جريمة عدم تقديم مساعدة لشخص في خطر بالمغرب: الأركان والعقوبة واجتهاد محكمة النقض

 

جريمة عدم تقديم مساعدة لشخص في خطر بالمغرب: الأركان والعقوبة واجتهاد محكمة النقض

تقوم جريمة عدم تقديم مساعدة لشخص في خطر في القانون الجنائي المغربي عندما يعلم شخص بوجود خطر، ويستطيع المساعدة بتدخله أو بطلب الإغاثة دون تعريض نفسه أو غيره للخطر، ثم يمتنع عمدًا. ويقرر الفصل 431 الحبس من ثلاثة أشهر إلى سنتين وغرامة من 2,000 إلى 10,000 درهم، مع مضاعفة العقوبة في حالات محددة. ولا يشترط النص وفاة الضحية، كما لا يكفي مجرد وقوع الوفاة لإثبات الجريمة.

وتكشف الممارسة صعوبة الفصل بين الامتناع الواعي، والعجز الحقيقي عن التدخل، والخطأ في تقدير الحالة. ويقدم قرار محكمة النقض رقم 408 بتاريخ 10 مارس 2022 تطبيقًا دقيقًا لهذه الحدود في واقعة امتناع قابلة عن فحص امرأة في المخاض ومساعدتها رغم معاينة حالتها.

ورد التجريم في الفصل 431 من مجموعة القانون الجنائي، ضمن الفرع المتعلق بالتهديد وعدم تقديم المساعدة. وتقوم صياغته على ثلاثة قيود متلازمة: التعمد، وإمكان المساعدة، وانتفاء تعريض المتدخل أو غيره للخطر. لذلك لا يعاقب القانون على كل موقف سلبي كيفما كانت ظروفه.

وعُدل هذا الفصل بالمادة الثانية من القانون رقم 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء. نُشر القانون في الجريدة الرسمية عدد 6655 بتاريخ 12 مارس 2018، ونصت مادته 18 على دخوله حيز التنفيذ بعد ستة أشهر من نشره. ومن ثم يجب التمييز بين الصيغة الحالية والصيغ السابقة عند مناقشة عقوبة واقعة قديمة، مع مراعاة قواعد سريان القانون الجنائي والقانون الأصلح للمتهم.

العقوبة المقررة في الفصل 431
الحالةالحبسالغرامة
الصورة العادية للجريمةمن ثلاثة أشهر إلى سنتينمن 2,000 إلى 10,000 درهم
توافر أحد أسباب المضاعفة المنصوص عليهامن ستة أشهر إلى أربع سنوات، نتيجة مضاعفة الحدودمن 4,000 إلى 20,000 درهم، نتيجة مضاعفة الحدود

تجمع الصيغة الحالية بين الحبس والغرامة؛ فلا تتضمن تخييرًا عامًا بينهما بعبارة «أو بإحدى هاتين العقوبتين». وهذا بيان للعقوبة التشريعية، ولا يلغي تطبيق القواعد العامة للتفريد القضائي للعقوبة متى توافرت شروطها.

متى تضاعف العقوبة؟

تضاعف إذا كان مرتكب الجريمة زوجًا أو خاطبًا أو طليقًا أو أحد الأصول أو الفروع أو الإخوة أو كافلًا، أو كانت له ولاية أو سلطة على الضحية أو كان مكلفًا برعايتها. وتضاعف كذلك إذا كانت الضحية قاصرًا أو في وضعية إعاقة أو معروفة بضعف قواها العقلية، وفي حالة العود وفق شروطه القانونية.

لا يجعل الفصل الحمل وحده سببًا مستقلًا للمضاعفة، ولا يربط الجريمة بكون الضحية امرأة؛ فهو يحمي كل شخص تتوافر فيه حالة الخطر. كما لا تكفي الصفة المهنية وحدها لتطبيق التشديد دون بيان اتصالها بإحدى الحالات المحددة قانونًا.

يمكن مراجعة النص الكامل في مجموعة القانون الجنائي المنشورة ببوابة عدالة، ومقارنته بـالقانون رقم 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء. وتجنبًا للخلط، فالفصل 430 ينظم الامتناع عن منع جناية أو جنحة تمس السلامة البدنية متى أمكن التدخل المباشر الآمن، بينما يعالج الفصل 431 مساعدة شخص في خطر ولو نشأ خطره عن مرض أو حادث عرضي.

أركان جريمة الامتناع عن تقديم المساعدة

وجود خطر حقيقي يستدعي المساعدة

لا يضع الفصل 431 قائمة مغلقة لمصادر الخطر. فقد يتعلق الأمر بنزيف أو اختناق أو غرق أو حادث سير أو اعتداء جارٍ. والعبرة بوجود وضع يهدد الشخص ويستدعي مساعدة ممكنة وقت الامتناع، لا بمجرد الانزعاج أو احتمال بعيد لا تسنده معطيات واقعية.

ووصف الخطر بأنه جدي وحالّ هنا تحليل لمقتضى الحماية، وليس اقتباسًا حرفيًا لتعريف تشريعي. ويجب تقييمه انطلاقًا مما كان ظاهرًا أو معلومًا عند الواقعة؛ فالنتيجة اللاحقة قد تساعد على فهم الحالة، لكنها لا تعوض إثبات الخطر والعلم به في الوقت المناسب.

العلم بالخطر والامتناع بإرادة واعية

استعمل المشرع لفظ «عمدًا». ولذلك يلزم التمييز بين شخص أدرك الحالة واختار عدم المساعدة، وآخر لم يعلم بها أصلًا أو أخطأ في تقديرها دون أن يثبت تعمده. ولا يشترط أن يريد الممتنع وفاة الضحية أو إصابتها؛ فالقصد يتجه إلى ترك المساعدة مع العلم بالخطر والقدرة على تقديمها.

وقد يستخلص العلم من مشاهدة الحالة، أو الاستغاثة المسموعة، أو إخطار واضح، أو تتابع أحداث لا ينسجم مع ادعاء الجهل. غير أن الحضور بالمكان وحده لا يثبت، بصورة آلية، أن كل حاضر رأى الخطر وفهمه وكان قادرًا على المساعدة.

إمكان التدخل الشخصي أو طلب الإغاثة

لا يحصر القانون المساعدة في الإنقاذ باليد. فقد تتحقق بطلب تدخل الإسعاف أو السلطات أو شخص مؤهل، مع نقل المعلومات اللازمة عن المكان والحالة. ويتحدد المطلوب بحسب الإمكانات الفعلية، وطبيعة الخطر، ومؤهلات الشخص، والوقت المتاح.

وبناء على ذلك، فإن العجز عن السباحة قد ينفي القدرة على النزول إلى الماء، لكنه لا يفسر الامتناع عن تنبيه منقذ قريب أو استعمال وسيلة اتصال متاحة وآمنة. وفي المقابل، لا يصح افتراض وجود هاتف أو شبكة اتصال أو وسيلة نقل لم تثبت بالملف.

ولا تكفي مكالمة شكلية إذا ثبت أنها لم تستهدف إغاثة ملائمة أو تعمد صاحبها حجب المعلومات الضرورية. كما لا يجعل كل تأخر في وصول النجدة المتصل مسؤولًا عنه؛ إذ ينبغي فصل فعله وإمكاناته عن عمل الجهات الأخرى.

ألا تعرض المساعدة الشخص أو غيره للخطر

لا يلزم الفصل 431 الشخص بالمجازفة بحياته. ويجب أخذ مخاطر التدخل بجدية، سواء تعلقت به أو بالضحية أو بأشخاص آخرين. لكن وجود خطر يمنع طريقة معينة لا يعفي من بحث بديل آمن ومتاح، كطلب الإغاثة بدل مواجهة معتدٍ مسلح.

والتمييز هنا ضروري بين الخوف من خطر فعلي، وبين مجرد الرغبة في تجنب الإزعاج أو الإدلاء بشهادة. كما أن عدم التأهيل لإجراء طبي لا يسوغ القيام به، ولا يمنع في الوقت نفسه تنبيه المختص وطلب تدخله.

هل يلزم وقوع وفاة أو إثبات أن الإنقاذ كان مضمونًا؟

لا يجعل النص الوفاة أو الإصابة ركنًا مستقلًا للجريمة. ومن تحليل بنيته، فإن المؤاخذة تتعلق بالامتناع العمدي عن المساعدة الممكنة، وليس بضمان نجاحها. لذلك قد تقوم الجريمة ولو أنقذ الغير الضحية لاحقًا، متى ثبت اكتمال شروطها قبل ذلك.

أما التعويض عن وفاة أو عجز محدد، فيطرح سؤالًا إضافيًا عن الضرر وصلته بالفعل المنسوب للمدعى عليه. فلا يجوز الانتقال من ثبوت الامتناع إلى تحميل صاحبه كل نتيجة لاحقة دون مناقشة السببية.

قرار محكمة النقض رقم 408 بتاريخ 10 مارس 2022: ماذا حسم؟

بيانات القرار ومسار القضية

صدر القرار في ملف جنحي رقم 2021/8/6/18055، وانتهى إلى رفض طلب النقض. وكان الطعن موجهًا ضد القرار عدد 1070 الصادر عن غرفة الجنح الاستئنافية بمحكمة الاستئناف بطنجة بتاريخ 14 يوليوز 2020، في القضية رقم 2019/2601/1951. ولا تتضمن صفحات القرار تسمية تفصيلية للغرفة المصدرة بمحكمة النقض يمكن الجزم بها خارج طبيعته الجنحية.

أيدت محكمة الاستئناف الإدانة من أجل الإمساك عمدًا عن تقديم مساعدة لشخص في خطر، مع جعل عقوبة الشهرين حبسًا موقوفة التنفيذ، والإبقاء على غرامة قدرها 2,000 درهم. ونقلت ديباجة قرار النقض تعويضات مدنية قدرها 100,000 درهم، و120,000 درهم لفائدة قاصر بواسطة نائبه، و80,000 درهم لفائدة مطالب آخر، مع التضامن مع الغير كما ورد في المقرر.

هذه مبالغ قضائية مرتبطة بأطراف القضية وطلباتهم. كما أن الحكم بشهرين لا يغير الحد الأدنى التشريعي للفصل 431؛ فالقرار محل القراءة لا يفصل الأساس القانوني لتخفيض المدة، فلا يصح نسبته إلى سبب محدد لم يناقشه النص.

ما الذي تمسكت به الطاعنة؟

دفعت الطاعنة بسوء التعليل الموازي لانعدامه. وأنكرت تعمد الامتناع أو إدراك حالة خطر تستوجب تدخلها، وتمسكت بأن قابلة أخرى كانت مكلفة بالضحية في إطار توزيع الأدوار. وانتقدت الاستناد إلى المحاضر والشهادات والقرائن دون بيان كافٍ لمضمونها.

وأثارت أيضًا أن الخبرة تحدثت عن حادث فجائي ناتج عن تمزق الرحم أدى إلى الوفاة، مع منازعتها في دلالة ذلك على الخطر الذي كان يستدعي تدخلها. وهذه حجة وردت ضمن وسيلة الطعن؛ فلا يجوز تقديم صياغتها باعتبارها تقريرًا مستقلًا من محكمة النقض بأن الوفاة كانت مستحيلة التوقع أو أن جميع عناصر الخبرة غير يقينية.

لماذا رفضت محكمة النقض الطلب؟

اعتمدت المحكمة على التعليل الذي تبنته محكمة الاستئناف من الحكم الابتدائي، وركزت على اعتراف الطاعنة بعدم الكشف على الضحية وعدم تقديم المساعدة رغم معاينتها تعاني شدة الألم ومخاض الولادة. وربطت ذلك بالواجبات المهنية تجاه الحوامل وبالإجراءات الضرورية في انتظار التدخل الطبي.

كما ناقش التعليل تبرير عدم التدخل بكون الضحية لم تطلب المساعدة. واعتُمد أن الواجب القانوني لا يتوقف على صدور طلب منها في الظروف المعروضة. وخلصت محكمة النقض إلى كفاية التعليل وسلامته، وعدّت باقي المنازعات في الخبرة والشهادات والمحاضر والقرائن مجادلة في تقدير الوقائع والأدلة الذي اضطلعت به محكمة الموضوع.

والقاعدة المستخلصة محددة: معاينة المهني لحالة تستدعي المساعدة، مع ثبوت امتناعه والواجب الذي يفرض عليه التدخل، قد تسوغ الإدانة؛ ولا يكفي التذرع بغياب طلب المريضة أو بإسنادها إداريًا إلى زميلة. ولا يعني ذلك إدانة كل قابلة توجد بالمرفق، أو افتراض تعمد الامتناع من مجرد حصول وفاة.

تصحيح إحالة المادة دون تغيير مضمون القرار

وردت في التعليل المنقول إحالة إلى المادة 3 من القانون رقم 44.13. غير أن مقارنة ذلك بالنص المنشور تظهر أن الكشف المبكر عن المخاطر، واللجوء إلى الطبيب، والإجراءات الاستعجالية في انتظار تدخله، وردت في المادة الأولى. أما المادة 3 فتتناول مزاولة المهنة في القطاعين العام والخاص والإشراف والتوجيهات التقنية بالقطاع العام.

لذلك تنسب الإحالة إلى القرار كما جاءت فيه، بينما يسند شرح الواجب المهني إلى موضعه الصحيح في القانون. ولا يكفي هذا الاختلاف وحده لإصدار حكم نقدي على سلامة النتيجة القضائية؛ إذ يلزم فحص مجمل الأسس التي قام عليها المقرر.

حدود واجب المساعدة والفرق بين الامتناع والخطأ الطبي

تحدد المادة الأولى من قانون مزاولة مهنة القبالة نطاق العمل في حدود المؤهلات المكتسبة، وتقرن الكشف عن المخاطر باللجوء عند الضرورة إلى الطبيب والإجراءات الاستعجالية الملائمة. ويمكن الرجوع أيضًا إلى أحكام القانون رقم 44.13 المتعلق بمزاولة مهنة القبالة لقراءة تنظيم المهنة.

ولا يصح اختزال الواجب في تحمل القابلة كل إجراء علاجي مهما تجاوز اختصاصها. فالمطلوب قد يكون فحصًا يدخل في مؤهلاتها، أو تنبيه الطبيب، أو تدبيرًا استعجاليًا مسموحًا، أو تنظيم الإحالة. وتتطلب مساءلتها تحديد الفعل الممكن الذي تركته، لا الاكتفاء بعبارة عامة عن إخلالها بواجبها.

ومن زاوية التطبيق الزمني، نشرت أحكام القانون 44.13 في 7 يوليوز 2016، لكن مادته 54 تربط العمل به بدخول النصوص التنظيمية اللازمة لتطبيقه بصفة كاملة حيز التنفيذ. وصدر المرسوم رقم 2.19.794 لتطبيقه ونشر في الجريدة الرسمية عدد 6902 بتاريخ 23 يوليوز 2020. ولا يثبت مجرد صدور هذا المرسوم وحده تاريخ اكتمال جميع النصوص اللازمة.

ويلاحظ أن القرار الاستئنافي موضوع الطعن مؤرخ في 14 يوليوز 2020، وأن قرار النقض لا يبين تاريخ الواقعة ولا يناقش دفعًا متعلقًا بالنفاذ الزمني لقانون القبالة. لذلك تنحصر القراءة هنا في تحليل الأساس الذي اعتمدته المحكمة، دون الجزم بحسمها مسألة سريان جميع مقتضياته زمنيًا. ويبقى الفصل 431 أساسًا جنائيًا عامًا مستقلًا عن تنظيم المهنة.

تمييز الأوصاف القانونية المتقاربة
الوصفمحور الإثباتعلاقة النتيجة بالجريمة
عدم تقديم المساعدة: الفصل 431خطر معلوم، مساعدة ممكنة وآمنة، امتناع عمديالوفاة ليست شرطًا نصيًا
القتل غير العمدي: الفصل 432خطأ من الصور المحددة قانونًا تسبب في الوفاةيلزم إثبات الوفاة والسببية
الجرح غير العمدي: الفصل 433خطأ تسبب في إصابة أو مرض وفق شروط النصتلزم النتيجة والعجز المحدد بالنص والسببية
الإخلال المهني أو التنظيميمخالفة واجب مهني أو قاعدة تنظيميةلا يتحول تلقائيًا إلى جريمة الفصل 431

فمن باشر العلاج ثم أخطأ لا يوصف فعله تلقائيًا بالامتناع العمدي. ومن رفض التدخل رغم علمه بالخطر لا تنتفي مسؤوليته لمجرد أن الخطر بدأ بمرض لا علاقة له بإحداثه. وتبقى كيفية اجتماع الأوصاف والعقوبات خاضعة لوقائع الملف وقواعد التعدد، دون جمع حسابي آلي للعقوبات.

كيف تثبت الجريمة؟ وما الدفوع المؤثرة؟

تخضع القضية لقواعد قانون المسطرة الجنائية بصيغته الرسمية المحينة. تقرر المادة 286 حرية الإثبات في الأصل مع وجوب تبرير اقتناع المحكمة، وتلزم المادة 287 بمناقشة الحجج أمامها. كما تخضع قيمة الاعتراف لتقدير القضاة وفق المادة 293، ولا يعتد بما انتزع بالعنف أو الإكراه.

وفي فهم منهج الإثبات الجنائي وقرينة البراءة، يجب فصل ما شاهده الشاهد عما استنتجه: قوله إنه رأى المتهم قرب الضحية يختلف عن إثبات أنه أخطر بحالتها ورفض المساعدة صراحة.

  • إثبات الخطر: الملف الطبي، معاينة الحالة، تقارير الإسعاف، الخبرة عند الحاجة.
  • إثبات العلم: رسائل التنبيه، المكالمات، الاستغاثة، الشهود، ما عاينه المعني شخصيًا.
  • إثبات القدرة: مكان الشخص، تكوينه، الوسائل المتاحة، مدة التدخل الممكن، المخاطر القائمة.
  • إثبات الامتناع: تسلسل زمني واضح للأفعال والاتصالات وما اتخذ أو ترك من إجراءات.
  • تحديد المسؤولية الفردية: جدول المداومة وتوزيع المهام، مع التحقق من الواقع الفعلي لا الاكتفاء بالوثائق التنظيمية.

ومن الدفوع الجوهرية: عدم العلم بالخطر، أو استحالة تقديم مساعدة آمنة، أو ثبوت طلب الإغاثة الملائم، أو أن التدخل كان سيقطع رعاية عاجلة لا يمكن تركها لشخص آخر. وهذه ليست إعفاءات مفترضة؛ بل وقائع يلزم عرضها ومناقشتها دون قلب قرينة البراءة إلى إلزام للمتهم بإثبات براءته.

وتفيد الخبرة في تحديد طبيعة الحالة والوسائل المتاحة والتوقيت المؤثر، لكنها لا تنوب عن المحكمة في إثبات القصد الجنائي. ويمكن التوسع في تمييز صور المسؤولية الجنائية للطبيب في العمل القضائي، مع الانتباه إلى أن الدراسة تتناول أيضًا نصوصًا مهنية سابقة لا يعتمد عليها لتحديد القانون النافذ.

ويستحسن طلب حفظ تسجيلات المراقبة وسجلات الاتصالات والوثائق الطبية عبر المسطرة المختصة قبل ضياعها. أما نشر صور الضحية أو اتهامات جازمة على الإنترنت فلا يعوض تقديم الدليل للجهة القضائية، وقد يثير مسائل مستقلة تتعلق بالخصوصية.

الشكاية والتعويض والتقادم وطرق الطعن

الجهة المختصة والخطوات العملية

في الصورة العادية لهذه الجنحة، يمكن تقديم الشكاية إلى الشرطة أو الدرك بحسب الاختصاص، أو إلى وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية المختصة. وتنظر المحكمة الابتدائية في المتابعة الجنحية، مع مراعاة ما قد تثيره الوقائع من ارتباط بأفعال أخرى أو قواعد اختصاص خاصة.

  1. حدد الواقعة ومكانها وتوقيتها والأشخاص المعنيين دون مبالغة في الوصف.
  2. بين كيف علم المشتكى به بالخطر وما المساعدة التي كان يستطيع تقديمها.
  3. أرفق المتاح من الوثائق، وحدد الشهود ومواقع الأدلة التي تطلب حفظها أو تحصيلها.
  4. اطلب إجراء البحث والخبرة عند الحاجة، واحتفظ بمرجع الشكاية لتتبعها.
  5. إذا طلبت تعويضًا، حدد الضرر وصفة صاحبه ومستنداته، ولا تكتف بالمطالبة بعقوبة.

لا يعلق الفصل 431 تحريك المتابعة على شكاية الضحية باعتبارها شرطًا خاصًا للتجريم. ولهذا لا يعني تنازلها، في ذاته، انتهاء الدعوى العمومية آليًا. كما أن نقص الدليل على التعمد قد يفضي إلى الحفظ أو البراءة، ولو بقي بحث مسؤولية أخرى ممكنًا بحسب الوقائع.

التعويض ليس نتيجة حسابية للعقوبة

تربط المادة 7 من قانون المسطرة الجنائية الدعوى المدنية بضرر شخصي جسماني أو مادي أو معنوي تسببت فيه الجريمة مباشرة. وتحدد المادة 9 نطاق إقامتها أمام المحكمة الزجرية. ويتطلب إدخال مؤسسة عمومية أو المطالبة بالتعويض عن خلل مرفقي فحص قواعد الاختصاص والمسؤولية، فلا يفترض أن كل طلب ضد مرفق صحي يبت فيه القاضي الجنائي.

وعليه، فإن التعويضات الواردة في القرار رقم 408 لا تنقل إلى قضايا أخرى لمجرد تشابه الواقعة. ويتعين تحديد أصحاب الحق، ونوع الضرر، وعلاقة الامتناع به، وما إذا كانت أسباب أخرى أسهمت فيه.

تقادم الدعوى: أربع سنوات مع قواعد للانقطاع والاستثناء

الأصل، وفق المادة 5، تقادم الدعوى العمومية في الجنح بمرور أربع سنوات ميلادية كاملة من يوم ارتكاب الجنحة. ويتطلب تحديد هذا اليوم ضبط زمن الامتناع الذي اكتملت فيه الأركان، ولا يستعاض عنه تلقائيًا بتاريخ الوفاة أو تاريخ اكتشاف الأسرة لتفاصيل الملف.

وتنظم المادة 6 انقطاع التقادم بإجراءات المتابعة أو التحقيق أو المحاكمة المحددة قانونًا، ويسري أجل جديد من آخر إجراء قاطع. ووفق صيغتها المعدلة، لا تعد إجراءات البحث والتحري، بمجردها، إجراءات متابعة قاطعة؛ فلا ينبغي الاطمئنان إلى أن مجرد إيداع شكاية يحفظ الأجل في جميع الأحوال.

وتوجد قاعدة خاصة إذا كان الضحية قاصرًا وتعرض لاعتداء جرمي من أحد أصوله أو ممن له عليه رعاية أو كفالة أو سلطة، إذ يبدأ أمد التقادم من جديد لنفس المدة عند بلوغه سن الرشد القانوني. ويلزم فحص انطباق شروطها على الواقعة بدل تعميمها على كل قضية يكون فيها قاصر طرفًا.

الاستئناف والنقض: الأجل ونقطة بدايته

يحدد النص الإجرائي المناسب بحسب وصف المقرر وصفة الطاعن. ففي الاستئناف الجنحي تقرر المادة 400 أجل عشرة أيام من النطق بالحكم إذا صدر بعد مناقشات حضورية بحضور الطرف أو ممثله أو بعد إشعارهما بيوم النطق. وينطلق من التبليغ في الحالات التي حددتها المادة، ومنها الغياب عن جلسة النطق دون إشعار، والأحكام بمثابة حضورية، والحالة الغيابية المبينة فيها.

وإذا استأنف أحد الأطراف داخل الأجل، يملك غيره ممن لهم حق الاستئناف، باستثناء الوكيل العام للملك، خمسة أيام إضافية وفق النص. أما الوكيل العام للملك فله أجل خاص مدته ستون يومًا بموجب المادة 402. وللحكم الغيابي نظام للتعرض لا ينبغي الخلط بينه وبين الاستئناف.

أما طلب النقض فأجله الأصلي عشرة أيام وفق المادة 527، مع حالات يبدأ فيها من التبليغ، ومع تنظيم خاص للأحكام الغيابية. وتفصل المادة 528 بين التصريح بالنقض وإيداع مذكرة الوسائل؛ وهذه الأخيرة تقدم، في القضية الجنحية، بواسطة محام مقبول لدى محكمة النقض داخل الستين يومًا الموالية للتصريح. وتراعى قاعدة الآجال الكاملة وامتداد الأجل إذا صادف آخره عطلة وفق المادة 750.

ولا يساوي الطعن إفراجًا تلقائيًا: الأصل وفق المادة 398 وقف التنفيذ أثناء آجال الاستئناف وجريان مسطرته، مع استثناءات منها أن أجل الستين يومًا المخول للوكيل العام لا يمنع تنفيذ العقوبة، ومراعاة أوامر الإيداع النافذة رغم الطعن وفق المادة 392. وتنظم المادة 532 أثر النقض، بما في ذلك استمرار اعتقال المحكوم عليه المعتقل احتياطيًا إلى الحدود القانونية. كما أن أجل النقض والطعن به لا يوقفان تنفيذ التعويضات المدنية. ويجب فحص منطوق المقرر وأوامر الإيداع والتنفيذ المعجل في كل حالة.

واستند قرار 2022 إلى المادة 518 في حدود رقابة النقض آنذاك. أما صيغتها المعدلة بالقانون 03.23 فتصرح بامتداد الرقابة إلى التكييف القانوني للوقائع وقانونية وسائل الإثبات وشرعيتها، مع بقاء التمييز عن إعادة تقدير الوقائع المادية وقيمة الحجج. لذلك لا ينقل قرار 2022 بوصفه تطبيقًا سابقًا لأحكام تعديل 2025.

أمثلة توضيحية على حدود المسؤولية

شخص يصور مصابًا: إذا علم بالخطر وكان قادرًا على طلب النجدة دون مخاطرة ثم انشغل بالتصوير وامتنع عمدًا، أمكن بحث الفصل 431. لكن التصوير وحده لا يثبت أنه لم يتصل بالإسعاف قبل التسجيل، أو أن المساعدة المناسبة لم تكن قائمة فعلًا.

مارة أمام غريق: لا يطلب من غير القادر على السباحة أن يقفز في الماء معرضًا نفسه للهلاك. وتبقى قدرته على الاستغاثة بمنقذ أو طلب النجدة محل بحث مستقل.

مهني يتذرع بتوزيع المرضى: إذا شاهد حالة تستدعي تدخله وكان يملك مساعدة آمنة، فلا تكفي عبارة «ليست مريضتي» وحدها. أما إذا كان منشغلًا بإنقاذ مريض آخر ولا يمكنه تركه، فيلزم بحث هذه الظروف وبدائل الاستعانة بزملائه.

وفاة رغم المساعدة: من بادر إلى المساعدة الملائمة لا تنسب إليه جريمة الامتناع لمجرد فشل الإنقاذ. وقد يبحث خطأ مستقل إن وجدت أدلته، وهو سؤال آخر. وهذه أمثلة افتراضية لشرح النص وليست وقائع أحكام إضافية.

أسئلة شائعة حول عدم تقديم المساعدة في القانون المغربي

هل الجريمة خاصة بالأطباء والقابلات؟

لا. الفصل 431 يخاطب كل من توافرت لديه شروط العلم والقدرة والامتناع العمدي. وتساعد المؤهلات والواجبات المهنية على تحديد ما كان ممكنًا ومطلوبًا في الحالة المعروضة.

هل يجب أن تطلب الضحية المساعدة صراحة؟

لا يجعل النص الطلب الصريح شرطًا. وقد رفض القرار رقم 408 الاحتجاج بغياب طلب المريضة في ظروفه؛ فالعبرة بالخطر المعلوم والقدرة على المساعدة.

هل الاتصال بالإسعاف يكفي؟

قد يكون هو المساعدة الملائمة. ويقدر ذلك بحسب سرعة الاتصال وصحة المعلومات والحاجة إلى تدخل آخر آمن ومتاح، خصوصًا لدى المهني المؤهل.

هل يجب أن يتوفى الشخص حتى تقع الجريمة؟

لا. الوفاة ليست ركنًا منصوصًا عليه. ويجب مع ذلك إثبات وجود الخطر وباقي شروط الجريمة، فلا تكفي مشاعر الاستياء من موقف شاهد.

هل الخوف من الخطر يعفي من المسؤولية؟

المساعدة التي تعرض الشخص أو غيره لخطر تخرج عن التكليف المحدد في الفصل. لكن يلزم بحث وجود بديل آمن، ولا تكفي عبارة عامة عن الخوف دون ربطها بالظروف الفعلية.

هل عقوبة الامتناع هي الحبس إلى خمس سنوات؟

الصيغة المعدلة للفصل 431 تحدد الحبس من ثلاثة أشهر إلى سنتين وغرامة من 2,000 إلى 10,000 درهم، مع المضاعفة في الحالات الواردة فيه. ولا تخلط هذه العقوبة بعقوبة الفصل 430 أو بصيغة تشريعية سابقة.

هل حمل الضحية يضاعف العقوبة تلقائيًا؟

لا يرد الحمل وحده ضمن أسباب المضاعفة في الفصل 431. وقد ينطبق سبب آخر ثابت قانونًا، مثل كون الممتنع مكلفًا برعايتها، لكن ذلك يحتاج تعليلًا وإثباتًا.

هل تنازل الأسرة ينهي المتابعة؟

لا يقرر الفصل 431 أثرًا تلقائيًا كهذا. ويجب فصل التنازل عن المطالب المدنية عن مصير الدعوى العمومية التي تديرها النيابة العامة وفق القانون.

السؤال الحاسم في كل ملف هو: ما الذي علم به الشخص، وما الذي كان يستطيع فعله بأمان، ولماذا لم يفعله؟ بهذه العناصر يميز القضاء بين الامتناع المعاقب عليه والعجز أو الخطأ أو تدخل لم ينجح، دون بناء المسؤولية على النتيجة المأساوية وحدها.

المصادر والمراجع

  1. مجموعة القانون الجنائي المنشورة ببوابة عدالة: الظهير الشريف رقم 1.59.413 بتاريخ 26 نونبر 1962، الصيغة المحينة بتاريخ 22 غشت 2024 المعروضة ببوابة عدالة؛ خصوصًا الفصول 4 إلى 6، و430 إلى 433.
  2. القانون رقم 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء: القانون رقم 103.13، الظهير الشريف رقم 1.18.19 بتاريخ 22 فبراير 2018، الجريدة الرسمية عدد 6655 بتاريخ 12 مارس 2018، ص 1449؛ المادتان 2 و18.
  3. محكمة النقض، القرار رقم 408 بتاريخ 10 مارس 2022، ملف جنحي رقم 2021/8/6/18055، النص الكامل في ثلاث صفحات. القرار المطعون فيه: محكمة الاستئناف بطنجة، غرفة الجنح الاستئنافية، عدد 1070 بتاريخ 14 يوليوز 2020، قضية رقم 2019/2601/1951. لم يثبت رابط نشر إلكتروني مباشر للقرار.
  4. المادة الأولى من قانون مزاولة مهنة القبالة: القانون رقم 44.13، الظهير الشريف رقم 1.16.83 بتاريخ 22 يونيو 2016، الجريدة الرسمية عدد 6480 بتاريخ 7 يوليوز 2016، ص 5177؛ المواد الأولى و2 و3 و4 و54.
  5. المرسوم رقم 2.19.794 بتطبيق قانون القبالة، الجريدة الرسمية عدد 6902 بتاريخ 23 يوليوز 2020، نسخة وزارة الصحة؛ استعمل لضبط سياق النصوص التنظيمية دون افتراض اكتمالها جميعًا.
  6. قانون المسطرة الجنائية بصيغته الرسمية المحينة: القانون رقم 22.01 كما عُدل، ومنه القانون 03.23؛ النسخة الرسمية المحينة بتاريخ 8 سبتمبر 2025، ولا سيما المواد 5 و6 و7 و9 و286 و287 و293 و392 و398 و400 و402 و518 و527 و528 و532 و750.
  7. للتوسع المفاهيمي: بحث حول التعريف بالإثبات الجنائي؛ ومحمد جنكل، المسؤولية الجنائية للطبيب من خلال العمل القضائي المغربي والمقارن، ورقة منشورة بتاريخ 2021؛ إحالة تكميلية، مع مراعاة قدم بعض النصوص المهنية التي تعرضها.
تعليقات