محكمة النقض: تزوير الوثائق الرسمية بين مفهوم الموظف العمومي وحدود الاختصاص: قراءة في قرار محكمة النقض عدد 726 بتاريخ 24 أبريل 2019، في الملف الجنحي عدد 2018/4/6/17094.
جاء في القرار المذكور مراجعه أعلاه توضيح دقيق لمفهوم "الوثيقة الرسمية" في القانون الجنائي، وللحدود الفاصلة بين الاختصاص الإداري للموظف العمومي واختصاص الضابطة القضائية، وما يترتب عن ذلك من آثار على قيام جريمة التزوير في محرر رسمي.
فالقرار المذكور يشكل محطة قضائية بالغة الأهمية في تحديد طبيعة الوثائق التي تعد رسمية بمقتضى القانون، وفي إبراز أن صفة الموظف العمومي لا تقتصر على من يحمل صفة ضابط للشرطة القضائية، بل تمتد إلى كل من يقوم بوظيفة عمومية ويتقاضى أجرا من الدولة مقابل أدائه لخدمة عامة، وفقا لمقتضيات الفصل 224 من القانون الجنائي.
وقد عرضت القضية على محكمة النقض عقب صدور قرار عن غرفة الجنايات الاستئنافية بالرباط بتاريخ 5 يونيو 2018، قضى ببراءة المتهم الرئيسي، وهو مفتش شرطة، من جناية تزوير محرر رسمي، بعلة أنه لا يتوفر على صفة ضابط للشرطة القضائية، وأن ما أنجزه من محضر لا يمكن أن يعتبر محررا رسميا، وإنما مجرد معلومات لا حجية لها في الإثبات، عملا بالمادة 291 من قانون المسطرة الجنائية.
غير أن محكمة النقض رأت خلاف ذلك، معتبرة أن المحكمة الاستئنافية قد جانبت الصواب في تأويلها لمقتضيات الفصل 352 من القانون الجنائي، إذ أن النص لا يشترط أن يكون مرتكب التزوير ضابطا للشرطة القضائية، بل يكفي أن يكون موظفا عموميا بمفهوم الفصل 224 من نفس القانون. فالموظف العمومي – وفق هذا التعريف – هو كل شخص يساهم في أداء خدمة عمومية ويتقاضى مقابلا من الدولة، سواء كان في مرتبة تنفيذية أو ضبطية أو إدارية.
وقد اعتبرت محكمة النقض أن مفتش الشرطة، بصفته موظفا عموميا، حين انتقل إلى مكان وقوع حادثة السير وحرر محضرا للمعاينة في إطار مهامه الإدارية، يكون قد أنجز وثيقة رسمية تدخل في صميم عمله، وأن أي تغيير أو تضمين لبيانات مخالفة للحقيقة داخل هذه الوثيقة يُعدّ تزويرا في محرر رسمي، إذا تم ذلك بسوء نية وبقصد تضليل العدالة أو تغيير الحقيقة.
وأوضحت المحكمة أن الوثيقة الرسمية في مفهوم القانون الجنائي هي كل وثيقة يتلقاها أو يحررها الأشخاص المحددون في الفصلين 352 و353 من القانون الجنائي أثناء قيامهم بعملهم، ومن بينها الوثائق التي يحررها الموظفون العموميون بمفهوم الفصل 224، متى كانت الغاية منها إثبات وقائع أو حالات قانونية أو مادية تترتب عليها آثار قانونية.
وفي هذا الإطار، انتقدت محكمة النقض تعليل المحكمة الاستئنافية التي اعتبرت أن عيب الاختصاص في تحرير المحاضر ينزع عنها الصفة الرسمية، مؤكدة أن عدم توفر صفة الضابط القضائي لا يغير من كون مفتش الشرطة موظفا عموميا، وأن ما يحرره من وثائق أثناء مزاولة مهامه الرسمية يبقى داخلا في نطاق الوثائق الرسمية، التي يمكن أن تكون موضوع تزوير معاقب عليه بمقتضى الفصلين 352 و353 من القانون الجنائي.
واستحضارا لمقتضيات المادتين 365 و370 من قانون المسطرة الجنائية، أكدت محكمة النقض أن التعليل الواقعي والقانوني شرط أساسي في صحة القرارات القضائية، وأن نقصان التعليل يعادل انعدامه، ما يجعل القرار المطعون فيه معيبًا بالفساد في التعليل ومخالفة القانون، مما استوجب نقضه جزئيا.
وبناء على ذلك، قضت محكمة النقض بنقض وإبطال القرار الصادر عن غرفة الجنايات الاستئنافية بالرباط جزئيا، فيما قضى به من براءة المتهمين (ب.و) و(ح.د) و(ع.د) و(أ.ع)، وإحالة القضية على نفس المحكمة لتبت فيها من جديد بهيئة أخرى، فيما رفضت الطلب بخصوص المتهم (ع.ل) لعدم ورود أي نعي يخصه في الوسائل المثارة.
إن هذا القرار، بما تضمنه من تعليل قانوني متين، يكرس مبدأ جوهريا في تفسير النصوص الجنائية مؤداه أن العبرة في تكييف الوثيقة الرسمية ليست بصفة من حررها كضابط للشرطة القضائية، بل بصفته كموظف عمومي يباشر مهامه داخل نطاق اختصاصه الإداري، وأن حماية الوثيقة الرسمية لا تنبع من مرتبة المحرر وإنما من طبيعة المرفق العمومي الذي تمثل الوثيقة أحد تجلياته القانونية.
ويبرز القرار كذلك أن القضاء الجنائي المغربي يسير في اتجاه تأكيد شمولية الحماية الزجرية للوثائق الرسمية، حمايةً للثقة العامة في الأعمال الصادرة عن المرافق العمومية، وتكريسا لمبدأ الشرعية والشفافية في العمل الإداري، بحيث لا يجوز التحايل على هذه الوثائق أو تحريف الحقيقة فيها، مهما كانت صفة الموظف أو رتبته داخل الجهاز الإداري أو الأمني.
إن قرار محكمة النقض عدد 726 لسنة 2019 لا يقتصر على كونه اجتهادا جزائيا فحسب، بل يشكل قاعدة تفسيرية راسخة لمفهوم الموظف العمومي ومجال تطبيق النصوص الزجرية المتعلقة بتزوير الوثائق الرسمية، ويؤكد في الوقت نفسه على أن العدالة الجنائية لا يمكن أن تُبنى إلا على حماية الوثائق الرسمية من كل عبث يمس بمصداقيتها أو يخلّ بقدسيتها القانونية.

شكرا جزيلا
للاستفادة من موقعنا ابحثوا على الموضوع الذين تريدون، بمربع البحث. نسعى دائما لتطوير موقعنا، شكرا لكم