شروط قبول الدعوى وإجراءات تقييدها والدعوى ضد أشخاص القانون العام في ضوء القانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية
جاء القانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية بالمغرب كمحطة مهمة ضمن مسار إصلاح منظومة العدالة، إذ يشكّل إطارًا شاملًا لملاءمة الإجراءات المدنية مع مستجدات الدستور والمواثيق الدولية، ومتطلبات تحقيق النجاعة والفعالية، وتحديث ورقمنة المساطر بما يخدم العدالة ويستجيب لانتظارات المتقاضين والمهنيين على حد سواء. يستعرض هذا المقال أهم المستجدات المتعلقة بشروط قبول الدعوى وإجراءات تقييدها وتبليغها، والدعوى الموجهة ضد أشخاص القانون العام، وكذا قواعد الاختصاص في دعوى الإلغاء ووقف تنفيذ القرارات الإدارية.
المحور الأول: شروط قبول الدعوى وإجراءات تقييدها وتبليغها
جرت العادة أن يتم تحليل المقتضيات المتعلقة بالاختصاص قبل الخوض في شروط قبول الدعوى، انطلاقًا من كون المحكمة تبتّ في الاختصاص قبل أن تنتقل لمراقبة الإجراءات الشكلية. غير أن تحليل هذه المواضيع من زاوية الدفاع ومباشرة إجراءات التقاضي يقتضي أن تُدرَس شكليات الدعوى قبل التطرق لموضوع الاختصاص، باعتبار أن الدفاع ينطلق من تهيئ مقال الدعوى وتجميع المستندات والمعطيات التي تعزز الدفاع قبل اللجوء إلى المحكمة المختصة.
أولًا: شكليات تقييد الدعوى
من بين المجالات التي أعاد تنظيمها القانون الجديد للمسطرة المدنية رقم 58.25 شكليات الدعوى وإجراءات تقييدها، حيث حدد واجبات المتقاضي بتفصيل دقيق، مع تعزيز صلاحيات المحكمة أو القاضي في تدبير الدعوى منذ تقييدها وإلى غاية صدور الحكم فيها، بما يحقق فعالية العدالة ويحفظ حقوق أطراف الدعوى، ويحد من مظاهر التعسف في استعمال الحق في اللجوء إلى التقاضي.
وفي هذه القراءة للمستجدات ذات الصلة بشكليات الدعوى وإجراءات تقييدها، سنعمل على تناول هذه الشروط والإجراءات كما وردت في قانون المسطرة المدنية الجديد، وفق منهجية تعتمد من جهة على مقارنة بين النصين السابق والجديد، ومن جهة أخرى على مقاربة تحليلية لهذه المستجدات، مع استحضار أسباب نزولها، وما كان يطرحه النص المعدَّل من إشكالات على مستوى الممارسة.
أ- مقتضيات عامة مرتبطة بشروط قبول الدعوى
حافظ القانون الجديد على الشروط العامة التقليدية لقبول الدعوى المتمثلة في الصفة والمصلحة والأهلية، لكنه عمل على تدقيق بعض المقتضيات المرتبطة بالدفع بعدم القبول، وأضاف بندًا خاصًا بأهلية القاصر المميز في التقاضي، وفق ما يلي:
1. التنصيص على إمكانية الإذن للقاصر المميز بالتقاضي
أضاف المشرّع بموجب البند الثاني من المادة 11 مقتضى يقضي بأنه يمكن للجهة القضائية التي تنظر في الدعوى أن تأذن للقاصر المميز، الذي ليس له نائب شرعي ولم تتأتَّ النيابة عنه، بالتقاضي أمامها أو بطلب الصلح فيما له فيه مصلحة ظاهرة.
ويتعلق الأمر باستثناء تشريعي على القاعدة العامة؛ فالأصل أن القاصر لا يملك أهلية التقاضي، وإنما يباشر الدعوى بواسطة نائبه الشرعي (الأب، الأم، الوصي، المقدَّم...). غير أن المشرّع أجاز استثناءً للقاصر المميز أن يتقاضى بنفسه أو يطلب الصلح متى كان مميزًا، ولم يكن له نائب شرعي، أو تعذَّرت النيابة عنه، وكانت له مصلحة ظاهرة.
ويبدو أن هذا المقتضى التشريعي وارد ضمن توجه يروم تعزيز الحماية القضائية للقاصر، وضمان عدم ضياع حقوقه بسبب غياب أو تقاعس النائب الشرعي، سيما أن الواقع العملي أبان عن وجود حالات تضيع فيها حقوق القاصر المميز بسبب انعدام أهليته، خاصة في الحالات التي يقاضي فيها نائبه الشرعي مثل مطالبته بأداء النفقة، مما دفع الاجتهاد القضائي إلى الإقرار بأهلية القاصر المميز في التقاضي في مثل هذه الحالات، وهو التوجه الذي كرّسه المشرّع ضمن مواد قانون المسطرة المدنية الجديد.
والملاحَظ أن المشرّع لم يحل على شرط الأهلية المحدد بنصوص خاصة، مثل ما تنص عليه المادة 22 من مدونة الأسرة التي أقرت باكتساب المتزوجين الأهلية المدنية في ممارسة حق التقاضي في كل ما يتعلق بآثار عقد الزواج من حقوق والتزامات، وكذلك المادة 226 من نفس المدونة التي اعتبرت المحجور كامل الأهلية فيما أُذن له وفي التقاضي فيه.
ولا شك أن شرط الأهلية المنصوص عليه في نصوص خاصة يبقى معمولًا به حتى مع صدور القانون رقم 58.25 تطبيقًا لقاعدة أن النص الخاص يقيّد النص العام.
2. تدقيق بعض المقتضيات المرتبطة بالدفع بعدم القبول
تضمنت المقتضيات العامة الجديدة إعادة تنظيم الدفع بعدم القبول لانعدام الصفة أو الأهلية أو المصلحة أو الإذن بالتقاضي عند لزومه، وحافظ المشرّع على إمكانية إثارة هذا الدفع تلقائيًا من طرف المحكمة، وهذا أمر طبيعي وبديهي لكون هذه الشروط تُعدّ من النظام العام.
وإذا كان النص السابق والنص الجديد يتحدان فيما نصّا عليه بشأن إمكانية تصحيح المسطرة داخل أجل تحدده المحكمة، فإن المستجد بهذا الخصوص هو ما نص عليه القانون رقم 58.25 من عدم إعمال مسطرة الإنذار في الحالة التي يكون فيها أحد الأطراف قد أثار الدفع بعدم القبول واطّلع عليه الطرف الآخر ولو لم يجب، وهذا الإجراء يعدّ مبررًا قانونًا وواقعًا ويخدم حسن سير العدالة.
ب- إجراءات تقديم الدعوى ضد أشخاص القانون العام
تمارس الأشخاص الاعتبارية العامة مهامًا مرتبطة بالمصلحة العامة؛ ولذلك تتمتع بخصوصيات إجرائية تميزها عن أشخاص القانون الخاص. وعلى الرغم من تضمين القانون السابق لمقتضيات تراعي هذه الخصوصية، فقد برزت الحاجة إلى تدخل تشريعي جديد يروم إعادة ضبط بعض المقتضيات المرتبطة بصفة أشخاص القانون العام في التقاضي، وتحديد الجهات الواجب إدخالها في الدعاوى الموجهة ضد هذه الأشخاص، تفاديًا للإشكالات العملية التي أفرزتها الممارسة القضائية، وما ترتب عنها من تضارب في الاجتهادات وصعوبات مرتبطة بتنفيذ الأحكام الصادرة.
لذلك، حافظ القانون 58.25 على مجموعة من المقتضيات تخص الإدارات العمومية وأشخاص القانون العام، سيما ما يتعلق بإدخال بعض الجهات في الدعاوى المرفوعة ضد هؤلاء، وكذلك تحديد من له الحق في تمثيل الإدارات والمؤسسات أمام القضاء، مع إدخال بعض التعديلات والإضافات على هذه المقتضيات، وفيما يلي أهم المستجدات القانونية بهذا الخصوص.
1. توسيع نطاق إدخال الوكيل القضائي للمملكة في الدعوى
قبل صدور القانون رقم 58.25، كان النص السابق (الفصل 514) يوجب إدخال الوكيل القضائي للمملكة كلما كانت الطلبات تستهدف التصريح بمديونية الدولة أو إدارة عمومية أو مكتب أو مؤسسة عمومية للدولة في قضية لا علاقة لها بالضرائب وأملاك الدولة، وهو نفس المقتضى الذي ينص عليه الفصل الأول من ظهير 2 مارس 1953 المتعلق بإعادة تنظيم وظيفة الوكالة القضائية للمملكة.
وبعد صدور القانون رقم 58.25، نصّت المادة 605 على ما يلي: "كلما كانت الطلبات تستهدف التصريح بمديونية الدولة أو إدارة أو مؤسسة عمومية للدولة أو شخص آخر من أشخاص القانون العام، في قضية لا علاقة لها بالضرائب ولا بإدارة أملاك الدولة، وجب إدخال الوكيل القضائي للمملكة في الدعوى، وإلا كانت غير مقبولة".
وكلما كانت الطلبات تستهدف التصريح بمديونية الجماعات الترابية أو مجموعاتها، وجب إدخال الوكيل القضائي للجماعات الترابية في الدعوى، وإلا كانت غير مقبولة.
وتثير هذه التعديلات بعض الملاحظات نوجزها كما يلي:
- إن المشرّع في القانون الجديد أوجد حلًا لإشكال قانوني كان يثار في ظل القانون السابق، ويتعلق الأمر بمدى وجوب إدخال الوكيل القضائي للمملكة في بعض الدعاوى الرامية إلى التصريح بمديونية باقي أشخاص القانون العام؛ حيث كان النص القديم يقتصر فقط على الإدخال في الدعاوى المتعلقة بالدولة والمؤسسات العمومية، مما كان يطرح معه الإشكال بخصوص إدخال الوكيل القضائي للمملكة في الدعاوى الرامية إلى التصريح بمديونية بعض المؤسسات مثل الهيئات الدستورية والمؤسسات والشركات التي تدبر مرفقًا عامًا، كمكتب المغرب أو شركة العمران وغيرها من المؤسسات التي تندرج ضمن أشخاص القانون العام.
- فالصيغة المعتمدة في القانون الجديد "أو شخص آخر من أشخاص القانون العام" تفيد بوجوب إدخال الوكيل القضائي للمملكة في جميع الدعاوى الرامية إلى التصريح بمديونية أي شخص من أشخاص القانون العام، ولم يستثنِ المشرّع من ذلك سوى الجماعات الترابية كما سيأتي بيانه أدناه.
- إن المشرّع استثنى إدخال الوكيل القضائي للمملكة في القضايا التي لا علاقة لها بالضرائب ولا بإدارة أملاك الدولة.
- إن الإشكال لا يزال مطروحًا بخصوص دعاوى الطعون بالإلغاء، التي لا يزال الاجتهاد القضائي لا يتطلب بشأنها إدخال الوكيل القضائي للمملكة في دعاوى الإلغاء على أساس أنها لا تهدف إلى التصريح بمديونية الدولة، مع أن أغلب حالات الحكم بإلغاء القرار الإداري تؤدي فيما بعد إلى استصدار أحكام قضائية بأداء تعويض من مالية الدولة، وهو إشكال لم يعالجه القانون رقم 58.25.
2. التأكيد على إدخال الوكيل القضائي للجماعات الترابية في الدعوى
نص القانون رقم 58.25 على إجراء آخر جعله من النظام العام، ويتعلق الأمر بإدخال الوكيل القضائي للجماعات الترابية في الدعوى كلما كانت الطلبات تستهدف التصريح بمديونية جماعة ترابية أو مجموعاتها.
وانطلاقًا من صياغة هذه الفقرة يمكن إثارة بعض الملاحظات كالتالي:
- إن ما أورده القانون رقم 58.25 يعد مجرد تأكيد لما أرسته القوانين التنظيمية المتعلقة بالجماعات الترابية، إلا أن ما يلاحَظ هو وجود اختلاف في الصياغة؛ حيث إن هذه القوانين التنظيمية توجب الإدخال المتحدث عنه في: "جميع الدعاوى التي تستهدف مطالبة الجماعات الترابية بأداء دين أو تعويض"، بينما اقتصر القانون رقم 58.25 على الدعاوى المتعلقة بأداء دين، فقد نصت من جهة أخرى القوانين التنظيمية للجماعات الترابية على وجوب الإدخال في جميع الدعاوى المرفوعة ضد الجماعات الترابية بمختلف أصنافها (الجماعات، هيئاتها، مجموعة الجماعات الترابية، مؤسسات التعاون بين الجماعات، العمالة أو الإقليم، هيئاتها، مجموعة العمالات والأقاليم، الجهات هيئاتها، مجموعات الجهات...إلخ)، بينما اقتصر القانون رقم 58.25 على ذكر الجماعات الترابية وهيئاتها؛
- وعلى الرغم مما قد يبدو من تعارض بين القوانين التنظيمية للجماعات الترابية والقانون رقم 58.25، إلا أن هذا التعارض لن يكون له أي تأثير على تطبيق النصوص، بالنظر لمبدأ تراتبية القوانين والذي يجعل القانون التنظيمي أعلى درجة من القانون العادي؛ مما يوجب تطبيق القوانين التنظيمية للجماعات الترابية في حالة وجود أي تعارض، سيما أمام دقة التعبير المعتمد في هذه القوانين التنظيمية؛
- على عكس قضايا الدولة وباقي أشخاص القانون العام، حيث يُستثنى إدخال الوكيل القضائي للمملكة في أي قضية لها علاقة بالضرائب وبإدارة أملاك الدولة، فإن المشرّع يوجب إدخال الوكيل القضائي للجماعات الترابية في جميع الدعاوى المرفوعة ضد الجماعات الترابية بما فيها قضايا الضرائب.
3. إعادة تنظيم تمثيل الإدارة أمام القضاء
نصّت المادة 606 من القانون رقم 58.25 على مقتضيات جديدة بشأن تنظيم تمثيل أشخاص القانون العام أمام القضاء، حيث تم الاحتفاظ بالمقتضيات القديمة مع إضافة حالات جديدة تدخل في إطار تجميع المقتضيات القانونية الواردة في نصوص خاصة منظمة لتقاضي أشخاص القانون العام، هذا دون إغفال تجويد النص عبر إدخال عدة تعديلات الغاية منها ما استقر عليه الاجتهاد القضائي وتدقيق المصطلحات المستعملة. ويمكن إيراد أهم المستجدات فيما يلي:
- إقرار صفة المدعي لأشخاص القانون العام: لم يكن قانون المسطرة المدنية (ظهير 1974) يتضمن مقتضيات قانونية تشير إلى مركز أشخاص القانون العام بصفتهم مدَّعين، واقتصر الفصل 515 على تنظيم مركز هذه الأشخاص عندما تكون مدعى عليها. إلا أن الاجتهاد القضائي أكد مركز أشخاص القانون العام بصفتهم مدَّعين، استنادًا إلى أن الشخصية الاعتبارية التي تتمتع بها أشخاص القانون العام تخول لهم حق التقاضي. ولذلك، تبنّى القانون رقم 58.25 هذا التوجه القضائي، بأن تجاوز هذا الإشكال وحسمه بشكل صريح ونهائي، حيث ميّز بين صفة الشخص العام كمدَّع وصفته كمدَّعى عليه، وذلك عندما استهل المادة 506 بما يلي: "ترفع الدعوى ممن وضد: ....".
- الممثل القانوني للأشخاص الاعتبارية العامة أمام القضاء: من بين الملاحظات التقنية في قراءة المادة 606 من القانون رقم 58.25 نجد عدم اعتماد المشرّع أسلوبًا موحدًا في تحديد ممثلي أشخاص القانون العام، بل استعمل أحيانًا تحديدًا مباشرًا وصريحًا للممثل القانوني للشخص العام أمام القضاء، كما فعل بالنسبة للدولة والخزينة العامة للمملكة والمديرية العامة للضرائب وإدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة والأوقاف العامة والملك الخاص للدولة. وأحيانًا أخرى استعمل عبارة عامة تتجلى في "شخص ممثله القانوني"، التي استعملها المشرّع بخصوص الجماعات الترابية ومجموعاتها والمؤسسات العمومية والملك العام للدولة.
وإذا كان تحديد الممثل القانوني للشخص العام أمام القضاء بدقة مبررًا قانونًا ومن شأنه أن يحد من أي تأويل بخصوص هذا الممثل القانوني، فإن اعتماد صياغة عامة بشأن بعض أشخاص القانون العام الأخرى يجد مبرره في عدة اعتبارات قانونية وواقعية، أهمها وجود اختلاف في شخص الممثل القانوني لنفس الفئة من أشخاص القانون العام بحسب خصوصيتها.
فعلى سبيل المثال، لئن كانت الجماعات الترابية ممثلة قانونًا من طرف رئيسها عملًا بالقوانين التنظيمية، فإن هناك بعض الجماعات لها خصوصية، مثل جماعات المشور التي تسري عليها مقتضيات خاصة واردة في القانون التنظيمي للجماعات الذي ينص في المادة 113 منه على أن: "باشا كل جماعة من جماعات المشور يمارس الصلاحيات المسندة بمقتضى هذا القانون التنظيمي إلى رؤساء المجالس الجماعية...".
ونفس الشيء بالنسبة للمؤسسات العمومية، حيث إن القوانين المحدثة لهذه المؤسسات تعطي غالبًا التمثيل القانوني لمديرها أو مديرها العام أو رئيس مجلسها الإداري، لذلك فاختلاف المصطلحات يستدعي اعتماد صياغة عامة في قانون المسطرة المدنية لتحقيق الانسجام بين هذه القوانين المحدثة لهذه المؤسسات العمومية وقانون المسطرة المدنية، باعتباره الشريعة العامة للتقاضي، ويبقى المرجع في تحديد الممثل القانوني لأي مؤسسة عمومية هو القانون المحدث لها.
والملاحَظ من خلال نص المادة 606 أن المشرّع، في تحديده للممثل القانوني للشخص العام، ينظر أحيانًا إلى الجهة التي تتولى التدبير سيما ما تعلق بالأملاك، حيث أُسند التمثيل القانوني للجهة التي تدبر هذا الملك، مثل الملك الخاص للدولة، والملك العام للدولة، والأوقاف العامة، إلا أنه بالنسبة لهذا الأخير اعتمد المشرّع عبارة "شخص ممثله القانوني"، ويبدو أن السبب في ذلك يرجع إلى تعدد الأملاك العامة للدولة، حيث هناك الملك العام البري للدولة (مثل الطرق)، والملك العام البحري (الشواطئ والموانئ)، والملك العام المائي (الأودية والبحيرات)، والملك العام الجوي والملك العام السككي وغير ذلك، وتعدد الجهات التي تتولى تدبير هذه الأملاك؛ حيث أُسندت هذه المهمة قانونًا لوزارة التجهيز إلى جانب مجموعة من المؤسسات العمومية، لذلك فقد ارتأى المشرّع الإشارة إلى أن الملك العام للدولة يمثله أمام القضاء ممثله القانوني.
والجدير بالذكر أن تمثيل الدولة أمام القضاء يعد قاعدة عامة، بحيث إنه في أي جهة إدارية لم يحدد المشرّع تمثيلها القانوني أمام القضاء فإن هذا التمثيل يبقى موكولًا لرئيس الحكومة عملًا بالقاعدة العامة في هذا المجال، تلك القاعدة التي سبق لاجتهاد محكمة النقض أن أكد عليها بخصوص تمثيل الدولة أمام القضاء في قضايا المسؤولية التقصيرية الناتجة عن حوادث السير التي تتسبب فيها عربات مملوكة للدولة، حيث كان هذا التمثيل قانونًا ممنوحًا لمدير المكتب الوطني للنقل، وبعد حل هذا المكتب وإحداث الشركة الوطنية للنقل والوسائل اللوجستيكية، أقر القضاء تمثيل الدولة من طرف رئيس الحكومة عملًا بالقاعدة العامة الواردة في الفصل 515 من ق.م.م القديم، ومما جاء في إحدى القرارات الصادرة عن محكمة النقض ما يلي: "... أن المحكمة لما انتهت إليه من كون الشركة الوطنية للنقل والوسائل اللوجستيكية مسؤولة مدنيًا عن المركبة أداة الحادثة الموضوعة رهن إشارة وزارة الصحة العمومية، والحال أنه لا يوجد من بين مقتضيات الظهير الصادر في 23 نونبر 2005 المتعلق بإحداث الشركة المذكورة وحل المكتب الوطني للنقل ما يخول لتلك الشركة صلاحية تمثيل الدولة المغربية أمام القضاء، فبالأحرى مسؤولية الشركة المذكورة في حادثة تسببت فيها إحدى سيارات الدولة، وبانعدام مثل ذلك التنصيص، يبقى الأصل في تقاضي الدولة هو ذلك المنصوص عليه في الفصل 515 من ق.م.م، تكون قد قضت على غير ذي صفة وجاء قرارها خارقًا للقانون"1.
والجدير بالذكر أن مشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة كما صادق عليه مجلس النواب نص على مراعاة المقتضيات التشريعية المخالِفة بمناسبة تنظيمه لمجالات إلزامية الاستعانة بمحام أمام القضاء، وهو ما يفيد الإبقاء على حق الخيار في التمثيل أمام القضاء، بواسطة أحد الموظفين أو بواسطة محام بالنسبة للإدارات والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية ومجموعاتها والوصي على الجماعات السلالية.
ومن جهة أخرى فإن هذا الخيار يقتصر، بالنسبة للمؤسسات العمومية، على المرحلة الابتدائية والاستئنافية ولا يشمل التقاضي أمام محكمة النقض، وفق ما يُستفاد من المادة 376 من القانون رقم 58.25 بخصوص المسطرة أمام محكمة النقض، التي نصت على أنه: "تُعفى من مساعدة المحامي الدولة والجماعات الترابية ومجموعاتها والوصي على الجماعات السلالية، طالبة كانت أم مطلوبة".
4. إعادة تنظيم التوكيل أمام القضاء
أكدت المادة 78 على ضرورة تعيين كل طرف أو وكيله موطنًا للمخابرة معه داخل دائرة نفوذ المحكمة، وإلا اعتُبر التبليغ صحيحًا إذا تم بكتابة الضبط. كما تم جعل مكتب المحامي موطنًا للمخابرة بقوة القانون، بحيث تُبلَّغ إليه الإجراءات مباشرة، باستثناء الأحكام التمهيدية التي تقضي بتحملات مالية والأحكام الفاصلة في الدعوى، ما لم يتفق الطرفان كتابة على خلاف ذلك. هذا التنظيم يترتب عنه تحميل المحامي مسؤولية قانونية واضحة في التوصل بالإجراءات نيابة عن موكله، مما يعزز فعالية التبليغ.
وضيّقت المادة 79 دائرة الأشخاص الذين يمكن أن يكونوا وكلاء للأطراف أمام القضاء، حيث حصرت ذلك في الزوج أو الصهر أو القريب أو الأصول أو الفروع إلى الدرجة الثانية، بينما كان النص القديم لا ينص على هذا القيد بشكل صريح. كما أكدت على ضرورة إثبات الوكالة بسند رسمي أو عرفي مصادَق على صحة توقيعه بصفة قانونية، أو بتصريح شفوي أمام المحكمة بمحضر الوكيل، وهو ما ينسجم مع مقتضيات الفصل 34 القديم.
5. التأكيد على إمكانية دفاع الإدارة عن نفسها أمام القضاء مع إضافة المؤسسات العمومية
تم التأكيد من خلال الفقرة الأخيرة من المادة 79 من القانون رقم 58.25 على أن الإدارات والجماعات الترابية ومجموعاتها والوصي على الجماعات السلالية يمكن أن تكون ممثلة أمام القضاء بواسطة أحد موظفيها، حيث يمكنها أن تنتدب موظفًا لهذه الغاية أو أن تنتصب محاميًا عنها. وأضاف القانون الجديد مقتضى مفاده أن المؤسسات العمومية التي يمكنها أن تدافع عن نفسها دون الاستعانة بمحام، مع ملاحظة أن المشرّع استعمل صيغة التمثيل بمعنى الدفاع وليس بمعنى الصفة في التمثيل القانوني للإدارة أمام القضاء والتي نص عليها المشرّع في المادة 606 وفق ما ذكر سابقًا. كما يلاحَظ أيضًا أن المؤسسات العمومية وبعدما كانت ملزمة بتنصيب محامٍ للدفاع عنها أمام القضاء عملًا بالمادة 31 من القانون المنظم لمهنة المحاماة، فإنه بصدور القانون رقم 58.25 أضحت هذه المقتضيات الأخيرة ملغاة عملًا بقاعدة الإلغاء الضمني للنصوص في حالة التعارض حيث يُطبَّق النص اللاحق بدل النص السابق2.
ج- القواعد الخاصة بمقال الدعوى
1. التنصيص على الإيداع الإلكتروني لمقال الدعوى
عملت المادة 76 من القانون 58.25 على تحديث مسطرة رفع الدعوى أمام محاكم الدرجة الأولى، حيث نصّت على أن الدعوى تُقدَّم بمقال مكتوب يودَع بكتابة ضبط المحكمة أو بطريقة إلكترونية، ويكون مؤرَّخًا وموقعًا من طرف المدعي أو وكيله أو محاميه، ما لم ينص القانون على خلاف ذلك.
وبذلك، يتضح من مستجدات قانون المسطرة المدنية إدماج الوسائل الإلكترونية بشكل صريح في عملية الإيداع، وهو ما يتماشى مع توجه المشرّع نحو رقمنة الإجراءات القضائية وتيسير ولوج المتقاضين إلى العدالة عبر المنصات الرقمية، مع الحفاظ على الضمانات الشكلية الأساسية المتمثلة في التوقيع والتاريخ.
2. التنصيص على ضرورة تضمين المقال بيانات إضافية
حدد المشرّع هذه البيانات الإلزامية المضافة في: رقم البطاقة الوطنية للتعريف الإلكتروني للمدعي أو ما يقوم مقامها، والاسم الشخصي والعائلي لمحامي المدعي، ورقمه الوطني، والهيئة التي ينتمي إليها، وعنوان بريده الإلكتروني، في حالة تقديم الدعوى بواسطة محام. وإذا تعلق الأمر بشخص اعتباري، وجوب الإشارة إلى اسمه وممثله القانوني ونوعه ومقره الاجتماعي، أو مقر الفرع التابع له، وعنوانه المضمَّن في السجل التجاري وعنوان بريده الإلكتروني، مع ضرورة إشعار المحكمة بأي تغيير في العنوان طائلة اعتماد العنوان المضمَّن بمقال الدعوى.
3. إقرار جزاء عدم القبول لعدم الإدلاء بالبيانات ومستندات الدعوى
شددت المادة 77 على ضرورة تضمين مقال الدعوى بيانات محددة تحت طائلة الحكم بعدم القبول، وقد حدد المشرّع هذه البيانات الإلزامية في: الاسم الكامل، والصفة، والموطن أو محل الإقامة، ورقم البطاقة الوطنية أو ما يقوم مقامها، وبيانات الوكيل أو المحامي، وبيانات الشخص الاعتباري عند الاقتضاء، إضافة إلى موجز موضوع الدعوى والوقائع والأسباب. كما ألزم المشرّع إرفاق المستندات مقابل وصل رسمي يثبت عددها ونوعها، وأوجب تقديم نسخ مساوية لعدد المدعى عليهم لعدد المقال، مع التنصيص على ضرورة إشعار المحكمة بأي تغيير في العنوان.
وبذلك، تضمّن النص الجديد تحديدًا لجزاء عدم القبول بشكل صريح عند إغفال البيانات المذكورة أعلاه أو عدم توقيع المقال، مع منح المحكمة صلاحية إنذار الأطراف لتدارك النقص داخل أجل محدد.
ويجدر التنبيه إلى أن إقرار جزاء عدم القبول يعد حلًا لإشكال أبانت عنه الممارسة القضائية، بحيث كان بعض المتقاضين يتعمدون عدم إدراج بعض البيانات في مقال الدعوى مثل عنوان المدعي بهدف حرمان الخصم من هذا البيان عند تقديمه لطعنه، خاصة فيما يتعلق بالطعن بالنقض الذي يتطلب الإدلاء بالموطن الحقيقي المطلوب في النقض تحت طائلة عدم القبول، وكان بعض من يلجأ إلى هذه الحيلة القانونية يستغل بعض التوجهات القضائية في شأن إغفال البيانات، حيث لا تأخذ المحاكم بدفوع الإدارة بعلة عدم وجود ضرر، مع أن الضرر كان محتملًا ما دام تضمين البيان غير المضمَّن ضروريًا لممارسة الطعن، وقد استصدرت الوكالة القضائية للمملكة بهذا الشأن اجتهادًا قضائيًا، نستدل عليه على سبيل المثال بالقرار عدد 587 المؤرَّخ في 12/02/2015 في الملف رقم 1053/7206/2014 الذي جاء في حيثياته ما يلي:
"وحيث صحّ ما جاء في السبب الثاني، ذلك أنه من بين البيانات الإلزامية التي ينبغي تضمينها في الحكم القضائي بموجب الفصل 50 من قانون المسطرة المدنية الإشارة إلى موطن أو محل إقامة الأطراف، وذلك تجسيدًا لما يتطلبه الفصل 32 من نفس القانون بالنسبة لبيانات المقال الافتتاحي باعتبار بيانات الحكم تستند إلى البيانات التي يدلي بها الأطراف في مقالاتهم. وحيث إن ذكر الموطن أو محل الإقامة يعتبر من بين البيانات الجوهرية ما دام أنه يتعلق بحق الطرف الآخر في تقديم الطعون القضائية في الحكم يصدر عقب المنازعة، وارتباطًا بما ينص عليه الفصل 355 من قانون المسطرة المدنية من وجوب توفر مقال النقض على الموطن الحقيقي للأطراف تحت طائلة عدم القبول، فإن عدم تضمين المقال الافتتاحي للموطن ولا محل الإقامة يؤثر لا محالة على حق الإدارة في ممارسة طرق الطعن لاحقًا، ومن ثم فإن ذلك الإخلال الشكلي يكون قد أضرّ بمصالحه بمفهوم الفصل 49 من نفس القانون، فكانت الدعوى غير مقبولة على حالتها، والحكم الابتدائي بعدم التفاته لذلك يبقى مخالفًا لمقتضيات الفصل 50 من قانون المسطرة المدنية في علاقته بالفصل 32 من نفس القانون، ويتعيّن بالتالي إلغاؤه، وبعد التصدي من جديد الحكم بعدم قبول الدعوى ....."
ثانيًا: تقييد دعوى الطعن بالإلغاء وإجراءاتها
أ- خصوصيات تقييد دعوى الطعن بالإلغاء وإجراءاتها
نص القانون رقم 58.25 على بعض الإجراءات الخاصة بتقييد دعوى الطعن بالإلغاء، حيث حافظ على جل القواعد الإجرائية التي تخص هذه الدعوى، باستثناء بعض المقتضيات التي تم إضافتها وهي في الأغلب تكريس لبعض القواعد التي كرّسها الاجتهاد القضائي، وأخرى إجراءات تقنية تخص بعض الآجال، الغاية منها ضبط بعض الآجال لتفادي إطالة أمد النزاع، وفيما يلي أهم المستجدات في هذا الإطار:
- التكريس القانوني لقاعدة العلم اليقيني بالقرار الإداري وإعادة تنظيم سريان أجل الطعن بالإلغاء
نص القانون رقم 58.25 في مادته 47 على وجوب تقديم الطعون بإلغاء القرارات الإدارية بسبب تجاوز السلطة داخل أجل ستين يومًا، يبتدئ من نشر القرار المطعون فيه أو تبليغه إلى المعني بالأمر أو من تاريخ علمه اليقيني به وبأسبابه، والغاية من ذلك هو تحصين القرار الإداري من أي طعن ضمانًا لاستقرار المراكز والأوضاع القانونية.
وبذلك، يكون المشرّع قد كرّس قاعدة استقر عليها العمل القضائي، المتمثلة في إضافة العلم اليقيني بالقرار الإداري المطعون فيه كإجراء يُعمل به في احتساب أجل الطعن بالإلغاء، ويكون له نفس الأثر الذي يتحقق عن طريق التبليغ والنشر في الجريدة الرسمية. ويقصد بالعلم اليقيني بالقرار الإداري تلك الواقعة التي يتحقق بواسطتها علم صاحب الشأن علمًا تنتفي معه الجهالة، شريطة أن يتحقق هذا العلم بمضمون القرار الإداري وبأسبابه؛ أي أن يكون صاحب الشأن على بيّنة من فحوى القرار، ومن الأسباب التي استدعت اتخاذه.
ومن الوقائع والقرائن التي اعتمدها القضاء الإداري للقول بتحقق العلم اليقيني، نذكر إدلاء الإدارة بالقرار الإداري محل الطعن في إحدى مذكراتها أو مقالاتها التي يكون الطاعن طرفًا فيها، وعدم ممارسته للطعن إلا بعد فوات الأجل الذي يُحتسب من تاريخ إدلاء الإدارة بهذا القرار، وكذلك طول المدة الفاصلة بين تاريخ صدور القرار وتاريخ تقديم الطعن، أجل السنة على سبيل المثال، وأيضًا علم المعني بالأمر بوضعيته عن طريق إحالته على التقاعد، وعدم ممارسته للطعن ضد القرار الإداري أو تقديم دعوى تسوية وضعيته إلا بعد فوات الأجل.
بقي أن نشير إلى أن أجل الطعن بالإلغاء المحدد في ستين (60) يومًا يسري فقط على الطعون بإلغاء القرارات الإدارية التي تُقدَّم أمام المحاكم الإدارية أو الأقسام المتخصصة في القضاء الإداري المحدثة لدى المحاكم الابتدائية؛ إذ إن المادة 47 المذكورة وردت ضمن الجزء الثالث من الفرع الأول من الباب الثاني الخاص بالاختصاص النوعي. ما يعني أن هذا الأجل لا يطبق على الطعون بالإلغاء التي تُقدَّم أمام محكمة النقض، والتي تخضع لأجل ثلاثين (30) يومًا من تاريخ نشر أو تبليغ المقرر المطعون فيه إلى المعني بالأمر بعنوانه المنصوص عليه في البطاقة الوطنية للتعريف الإلكتروني عملًا بالمادة 382 من القانون رقم 58.25. على خلاف القانون الملغى الذي كان يحدد هذا الأجل في ستين (60) يومًا من تاريخ النشر أو التبليغ، دون تحديد موطن التبليغ، على نحو نستنتج منه استبعاد المشرّع للعلم اليقيني بالقرار وبأسبابه، على الرغم من أن قضاء الغرفة الإدارية بمحكمة النقض استقر على تطبيق هذه القاعدة على الطعون بالإلغاء المقدَّمة أمامها.
- تقليص الآجال المتعلقة بالتظلم والطعن في القرار الإداري
معلوم أن القانون الملغى كان يتضمن مقتضيات خاصة بالتظلم ضد القرار الإداري، حيث أوجب تقديم هذا التظلم داخل أجل ستين (60) يومًا مع منح الإدارة نفس الأجل للجواب عنه، ويملك الطاعن نفس الأجل للطعن أمام المحكمة يبتدئ من تاريخ توصله بجواب الإدارة، وفي حالة عدم الجواب يمنح الطاعن أجل ستين (60) يومًا لتقديم الطعن بالإلغاء أمام المحكمة الإدارية ابتداءً من انتهاء أجل الستين (60) يومًا الممنوح للإدارة للجواب عن التظلم، مع مراعاة ما قد ينص عليه من نظام من إجراءات خاصة في شأن بعض الطعون الإدارية.
والشيء نفسه بالنسبة للقرار الضمني بالرفض الذي يتشكل بعد مرور أجل الستين (60) يومًا من تاريخ تقديم التظلم الذي يبقى دون جواب.
وقد حافظ قانون 58.25 على نفس المقتضيات واقتصر التعديل فقط على إدخال تعديل تقني يخص الأجل في حالة رفض التظلم، حيث حدد ثلاثين (30) يومًا بدلًا من الستين (60) يومًا. ويُعزى ذلك إلى تطور وسائل التواصل وتوجه المشرّع نحو اعتماد التبليغ الإلكتروني، مما يجعل أجل الستين (60) يومًا قد أضحى متجاوَزًا، وطويلًا نوعًا ما إذا أخذنا بعين الاعتبار تطور وسائل التبليغ. أما إذا لم تجب السلطة الإدارية المعنية عن الطلب المرفوع إليها خلال ثلاثين (30) يومًا، اعتُبر ذلك بمثابة رفض له، ما لم ينص قانون على خلاف ذلك، وللمعني حينئذ أن يطعن في ذلك أمام المحكمة الابتدائية الإدارية أو القسم المتخصص في القضاء الإداري بالمحكمة الابتدائية داخل أجل ثلاثين (30) يومًا، يبتدئ من انقضاء مدة ستين (60) يومًا المشار إليها أعلاه.
- إعادة تنظيم شرط الدعوى الموازية
كانت المقتضيات القديمة الواردة في القانون المحدث للمحاكم الإدارية (المادة 23 الفقرة الأخيرة) تنص على عدم قبول الطلب الذي يهدف إلى إلغاء قرار إداري إذا كان في وسع المعنيين بالأمر أن يطالبوا بما يدَّعونه بطريق الطعن العادي أمام القضاء الشامل.
وقد حافظ القانون رقم 58.25 على نفس الأحكام القانونية، إلا أنه لم ينص على جزاء عدم قبول الطلب عند وجود دعوى موازية، وإنما أقر مقتضيات إجرائية مفادها إصدار المحكمة أمرًا برفع اليد عن القضية، وإحالتها على رئيس المحكمة أو رئيس القسم المتخصص في القضاء الإداري، حسب الحالة، الذي يعيّن الهيئة المختصة.
كما أوجبت المقتضيات الجديدة على الهيئة المحال عليها القضية أن تنذر المدعي بتصحيح مقاله مع أداء الرسوم القضائية.
وواضح أن المشرّع من وراء هذا الإجراء الجديد هدف إلى تكريس الدور الإيجابي للقاضي الإداري، بأن منع عليه التصريح بعدم القبول عند وجود دعوى موازية والاستعاضة عن ذلك بإحالة الأمر إلى رئيس المحكمة أو القسم المتخصص الذي يحيلها بدوره إلى الهيئة المتخصصة في القضاء الشامل.
بقي أن نشير إلى أن شرط الدعوى الموازية ينطبق أيضًا على الطعون بالإلغاء المقدَّمة أمام محكمة النقض، غير أن هذه الأخيرة تقضي بعدم قبول الطلب، وذلك راجع لعدم اختصاص أي هيئة قضائية أخرى للبت في الطلب في إطار القضاء الشامل (المادة 382 الفقرة الأخيرة).
مستجدات طلب وقف تنفيذ القرارات الإدارية
أكدت المادة 48 على أن وقف تنفيذ قرار إداري يجب أن يكون في شكل طلب مستقل، وهو ما يعني عدم إمكانية تقديم نفس الطلب في إطار دعوى الطعن بالإلغاء، وفي ذلك تكريس لما استقرت عليه محكمة النقض. كما تم التنصيص على وجوب تقديم الطعن بالإلغاء ضد القرار المطلوب إيقاف تنفيذه، وهو توجه تشريعي يساير العمل القضائي الذي أكد على أن دعوى وقف تنفيذ قرار إداري مشتقة من دعوى الإلغاء وتعد دعوى فرعية لهذه الأخيرة.
ومن المستجدات أيضًا التنصيص على وجوب البت في طلب وقف تنفيذ القرار الإداري داخل أجل أقصاه ثلاثون (30) يومًا من تاريخ إيداعه بكتابة ضبط المحكمة.
أسئلة شائعة حول القانون رقم 58.25
ما هي أهم شروط قبول الدعوى وفق القانون رقم 58.25؟
حافظ القانون رقم 58.25 على الشروط العامة التقليدية لقبول الدعوى المتمثلة في الصفة والمصلحة والأهلية، مع تدقيق بعض المقتضيات المرتبطة بالدفع بعدم القبول، وإضافة إمكانية إذن القاصر المميز بالتقاضي بنفسه في حالات محددة.
متى يجب إدخال الوكيل القضائي للمملكة في الدعوى؟
يجب إدخال الوكيل القضائي للمملكة كلما استهدفت الطلبات التصريح بمديونية الدولة أو إدارة أو مؤسسة عمومية أو أي شخص آخر من أشخاص القانون العام، في قضية لا علاقة لها بالضرائب ولا بإدارة أملاك الدولة، وإلا كانت الدعوى غير مقبولة.
ما هو أجل الطعن بالإلغاء ضد القرار الإداري؟
حدد القانون رقم 58.25 أجل الطعن بالإلغاء أمام المحاكم الإدارية والأقسام المتخصصة في ستين (60) يومًا تبتدئ من تاريخ نشر القرار أو تبليغه أو من تاريخ العلم اليقيني به وبأسبابه، بينما يكون الأجل ثلاثين (30) يومًا أمام محكمة النقض.
هل يمكن الجمع بين طلب إلغاء القرار الإداري وطلب وقف تنفيذه في مقال واحد؟
لا، اشترطت المادة 48 من القانون رقم 58.25 أن يكون طلب وقف تنفيذ القرار الإداري في شكل طلب مستقل، مع وجوب تقديم دعوى الطعن بالإلغاء ضد القرار المطلوب إيقاف تنفيذه، ويجب البت في طلب وقف التنفيذ داخل أجل أقصاه ثلاثون (30) يومًا.
ما الجزاء المترتب عن عدم تضمين مقال الدعوى للبيانات الإلزامية؟
رتب القانون رقم 58.25 جزاء عدم القبول عند إغفال البيانات الإلزامية المنصوص عليها في المادة 77 (كالاسم والصفة والموطن وبيانات الوكيل أو المحامي) أو عدم توقيع المقال، مع إمكانية منح المحكمة أجلًا لتدارك النقص.
المصدر: دليل عملي حول مستجدات القانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية، إصدار الوكالة القضائية للمملكة، المحور الأول: شروط قبول الدعوى وإجراءات تقييدها والدعوى ضد أشخاص القانون العام.
1- قرار محكمة النقض عدد 1072 الصادر بتاريخ 10/10/2018 في الملف الجنحي عدد 19992/6/2/2015.
2- يراجع الفصل 494 من قانون الالتزامات والعقود الذي ينص على ما يلي: "لا تلغى القوانين إلا بقوانين لاحقة، وذلك إذا نصت هذه القوانين صراحة على الإلغاء، أو كان القانون الجديد متعارضًا مع قانون سابق أو منظمًا لكل الموضوع الذي ينظمه".
لمزيد من المقالات القانونية حول قانون المسطرة المدنية والاجتهاد القضائي المغربي، يمكنكم زيارة موقع مكتبة القانون - bibliotdroit.com.

شكرا جزيلا
للاستفادة من موقعنا ابحثوا على الموضوع الذين تريدون، بمربع البحث. نسعى دائما لتطوير موقعنا، شكرا لكم