بقلم الكاتب: محمد بن عبد العزيز المحمود
تميّز نظام الإجراءات الجزائية السعودي الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/ 39 وتاريخ 1422/7/28هـ بتوافقه وتماشيه مع تعاليم الشريعة الإسلامية السمحة، التي كفلت للإنسان حقوقه المادية والمعنوية وحرمت الاعتداء على حريته بأي نوعٍ من أنواع الاعتداء إلا في حدود معينة بينّها الشارع الحكيم.
ومن هذا التوافق ما بيّنه النظام حيال تقسيم الدعوى الجنائية إلى عامة وخاصة، ومَن له الحق في رفعها، وكذلك أسباب انقضاء الدعوى بقسميها.
محتويات المقال
تقسيم الدعوى الجنائية
تنقسم الدعوى الجنائية وفقاً لنظام الإجراءات الجزائية إلى قسمين رئيسيين هما الدعوى العامة والدعوى الخاصة.
الدعوى الجنائية العامة
هي الدعوى التي تتعلق بالجرائم التي تقع اعتداءً على الحق العام، وتتمثل في الجرائم التي تنال بالاعتداء على الدولة أو المجتمع مباشرة.
من أمثلتها: جرائم الحدود العامة كجريمة الزنا والحرابة (الإفساد في الأرض)، وكذلك جرائم التعزير على المعاصي التي فيها حق الله عز وجل.
ويتولى رفع هذه الدعوى ومباشرتها أمام المحكمة المختصة المدعي العام التابع لهيئة التحقيق والادعاء العام، استناداً إلى المادة رقم (16) من نظام الإجراءات الجزائية.
الدعوى الجنائية الخاصة
هي الدعوى التي تنصرف إلى الجريمة التي تقع اعتداءً على حق خاص، كجرائم القصاص عموماً سواء كان في النفس أو فيما دونها، والجرائم التعزيرية التي فيها اعتداء على الحقوق الفردية.
يتولى رفعها المجني عليه أو مَن ينوب عنه أو وارثه من بعده وفقاً للمادة رقم (17) من النظام. ولا يجوز إقامة الدعوى الجنائية في النظام السعودي أو اتخاذ إجراءات التحقيق في الجرائم الواجب فيها حق خاص إلا بطلب أو شكوى من صاحب الحق، إلا في حالات استثنائية ترى فيها هيئة التحقيق والادعاء العام مصلحة عامة في رفعها وهي:
- القذف والسب في مكان غير علني.
- السرقة والاختلاس وخيانة الأمانة من أصول المجني عليه أو فروعه.
- قضايا العقوق.
- الامتناع عن أداء النفقة أو أجرة الحضانة أو الرضاعة أو المسكن المحكوم بها بحكم واجب التنفيذ.
- الامتناع عن تسليم الصغير لمن له الحق في حضانته، أو أخذه بقصد حضانته من يد مَن يتولاه أو يكفله بحكم واجب التنفيذ.
أسباب انقضاء الدعوى الجنائية العامة
تنقضي الدعوى الجنائية العامة بأحد أسبابٍ أربعة محددة نظاماً وشعرياً.
أولاً: صدور حكم نهائي
المقصود بالحكم النهائي هو الحكم المكتسب للقطعية بإحدى الطرق التالية:
- بقناعة المحكوم عليه (ولا يشترط قناعته فيما فيه إتلاف كإزهاق نفس، أو ذهاب عضو أو منفعة، بل لا بد من تصديق مجلس القضاء الأعلى).
- تصديق الحكم من محكمة التمييز أو من مجلس القضاء الأعلى فيما فيه إتلاف، سواء كان الحكم بالإدانة أو البراءة.
- انتهاء المدة التي يحق فيها للمتهم الاعتراض على الحكم.
وقد بيّن النظام الأحوال التي يجوز فيها لأي من الخصوم طلب إعادة النظر في الأحكام النهائية الصادرة بالعقوبة، وهي:
- إذا حُكم على المتهم في جريمة قتل ثم وُجد المُدعى قتله حياً.
- إذا صدر حكم على شخص من أجل واقعة، ثم صدر حكم على شخص آخر من أجل الواقعة ذاتها وكان بين الحكمين تناقض يُفهم منه عدم إدانة أحد المحكوم عليهما.
- إذا كان الحكم قد بُني على أوراق ظهر بعد الحكم تزويرها، أو شهادة ظهر بعد الحكم أنها شهادة زور.
- إذا كان الحكم بُني على حكم صادر من إحدى المحاكم ثم ألغي هذا الحكم.
- إذا ظهرت بعد الحكم بيّنات أو وقائع لم تكن معلومة وقت المحاكمة من شأنها عدم إدانة المحكوم عليه أو تخفيف العقوبة.
ويجوز طلب إعادة النظر ولو سبق تنفيذ الحكم، أو سقط بالعفو أو الصلح أو وفاة المحكوم عليه، أو بصدور عفو عن العقوبة.
ثانياً: عفو ولي الأمر فيما يدخله العفو
المقصود بـ "فيما يدخله العفو" هو العقوبات التعزيرية الواجبة حقاً لله تعالى، حيث يحق لولي الأمر العفو عنها سواء قبل صدور الحكم أو بعده وقبل التنفيذ.
أما جرائم الحدود (السرقة، الزنا، القذف، شرب المسكر، الحرابة، البغي، الردة) فلا يدخلها العفو بعد وصولها لولي الأمر وتصبح واجبة التنفيذ ولا تجوز فيها الشفاعة.
علماً بأن عفو ولي الأمر عن التعزير لا يؤثر بأي حال على حقوق المجني عليه في الحق الخاص.
ثالثاً: التوبة بضوابطها الشرعية
التوبة لا تكفي لإسقاط حقوق العباد؛ فمن سرق مالاً وتاب لا يسقط عنه حق الآدمي بل يجب عليه رد المظالم لتبَرأ ذمته.
أما التوبة من الحدود التي فيها حق الله كالحرابة، فإن تاب المحارب قبل القدرة عليه سقط عنه حق الله عز وجل دون حقوق الناس، أما إن كانت توبته بعد القدرة عليه فلا تقبل. وبقية الحدود فيها تفصيلات للعلماء.
رابعاً: وفاة المتهم
نص النظام على أن العقوبة شخصية تختص بالجاني فقط لقوله تعالى: {ولا تزر وازرة وزر أخرى}، وبناءً عليه تنقضي الدعوى الجزائية العامة بوفاة المتهم بالنسبة له وحده:
- إذا كانت الوفاة قبل تحريك الدعوى يُكتفى بحفظ الأوراق.
- إذا كانت الوفاة بعد تحريك الدعوى يصدر المحقق أمراً بحفظ الدعوى الجزائية العامة.
- الوفاة تُسقط المطالبة بالعقوبة البدنية والعقوبة المالية ذات الطابع الردعي لتعذر زجره بعد وفاته.
ولا يمنع انقضاء الدعوى بالوفاة جهة التحقيق من استكمال إجراءات القضايا الجنائية للتحقق من وجود شركاء، كما لا تؤثر وفاة متهم على سير الدعوى تجاه المتهمين الآخرين، ولا تمنع من إعادة التحقيق إذا تبين أن المتهم لا يزال حياً.
أسباب انقضاء الدعوى الجنائية الخاصة
حدد نظام الإجراءات الجزائية في المادة الثالثة والعشرين (23) أسباب انقضاء الدعوى الجنائية الخاصة في أمرين هما:
- صدور حكم نهائي: وهو الحكم المكتسب للقطعية بقناعة المحكوم عليه، أو تصديق محكمة التمييز أو مجلس القضاء الأعلى، أو فوات مدة الاعتراض؛ إذ الحكم يقطع النزاع وينهي الخصومة.
- عفو المجني عليه أو وارثه: العفو المطلق وبدون مقابل، أو ترك المدعي لدعواه بإرادته وتنازله عنها قبل صدور الحكم.
ولا يمنع عفو المجني عليه من الاستمرار في دعوى الحق العام. وفي حال تعدد المجني عليهم، فإن عفو بعضهم لا يمنع البقية من الاستمرار، باستثناء المطالبة بالقصاص؛ فعفو أحد مستحقي الدم يمنع القصاص ويعدل عنه إلى الدية لأن القصاص لا يتجزأ.
أسئلة شائعة حول الدعوى الجنائية
ما الفرق بين الدعوى الجنائية العامة والدعوى الجنائية الخاصة؟
الدعوى العامة تتصل بالجرائم التي تعتدي على الحق العام والدولة والمجتمع ويتولى رفعها المدعي العام، أما الدعوى الخاصة فترتبط بالاعتداء على حقوق الأفراد كالقصاص والتعزير الفردي ويرفعها المجني عليه أو نائبه.
هل يسقط الحق الخاص عند عفو ولي الأمر عن المتهم؟
لا، عفو ولي الأمر يقتصر على العقوبات التعزيرية الخاصة بحق الله تعالى، ولا يؤثر إطلاقاً على حقوق المجني عليه الشخصية والمالية.
ما أسباب انقضاء الدعوى الجنائية الخاصة وفق النظام السعودي؟
تنقضي الدعوى الخاصة بصدور حكم نهائي يكتسب القطعية، أو بعفو المجني عليه/وارثه دون مقابل، أو بترك المدعي لدعواه قبل صدور الحكم استناداً للمادة 23.
- المرسوم الملكي رقم م/39 وتاريخ 1422/7/28هـ (نظام الإجراءات الجزائية)
- المادة رقم (16) من نظام الإجراءات الجزائية
- المادة رقم (17) من نظام الإجراءات الجزائية
- المادة رقم (23) من نظام الإجراءات الجزائية
- محمد بن عبد العزيز المحمود
شكرا جزيلا
للاستفادة من موقعنا ابحثوا على الموضوع الذين تريدون، بمربع البحث. نسعى دائما لتطوير موقعنا، شكرا لكم