تبليغ الخبرة للأطراف وفق قانون المسطرة المدنية الجديد 58.25

تبليغ الخبرة للأطراف وفق قانون المسطرة المدنية الجديد 58.25

تبليغ الخبرة للأطراف وفق قانون المسطرة المدنية الجديد 58.25

محكمة نظرت في تقرير خبرة لم يصل نسخة منه إلى أحد الأطراف، وبنت قضاءها عليه كأنّ شيئاً لم يكن. هذا السيناريو تكرر عشرات المرات أمام محكمة النقض المغربية، وانتهى في أغلبها بنقض القرار. والسؤال الذي يطرحه كل محامٍ وقاضٍ اليوم: هل غيّر القانون رقم 58.25 شيئاً في هذه القاعدة، أم أنه أبقى عليها كما استقر عليها الاجتهاد لعقود؟

الجواب المباشر: القانون الجديد لم يتراجع عن ضمانة التبليغ، بل وسّعها ورقمنها. صدر القانون 58.25 بالجريدة الرسمية عدد 7485 بتاريخ 23 فبراير 2026، ودخل حيز التنفيذ يوم 24 غشت 2026، منهياً بذلك العمل بظهير 28 شتنبر 1974 الذي حكم المسطرة المدنية المغربية لأكثر من خمسين سنة. ومقتضيات الخبرة القضائية باتت اليوم موزعة بين المادتين 123 و130، بترتيب مختلف عن الفصول 59 إلى 66 القديمة، لكن بمنطق واحد: لا يجوز للمحكمة أن تبني قضاءها على تقرير خبرة لم يُمكَّن الطرف من الاطلاع عليه ومناقشته.

الفرق بين تبليغ مقرر تعيين الخبير وتبليغ تقرير الخبرة

هذا التمييز يغيب أحياناً عن بعض المذكرات، رغم أنه جوهري في تحديد الدفع الملائم.

أولاً: تبليغ مقرر تعيين الخبير

حين تصدر المحكمة أمراً بإجراء خبرة وتعيّن خبيراً، يجب تبليغ هذا المقرر للأطراف. الغاية من هذا التبليغ ليست إخبارية محضة، وإنما تمكين الطرف من ممارسة حق التجريح إذا توفرت أسبابه: قرابة الخبير بأحد الأطراف، أو نزاع قائم بينهما، أو سبق إبدائه رأياً في النزاع، أو استشارته لأحد الخصوم، أو أي سبب خطير آخر.

المادة 123 من القانون 58.25 تحيل في هذا الشأن على قواعد التبليغ العامة (المادة 83 وما بعدها)، بينما ضبطت المادة 126 آجال وأسباب التجريح، ووسّعتها لتشمل حالات لم تكن واردة صراحة في النص القديم، من قبيل المصلحة غير المباشرة في النزاع، وعلاقات التبعية أو الصداقة أو العداوة المشهورة، والعضوية في جمعية لها مصلحة في القضية. والأهم عملياً: رفع المشرّع أجل تقديم طلب التجريح من خمسة أيام إلى عشرة أيام من تاريخ التبليغ، وهو تعديل يمنح الأطراف هامشاً زمنياً أوسع لتدقيق وضعية الخبير المعيّن قبل مباشرته لمهمته.

ثانياً: تبليغ تقرير الخبرة بعد إنجازه

هذه هي المرحلة الأكثر حساسية، ومصدر أغلب قرارات النقض في الموضوع. بعد أن ينجز الخبير مهمته ويودع تقريره، تنشأ حاجة مختلفة تماماً: تمكين الطرف من الاطلاع على النتائج والاستنتاجات التي توصل إليها الخبير، لأنها قد تتضمن معطيات لم تكن معروفة له أثناء حضوره لعمليات الخبرة الميدانية.

المادة 124 من القانون الجديد هي الوريثة المباشرة للفصل 60 القديم. تُلزم كتابة الضبط بإشعار الأطراف بمجرد إيداع التقرير المكتوب لتسلُّم نسخة منه، وتنظم كذلك حالة التقرير الشفوي عبر استدعاء الأطراف لجلسة يُحرَّر فيها محضر يمكن الحصول على نسخة منه وتقديم مستنتجات بشأنه.

حضور عمليات الخبرة لا يُغني عن تبليغ التقرير. كون الطرف حضر أعمال الخبرة الميدانية لا يعني تنازله عن حقه في مناقشة التقرير النهائي، لأن الخلاصات القانونية والحسابية غالباً ما تُصاغ لاحقاً، بعيداً عن نظر الأطراف.

ماذا لو كان التقرير موجوداً بالملف فقط دون إشعار فعلي؟

هذا الدفع يتكرر كثيراً من جانب الأطراف الخاسرة أمام محكمة الاستئناف: "التقرير كان موجوداً بالملف، وكان بإمكان الطرف الاطلاع عليه في أي وقت". محكمة النقض حسمت هذه المسألة بوضوح في قرارها عدد 2688 الصادر بتاريخ 29 مايو 2012، وجاء في تعليله:

"إشارة المحكمة إلى كون الخبرة تم وضعها بكتابة الضبط رهن إشارة الطرفين لا يقوم مقام التبليغ المنصوص عليه في الفصل 60 من ق.م.م... تكون قد أخلت بحقوق الدفاع وخرقت الفصل المذكور مما يستوجب نقض قرارها جزئياً."

القاعدة إذن واضحة: مجرد الإتاحة السلبية للتقرير لا تعادل التبليغ القانوني. التبليغ فعل إيجابي تقوم به كتابة الضبط، لا مجرد افتراض علم الطرف بوجود الوثيقة.

الاجتهاد القضائي: من الفصل 60 القديم إلى المادة 124 الجديدة

ثلاثة قرارات ترسم بوضوح الخط الذي سار عليه القضاء المغربي في هذا الموضوع:

  • القرار عدد 2079 بتاريخ 13 يونيو 2007، ملف مدني عدد 433/1/3/2006: اعتبرت محكمة النقض أن عدم تبليغ الأمر القاضي بتعيين الخبير يحرم الطرف من ممارسة حقه في التجريح، وأن الرسالة المضمونة التي وجهها الخبير مباشرة لحضور عمليات الخبرة "لا تقوم مقام التبليغ" الرسمي المطلوب. وقضت بالنقض لخرق الفصلين 60 و62 معاً.
  • القرار عدد 2688 بتاريخ 29 مايو 2012، ملف مدني عدد 839/1/2/2011: كرّس القاعدة أعلاه بشأن عدم كفاية وضع التقرير بكتابة الضبط "رهن الإشارة" كبديل عن التبليغ الفعلي.
  • القرار عدد 180 بتاريخ 23 فبراير 2023، ملف مدني عدد 2022/4/1/8659: نقض قرار محكمة الاستئناف بالرباط في نزاع قسمة عقار، وجاء في تعليله أن المحكمة "لما بتت في الملف دون إشعار الطالبين بواسطة دفاعهم بنسخة من تقرير الخبرة، أو إشعارهم للتعقيب عليها، تكون قد خرقت حقاً من حقوق الدفاع وكذا الفصل" 60 من ق.م.م.

ثلاثة قرارات، على امتداد ست عشرة سنة، تصل إلى النتيجة نفسها: التبليغ ليس إجراءً شكلياً هامشياً، بل ضمانة مرتبطة عضوياً بحقوق الدفاع ومبدأ المواجهة. وما دام القانون الجديد أبقى على الغاية ذاتها في المادة 124، فمن المرجح أن يستمر هذا الاتجاه القضائي في ظل النص الجديد، وإن كانت محكمة النقض لم تصدر بعدُ اجتهادات مؤسَّسة صراحة على المادة 124 نظراً لحداثة دخول القانون حيز التنفيذ.

جدول مقارن: الفصل 60 القديم في مقابل المادة 124 من القانون 58.25

العنصرظهير 1974 (الفصلان 60 و62)القانون 58.25 (المواد 123، 124، 126، 127)
تبليغ مقرر تعيين الخبيرغير منظم صراحة بنص مستقل، واستُنتج من الفصل 62 وقواعد التبليغ العامةمنظم صراحة بالمادة 123 بإحالة على قواعد التبليغ العامة (المادة 83 وما يليها)
أجل تقديم طلب التجريحخمسة أيام من تاريخ التبليغعشرة أيام من تاريخ التبليغ (المادة 126)
أسباب التجريحقرابة، مصاهرة، نزاع، تجاوز الاختصاص، سبق إبداء الرأي، الاستشارة لأحد الأطرافالأسباب ذاتها، مع إضافة المصلحة غير المباشرة، وعلاقات التبعية أو الصداقة أو العداوة المشهورة، والعضوية في جمعية معنية بالنزاع
تبليغ التقرير المكتوبالفصل 60: إشعار الأطراف بمجرد وضع التقرير لأخذ نسخة منهالمادة 124: الحكم ذاته، مع تنظيم أدق لحالة التقرير الشفوي ومحضر المناقشة
استدعاء الأطراف لحضور أعمال الخبرةغير مؤطر بأجل محدد بعد تعديل 2011المادة 127: استدعاء إلزامي قبل خمسة أيام على الأقل، مع محاولة صلح إلزامية يُضمَّن مآلها في محضر
وسيلة التبليغورقية أساساً (رسالة مضمونة أو عون قضائي)إمكانية التبليغ الإلكتروني التلقائي عبر المنصة الرقمية (المادة 633)، مع احتساب الآجال من تاريخه (المادة 639)
جزاء الإخلال بالتبليغخرق حقوق الدفاع والفصل 60، معرِّض للنقضالجزاء ذاته من حيث المبدأ، ما دامت الغاية التشريعية لم تتغير

البُعد الرقمي: التبليغ الإلكتروني وأثره على مسطرة الخبرة

من أبرز مستجدات القانون 58.25 اعتماد التبليغ الإلكتروني كآلية مركزية، لا كاستثناء هامشي. نصت المادة 633 على تبليغ المقررات القضائية بشكل تلقائي إلى الأطراف عبر المنصة الرقمية في الحالات التي يحددها القانون، وكذلك عبر الحساب المهني الإلكتروني للمحامي إذا وافق على ذلك. والمادة 639 ربطت احتساب الآجال القانونية بتاريخ هذا التبليغ الإلكتروني.

لهذا المستجد انعكاس مباشر على مسطرة الخبرة: إشعار الأطراف بإيداع تقرير الخبرة عبر المنصة يصبح أسرع، وأثبت من حيث التتبع الزمني، مقارنة بالرسالة المضمونة التقليدية التي طالما أثارت نزاعات حول تاريخ التوصل الفعلي. غير أن هذا لا يُسقط الضمانة الجوهرية ذاتها: يبقى الإشعار بإيداع التقرير شرطاً لا غنى عنه، سواء تم عبر المنصة الرقمية أو عبر الوسائل التقليدية، وما تغيّر هو الأداة لا الجوهر.

متى لا يكون عدم التبليغ سبباً كافياً للنقض؟

القاعدة ليست مطلقة بالشكل الذي يتصوره البعض. القول بأن "كل تقرير خبرة لم يُبلَّغ يستوجب حتماً بطلان الحكم" تبسيط مخل. الأصح قضائياً هو النظر في الضرر الفعلي الذي لحق بحقوق الدفاع. فإذا ثبت أن الطرف:

  • تسلّم فعلياً نسخة من التقرير بأي وسيلة موثقة؛
  • أو قدّم مذكرة تعقيبية تناقش نتائج الخبرة؛
  • أو ناقش مضمون التقرير أمام المحكمة في جلسة لاحقة؛
  • أو ثبت علمه بمضمونه بطريقة قاطعة لا تدع مجالاً للشك؛

فسيصبح دفع عدم التبليغ ضعيفاً، لانتفاء الضرر الذي يبرر النقض. أما حين تجتمع العناصر التالية: انعدام أي أثر للتبليغ في الملف، وانعدام ما يثبت العلم الفعلي، واعتماد المحكمة صراحة على التقرير في تعليل حكمها، وحرمان الطرف من فرصة التعقيب، فالدفع هنا يصبح قوياً جداً، ويسير الاجتهاد المستقر بوضوح نحو النقض.

ماذا يعني هذا عملياً للمحامي وقاضي الموضوع؟

بالنسبة للمحامي المدافع عن مصلحة موكله، ثلاث خطوات عملية تستحق الحرص:

  1. التحقق الفوري، عند الاطلاع على أي حكم أو قرار يعتمد تقرير خبرة، من وجود ما يثبت تبليغ ذلك التقرير في الملف، لا مجرد وجوده المادي بين الوثائق.
  2. إثارة الدفع بعدم التبليغ في أقرب فرصة إجرائية، وربطه صراحة بالمادة 124 من القانون 58.25 (أو الفصل 60 القديم بحسب تاريخ النازلة)، مع الاستشهاد بالاجتهاد المستقر لمحكمة النقض.
  3. عدم الاكتفاء بالإشارة إلى غياب التبليغ، بل إبراز الضرر الفعلي الذي لحق بحقوق الدفاع، لأن هذا هو المعيار الذي تعتمده محكمة النقض في تقدير جدية الدفع.

أما بالنسبة لقاضي الموضوع، فالحرص على توثيق واقعة التبليغ في محضر الجلسة أو في تعليل الحكم يوفر حماية إجرائية أساسية للمقرر القضائي، ويقلل من فرص نقضه لسبب شكلي كان يمكن تفاديه بإجراء بسيط.

لمزيد من التعمق في المستجدات الإجرائية الأخرى التي حملها القانون 58.25، يمكن الرجوع إلى مقال إجراءات تحقيق الدعوى في قانون المسطرة المدنية 58.25: الخبرة والمعاينة والأبحاث واليمين، وكذلك مقال إجراءات تحقيق الدعوى والتدخل والتنازل في ضوء القانون رقم 58.25.

خلاصة الاتجاه القضائي

الاجتهاد المغربي المستقر، من قرار 2007 إلى قرار 2023، يسير في اتجاه واحد لا يتزعزع: تبليغ تقرير الخبرة للأطراف ضمانة جوهرية مرتبطة بمبدأ المواجهة، لا مجرد إجراء تنظيمي عابر. القانون 58.25 لم يمس هذا التوجه، بل أعاد صياغته في المادة 124 مع تعزيزه بآلية التبليغ الإلكتروني، ووسّع في الوقت ذاته ضمانات التجريح عبر رفع أجله إلى عشرة أيام في المادة 126. النقاش المقبل أمام محاكم الموضوع ومحكمة النقض لن يكون حول أصل المبدأ، بل حول تفاصيل تطبيقه في ظل الأدوات الرقمية الجديدة: كيف يُثبت التبليغ الإلكتروني؟ وماذا لو تعطلت المنصة الرقمية؟ أسئلة ستحسمها الممارسة القضائية خلال الأشهر المقبلة.

المصادر: القانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية، الجريدة الرسمية عدد 7485 بتاريخ 23 فبراير 2026؛ ظهير 28 شتنبر 1974 بمثابة قانون المسطرة المدنية (الفصلان 60 و62)؛ قرارات محكمة النقض المغربية عدد 2079 بتاريخ 13/06/2007، وعدد 2688 بتاريخ 29/05/2012، وعدد 180 بتاريخ 23/02/2023.

تعليقات