الجرائم الانتخابية في القانون 57.11: دليل تحليلي للمهنيين في تصنيف المخالفات والعقوبات وإشكالات الإثبات
القسم الثالث من القانون رقم 57.11 المتعلق باللوائح الانتخابية العامة وعمليات الاستفتاء واستعمال وسائل الاتصال السمعي البصري العمومية خلال الحملات الانتخابية والاستفتائية يشكّل منظومة زجرية متكاملة تمتد من المادة 85 إلى ما بعد المادة 115، تجرّم كل فعل يمس سلامة القيد في اللوائح وحرية التصويت ونزاهة الفرز. هذا المقال يعيد ترتيب هذه المواد موضوعياً، ويربط كل جريمة بعقوبتها الرقمية الكاملة، ثم ينتقل إلى ما يهم الممارس فعلاً: كيف تُثبت هذه الجرائم، ومن يحرّك الدعوى، وأمام أي محكمة، وما آجال التقادم.
الإطار المرجعي والمستجد التشريعي لسنة 2026
القانون 57.11 صدر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.171 بتاريخ 28 أكتوبر 2011، ونُشر بالجريدة الرسمية عدد 5991 بتاريخ 31 أكتوبر 2011 (ص 5256). وقد جرى تعديله وتتميمه بموجب القانون رقم 55.25، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.25.72، المنشور بالجريدة الرسمية عدد 7478 (ص 796)، في صيغة محيّنة مؤرخة بـ 29 يناير 2026. مسّ هذا التعديل — وفق ما أوردته جريدة هسبريس التي اطّلعت على مضامين المشروع (27 أكتوبر 2025) — «حوالي 20 مادةً» تغييراً وتتميماً، أبرزها المادة 115 المتعلقة باستطلاعات الرأي، حيث أُدرجت لأول مرة شبكات التواصل الاجتماعي وأدوات الذكاء الاصطناعي والمنصات الإلكترونية ضمن دائرة التجريم.
هذا السياق ليس تفصيلاً هامشياً: أعلن المغرب رسمياً عن 23 شتنبر 2026 موعداً لإجراء انتخابات مجلس النواب، في سباق يخوضه عدد كبير من الأحزاب، ما يجعل تفعيل المقتضيات الزجرية للقانون 57.11 مسألة راهنة أمام النيابات العامة والمحاكم.
المبدأ الحاكم: استبعاد العقوبات البديلة (المادة 85)
تحدد المادة 85 نطاق القسم الثالث: الجرائم المتعلقة بالقيد في اللوائح الانتخابية والجرائم المرتكبة بمناسبة الاستفتاء والعقوبات المقررة لها. والأهم للممارس أن المادة تنص صراحة على أنه لا يحكم بالعقوبات البديلة في الجنح المنصوص عليها في هذا القانون. هذا الاستثناء يقصي تطبيق مقتضيات العقوبات البديلة المستحدثة في المنظومة الجنائية العامة على هذه الجنح، ويعكس إرادة تشديدية واضحة لدى المشرع في المادة الانتخابية.
أولاً: جرائم القيد في اللوائح الانتخابية
هذه الطائفة تحمي مرحلة سابقة على الاقتراع لكنها حاسمة، لأن اللائحة الانتخابية هي أداة التحقق من توفر شروط اكتساب حق التصويت. وقد نبّه وزير العدل في منشور رسمي موجّه إلى الوكلاء العامين للملك ووكلاء الملك إلى ضرورة التصدي للمخالفات المرتكبة بمناسبة التقييد في اللوائح الانتخابية «بالحزم والصرامة اللازمين».
- المادة 86: حبس من 6 أشهر إلى سنة وغرامة من 10.000 إلى 50.000 درهم لكل من حصل على قيده باسم غير اسمه أو بصفة غير صفته، أو أخفى مانعاً قانونياً، أو حصل على قيده في لائحتين أو أكثر (القيد المزدوج). يمكن الحكم بالحرمان من حق التصويت وممارسة الحقوق الوطنية لمدة 5 سنوات. وتطبق نفس العقوبة على المساهم، وتضاعف إذا كان موظفاً عمومياً أو مأموراً من مأموري الإدارة أو جماعة ترابية أو منتخباً.
- المادة 87: نفس العقوبة (حبس 6 أشهر إلى سنة وغرامة 10.000 إلى 50.000 درهم) لكل من استعمل تصريحات مدلسة أو شهادات مزورة للحصول أو محاولة الحصول على قيده، أو قيّد بها شخصاً أو شطب اسمه بغير موجب قانوني، أو حاول ذلك أو شارك فيه.
- المادة 88: حبس من 6 أيام إلى شهر وغرامة من 1.200 إلى 5.000 درهم أو بإحدى العقوبتين، لمن فقد حق التصويت وصوّت بحكم قيده، أو بقي مقيداً دون طلب منه. وهي أخفّ عقوبات القسم، لأنها تعالج وضعية أقرب إلى الخطأ المادي منها إلى القصد الجنائي.
ثانياً: جرائم التصويت المتعدد وانتحال الصفة
- المادة 89: حبس من 6 أشهر إلى 3 سنوات وغرامة من 10.000 إلى 50.000 درهم لمن صوّت بموجب قيد حصل عليه في الحالات المنصوص عليها في المادة 86، أو بانتحاله اسم وصفة مصوّت مسجل، أو استعمل حقه في التصويت أكثر من مرة.
- المادة 90: يعاقب بعقوبات المادة 89 كل شخص مقيد في لوائح متعددة صوّت أكثر من مرة. الترابط بين المواد 86 و89 و90 يبني سلسلة تجريمية متدرجة: القيد المزدوج جريمة قائمة بذاتها، والتصويت المبني عليه جريمة أشد.
ثالثاً: جرائم الدعاية والملصقات في حملة الاستفتاء
هذه المخالفات جميعها غرامية في الأصل، وتدور حول تنظيم المجال العمومي للدعاية.
| المادة | الفعل المجرّم | العقوبة |
|---|---|---|
| 91 | توزيع إعلانات أو منشورات أو وثائق تتعلق بحملة الاستفتاء يوم الاقتراع | غرامة 10.000 إلى 50.000 درهم |
| 92 | تعليق إعلانات خارج الأماكن المحددة (م.51) أو في مكان مخصص لحزب/نقابة أخرى | غرامة 10.000 إلى 50.000 درهم |
| 93 | مخالفة الفقرة الأولى من المادة 53 | غرامة 10.000 إلى 50.000 درهم (ممثل حزب/نقابة)؛ 50.000 درهم (صاحب مطبعة) |
| 94 | إعلانات أو توزيع منشورات لفائدة حزب/نقابة غير مشاركة في الاستفتاء | غرامة 10.000 إلى 50.000 درهم؛ وحبس 6 أشهر إلى سنة + غرامة إذا كان الفاعل موظفاً عمومياً أو مأموراً |
| 95 | استعمال أو التنازل عن المساحة المخصصة للملصقات لغير غرضها، أو استعمال مساحة غير مخصصة | غرامة 10.000 إلى 50.000 درهم |
| 96 | تسخير الوسائل والأدوات المشار إليها في الفقرة الثالثة من المادة 53 في حملة الاستفتاء | حبس سنتين إلى 5 سنوات + غرامة 50.000 إلى 100.000 درهم |
الفرق العقابي بين المادة 96 وباقي مواد الدعاية لافت: القفز من غرامة بسيطة إلى عقوبة جنحية مشددة تصل إلى خمس سنوات حبساً يعكس خطورة تسخير الوسائل والأدوات العمومية في التأثير على الاستفتاء.
رابعاً: جرائم يوم الاقتراع — من الإخلال بالنظام إلى الاقتحام المسلح
هنا ينتقل المشرع من الجنحة إلى الجناية، وتتصاعد العقوبات بحسب جسامة الاعتداء على العملية.
- المادة 97: حبس من سنة إلى 3 سنوات وغرامة من 50.000 إلى 100.000 درهم لكل مكلف بتلقي أوراق التصويت وإحصائها وفرزها قام باختلاسها أو إضافة ما ليس منها أو إفسادها أو قرأ لفظاً غير المقيّد. وتطبق نفس العقوبة على كل متلبس بتسريب أوراق التصويت خارج المكتب قبل الاقتراع أو خلاله.
- المادة 98: تمنع دخول قاعة التصويت بأسلحة ظاهرة أو مخفية أو أدوات خطرة (تحت طائلة عقوبات تشريع التجمعات العمومية)، وتمنع إدخال الهاتف النقال أو أي جهاز معلوماتي أو وسيلة تصوير أو اتصال سمعي بصري، مع استثناء رؤساء المكاتب والمكاتب المركزية ولجان الإحصاء والمرخّص لهم. وفي حالة المخالفة يحجز الرئيس الجهاز دون إخلال بالمتابعات.
- المادة 99: حبس من شهر إلى سنة وغرامة من 10.000 إلى 50.000 درهم لمن استعمل أخباراً زائفة أو إشاعات كاذبة أو طرق تدليس لتحويل الأصوات أو دفع مصوت إلى الإمساك عن التصويت.
- المادة 100: حبس من 6 أشهر إلى سنة وغرامة من 10.000 إلى 50.000 درهم لمن استأجر أو سخّر أشخاصاً لتهديد المصوتين أو الإخلال بالنظام العام، وتضاعف العقوبة إذا كان هؤلاء مصوتين.
- المادة 101: نفس العقوبة (6 أشهر إلى سنة + 10.000 إلى 50.000 درهم) لمن أحدث اضطراباً بتجمعات أو صياح أو مظاهرات تهديدية أو مسّ بحرية التصويت.
- المادة 102: حبس من 6 أشهر إلى سنة وغرامة من 10.000 إلى 50.000 درهم لمن اقتحم أو حاول اقتحام قاعة التصويت بعنف لمنع المصوتين؛ وترتفع إلى الحبس من سنة إلى 3 سنوات إذا كان المقتحمون يحملون السلاح.
- المادة 103: دون إخلال بالمقتضيات الأشد، السجن من 10 إلى 20 سنة إذا وقع الاقتحام بناء على خطة مدبرة متفق على تنفيذها في المملكة كلها أو في عمالة أو إقليم أو جماعة أو مقاطعة أو عدة منها. وهذه أشد عقوبة في القسم، إذ تحوّل الفعل إلى جناية خطيرة بالنظر إلى ركن التخطيط والاتفاق المسبق.
- المادة 104: دون إخلال بالأشد، حبس من 6 أشهر إلى سنة وغرامة من 15.000 إلى 50.000 درهم للمصوتين الذين يرتكبون في حق رئيس المكتب أو عضو منه عنفاً أو يؤخرون عمليات التصويت أو يحولون دونها بالاعتداء أو التهديد أو التخويف بفقد الوظيفة أو الإضرار بالشخص أو الأسرة أو الممتلكات.
خامساً: جرائم الاعتداء على صندوق الاقتراع ونتائجه
- المادة 105: حبس من سنة إلى سنتين وغرامة من 20.000 إلى 50.000 درهم لمن انتهك عمليات الاقتراع بكسر الصندوق أو فتح الأغلفة أو تشتيتها أو إتلافها أو إبدالها أو بأية مناورات لتغيير النتيجة أو انتهاك سرية التصويت.
- المادة 106: حبس من سنة إلى 5 سنوات وغرامة من 20.000 إلى 50.000 درهم لمن استولى على الصندوق قبل فرز الأصوات.
- المادة 107: السجن من 5 إلى 10 سنوات لمن انتهك عمليات التصويت أو الفرز أو الإحصاء أو إعلان النتائج، إذا ارتكبه الأشخاص المعهود إليهم بإنجاز هذه العمليات. الظرف المشدد هنا هو صفة الفاعل: خيانة المؤتمَن على العملية ترفعها من جنحة إلى جناية.
سادساً: الرشوة الانتخابية واستعمال المال والنفوذ
هذه هي الطائفة الأكثر إثارة للنزاع العملي، وقد شدّد فيها المشرع العقوبة إلى مستوى جنحي مرتفع.
- المادة 108: حبس من سنة إلى 5 سنوات وغرامة من 50.000 إلى 100.000 درهم لمن استعمل هدايا أو تبرعات نقدية أو عينية أو وعوداً بها أو بوظائف عامة أو خاصة أو منافع أخرى، للتأثير على مصوت أو أكثر، مباشرة أو بواسطة الغير، أو لحمله على الإمساك عن التصويت. وتطبق نفس العقوبات على من قبل الهدايا أو التمس التبرعات أو توسّط أو شارك.
- المادة 109: نفس العقوبة (سنة إلى 5 سنوات + 50.000 إلى 100.000 درهم) لمن حمل أو حاول حمل مصوت على الإمساك عن التصويت أو أثّر في تصويته بالاعتداء أو العنف أو التهديد أو التخويف بفقد الوظيفة أو الإضرار.
- المادة 110: نفس العقوبة لمن قدّم خلال حملة الاستفتاء هدايا أو تبرعات أو وعوداً أو هبات إدارية لجماعة ترابية أو لمجموعة من المواطنين قصد التأثير في التصويت. وهذه المادة تستهدف تحديداً استعمال المال العام والهبات الإدارية.
- المادة 111: تضاعف العقوبة في المواد 108 و109 و110 إذا كان الفاعل موظفاً عمومياً أو مأموراً من مأموري الإدارة أو جماعة ترابية، ويترتب بقوة القانون الحرمان من التصويت لمدة سنتين.
في التطبيق القضائي، تظهر هذه المقتضيات أساساً أمام المحكمة الدستورية في سياق الطعون في نتائج الانتخابات التشريعية، حيث تطبق المحكمة النص الزجري المقابل في القانون التنظيمي لمجلس النواب رقم 27.11 (المادة 62 منه المطابقة في مضمونها للمادة 108 من القانون 57.11). فقد أوردت المحكمة الدستورية نص المادة 62 حرفياً: «يعاقب بالحبس من سنة إلى خمس سنوات وبغرامة من 50.000 إلى 100.000 درهم كل من حصل أو حاول الحصول على صوت ناخب أو أصوات عدة ناخبين بفضل هدايا أو تبرعات نقدية أو عينية أو وعد بها أو بوظائف عامة أو خاصة أو منافع أخرى قصد بها التأثير على تصويتهم».
وفي تطبيق ملموس، ألغت المحكمة الدستورية مقعدَي حزب الأصالة والمعاصرة العائدين ليوسف هوار وعبد القادر حظوري بالدائرة الانتخابية المحلية «وجدة – أنجاد» على إثر اقتراع 7 أكتوبر 2016، مع الأمر بتنظيم انتخابات جزئية عملاً بالمادة 91 من القانون التنظيمي لمجلس النواب. واعتبرت المحكمة، بنصّ قرارها، أن المرشح «قدم للناخبين هبات عينية مقايضاً بها وبشكل ظاهر منحه أصواتهم وهو سلوك يتنافى مع حرية ونزاهة الانتخاب، ويشكل مناورة تدليسية أثرت على إرادة الناخبين وأفسدت العملية الانتخابية»، وأن الوعد كان بتسليم الناخبين «بطاقات من أجل الاستشفاء المجاني بمصحة خاصة» (وفق ما نقلته جريدة العمق المغربي، 25 أغسطس 2017).
سابعاً: خرق سرية الاقتراع ونزاهته (المادتان 112 و113)
المادة 112: باستثناء الحالات المنصوص عليها خصوصاً في القوانين الجاري بها العمل، حبس من شهر إلى سنة وغرامة من 10.000 إلى 50.000 درهم لكل من قام، في مكتب تصويت أو مكتب مركزي أو مكاتب السلطات الإدارية المحلية أو خارجها، بخرق أو محاولة خرق سرية التصويت أو المس بنزاهته أو الحيلولة دون إجراء العمليات، سواء بتعمد الإخلال بالنصوص أو بأي عمل تدليسي، وقبل الاقتراع أو أثناءه أو بعده. وتضاعف العقوبة إذا كان الفاعل موظفاً عمومياً أو مأموراً.
المادة 113: يجوز الحكم على مرتكب أفعال المادة 112 بالحرمان من ممارسة الحقوق الوطنية لمدة لا تقل عن سنتين ولا تتعدى خمس سنوات. المادة 112 صياغتها فضفاضة قصداً («أو بأي عمل آخر من أعمال التدليس») لتشكّل شبكة أمان تجريمية تلتقط الأفعال التي لا تندرج تحت نص خاص.
ثامناً: جريمة استطلاعات الرأي (المادة 115) — البعد الرقمي والذكاء الاصطناعي
تمنع المادة 115 إجراء استطلاعات الرأي المرتبطة مباشرة أو غير مباشرة بانتخاب أو استفتاء خلال الفترة الممتدة من اليوم الخامس عشر السابق لانطلاق الحملة إلى غاية انتهاء عمليات التصويت. ويشمل المنع نشر نتائج أي استطلاع أو التعليق عليها بأي وسيلة، بما فيها شبكات التواصل الاجتماعي وشبكات البث المفتوح وأدوات الذكاء الاصطناعي وأي منصة إلكترونية أو تطبيق يعتمد على الأنترنيت أو الأنظمة المعلوماتية.
يُعرّف النص استطلاع الرأي بأنه كل تحقيق أو بحث أو تحرٍّ يجرى لدى عينة من السكان بقصد الحصول على معلومات إحصائية أو معرفة الآراء. أما العقوبة فهي حبس من ستة أشهر إلى سنة وغرامة من 100.000 إلى 250.000 درهم لكل من طلب إجراء الاستطلاع أو أجراه أو نشر نتائجه أو علّق عليها. وإذا كان الفاعل شخصاً معنوياً، تطبق عقوبة الحبس على الشخص الطبيعي الممثل قانونياً، ويرفع الحد الأقصى للغرامة إلى 500.000 درهم، مع إمكانية الحكم بسقوط الأهلية التجارية لمدة خمس سنوات.
هذا التوسيع لدائرة التجريم ليشمل الذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية هو أبرز مستجدات تعديل 2026، ويضع المشرع المغربي في مقدمة من واجهوا استعمال أدوات الذكاء الاصطناعي في التأثير على استطلاعات الرأي الانتخابية. ويُلاحظ أن الحد الأقصى لغرامة الشخص المعنوي رُفع من 200.000 درهم في الصيغة الأصلية إلى 500.000 درهم بموجب تعديل 55.25.
تاسعاً: العود، التقادم، والعقوبات التكميلية (المادة 114)
المادة 114: في حالة العود، تضاعف العقوبات الحبسية والسجنية والغرامية المنصوص عليها في القسم. ويعتبر عائداً كل من سبق الحكم عليه بحكم مكتسب لقوة الشيء المقضي به عن جريمة من جرائم هذا القسم، ثم ارتكب جريمة مماثلة قبل مضي خمس سنوات من قضاء العقوبة أو تقادمها. والأهم هنا مفهوم المماثلة الموسّع: تعتبر مماثلة جميع الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون أو في تشريعات الانتخابات التشريعية أو انتخابات مجالس الجماعات الترابية أو الغرف المهنية. أي أن العود يُحتسب عابراً للنصوص الانتخابية كلها، لا داخل القانون 57.11 وحده.
وتتقادم الدعوى العمومية والدعوى المدنية المقامتان بموجب هذا القانون وفق المقتضيات المنصوص عليها في التشريع الجاري به العمل، أي بالرجوع إلى قواعد التقادم في قانون المسطرة الجنائية بحسب تكييف الفعل جنحة أو جناية.
الإشكالات العملية: الإثبات، تحريك الدعوى، والاختصاص
1. دور النيابة العامة وعبء الإثبات
النيابة العامة هي محرّك الدعوى العمومية في هذه الجرائم. وقد أكدت مناشير وزارة العدل المتعاقبة الدور المنوط بالنيابات العامة في «تتبع ومواكبة كل مراحل الاستحقاقات»، ودعت إلى إعطاء الشكايات والوشايات ما تستحقه من اهتمام والقيام بالتحريات المكثفة للكشف عن مرتكبي الخروقات. الإشكال العملي أن أغلب جرائم المال الانتخابي (المواد 108-110) تُرتكب في السر وقبل يوم الاقتراع، ما يجعل إثباتها بالقرائن والتحريات أصعب من إثبات جرائم يوم الاقتراع المرئية (اقتحام، كسر صندوق).
2. ازدواجية المسار: القضاء الزجري والقضاء الدستوري
يجب التمييز بدقة بين مسارين: مسار المتابعة الجنائية أمام المحاكم الزجرية (ابتدائية واستئنافية، وصولاً إلى محكمة النقض) الذي ينتهي بعقوبة حبسية أو غرامية؛ ومسار الطعن الانتخابي أمام المحكمة الدستورية الذي ينتهي بإلغاء الانتخاب أو رفض الطعن. الفعل الواحد (شراء الأصوات مثلاً) قد يرتّب أثرين مستقلين: عقوبة جنائية على الفاعل، وبطلان انتخاب المستفيد.
3. معيار «فارق الأصوات» أمام المحكمة الدستورية
في المسار الدستوري، يعتمد القاضي منهجاً واقعياً يقوم على «الأثر الفعال للمخالفة ومدى تأثيرها في إرادة الناخب وفي نتيجة الاقتراع». ومعيار فارق الأصوات يدفع القاضي الدستوري إلى التغاضي عن كثير من مخالفات الحملة عندما يكون الفارق كبيراً بين المرشح الفائز ومن يليه. استثناءً، في حالة استعمال الرموز الوطنية أو الدينية، لا يتردد القاضي في الإلغاء دون بحث فارق الأصوات. وهذا المعيار يفسّر لماذا كثير من الطعون المبنية على المال الانتخابي تُرفض رغم جدية الادعاءات، لعدم كفاية الحجة أو لانتفاء الأثر الحاسم على النتيجة.
4. محدودية الاجتهاد الجنائي المنشور
يواجه الباحث والممارس ندرة في النصوص الكاملة المنشورة لقرارات محكمة النقض المغربية (الغرفة الجنائية) المطبِّقة تحديداً للفصل 108 وما يليه من القانون 57.11. التطبيق العملي للعقوبات الزجرية على الرشوة الانتخابية يظهر أساساً في قرارات المحكمة الدستورية عبر النص التنظيمي المقابل، لا في أحكام جنائية منشورة بالنص الكامل، ما يشكّل فجوة توثيقية ينبغي سدّها بالرجوع إلى منشورات محكمة النقض والمجلس الأعلى للسلطة القضائية.
خلاصات عملية للمهني
- عند إعداد الدفاع أو المتابعة، حدّد أولاً صفة الفاعل: صفة الموظف العمومي أو المأمور أو المنتخب تضاعف العقوبة في المواد 86 و94 و111 و112.
- ميّز بين الجنحة والجناية لضبط الاختصاص وأجل التقادم: المادتان 103 (10-20 سنة) و107 (5-10 سنوات) جنايتان، وأغلب الباقي جنح.
- في جرائم المال الانتخابي، ركّز جمع الأدلة على القرائن الموثقة (تسجيلات، شهادات، محاضر ضبط)، لأن المحكمة الدستورية والزجرية معاً تشددان في الإثبات.
- انتبه إلى مفهوم العود العابر للنصوص في المادة 114: سابقة في انتخابات جماعية قد تُشكّل عوداً في متابعة لاحقة بموجب القانون 57.11.
- في المادة 115، لا تُغفل البعد الرقمي الجديد: نشر أو التعليق على استطلاع عبر منصة إلكترونية أو أداة ذكاء اصطناعي خلال الفترة المحظورة يكفي لقيام الجريمة، وقد تصل غرامة الشخص المعنوي إلى 500.000 درهم مع سقوط الأهلية التجارية.
يمكن الاطلاع على مواضيع ذات صلة عبر الروابط الداخلية التالية: القانون الجنائي المغربي والجرائم الخاصة، واللوائح الانتخابية والقانون الانتخابي بالمغرب، ومسطرة تحريك الدعوى العمومية.
وللرجوع إلى النصوص الرسمية: بوابة العدالة – وزارة العدل (النص المحيّن للقانون 57.11)، والأمانة العامة للحكومة، والمحكمة الدستورية.
المرجع القانوني: ظهير شريف رقم 1.11.171 بتنفيذ القانون رقم 57.11 المتعلق باللوائح الانتخابية العامة وعمليات الاستفتاء واستعمال وسائل الاتصال السمعي البصري العمومية خلال الحملات الانتخابية والاستفتائية، الجريدة الرسمية عدد 5991 بتاريخ 31 أكتوبر 2011 (ص 5256)؛ معدّلاً ومتمّماً بالقانون رقم 55.25 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.25.72، الجريدة الرسمية عدد 7478 (ص 796)، صيغة محيّنة بتاريخ 29 يناير 2026.

شكرا جزيلا
للاستفادة من موقعنا ابحثوا على الموضوع الذين تريدون، بمربع البحث. نسعى دائما لتطوير موقعنا، شكرا لكم