتخاذ القرار تبقى من صميم عمل القاضي بمقتضى الفصلين 110 و125 من الدستور، ولا يجوز تفويضها لأي نظام آلي.

هل توجد في المغرب قوانين خاصة بالذكاء الاصطناعي في القضاء؟

لا يوجد إلى اليوم قانون أو مرسوم منشور ينظم هذا الاستعمال بشكل خاص. القواعد المطبقة تستخرج من الدستور وقانون المسطرة المدنية 58.25 والقانون 09.08 المتعلق بحماية المعطيات الشخصية والنظام الأساسي للقضاة. وقد دعا الرئيس الأول لمحكمة النقض في أكتوبر 2026 إلى تدخل المشرع واعتماد مبادئ توجيهية أخلاقية.

هل إرشادات اليونسكو ملزمة للمحاكم المغربية؟

لا، هي وثيقة توجيهية غير ملزمة. لكنها تشكل مرجعا دوليا يمكن أن تستلهم منه الهيئات القضائية المغربية قواعدها الداخلية، وتلتقي في مبادئها الأساسية مع ما يقرره الدستور المغربي من استقلال القضاء وتعليل الأحكام وحماية الحياة الخاصة.

هل يمكن الطعن في حكم إذا تبين أنه كتب بالذكاء الاصطناعي؟

استعمال الأداة في حد ذاته ليس سببا للطعن. سبب الطعن يكون في العيب الذي يظهر في الحكم: تعليل يستند إلى مرجع غير موجود، أو عدم الرد على دفع جوهري، أو تحريف وقائع الملف. هذه العيوب تثار عبر طرق الطعن العادية وغير العادية داخل آجالها.

هل يجب على المحكمة إخبار الأطراف باستعمال الذكاء الاصطناعي؟

لا يوجد في القانون المغربي نص يفرض ذلك صراحة. غير أن إرشادات اليونسكو توصي بالشفافية وإشعار الأطراف عند توظيف هذه الأدوات في معالجة قضاياهم، وهو ما يعزز الثقة ويمكّن من المنازعة عند الحاجة.

هل يمكن للمحامي استعمال ChatGPT أو أدوات مشابهة في إعداد المذكرات؟

لا يوجد منع قانوني، لكن المحامي يبقى مسؤولا عن صحة كل مرجع يورده وعن سرية معطيات موكله. والتجارب الدولية، كقضية Mata v. Avianca في الولايات المتحدة، تبين أن تقديم اجتهادات مختلقة قد يرتب جزاءات على المحامي.

كيف أتعامل مع تسجيل أو صورة أظن أنها مزيفة بالذكاء الاصطناعي؟

نازع في صحتها صراحة أمام المحكمة، واطلب إجراء خبرة تقنية على الملف الأصلي. وإذا تعلق الأمر بمحرر، يمكن سلوك مسطرة الزور الفرعي. وإذا كان المحتوى المزيف يمس سمعتك، فقد تقوم مسؤولية جنائية على من أنتجه أو نشره.

هل يحق للمتقاضي رفض الجلسة عن بعد؟

القانون 58.25 أحاط الجلسة عن بعد بضمانات المحاكمة العادلة وحقوق الدفاع، ويمكن للمحكمة الرجوع إلى الإجراءات العادية إذا تعذر احترام هذه الشروط. وإذا حال خلل تقني دون مشاركتك الفعلية، فاطلب تضمين ذلك في المحضر.

خلاصة عملية

الذكاء الاصطناعي دخل المحاكم المغربية من باب الرقن والبحث والرقمنة الإجرائية، والمؤسسات القضائية العليا تتجه بوضوح نحو تأطيره. القاعدة التي تحكمه اليوم بسيطة في صياغتها وصارمة في تطبيقها: الآلة تساعد، والقاضي يقرر ويعلل ويتحمل المسؤولية. وبين الطرفين، يبقى المتقاضي والمحامي مطالبين باليقظة: التحقق من المراجع، وحماية المعطيات، والمنازعة في كل وثيقة مشكوك في أصالتها.

المصادر والمراجع

  • اليونسكو، إرشادات استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي في المحاكم والهيئات القضائية، تأليف Juan David Gutiérrez، باريس 2026، 43 صفحة، ISBN 978-92-3-600169-2، DOI: 10.58338/DODY2220. الرابط على UNESDOC
  • UNESCO، AI in the Courtroom: UNESCO's New Guidelines for the Judiciary، دجنبر 2025. الرابط
  • UNESCO، AI Essentials for Judges، 2026. الرابط
  • المرصد الوطني للإجرام، وزارة العدل، قراءة في تقرير «أساسيات الذكاء الاصطناعي للقضاة». الرابط
  • دستور المملكة المغربية لسنة 2011، الفصول 24 و109 و110 و120 و125. الرابط
  • القانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية، الظهير الشريف رقم 1.26.07 بتاريخ 11 فبراير 2026، الجريدة الرسمية عدد 7485 بتاريخ 23 فبراير 2026.
  • القانون رقم 09.08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي، الظهير الشريف رقم 1.09.15 بتاريخ 18 فبراير 2009، بوابة عدالة. الرابط
  • اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، بلاغ حول الذكاء الاصطناعي وحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، 2025. الرابط
  • وكالة المغرب العربي للأنباء عبر Le360، افتتاح مؤتمر «العدالة والذكاء الاصطناعي: الفرص والمخاطر» بالرباط، 14 أكتوبر 2026. الرابط
  • وكالة الأناضول، المغرب يبدأ استخدام الذكاء الاصطناعي في المحاكم، 11 يونيو 2024. الرابط
  • Regulation (EU) 2024/1689 (Artificial Intelligence Act)، الملحق الثالث، النقطة 8. الرابط
  • CEPEJ، European Ethical Charter on the use of Artificial Intelligence in judicial systems and their environment، ستراسبورغ، 3 و4 دجنبر 2018. الرابط
  • Mata v. Avianca, Inc., No. 22-cv-1461 (PKC), U.S. District Court, Southern District of New York، أمر بالجزاءات بتاريخ 22 يونيو 2023.
  • Loi n° 2019-222 du 23 mars 2019 de programmation 2018-2022 et de réforme pour la justice، المادة 33 (فرنسا).
تعليقات