إجراءات تحقيق الدعوى والتدخل والتنازل في ضوء القانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية

إجراءات تحقيق الدعوى والتدخل والتنازل في ضوء القانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية

إجراءات تحقيق الدعوى والتدخل والتنازل في ضوء القانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية

بالنظر للأهمية التي تحتلها إجراءات التحقيق في سير الدعوى والإثبات، سنعمل على تدارس المستجدات المتعلقة بها، ثم بعد ذلك نتناول باقي المسائل المدرجة في هذا المحور، والمتمثلة في إجراءات التدخل والتنازل، وصولًا إلى تحديد ملامح المسار الذي أضحت تسير فيه.

أولًا: إجراءات تحقيق الدعوى

عرف قانون المسطرة المدنية رقم 58.25 مجموعة من التعديلات الجوهرية فيما يتعلق بإجراءات تحقيق الدعوى مقارنة بالمقتضيات السابقة، وهي تعديلات تهدف إلى تحديث المسطرة المدنية وتعزيز فعالية القضاء وضمانات المحاكمة العادلة. ومن أبرز المستجدات في هذا الباب نذكر ما يلي:

أ- المستجدات ذات الصلة بالقواعد العامة المؤطرة لإجراءات التحقيق

ألزم المشرّع في المادة 116 المحكمة بالتأكد من توفر شكليات قبول الدعوى قبل إصدار أي أمر تمهيدي بإجراء من إجراءات التحقيق، في حين أن القانون الملغى لم يكن يتضمن مقتضى صريحًا بهذا الخصوص. وبذلك يكون المشرّع قد وضع حدًا لمخالفة بعض المحاكم لمبدأ كرّسه اجتهاد محكمة النقض منذ سنة 1970 مفاده أن المحكمة تخرق حجية الأمر المقضي به عندما تصرح بعدم القبول من حيث الشكل رغم أنها سبق وأن أمرت بإجراء خبرة[23].

وفي نفس السياق، قيّد المشرّع السلطة التقديرية للمحكمة في المادة 117 بالأمر بإجراءات التحقيق بمدى ضرورة أو جدوى الإجراء كضابط جديد، مع التنصيص ولأول مرة على مبدأ مساهمة الأطراف بحسن نية[24] في إجراءات التحقيق، وتمكين المحكمة من ترتيب الآثار القانونية على كل امتناع أو رفض غير مبرر.

ومن المستجدات كذلك ما جاء به المشرّع في المادة 118 التي منعت الاستجابة لطلبات إعادة إجراءات التحقيق والتنصيص على إمكانية التراجع عنها، متى تبين للمحكمة وجه الحكم في القضية، على أن يعلل ذلك تعليلًا خاصًا.

كما استحدث المشرّع في المادة 122 آلية جديدة تتعلق بإلزام الخصم أو الغير بالإدلاء بالمستندات الموجودة بحوزته بناءً على طلب مكتوب من الطرف صاحب المصلحة في ذلك، تحت طائلة غرامة تهديدية، ما لم يكن هناك ما يمنع ذلك قانونًا. وهو توجه يرمي إلى تقوية وسائل الإثبات ومنع إخفاء الوثائق المؤثرة في النزاع.

وبعدما كان قانون المسطرة المدنية الملغى يرتب عن عدم أداء مصاريف إجراءات التحقيق صرف النظر عن الإجراء ورفض الطلب المتعلق به، نصت المادة 119 من قانون المسطرة المدنية الجديد على أنه قبل صرف النظر عن الإجراء يمكن للطرف الآخر أن يؤدي المبلغ المحدد لإنجاز الإجراء بعد موافقة المحكمة، مع إمكانية البت في النزاع على حالته في حالة عدم أداء المبلغ المذكور.

كما أكد القانون الجديد إمكانية حضور ممثل النيابة العامة في إجراءات التحقيق سواء كانت طرفًا أصليًا أو منضمًا[25].

ب- المستجدات المتعلقة بالخبرة والمعاينة

تعتبر الخبرة وسيلة من وسائل تحقيق الدعوى تلجأ إليها المحكمة في حالة ما إذا كان البت في القضية يستوجب استبيان عناصر تتعلق بالجانب الفني أو التقني، وقد استقر الاجتهاد القضائي على أنه لا يجوز أن تكون الخبرة موضوع طلب أصلي. ويلاحَظ أن القانون رقم 58.25 قد وسّع من نطاق الأشخاص الذين يمكن تعيينهم لإنجاز الخبرة، حيث أصبح بالإمكان تعيين شخص اعتباري كشركة أو مختبر أو مكتب دراسات، بعدما كان الأمر يقتصر عمليًا على الأشخاص الذاتيين، كما أحال المشرّع على قانون الخبراء القضائيين فيما يتعلق بأداء اليمين، مع إلزام المحكمة بالإشارة في حكمها إلى تاريخ أداء هذه اليمين تحت طائلة البطلان.

وكما سبقت الإشارة إلى ذلك، استجد في المادة 119 إمكانية إذن المحكمة للطرف الآخر أن يقوم بإيداع مبلغ صائر الخبرة إذا لم يقم الطرف المكلف بإيداعه خلال المهلة المبينة في الأمر، كما يمكن للمحكمة رفع المبلغ أو تخفيضه عند الاقتضاء مع مراعاة المادة 25 من القانون رقم 45-00 المتعلق بالخبراء القضائيين[26].

وإذا كان قانون المسطرة المدنية أعطى للمحكمة الحكم برفض الطلب في حالة تخلف المدعي عن أداء صائر الخبرة، فإن الفقرة الثالثة من الفصل 119 من القانون الجديد سمحت للمحكمة بأن تقضي في القضية على حالتها.

ويلاحَظ أيضًا من خلال مقتضيات المادة 126 أن المشرّع قد وسّع أسباب تجريح الخبير، فأصبحت تشمل المصلحة غير المباشرة، وعلاقات التبعية أو الصداقة أو العداوة المشهورة، والعضوية في جمعية لها مصلحة في النزاع، وغير ذلك من الحالات التي تمس حياد الخبير. وتم رفع أجل تقديم طلب التجريح من خمسة أيام إلى عشرة أيام.

ومن المستجدات أيضًا، فرض المشرّع في المادة 127 على الخبير استدعاء الأطراف ومحاميهم قبل خمسة أيام على الأقل من تاريخ إنجاز الخبرة، بعدما كان قد ألغى هذا الأجل في التعديل الذي لحق قانون المسطرة المدنية سنة 2011[27]، وتحديد ساعة إنجاز الخبرة في الاستدعاء مع إلزامه بمحاولة الصلح بين الأطراف وتضمين ذلك بمحضر يرفق بالتقرير، وهو أمر لم يكن منصوصًا عليه في القانون السابق. واشترط المشرّع، عند تعدد الخبراء، أن يكون عددهم وترًا، مع منح المحكمة السلطة التقديرية في عدم التقيد برأيهم وإمكانية تعيين خبراء آخرين إذا اقتضت الضرورة ذلك.

هذا وقد وسّع قانون المسطرة المدنية الجديد من أسباب استبدال الخبير، حيث أضاف الحالة التي يتعذر فيها عليه إنجاز المهمة (المادة 125).

وفي مجال المعاينة، منح المشرّع في الفصول من 131 إلى 134 من ق.م.م الجديد للمحكمة إمكانية الاستعانة بالقوة العمومية[28] لتنفيذ المعاينة عند الاقتضاء، كما أجاز إجراءها عن طريق الإنابة القضائية إذا كانت خارج دائرة نفوذ المحكمة. ونص على تحديد مصاريف المعاينة وفق تعريفة محددة بنص تنظيمي (المادة 131).

ج- المستجدات المتعلقة بالأبحاث وسماع الشهود

على غرار قانون المسطرة المدنية الملغى، أجاز المشرّع بموجب المادة 135 من ق.م.م الجديد فيما يخص الأبحاث[29] وسماع الشهود[30]، الأمر بإجراء بحث في الوقائع التي يبدو التثبت منها مفيدًا في تحقيق الدعوى، ونص على أن القرار المقرر يحدد الوقائع التي سيجري البحث بشأنها وكذلك تاريخ وساعة الجلسة (المادة 136) وللمحكمة أن تقرر الانتقال إلى عين المكان والاستماع فيه إلى الشهود (المادة 137).

ويلاحَظ أن المشرّع قد شدد في القانون الجديد الضمانات والإجراءات المتعلقة بالشهود، إذ نص على أن القاصر الذي لم يبلغ 18 سنة لا يؤدي اليمين ويستمع إليه على سبيل الاستئناس (المادة 140)، وبالتالي يكون هذا المقتضى منسجمًا مع سن الرشد القانوني المنصوص عليه في مدونة الأسرة، بعدما كان قانون المسطرة المدنية الملغى يحدد هذه السن في 16 سنة.

ومن جهة أخرى أوجب القانون الجديد الإدلاء من الشاهد ببطاقته الوطنية أو ما يقوم مقامها، مع تضمين رقم هاتفه وعنوانه بمحضر البحث. كما رفع المشرّع الغرامات التي كانت مقررة في حق الشهود المتخلفين إلى غرامات تتراوح ما بين 1.000,00 و5.000,00 درهم، وعند استدعائهم للمرة الثانية بين 2.000,00 و10.000,00 درهم حسب المادة 141، عوض الغرامة التي كانت تتراوح بين 50,00 و100,00 درهم.

ومن المستجدات المهمة أيضًا التي جاءت في المادة 146 التي سمحت للأطراف أو دفاعهم للسماح بطرح أسئلة على الشهود بواسطة المحكمة أو بإذنها، بعدما كان القانون الحالي يمنع توجيه الأسئلة مباشرة للشاهد. كما نظم المشرّع بشكل مفصل مسألة الترجمة أثناء البحث، وأجاز للأخرس أداء شهادته كتابة أو بالإشارة المفهومة. كما سمح القانون الجديد بأن تتلى على الشهود المقتضيات المتعلقة بالمعاقبة على شهادة الزور.

د- اليمين

فيما يتعلق باليمين، نظم القانون رقم 58.25 اليمين الحاسمة[31][32] بشكل أكثر تفصيلًا، حيث أجاز توجيهها في جميع مراحل الدعوى، سواء ابتدائيًا أو استئنافيًا، ومنع توجيهها إلى الشخص الاعتباري حسب مقتضيات المادة 149. كما استحدث ما يسمى بيمين التركة، التي توجه تلقائيًا لمن يدعي حقًا على التركة، ضمانًا لحماية حقوق الورثة والذمة المالية للمتوفى عملًا بمقتضى المادة 154[33]. ونص على أنه لا يجوز رد اليمين إذا انصبت على واقعة لا يشترك فيها الخصمان، بل يستقل بها شخص من وجهت إليه، كما لا يجوز لمن وجهت إليه المحكمة اليمين المتممة المنصوص عليها في المادة 151، أن يردها على الطرف الآخر.

هذا ونص القانون الجديد على حلف الأخرس ونكوله بالكتابة إذا كان يعرفها، وإلا فبإشارته المعهودة. كما يجوز للنائب القانوني طلب توجيه اليمين للخصم إذا كان مخولًا بذلك، ولا يجوز له أداء اليمين نيابة عن من يمثله.

ه- تحقيق الخطوط والزور

من بين أهم المستجدات المتعلقة بتحقيق الخطوط والزور بنوعيه الفرعي والأصلي، إدخال المشرّع البصمة ضمن وسائل الإثبات الخاضعة لتحقيق الخطوط وفق مقتضيات المادة 155، بعدما كان القانون الحالي يقتصر على الخط والتوقيع فقط[34]. كما رفع الغرامات المتعلقة بإنكار التوقيع أو الادعاء الكيدي بالزور من غرامة تتراوح بين 1.000,00 و1.500,00 درهم إلى غرامة تتراوح بين 10.000,00 و20.000,00 درهم وفق المادة 158، مع إمكانية تحريك المتابعة الزجرية.

كما سمح القانون رقم 58.25 لمن بيده مستند عرفي، أن يقيم بشأنه دعوى ضد الشخص الذي يشهد عليه ذلك المستند، ليقر هذا الأخير ما ورد بالمستند هو خطه أو توقيعه أو بصمته. ويعتبر المستند مقرًا به إذا لم يحضر المدعى عليه رغم استدعائه وتوصله بصفة قانونية، أو إذا حضر المدعى عليه، وسكت، أو لم ينكره أو لم ينسبه أو لم ينسبه إلى سواه. أو إذا حضر المدعى عليه وأقر بالخط أو التوقيع أو البصمة، بحيث تشهد عليه المحكمة بذلك. أما إذا أنكر المدعى عليه الخط أو التوقيع أو البصمة، جرى التحقيق طبقًا لمقتضيات المواد من 155 إلى 159.

ومن أهم المستجدات أيضًا تنظيم دعوى الزور الأصلي[35] بشكل مستقل لأول مرة وفق مقتضيات المادة 170 وهي دعوى تخضع من حيث إقامتها للمسطرة المنصوص عليها في المادة 159 المقررة للزور الفرعي وتطبق عليها القواعد المنظمة في هذا الفرع وفق المادة 171، مع إلزام المحكمة بإشعار النيابة العامة في جميع دعاوى الزور، حتى في حالة التنازل عن استعمال الوثيقة المطعون فيها، وتتوقف دعوى الزور المدنية إلى حين البت في دعوى الزور الزجرية إن وجدت عملًا بمقتضيات المادة 172[36].

ومن بين المستجدات المرتبطة بموضوع الزور أيضًا، في إطار المسطرة الخاصة أمام محكمة النقض[37]، هو رفع مبلغ الوديعة من 500 درهم المنصوص عليها في الفصل 386 من ق.م.م الملغى إلى 4.000,00 درهم في المادة 413 من القانون رقم 58.25.

هذا، والجدير بالذكر أن المقتضيات السالفة الذكر المؤطرة لإجراءات التحقيق تطبق أمام محاكم الدرجة الثانية عملًا بمقتضيات المادة 359 من قانون المسطرة المدنية الجديد مع مراعاة ما يلي[38]:

  • تقرر إجراءات التحقيق بأمر من المستشار المقرر بصفته مكلفًا بتجهيز القضية ووفقًا للشروط المنصوص عليها في المادة 357 أعلاه، أو بقرار من المحكمة مجتمعة بغرفة المشورة بعد الاستماع للمقرر أو بقرار صادر في جلسة علنية؛
  • يقوم المستشار المقرر بالوقوف على عين المكان، ما لم يتقرر القيام بذلك من طرف هيئة المحكمة؛
  • تجري الأبحاث أمام المستشار المقرر، ما لم ترغب المحكمة في الاستماع إلى الشهود بنفسها، وفي هذه الحالة يجري الاستماع بغرفة المشورة؛
  • يمكن أن يؤمر بحضور الأطراف شخصيًا أمام المستشار المقرر أو بغرفة المشورة أو بالجلسة العلنية ويحرر محضر بذلك؛
  • تجري تحت إشراف المستشار المقرر مسطرة تحقيق الخطوط والزور.

وهي نفس المقتضيات التي كان منصوصًا عليها في الفصل 336 من قانون المسطرة المدنية الملغى.

ثانيًا: التدخل، الإدخال والتنازل

أ- التدخل والإدخال في الدعوى

نظم المشرّع التدخل والإدخال ضمن الطلبات العارضة في الباب الرابع من القسم الثالث، وسنتطرق إلى أهم المستجدات المتعلقة بها وفق ما يلي:

نصت المادة 173 من ق.م.م الجديد على ما يلي:

"إذا طلب أحد الأطراف إدخال شخص في الدعوى بصفته ضامنًا أو لأي سبب آخر، استدعي المطلوب إدخاله طبقًا للمادة 83 أعلاه وما بعدها.

يعطى له الأجل الكافي، اعتبارًا لظروف القضية ومحل موطنه أو إقامته للحضور بالجلسة.

يمكن إدخال شخص في الدعوى إلى حين وضع القضية في المداولة أو التأمل، غير أنه يمكن للمدعي طلب تطبيق المادة 176 أدناه، إذا كان الطلب جاهزًا وقت إدخال الغير."

والملاحَظ أن هذه المادة لم يطرأ عليها أي تغيير مقارنة بالمادة 103 من ق.م.م الملغى. ويبقى المستجد هو ما نصت عليه المادة 175 من ق.م.م المتعلقة بحلول الضامن محل المضمون، حيث نصت على أنه:

"إذا أقر الضامن بحلوله محل المضمون، أمكن إخراج هذا الأخير من الدعوى بطلب منه، ما لم يطلب المدعي الأصلي إبقاءه فيها حفاظًا على حقوقه.

لا موجب لاستدعاء المسؤول المدني، إذا لم يُنازع الضامن في ثبوت الضمان أو صحته أو إذا تبين للمحكمة عدم جدية الدفع بانعدام الضمان."

ويتعلق هذا المقتضى الجديد أساسًا بدعاوى حوادث السير، ورغبة المشرّع في تسريع الإجراءات، بالنظر إلى ما قد يترتب عن إلزامية إدخال المسؤول المدني في كل الأحوال من إطالة أمد النزاع وتعقيد المساطر، فقد ارتأى المشرّع أن يتم الاكتفاء بإدخال الضامن (شركة التأمين مثلًا) فقط إذا ثبت أن الضمان قائم؛

  • تقييد التدخل الإرادي في الدعوى بوجود مصلحة قائمة ومشروعة في النزاع، والأمر المستجد في هذه المادة هو التنصيص على شرط المصلحة التي ينبغي أن تكون قائمة وحاضرة وقت رفع الدعوى وليست مصلحة محتملة أو مستقبلية، كما ينبغي أن تكون غير مخالفة للقانون أو النظام العام؛
  • عدم جواز إدخال الغير أمام محكمة الدرجة الثانية، ما لم ينص القانون على خلاف ذلك، أو كان الحكم المستأنف قد صدر غيابيًا في حق طالب الإدخال (المادة 220).

ويهدف هذا المستجد إلى ضمان حسن سير العدالة وتفادي إدخال أطراف جدد قد يطيل من أمد الإجراءات، وكذلك انسجامًا مع مبدأ التقاضي على درجتين مع اعتبار أن الاستئناف هو مراجعة لحكم ابتدائي، وليس فتح دعوى جديدة بأطراف جديدة. خاصة أن إدخال الغير لأول مرة أمام محكمة الاستئناف سيحرم المطلوب إدخاله من درجة من درجات التقاضي، لا سيما أن المشرّع ألزم محكمة الاستئناف بالتصدي للقضية ولو لم تكن جاهزة طبقًا للمادة 221 من ق.م.م الجديد. علمًا بأن بعض القضاء المغربي كان بعض طلبات إدخال الضامن لا يقبل قضايا حوادث السير ويقضي بإرجاع الملف إلى محكمة الدرجة الأولى، غير أن المقتضى الجديد الذي يلزم محكمة الاستئناف بالتصدي في جميع الأحوال قد يؤدي إلى مراجعة هذا التوجه.

ب- التنازل عن الدعوى

نظم المشرّع التنازل أمام محاكم الدرجة الأولى، في المواد من 189 إلى 193 من قانون المسطرة المدنية الجديد، كما أشار إلى التنازل أمام محاكم الدرجة الثانية في المادة 372 من قانون المسطرة المدنية الجديد، والتي تحيل على نفس مقتضيات المواد المؤطرة للتنازل عن الدعوى في مرحلة الدرجة الأولى، بالإضافة إلى بعض المواد المتفرقة التي أشارت لمسألة التنازل عن الدعوى أو الطلب مثل المادتين 106 و206.

وبخصوص التنازل في مرحلة النقض: وعلى الرغم من عدم تنصيص المشرّع على ذلك صراحة، فإنه يمكن تطبيق نفس المقتضيات القانونية استنادًا للمادة 406 من قانون المسطرة المدنية الجديد التي تنص على أنه: "تطبق محكمة النقض القواعد العادية الخاصة بمحاكم الدرجة الثانية بالنسبة للمقتضيات المسطرية غير المنصوص عليها في هذا الباب"، وذلك إلى جانب المادة 190 التي تنص على تقديم التنازل في جميع المراحل.

وتتمثل أهم المستجدات ذات الصلة بالتنازل عن الدعوى فيما يلي:

  • إمكانية تقديم التنازل في جميع مراحل التقاضي (المادة 190)؛
  • نصت المادة 191 على ما يلي: "تسجل المحكمة التنازل بمقتضى مقرر غير قابل لأي طعن.

    إذا اعترض الطرف الآخر على التنازل عن الدعوى، بعلة أنه قدم مقالًا مضادًا لسبب آخر، بتّت المحكمة في صحة التنازل بمقرر قابل للاستئناف، وفق قواعد الاختصاص القيمي."

ويتضح من خلال هذا المستجد أن المشرّع ربط قبول الطعن بالاستئناف في الحكم الذي بتّ في صحة التنازل بعد الاعتراض[39] بضوابط الاختصاص القيمي، وبالتالي إذا كانت قيمة الطلب المضاد الذي تقدم به الطرف الذي اعترض على التنازل عن الدعوى لأي سبب كان، تقل عن 10.000,00 درهم فلا يقبل الحكم القاضي بصحة التنازل بعد الاعتراض عليه إلا استئنافًا طبقًا لضوابط الاختصاص القيمي المحددة في المادة 30 من قانون المسطرة المدنية الجديد؛

  • جاء في الفقرة الثالثة من المادة 206 من قانون المسطرة المدنية الجديد أنه: "...لا يؤثر التنازل عن الاستئناف الأصلي في البت في الاستئناف الفرعي". وهو ما يتماشى مع مستجدات قانون المسطرة المدنية بشأن استقلال الاستئناف الفرعي عن الاستئناف الأصلي؛
  • استثناء الطلبات الرامية إلى التنازل من القاعدة المنصوص عليها في المادتين 160 و358 بشأن عدم اعتداد المحكمة بالمستنتجات والطلبات المقدمة من الأطراف ولا المستندات المرفقة بها بعد اعتبار القضية جاهزة للحكم.

أسئلة شائعة حول إجراءات تحقيق الدعوى في القانون رقم 58.25

هل يمكن للمحكمة أن تصدر أمرًا بإجراء تحقيق قبل التحقق من قبول الدعوى؟

لا، ألزمت المادة 116 من القانون رقم 58.25 المحكمة بالتأكد من توفر شكليات قبول الدعوى قبل إصدار أي أمر تمهيدي بإجراء من إجراءات التحقيق، تكريسًا لاجتهاد محكمة النقض الذي يمنع التصريح بعدم القبول شكلًا بعد الأمر بإجراء خبرة.

من يمكن تعيينه لإنجاز الخبرة القضائية في ظل القانون الجديد؟

وسّع القانون رقم 58.25 نطاق الأشخاص الذين يمكن تعيينهم لإنجاز الخبرة، بحيث أصبح بالإمكان تعيين شخص اعتباري كشركة أو مختبر أو مكتب دراسات، بعدما كان الأمر يقتصر عمليًا على الأشخاص الذاتيين فقط.

ما هي السن التي لا يؤدي فيها الشاهد اليمين قبل الاستماع إليه؟

حددت المادة 140 من القانون رقم 58.25 هذه السن في 18 سنة، بحيث لا يؤدي القاصر الذي لم يبلغها اليمين ويُستمع إليه على سبيل الاستئناس فقط، بعدما كانت هذه السن محددة في 16 سنة في القانون الملغى.

ما الجديد بخصوص وسائل تحقيق الخطوط في القانون رقم 58.25؟

أدخل المشرّع البصمة ضمن وسائل الإثبات الخاضعة لتحقيق الخطوط، بعدما كان القانون السابق يقتصر على الخط والتوقيع فقط، كما رفع الغرامات المتعلقة بإنكار التوقيع أو الادعاء الكيدي بالزور بشكل ملحوظ.

هل يجوز إدخال شخص جديد في الدعوى لأول مرة أمام محكمة الاستئناف؟

لا، لا يجوز إدخال الغير لأول مرة أمام محكمة الدرجة الثانية، ما لم ينص القانون على خلاف ذلك، أو كان الحكم المستأنف قد صدر غيابيًا في حق طالب الإدخال، وذلك حفاظًا على مبدأ التقاضي على درجتين.

المصدر: دليل عملي حول مستجدات القانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية، إصدار الوكالة القضائية للمملكة، المحور الخامس: إجراءات تحقيق الدعوى والتدخل والتنازل.

[23] قرار محكمة النقض عدد 232 صادر سنة 1970 جاء فيه ما يلي: "قرار تمهيدي بإجراء خبرة - قرار نهائي بعدم قبول الاستئناف - خرق قوة الشيء المقضي - نعم - تكون محكمة الاستئناف قد خرقت مبدأ قوة الشيء المقضي الذي جاء به الحكم التمهيدي الصادر عنها بإجراء خبرة لنفع بعض الأطراف، عندما صرحت بعد ذلك بأن المقالين غير مقبولين شكلًا."
[24] تنص المادة 10 من قانون المسطرة المدنية الجديد والمادة 37 من القانون رقم 38-15 المتعلق بالتنظيم القضائي أيضًا على أنه "يمارس حق التقاضي بحسن نية، وبما لا يعرقل سير العدالة...".
[25] بعد أن حدد المشرّع مركز النيابة العامة كطرف أصلي أو منضم في المادة 15، حدد الحالات التي تكون فيها طرفًا أصليًا في المادة 18، وهي القضايا المتعلقة بالنظام العام والقضايا المتعلقة بالأسرة وقضايا الحالة المدنية وقضايا الجنسية وكفالة الأطفال المهملين والقضايا المتعلقة بعديمي الأهلية وناقصيها والغائبين والمفقودين وتكون طرفًا منضمًا أيضًا في الحالات المحددة بنص خاص.
وتكون طرفًا منضمًا في الحالات المنصوص عليها في المادة 19 وهي القضايا التي ينص القانون على تبليغها إليها. وفي الحالات المحددة في المادة 20 وفي الحالات التي تطلب التدخل فيها بعد اطلاعها على الملف وفي قضايا الزور وفي القضايا التي تحال عليها تلقائيًا مثل قضايا الزور المادة 165.
[26] تنص المادة 25 من القانون رقم 45-00 المتعلق بالخبراء القضائيين على أنه: "لا يجوز للخبير أن يمتنعوا عن إنجاز الخبرة عند تعيينه في إطار المساعدة القضائية أو في الحالة التي يعتبر فيها أن الأتعاب المحددة غير كافية، ويمكن له بعد الإنجاز طلب أتعاب إضافية وفق النصوص القانونية المتعلقة بالمصاريف القضائية".
[27] القانون رقم 33-11 صادر بتاريخ 5 سبتمبر 2011.
[28] قد يثار إشكال في حالة عدم إمكانية الاستعانة بالقوة العمومية لأسباب أمنية أو لعدم كفاية عناصرها، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار عدد القضايا الرائجة، هل ستقوم المحكمة بالمعاينة دون القوة العمومية أم أنه ستتراجع عن قرارها، علمًا أن المادة 15 من القانون رقم 38-15 السالف الذكر تنص على أنه وطبقًا لمقتضيات الفصل 126، يجب على السلطات العمومية تقديم المساعدة اللازمة أثناء المحاكمة إذا صدر الأمر إليها بذلك من قبل الجهات القضائية المختصة، كما يجب عليها المساعدة في تنفيذ الأحكام.
[29] تجدر الإشارة إلى أن البحث إجراء من الإجراءات الاختيارية لتحقيق الدعوى من طرف المحكمة إلا بإجراء قراءة في بعض قرارات محكمة النقض سيلاحظ أن إجراء البحث يكون إلزاميًا للمحكمة في بعض القضايا ومن ذلك على سبيل المثال القرار عدد 975 صادر بتاريخ 2020/11/12 جاء فيه ما يلي: "إن المحكمة لما قضت بما ورد على النحو الوارد بمنطوق قرارها دون إجراء بحث في النازلة للاستماع إلى المحامين الذين حضروا بالجلسات وادعوا نيابتهم عن المحامي المشتكى به لاستجلاء حقيقة الأمر وترتيب الأثر اللازم على ضوء ذلك، لم تجعل لما قضت به أساسًا من القانون، وعرضت قرارها للنقض". وكذا القرار عدد 1/239 صادر بتاريخ 02/03/2023 في الملف رقم 488/1/4/2021.
[30] تجدر الإشارة إلى أنه لا يمكن استعمال الشهادة كوسيلة لإثبات التزام تفوق قيمته 10.000,00 درهم وفق ما ينص عليه الفصل 443 من قانون الالتزامات والعقود.
[31] تجدر الإشارة إلى أن اليمين المتممة وإن أجاز المشرّع للمحكمة توجيهها لأحد الأطراف، فقد اشترط لذلك ألا يكون في الدعوى دليل كامل خالٍ من أي دليل، بل لا بد من وجود دليل إلا أن المحكمة اعتبرته غير كافٍ.
[32] قرار محكمة النقض عدد 176 صادر بتاريخ 8 مارس 2023 جاء فيه ما يلي: "البيّن أن مقال الاستئناف المقدم من الطالب مرفق بالتوكيل الخاص لدفاعه لأجل توجيه اليمين الحاسمة للمطلوب، وأن اليمين الحاسمة تحسم النزاع، ولم تكن المحكمة ملزمة بإجراء البحث لدفاعه أمام احتكام الطاعن إلى اليمين الحاسمة، فكان ما بالوسيلة غير جدير بالاعتبار".
[33] تنص المادة 154 على ما يلي: "توجه المحكمة تلقائيًا، لمن ادعى حقًا على التركة وأثبت وجوده، يمينًا على أنه لم يستوفِ هذا الحق من المتوفى بنفسه أو بغيره، ولا أنه أبرأ منه المتوفى أو أحاله على غيره، وأنه لم يستوفِ دينه من الغير، وأنه لم يكن عليه للمتوفى في مقابل هذا الحق دين أو رهن".
[34] دعوى صحة التوقيع هي الوجه المقابل لدعوى التزوير، وكلاهما من دعاوى تحقيق الخطوط لاشتراكهما في البحث فيما إذا كان قد وقع العبث بصلب الوثيقة بعد توقيعها بكشط أو محو أو إضافة ما إذا كان التوقيع محررًا كاذبًا فوق توقيع صحيح أو تغيير بيانات يتساوى في أثره مع عدم صحة التوقيع ويستوجبان الحكم ببطلان الوثيقة.
[35] الزور الأصلي يقدم أمام النيابة العامة بناء على شكاية أو أمام السيد قاضي التحقيق بناء شكاية مباشرة أما الزور الفرعي فهو طعن في صحة مستند يمارسه الخصم الذي يتوقف عليه البت ويكون بواسطة مقال مضاد مرفق بتوكيل خاص.
[36] تجدر الإشارة إلى أن مسطرة الطعن بالزور أمام المحكمة الزجرية منصوص عليها في المواد من 575 إلى 587 من قانون المسطرة الجنائية.
[37] من بين المساطر الخاصة التي يمكن ممارستها أمام محكمة النقض هي مسطرة دعوى الزور وفق ما نصت عليه المادة 413 و414 بمقال مكتوب إلى الرئيس الأول مع مراعاة مقتضيات المادة 376 بعد الحصول على إذن ولا ينظر فيه بذلك إلا بعد أداء مبلغ 4.000,00 درهم، يرد هذا المبلغ إلى صاحبه إذا صدر الحكم لصالحه أو سحب المستند ويصادَر هذا المبلغ في باقي الحالات.
[38] تنص المادة 357 على أنه: "يتخذ المستشار المقرر الإجراءات لجعل القضية جاهزة للحكم، ويأمر بتقديم المستندات التي يراها ضرورية للتحقيق في الدعوى، ويمكن له بناء على طلب الأطراف أو تلقائيًا سماع الأطراف أو استدعاءهم للحضور بصفة قانونية، بعد سماع الأطراف بأي إجراء للتحقيق، الأمر بأي مساس، دون أن يمكن للمحكمة المرفوع إليها الاستئناف أن تأمر بذلك من بعد إجراءات في جلسة علنية أو في غرفة المشورة.
لا يمكن بأي حال أن تمس الأوامر التي تصدر في هذا الشأن الدعوى الأصلية، وتبلَّغ للمادة 83 أعلاه وما بعدها، ولا تكون قابلة لأي طعن."
[39] جاء في قرار لمحكمة النقض: "إذا كان المشرّع قد أباح للمدعى عليه أن يبدي اعتراضه على التنازل عن الدعوى لأي سبب كان، فإنه لم يجعل موافقته شرطًا لقبول هذا التنازل حيث تبقى للمحكمة سلطة تقدير جدية السبب الذي يتخذه المدعى عليه حجة على اعتراضه." (قرار تحت عدد 818 صادر بتاريخ 12/2/14 في الملف المدني عدد 590/1/2/11).
كما جاء في حكم صادر عن المحكمة الإدارية بالدار البيضاء: "ارتكاز المدعى عليه في رفضه لصحة الطلب المضاد الذي تقدم به الطرف الذي اعترض عن التنازل عن الدعوى على أسباب مشروعة وعلى مصلحة حقيقية، وأكيدة ومبررة في مواصلة الدعوى...عدم الاستجابة لطلب التنازل عن الدعوى نعم." (حكم رقم 910 المؤرخ في 11 دجنبر 2003، ملف 579/2003).

لمزيد من التحليلات القانونية حول مستجدات المسطرة المدنية المغربية، تابعوا موقع مكتبة القانون - bibliotdroit.com.

تعليقات