القائمة الرئيسية

الصفحات

أحكام الطلاق في الشريعة الإسلامية

أحكام الطلاق في الشريعة الإسلامية





أحكام  الطلاق  في  الشريعة  الإسلامية
حسين  حلاوة


P

المقدمة:
     الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا وقدوتنا محمد r وعلى آله وصحبه ومن سار على دربه إلي يوم الدين      وبعد
     فإن الإسلام قد أولى الأسرة عناية خاصة فشرع لها من الأحكام ما يضمن سلامتها من التفكك ويحفظ كيانها من الضياع ويجعلها لبنة قوية تقوم عليها الأمة ، وقد أفردت مؤلفات جمة في أحكام الأسرة بل ما يخلو كتاب من كتب الفقه أو الحديث إلا وفيه كتاب يسمى كتاب"النكاح" او "الزواج" يحمل بين جنباته أحكام الأسرة بدءً من الحث على الزواج استجابة لأمر الله تعالى "وانكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم أن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم" مروراً بأحكام الخطبة والعقد والحقوق المترتبة عليه وانتهاء بفرق الزواج وأحكامه والتي منها موضوع هذا البحث والذي جاء تحت عنوان " أحكام الطلاق في الشريعة الإسلامية" حاولت البحث في أهم النقاط التي تدور حول الطلاق مثل حكم الطلاق والحكمة من تشريعه، ولم كان بيد الرجل لأرد فيه على المشككين الذين يحاولون النيل من الإسلام في مثل هذه المسائل ثم عرجت على أركان الطلاق وشروط كل ركن ثم تحدثت عن أقسام الطلاق من حيث صفته والأثر الناتج عنه ومن حيث الصيغة المستعملة فيه وزمن وقوعه مدعماً بآراء أهل العلم وادلتهم ثم ختمته بنصائح للحد من الطلاق وهذا العمل المتواضع أتقدم به بين يدي شيوخي وأساتذتي رئيس و أعضاء المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث في الدورة الثالثة عشرة للمجلس والتي تدور حول الأسرة ومشكلاتها في الغرب والحلول الشرعية فإن أحسنت فمن الله وحده وإن أخطأت فمن نفسي وما أبري نفسي.
هذا وقد قسمت البحث في: مقدمة وأربعة فصول:
المقدمة.
الفصل الأول: الحكم التكليفي للطلاق.
Ø    المبحث الأول: تعريفه.
Ø    المبحث الثاني: الفرق بين الطلاق والفسخ.
Ø    المبحث الثالث: مشروعيته وحكمه.
o      المطلب الأول: مشروعيته
o      المطلب الثاني: حكمة مشروعيته
o      المطلب الثالث: حكم الطلاق

الفصل الثاني: أركان الطلاق.
Ø    المبحث الأول: الزوج"المطلْق"
Ø    المبحث الثاني: الزوجة"المطلَّقة".
Ø    المبحث الثالث: الصيغة.

الفصل الثالث:  أقسام الطلاق
Ø    المبحث الأول : الطلاق من حيث صفته
o      المطلب الأول: الطلاق السني.
o      المطلب الثاني: الطلاق البدعي.
Ø    المبحث الثاني: الطلاق من حيث الأثر الناتج عنه.
o      المطلب الأول: الطلاق الرجعي.
o      المطلب الثاني: الطلاق البائن.
Ø    المبحث الثالث: الطلاق من حيث الصيغة المستعملة.
o      المطلب الأول: الطلاق الصريح.
o      المطلب الثاني: الطلاق الكناية.
Ø    المبحث الرابع: الطلاق من حيث زمن وقوعه
o      المطلب الأول: الطلاق المنجز.
o      المطلب الثاني: الطلاق المعلق.
الفصل الرابع: كيف نحد من الطلاق.


الفصل الأول الحكم التكليفي للطلاق


المبحث الأول: تعريف الطلاق
توطئه:
     العقد الذي تقوم عليه الزوجية عقد له قدسيتة في الإسلام سماه الله تعالى في كتابه الحكيم بالميثاق الغليظ حين قال: ]وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً[ [1] وهذا العقد كسائر العقود الشرعية له التزامات وواجبات وحقوق يجب على الطرفين الوفاء بها استجابة لقوله تعالى: ] يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود[ [2] وخص عقد الزواج بالحث على الوفاء به فقال r:"أحق ما أوفيتم به من الشروط ما استحللتم به الفروج"[3] فإذا أُريد لهذا العقد أن يفرق فلا خلاف بين الفقهاء في ان الفرقة تكون
 بالطلاق أو الفسخ وان اندرج تحت كل قسم من هذين القسمين أنواع قد يكون بعضها بحكم القاضي أو لا وقد يكون بعضها برضا الطرفين أو أحدهما وسوف ابدأ بتعريف الطلاق لغة واصطلاحاً ثم تعريف الفسخ كذلك لغة واصطلاحاً والفرق بين ما يعتبر طلاقاً وما يعتبر فسخاً.
     الطلاق في اللغة:
      رفع القيد مطلقاً سواء أكان حسياً أم معنوياً جاء في مختار الصحاح "أطلق الأسير خلاه وأطلق الناقة من عقالها فطلقت، والطليق الأسير الذي اطلق عنه اساره وخلي سبيله" وجاء فيه ايضاً طلق امرأته تطليقاً وطلقت هي تطلق بالضم طلاقاً فهي طالق وطالقة أيضاً قال الأخفش ولا يقال طُلقت بالضم[4].
     وقال الراغب أصل الطلاق التخلية من الوثاق ويقال أطلقت البعير من عقاله إذا تركته بلا قيد ومنه استعير طلقت المرأة نحو خليتها فهي طالق اي مخلاة عن حبالة النكاح[5].
الطلاق في الشرع:
     عرفه الحنفية: بقولهم "رفع قيد النكاح في الحال أو المآل بلفظ مخصوص.[6]
وعرفه المالكية:بأنه إزالة القيد وارسال العصمة وقيل حل العصمة المنعقدة بين الزوجين.[7]
وعند الشافعية: هو اسم لحل قيد النكاح بلفظ الطلاق ونحوه.[8] وأما الحنابلة فقد عرفوه بأنه حل قيد النكاح.[9]
     ويمكن أن نعرف الطلاق تعريفاً أشمل لشروطه وأركانه بأنه حل عقد الزواج الصحيح في الحال أو المآل بالصيغة الدالة على ذلك[10].

المبحث الثاني: الفرق بين الطلاق والفسخ.
الفسخ لغة:
    النقض يقال فسخ البيع والعزم فانفسخ أي:نقضه فانتقض.
الفسخ أصطلاحاً:
    اعلان ترتفع به أحكام عقد الزواج في الحال ولا يؤثر على ماكان قبله[11] أي: إن الفسخ لا يؤثر في صحة نسب الأولاد الحاصلين للزوجية قبل الفسخ ولا تعتبر المعاشرة الزوجية التي حصلت بين الزوجين قبل الفسخ فعلاً آثماً.
الفرق بين الطلاق والفسخ:
1-    الطلاق إنما يكون من زواج صحيح ويعتبر انهاءً له في الحال أو المآل أما الفسخ فهو نقض لعقد ظهر أن فيه خللاً عند نشوئه، كما لو ظهر أن الزوجة كانت محرمة عليه عند العقد بالرضاعة مثلاً، أو طرأ على عقد الزواج الصحيح أمرٌ عارض منع بقاءه صحيحاً كما لو ارتد أحد الزوجين.وقد يكون من زوج صحيح كما في الخلع عند من يرى أنه فسخ.
2-  الطلاق حق يملكه الزوج ويملك ايقاعه متى شاء أو تفويض أو توكيل من شاء ليوقعه، أما الفسخ فيكون لأسباب قارنت العقد أو طرأت عليه.
3-    الطلاق ينقص العدد الذي يملكه الزوج على زوجه من الطلقات أما الفسخ فلا ينقص من العدد شيئاً.
4-  الطلاق منه الرجعي الذي يملك فيه الزوج حق الرجعة قبل انقضاء عدتها، ومنه البائن بينونة صغرى ويحق للزوجين أن يعودا إلى عش الزوجية بعقد جديد ومهر جديد، ومنه البائن بينونة كبرى والذي لا تحل فيه الزوجة لزوجها حتى تنكح زوجاً غيره، أما الفسخ فهو رفع للعقد من الأصل وجعله كأن لم يكن.
5-    الطلاق قبل الدخول يوجب نصف المهر أما الفسخ قبل الدخول فلا يوجب شيئاً للمرأة.

المبحث الثالث: مشروعيته وحكمه.
المطلب الأول: مشروعيته                      
     الطلاق مشروع بنص القرآن الحكيم والسنة المطهرة واجماع الأمة: أما القرآن الكريم فقد وردت نصوص عدة تدل على مشروعيته منها قوله تعالى: ] الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان[ [12] وقد سميت سورة في القرآن بسورة الطلاق وجاء فيها قوله تعالى:] يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن[[13].
     وفي السنة أخبار كثيرة تدل على مشروعيته كذلك منها حديث عمر "أن رسول الله r طلق حفصة ثم راجعها"[14] ،وجاء في الصحيحين "أن ابن عمر طلق امرأته وهي حائض فسأل عمر رسول الله r عن ذلك فقال رسول الله r :"مره فليراجعها ثم ليتركها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك بعد  وأن شاء طلق قبل أن يمس فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء"[15] . وقد اجمعت الأمة على مشروعيته وما يخلوكتاب من كتب الأحاديث أو الفقه الجامعة إلا وفيها باب يتحدث عن الطلاق بل إن هناك من العلماء من أفرده بمؤلف خاص.

عدد الطلقات:
     كان الطلاق في الجاهلية غير محصور بعدد يطلقها ما شاء وله أن يراجعها مالم تنتهي عدتها يقول الإمام القرطبي عند تفسير قوله تعالى ] الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره[ [16] :ثبت أن أهل الجاهلية لم يكن عندهم للطلاق عدد وكانت عندهم العدة معلومة مقدرة وكان هذا في أول الإسلام برهة يطلق الرجل امرآته ما شاء من الطلاق فإذا كادت أن تحل راجعها ما شاء فقال رجل لامرأته على عهد النبي r لا آويك ولا أدعك تحلين قالت وكيف قال: أطلقك فإذا دنا مضي عدتك راجعتك فشكت المرأة ذلك لعائشة فذكرت ذلك للنبي r فأنزل الله تعالى هذه الآية بياناً لعدد الطلاق الذي للمرء أن يرتجع دون تجديد مهر وولي ونسخ ما كانوا عليه[17] وقد حددت الآية عدد الطلقات التي يملكها الزوج على زوجته بثلاث لحكمة سامية، وهذا من رحمة الله تعالى بعباده وسمو تشريعه.
    
المطلب الثاني: حكمة مشروعيته
     حين شرع الإسلام الزواج وضع الضوابط التي تجعله سعيداً قائماً على المودة والرحمة وحسن العشرة كما قال تعالى: ]ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة[[18] فحث على حسن اختيار كل من الزوجين لصاحبه يقول الرسول r " تنكح المرأة لأربع لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك"[19] وفي صحيح مسلم  يقول المعصوم r: "الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة"[20] وقال r : "إن جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير"[21]. كما شرع الإسلام الخطبة كمقدمة للزواج يرى الرجل فيها شريكة حياته وترى المرأة شريك حياتها قبل العقد حتى يطمئن كل منهما إلى أن في الآخر ما يرغبه في التزوج به والحياة الطويلة معه فعن المغيرة بن شعبة t قال خطبت امرأة فقال لي النبي r "هل نظرت إليها قلت لا قال أنظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما"[22]، وعن جابر t قال :قال رسول الله r: "إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل" قال جابر: فخطبت جارية فكنت أتخبأ لها حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها وتزوجها فتزوجتها"[23]، وكذلك المرأة من حقها أن تنظر إلى من يتقدم لزواجها ولها كامل الحق والحرية في أختيار شريك حياتها دون ضغط عليها أو اكراه من أحد، ،ففي حديث أبي هريرة t  أن النبي ‏ ‏r  ‏ ‏قال:" ‏ ‏لا تنكح الأيم حتى ‏ ‏تستأمر ‏ ‏ولا تنكح البكر حتى تستأذن قالوا يا رسول الله وكيف إذنها قال أن تسكت"[24] وقد حدث زمن الرسول r كما حكت عائشة أم المؤمنين t أنه جاءت فتاة إلى رسول الله r فقالت يارسول الله: إن أبي زوجني ابن أخيه يرفع بي خسيسته فجعل النبي r الأمر إليها قالت: فإني أجزت ما صنع أبي" [25]ولكن أرادت أن تعلم النساء أن ليس للآباء من الأمر شئ .
     وكما يبحث الرجل عن الجمال والحسن فإن المرأة كذلك تبحث عما يبحث عنه الرجل  قال عمر t :"لا تزوجوا بناتكم من الرجل الذميم فإنه يعجبهن منهم مايعجبه منهن"[26] .
     وحث الإسلام كذلك على حسن معاملة كل من الزوجين لصاحبه فقال r  مخاطباً الأزواج:" خيركم خيركم لأهله"[27]. وضرب r المثل الأعلى والقدوة العليا في حياته مع أزواجه حتى أنه r كان يعاون أهله في المنزل ويكون في حاجتهم كما كان جميل العشرة دائم البشر يداعب أهله ويتلطف بهم ويوسعهم نفقة ويضاحك نساءه حتى إنه كان إذا صلى العشاء يدخل منزله يسمر مع أهله قليلاً قبل أن ينام يؤانسهم بذلك"[28] .وهذا تطبيق عملي منه r لقوله تعالى:] وعاشروهن بالمعروف[ [29].
     ورغب كذلك الزوجة في حسن معاشرة زوجها فقد روى الإمام الترمذي عن أم سلمة t قالت: قال رسول الله r "أيما امرأة باتت وزوجها عنها راض دخلت الجنة"[30]، ويقول الإمام الشوكاني في تعليقه على هذا الحديث: "وفيه الترغيب العظيم إلى طاعة الزوج وطلب مرضاته وأنها موجبة للجنة"[31]، وجعل الإسلام الحقوق والواجبات بين الزوجين مشتركة كل له حقوق على الآخر وعليه واجبات تجاهه فقال تعالى: ]ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف[ [32]. ورغم هذا راعى طبيعة البشرية في الإنسان واختلاف الطباع بين الزوجين فقد يحدث بينهما ما يعكر الصفو ويكدر الحياة وقد يكون السبب في ذلك الزوج أو الزوجة أو هما معاً فقدم القرآن الكريم من الادواء ما يعالج ذلك كله فقال تعالى:] وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو أعراضاً فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحاً والصلح خير[ [33]. وقال تعالى:] واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً إن الله كان علياً كبيراً[ [34] ، وقال تعالى :] وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها إن يريدا أصلاحاً يوفق الله بينهما[ [35]
ومع هذا كله قد تستحيل العشرة وتتحول الحياة إلى جحيم لا يطاق وبدلاً من السكن والمودة والرحمة يصبح الشقاق والخصام وسوء الأخلاق ويقع الضرر المحقق على الزوجين أو أحدهما ومعهما الأولاد ومن حولهما الأهل والأصحاب وبهذا تفوت الحكمة التي من أجلها شرع الزواج فإما أن يأمر الشرع بالابقاء على الزوجة وهنا قد تحدث فتنة وجرائم تصل أحياناً إلى أن يفكر كل واحد من الزوجين بالتخلص من صاحبه ولو بالقتل أو يعمد إلى الخيانة الزوجية تنفيساً عن نفسه كا يحدث في المجتمعات التي تمنع الطلاق وإما أن يتعامل الإسلام بروح الواقعية ويراعي المفاسد والمصالح بأن يقدم الضرر الأخف على الضرر الأشد ويختار أهون الشرين ويبيح الطلاق ويضع الضوابط والأصول التي تحفظ الحقوق لكل منهما. يقول ابن قدامة الحنبلي رحمه الله:" ربما فسدت الحال بين الزوجين فيصير بقاء النكاح مفسدة وضرراً محضاً بإلزام الزوج النفقة والسكنى وحبس المرأة مع سوء العشرة والخصومة الدائمة من غير فائدة فاقتضى ذلك شرع ما يزيل النكاح لتزول المفسدة الحاصلة منه"[36] ويقول العلامة الكاساني رحمه الله :" شرع الطلاق في الأصل لمكان المصلحة لأن الزوجين قد تختلف أخلاقهما وعند اختلاف الأخلاق لا يبقى النكاح مصلحة لأنه لا يبقى وسيلة إلى المقاصد –أي مقاصد النكاح- فتغلب المصلحة إلى الطلاق ليصل كل واحد منهما إلى زوج يوافقه فيستوفي مصالح النكاح منه"[37]، وهذا ماحدا بكثير من البلاد الأوروبية التي كانت تحرم الطلاق وفقاً لمذهبها ودينها أن تتراجع أمام الاشكاليات الكثيرة التي تقع نتيجة لتحريم الطلاق وتصدر القوانين التي تسمح بالانفصال والطلاق.[38]
لكن الإسلام حين شرع الطلاق دلل على فهمه للطبيعة البشرية ونظرته العميقة إلى المشاكل التي تقع ومع هذا فقد تدرج الإسلام في استعمال أخر الدواء وهو الطلاق فجعله ثلاثاً يستطيع الرجل أن يراجع اهله دون عقد أو مهر جديدين بعد الطلقة الأولى أو الثانية قبل انقضاء العدة كما حرم الطلاق أثناء الحيض أو في طهر حصل فيه لقاء بين الرجل وزوجه[39] كل ذلك حتى يفسح المجال لمزيد من التفكير ومحاولة لجمع الشمل ورأب الصدع بل أمر أن تبقى المطلقة في بيت زوجها طيلة فترة العدة لعل النفس تهدأ ويعود إليها صفاؤها فتعود المياه إلى مجاريها ويراجع الرجل زوجه أثناء العدة فإن باءت الرجعة بالفشل فتسريح بإحسان وقد أستعمل القرآن الكريم أثناء عرضه لأحكام الطلاق من أساليب الأيحاء بصفات الله تعالى من الحلم والرحمة والمغفرة والعلم وأساليب الوعد والوعيد والترغيب والترهيب والتذكير بنعم الله تعالى وآلائه والتحذير من تجاوز حدوده مايلفت المسلم الواعي ويجعله يحسب ألف حساب وحساب حين يقدم على هذا الأمر[40] .قال تعالى:] وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ولاتتخذوا آيات الله هزوا واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شئ عليم[ [41].

المطلب الثالث: حكم الطلاق.
القول الأول.
    أختلف العلماء في الحكم الأصلي للطلاق هل هو الإباحة أو الحظر فهناك من يرى أن الأصل فيه الإباحة وإلى هذا ذهب الإمام القرطبي فقال عند تفسيره لقوله تعالى: ] الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان[ [42] دل الكتاب والسنة واجماع الأمة على أن الطلاق مباح غير محظور وقال ابن المنذر وليس في المنع منه خبر يثبت[43] . وجاء في المبسوط للإمام السرخسي" وايقاع الطلاق مباح وإن كان مبغضاً في الأصل عند عامة العلماء"[44] وفي رد المختار "وايقاعه مباح عند العامة لاطلاق الآيات"[45] .
وقد استدل القائلون بالإباحة بأدلة منها:
1.  قوله تعالى: ]لا جناح عليكم إن طلقتم النساء[[46] فالتعبير القرآني "لا جناح عليكم" يفيد رفع الحرج عن الأمة وهو ما يعني الإباحة.
2.  وقوله تعالى: ] يا أيها النبي إذا طلقتم الناس فطلقوهن لعدتهن[ [47] فالآية تفيد طريقة ايقاع الطلاق أما حكم الطلاق فلم نتحدث عنه مما يعني إباحته ولو لم يكن مباحاً لما ذكرت الآية طريقة ايقاعه.
3.  فعل النبي r فقد طلق حفصة t حتى نزل عليه الوحي يأمره بأن يراجعها"[48] والنبي r لا يفعل ما فيه حظر على الأمة إلا إذا دل دليل على خصوصيته r بذلك كوصل الصيام ولا يوجد هنا دليل يصرف فعله r عن الإباحة.
4.  فعل الصحابة y فقد طلق عمر بن الخطاب t زوجه أم عاصم وفعل ذلك غيره كعبدالرحمن بن عوف والمغيرة بن شعبة والحسن بن علي y جميعاً.


القول الثاني.
وذهب فريق آخر إلى أن الأصل فيه الحظر وإنما أبيح لحاجة قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "ان الأصل في الطلاق الحظر وإنما ابيح منه قدر الحاجة"[49] ويقول في موضع آخر: "ولولا أن الحاجة داعية إلى الطلاق لكان الدليل يقتضي تحريمه كما دلت عليه الآثار والأصول ولكن الله تعالى أباحه رحمة منه بعباده لحاجتهم إليه أحياناً"[50] .
وإلى هذا ذهب الأحناف على الأرجح من اقوالهم يقول العلامة ابن عابدين "وأما الطلاق فالأصل فيه الحظر بمعنى أنه محظور إلا لعارض يبيحه وهو معنى قولهم الأصل فيه الحظر والإباحة للحاجة إلى الخلاص فإذا كان بلا سبب أصلاً لم يكن فيه حاجة إلى الخلاص بل يكون حمقاً وسفاهة رأي ومجرد كفران النعمة واخلاص الايذاء بها وبأهلها وأولادها"[51] وجاء في كشف القناع "ويباح الطلاق عند الحاجة إليه ويكره الطلاق من غير حاجة إليه"[52]
وقد استدل القائلون بهذا الرأي بأدلة منها:
1.  حديث رسول الله r "أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير بأس فحرام عليها رائحة الجنة"[53] ولولا أنه محظور ما استحقت المرأة هذا العقاب الشديد.
2.  من عمل السحرة والشياطين التفريق بين المرء وزوجه قال تعالى:] فيتعلمون منهما مايفرقون به بين المرء وزوجه[ [54]. وعن النبي r أنه قال:" إن الشيطان ينصب عرشه على البحر ويبعث جنوده فأقربهم إليه منزلة أعظمهم فتنة فيأتي أحدهم فيقول مازلت به حتى شرب الخمر فيقول الساعة يتوب ويأتي الآخر فيقول مازلت به حتى فرقت بينه وبين امرأته فيقبله بين عينه ويقول أنت أنت"[55].
3.  الزواج نعمة من نعم الله تعالى على الإنسان وآية من آياته تعالى قال تعالى:]ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة[ [56] وفي الطلاق من غير حاجة كفران للنعمة وجحود بها.
4.     حرم الله تعالى الظلم  فقال تعالى في الحديث القدسي:"يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا"،ونهى رسول الله r عن الضرر والضرار فقال "لا ضرر ولا ضرار في الإسلام"[57]، والطلاق من غير بأس ظلم للمرأة وضرر بها وبأهلها وأولادها بل هو من أكبر الظلم.
تحقيق المسألة :
الأولى أن يقال إن الطلاق كالزواج تعتريه الأحكام الخمسة حسب الظروف والأحوال التي ترافقه جاء في المغني لابن قدامة"والطلاق على خمسة أضرب واجب ومكروه ومباح ومندوب إليه ومحظور"[58]. وجاء في الشرح الكبير للدردير"إن الطلاق من حيث هو جائز قد تعتريه الأحكام الأربعة من حرمة وكراهة ووجوب وندب"[59] .
وعليه يحمل ما ورد من أدلة يبدوا ظاهرها الإباحة المحضة مثل قوله تعالى:]لاجناح عليكم ان طلقتم النساء[ [60]، وما وقع منه r ومن أصحابه الكرام أن ذلك إنما كان لحاجة ولهذا قال تعالى:]فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان علياً كبيرا[ [61]، يقول الإمام القرطبي في تفسيره ]فإن أطعنكم[ أي: تركوا النشوز ]فلا تبغوا عليهن سبيلا[ أي: لا تجنوا عليهن بقول أو فعل وهذا نهي عن ظلمهن"[62]، وهل ثمة ظلم وجناية على المرأة أكبر من طلاقها من غير سبب ولذلك فقد يكون:
1.     واجباً كطلاق المولى بعد التربص وعدم الفيئة على رأي الجمهور، أما الأحناف فإنهم يوقعون الفرقة بانتهاء المدة حكماً وكذلك طلاق الحكمين في الشقاق إذ رأيا ذلك أصلح للزوجين وكل طلاق تكون الحياة بدونه فيها ضرر لا يحتمل ومفسدتها أكبر من مصلحتها.
2.  قد يكون مكروهاً وهو الطلاق من غير حاجة وقيل هو حرام لأنه ضرر بنفسه وبزوجه واعدام للمصلحة القائمة بينهما من غير حاجة.
3.  قد يكون مباحاً عند الحاجة إليه لسوء خلق زوجة وسوء عشرتها مع عدم نفع النصح والموعظة وتماديها في ذلك.
4.  قد يكون مندوباً إذا فرطت المرأة في حقوق الله تعالى الواجبة عليها مثل ترك الصلاة ونحو ذلك إذا لم يجد معها وسائل الاصلاح والتقويم وخشى على نفسه وولده.
5.  قد يكون حراماً وهو الطلاق في الحيض أو في طهر جامعها فيه وهو المسمى عند الفقهاء بطلاق البدعة وكذلك الطلاق من غير سبب.





الفصل الثاني
أركان الطلاق

المبحث الأول: الزوج "المطلِّق".
    وهو من بينه وبين المطلقة عقد زواج صحيح[63]  وهو الذي يملك حق ايقاع الطلاق ثمة سؤال يدور كثيراً في أروقة العلمانيين وفي دهاليز المستشرقين وعلى ألسنة المشككين ويسأله غير المسلمين.
لماذا لم جعل الإسلام الطلاق بيد الزوج؟ اليس ذلك اجحافاً للمرأة وظلماً لها؟ وللإجابة على هذا السؤال نقول: إن لكل سفينة رباناً يقودها ولكل مؤسسة مديراً يرعى شئونها ويسلم الناس طائعين له والإسلام ينظر إلى الاسرة على أنها أعظم المؤسسات قدراً واكثرها أهمية في المجتمع لأنها أساس بنائه وقوامه وصلاحه وبضياعها يضيع وقد أناط الإسلام بالمسئولية في الأسرة للرجل فقال تعالى:] الرجال قوامون على النساء بما فضل الله به بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم[[64] والقوامة في الإسلام تكليف لا تشريف ومسئولية وأعباء يحاسب عنها بين يدي الله تعالى يقول r :"الرجل في بيته راع ومسئول عن رعيته" ومن هذه المسئولية ان جعل في يده حل عقد الزواج حين لا يكون هناك سبيل إلا الطلاق ووضع الشرع الحنيف ضوابط حتى لا يسئ الزوج استعماله وإنما جعله بيده لأن الإسلام جعل الانفاق على الأسرة من مسئولية الزوج وحده كما رتب على حل عقد الزواج أموراً مالية مثل نفقة العدة ومتعة الطلاق ومؤخر المهر وغير ذلك –ليس على المرأة شئ من ذلك- مما يجعله يحسب ألف حساب وحساب قبل الشروع في الطلاق .
     لكن إن كان الإسلام جعل الطلاق بيد الرجل فقد أعطى المرأة كذلك حق أن تنهي عقد الزواج إذا تضررت وذلك عن طريق الخُلْع كما أذن لها أن ترفع أمرها إلى القاضي لفسخ العقد عند الضرر المادي أو المعنوي كما أن من حقها اشتراط أن يكون الطلاق بيدها عند عقد الزواج هذا كله في إطار المسئولية المشتركة كل في إطار اختصاصه وما خلق له ومن هنا يقول الرسول r :"والمرأة في بيت زوجها راعية ومسئولة عن رعيتها" وفي ختام الحديث يقول الرسول r "وإن الله سائل كل راعٍ عما استرعى حفظ أم ضيع"[65]
وحتى يقع الطلاق من الزوج ثمة شروط تتعلق به نذكرها في النقاط التالية:
1-البلوغ :
لأن الصبي غير مخاطب بالتكاليف الشرعية ومما هو معلوم من كليات الشريعة أن التصرفات لا تصح إلا ممن له أهلية التصرف وأمر الصبي في التصرفات إلى وليه ولذلك ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية إلى أن طلاق الصبي لا يقع مميزاً كان أو غير مميز وخالف الحنابلة فأجازوا وقوع طلاق الصبي المميز ولو كان دون العشر سنين[66] ودليل الجمهور حديث الرسول r :"رفع القلم عن ثلاث.."[67] وذكر منه r "الصبي حتى يبلغ" والحجة مع الجمهور إذ الصبي غير قادر غالباً على مراعاة مصلحته خاصة والأصل في الطلاق الحظر وإنما أبيح لحاجة لا يدركها الصبي غالباً وإن كان بعض الصبية قادراً على التمييز فذلك نادر والأحكام تبنى على الغالب لا على النادر إذ النادر لا حكم له كما قرر الفقهاء.

2-العقل:
وهو مناط التكليف فالمجنون غير مكلف شرعاً للحديث"رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يحتلم وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق"[68] ومن هنا أجمع أهل العلم أن طلاق المجنون لا يقع وكذلك كل فاقد للعقل بسبب يعزر عليه مثل المعتوه والمغمى عليه والمدهوش بغير سكر والنائم جاء في المغني لابن قدامة:"أجمع أهل العلم على أن زائل العقل بغير سكر أو ما في معناه لا يقع طلاقه وسواء زال عقله لجنون أو اغماء أو نوم أو شرب دواء أو أكره على شرب الخمر فكل هذا يمنع وقوع الطلاق ولا نعلم فيه خلافاً"[69]، ولكن لو ذهب العقل بالسُكر هل يقع الطلاق أم لا هذا ما نوضحه في المسألة التالية.

طلاق السكران:
اختلف أهل العلم في الذي يذهب عقله بإرادته كأن يشرب خمراً أو دواءاً يعلم أنه مسكر هل يقع طلاقه أم لا ذهب الجمهور من الحنفية والشافعية والمالكية ورواية عن أحمد والزيدية إلى أن طلاق السكران يقع لأنه أذهب عقله بنفسه طائعاً مختاراً فكان جزاؤه أن يقع الطلاق عقوبة له وقد أوقع الصحابة عليه الطلاق[70] روى ذلك أبو عبيدة عن عمر ومعاوية ورواه غيره عن ابن عباس قال أبو عبيد حدثنا يزيد بن هارون عن جرير بن حازم عن الزبير بن الحارث عن أبي لبيد أن رجلاً طلق امرأته وهو سكران فرفع إلى عمر بن الخطاب وشهد عليه أربع نسوة ففرق عمر بينهما وعن سعيد بن المسيب أن معاوية أجاز طلاق السكران.
وذهب[71] زفر والطحاوي من الحنفية واحمد في رواية عنه والمزني من الشافعية وهو  اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وهو قول عثمان بن عفان t وعمر بن عبد العزيز والقاسم وطاووس وربيعة ويحي الانصاري والليث واسحاق إلى أن طلاق السكران لا يقع وقد روى البخاري في صحيحه "وقال عثمان ليس لمجنون ولا سكران طلاق وقال ابن عباس طلاق السكران والمستكره ليس بجائز"[72]. وقد افاض شيخ الإسلام في كتابه الفتاوى وكذلك ابن القيم في كتابيه زاد المعاد واغاثة اللهفان والشوكاني في كتابه نيل الأوطار بسرد أدلة كلا الفريقين ورجحوا رأي من قال بعدم وقوع طلاق السكران. كما أن شيخنا العلامة الأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي – رئيس المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث - له فتوى حول طلاق السكران ذهب فيها إلى أن طلاق السكران لا يقع معضداً رأيه بما رآه راجحاً من الأدلة كما فند فيها أدلة القائلين بوقوع الطلاق ورد عليهم أحببت أن أثبتها هنا لمزيد الفائدة وقد جاء في الفتوى:
هناك اتجاهان في الفقه الإسلامي من قديم:
الأول: يميل إلى التوسع في إيقاع الطلاق، حتى وجد من يقول بإيقاع طلاق المعتوه، ومن يوقع طلاق المكره، والمخطيء والناسي والهازل، والغضبان أيا كان غضبه، وحتى قال بعضهم من طلق امرأته في نفسه طلقت عليه وإن لم يتلفظ بكلمة الطلاق، فلا عجب أن يوجد من يقول بوقوع طلاق السكران، مادام سكره باختياره.
الثاني: يميل إلى التضييق في إيقاع الطلاق . فلا يقع الطلاق إلا مع تمام الوعي به والقصد إليه مع شروط أخرى.
ومن أصحاب هذا الاتجاه من المتقدمين الإمام البخاري صاحب الصحيح فقد عقد بابًا في جامعه، ترجمه بقوله: باب الطلاق في الإغلاق (الظاهر من صنيع البخاري أنه يريد بالإغلاق الغضب، ولهذا عطف المكره عليه، فهو غير الإكراه) والمكره (الإكراه) والسكران والمجنون وأمرهما، والغلط والنسيان في الطلاق والشرك وغيره . . (علق الحافظ في الفتح على هذه الترجمة بقوله: اشتملت هذه الترجمة على أحكام يجمعها أن الحكم إنما يتوجه على العاقل المختار العامد الذاكر) ومراده: أن الطلاق لا يقع في هذه المواطن كلها . لأن الحكم إنما يتوجه على العاقل المختار العامد الذاكر . وذكر لذلك أدلة منها:
1 - حديث: " إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امريء ما نوى " وغير العاقل المختار - كالمجنون والسكران وأشباههما - لانية له فيما يقول أو يفعل . وكذلك الغالط والناسي، والذي يكره على الشيء . (كما قال الحافظ).
2 - أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يؤاخذ حمزة على فعله وقوله - حينما سكر - فعقر بعيري ابن أخيه علي . فلما لامه النبي r قال: وهل أنتم إلا عبيد لأبي ؟ وهي كلمة لو قالها صاحيًا لأفضت به إلى الكفر . ولكن عرف النبي rأنه ثمل، فلم يصنع به شيئًا . فدل هذا على أن السكران لا يؤاخذ بما يقع منه في حال سكره من طلاق وغيره.  (اعترض بعضهم على هذا الاستدلال، بأن الخمر كانت حينئذ مباحة، قال: فبذلك سقط عنه حكم ما نطق به في تلك الحالة.
قال الحافظ بن حجر: وفيما قال نظر، فإن الاحتجاج من هذه القصة إنما هو بعدم مؤاخذة السكران بما يصدر منه ولا يفترق الحال بين أن يكون الشرب مباحًا أولاً . ا هـ).
3 - ما جاء عن عثمان أنه قال: " ليس لمجنون ولا لسكران طلاق " . رواه البخاري معلقًا . وهو تأييد لما جاء في قصة حمزة.
ووصله ابن أبي شيبة عن الزهري قال: قال رجل لعمر بن عبد العزيز: طلقت امرأتي وأنا سكران . فكان رأي عمر بن عبد العزيز مع رأينا: أن يجلده ويفرق بينه وبين امرأته . حتى حدثه أبان بن عثمان بن عفان عن أبيه أنه قال: ليس على المجنون ولا على السكران طلاق . فقال عمر: تأمرونني وهذا يحدثني عن عثمان ؟ فجلده ورد إليه امرأته.
4 - ما رواه البخاري معلقًا عن ابن عباس: " أن طلاق السكران والمستكره ليس بجائز " أي بواقع إذ لا عقل للسكران ولا اختيار للمستكره، قال ابن حجر ووصله عنه ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور بلفظ: " ليس لسكران ولا مضطهد طلاق " والمضطهد: المغلوب المقهور.
5 - ما جاء عن ابن عباس أيضًا أنه قال: " الطلاق عن وطر، والعتاق ما أريد به وجه الله . والوطر الحاجة . أي عن غرض من المطلق في وقوعه . السكران لا وطر له، لأنه يهذي بما لا يعرف.
6 - ما جاء عن علي: " كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه " والمعتوه: الناقص العقل، فيدخل فيه الطفل والمجنون والسكران، قال الحافظ: والجمهور على عدم اعتبار ما يصدر منه.
هذا ما استدل به الإمام البخاري لعدم وقوع طلاق السكران، وإلى هذا ذهب جماعة من أئمة السلف . منهم أبو الشعثاء وعطاء وطاووس، وعكرمة، والقاسم، وعمر بن عبد العزيز ذكره عنهم ابن أبي شيبة بأسانيد صحيحة، وبه قال ربيعة والليث وإسحاق والمزني واختاره الطحاوي، واحتج بأنهم أجمعوا على أن طلاق المعتوه لا يقع . قال: والسكران معتوه بسكره . (نقل ذلك الحافظ في الفتح جـ11، ص 308 ط. الحلبي).
وهذا القول هو الذي رجع إليه الإمام أحمد أخيرًا فقد روى عنه عبد الملك الميموني قوله: قد كنت أقول: إن طلاق السكران يجوز (أي يقع) حتى تبينته، فغلب على أن لا يجوز طلاقه، لأنه لو أقر لم يلزمه، ولو باع لم يجز بيعه . قال وألزمه الجناية، وما كان غير ذلك فلا يلزمه. (من إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان - لابن القيم، ص 17).
قال ابن القيم: هو اختيار الطحاوي وأبي الحسن الكرخي (من الحنفية) وإمام الحرمين (من الشافعية) وشيخ الإسلام ابن تيمية (من الحنابلة) وأحد قولي الشافعي. (من إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان - لابن القيم، ص 17).
وقال بوقوع طلاق السكران طائفة من التابعين كسعيد بن المسيب والحسن وإبراهيم والزهري والشعبي، وبه قال الأوزاعي والثوري ومالك وأبو حنيفة وعن الشافعي قولان، المصحح منهما وقوعه . وقال ابن الرابط: إذا تيقنا ذهاب عقل السكران لم يلزمه طلاق، وإلا لزمه، وقد جعل الله حد السكر الذي تبطل به الصلاة ألا يعلم ما يقول. (فتح الباري، جـ 11، ص 208، ص 209).
قال ابن حجر: وهذا التفضيل لا يأباه من يقول بعدم طلاقه. (فتح الباري، جـ 11، ص 208، ص 209). . ا هـ وفيه نظر سنذكره.
واستدل من قال بوقوع طلاق السكران وصحة تصرفاته عمومًا بجملة أمور أهمها مأخذان:
الأول: إن هذا عقوبة له على ما جناه باختياره وإرادته.
وضعف ابن تيمية هذا المأخذ.
( أ ) بأن الشريعة لم تعاقب أحدًا بهذا الجنس من إيقاع الطلاق أو عدم إيقاعه.
( ب ) ولأن في هذا من الضرر على زوجته البريئة وغيرها - كالأولاد إن كان له منها أولاد - ما لا يجوز أن يعاقب الشخص بذنب غيره.
(جـ) ولأن السكران عقوبته ما جاءت به الشريعة من الجلد وغيره، فعقوبته بغير ذلك تغيير لحدود الشريعة. (فتاوى ابن تيمية، جـ 2 ص 124، ط. مطبعة كردستان . القاهرة).
الثاني: أن حكم التكليف جار عليه، وليس كالمجنون أو النائم الذي رفع عنهما القلم، وعبر عن ذلك بعضهم بأنه عاص بفعله لم يزل عنه الخطاب بذلك ولا الإثم، لأنه يؤمر بقضاء الصلوات وغيرها مما وجب عليه قبل وقوعه في السكر أو فيه.
وأجاب عن ذلك الطحاوي من أئمة الحنفية بأن أحكام فاقد العقل لا يختلف بين أن يكون ذهاب عقله بسبب من جهته أو من جهة غيره . إذ لا فرق بين من عجز عن القيام في الصلاة بسبب من قبل الله أو من قبل نفسه . كمن كسر رجل نفسه، فإنه يسقط عنه فرض القيام. (فتح الباري، جـ 11، ص 209).
يعني أنه يكون آثمًا بإضراره نفسه، ولكن هذا لا ينفي الأحكام المترتبة على عجزه الواقع بالفعل، ومثل ذلك لو شرب شيئًا أدى إلى جنونه، فإنه يكون آثما بشربه في ساعة وعيه، ولكن لا يمنع من ترتب أحكام الجنون عليه.
وكذلك قال الإمام ابن قدامة الحنبلي: لو ضربت امرأة بطنها فنفست سقطت عنها الصلاة، ولو ضرب رأسه فجن سقط التكليف. (انظر المغني، جـ 7، ص 113، مطبعة الإمام).
واستدل شيخ الإسلام ابن تيمية على عدم صحة تصرفات السكران - ومنها وقوع طلاقه - بوجوه:
أحدها: ما رواه مسلم في صحيحه من حديث جابر بن سمرة، أن النبي r أمر باستنكاه ماعز بن مالك، حين أقر عنده بالزنى، ومعنى استنكاهه: شم رائحة فمه، ليعلم هل به سكر أم لا . ومقتضى هذا أنه لو كان به سكر، لم يعتبر إقراره.
الثاني: أن عبادته كالصلاة لا تصح بالنص والإجماع فقد قال تعالى (لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون) وكل من بطلت عبادته لعدم عقله، فبطلان عقوده وتصرفاته أولى وأحرى . إذ قد تصح عبادة من لا يصح تصرفه لنقص عقله كالصبي والمحجور عليه لسفه. (ملخص من فتاوى ابن تيمية، جـ 2، ص 125 - 126).
الثالث: أن جميع الأقوال والعقود مشروطة بوجود التمييز والعقل، فمن لا تمييز له ولا عقل، ليس لكلامه في الشرع اعتبار أصلاً.
وهذا معلوم بالعقل مع تقرير الشارع له.
الرابع: أن العقود وغيرها من التصرفات مشروطة بالقصد، كما في الحديث: " إنما الأعمال بالنيات . . . . " فكل لفظ صدر بغير قصد من المتكلم، لسهو وسبق لسان أو عدم عقل، فإنه لا يترتب عليه حكم. (ملخص من فتاوى ابن تيمية، جـ 2، ص 125 - 126).
وإذا أضيفت هذه الأدلة إلى ما نقلناه من قبل عن الإمام البخاري تبين لنا بوضوح أن المذهب الصحيح الذي يشهد له القرآن والسنة وقول اثنين من الصحابة لا يعرف لهما مخالف من وجه صحيح - عثمان وابن عباس - وتؤيده أصول الشرع وقواعده الكلية: أن طلاق السكران لا يقع، لأن العلم والتمييز والقصد معدوم فيه.
بقى هنا شيء أختم به هذه الفتوى، وهو حقيقة السكر ما هي، فقد أفهم ما حكاه الحافظ عن ابن المرابط: أن السكران من زال عقله، وعدم تمييزه بالكلية، وليس ذلك بلازم عند الأكثرين كما قال ابن القيم . بل قد قال الإمام أحمد وغيره: إنه هو الذي يخلط في كلامه ولا يعرف رداءه من رداء غيره، وفعله من فعل غيره.
قال ابن القيم: والسنة الصريحة الصحيحة تدل عليه، فإن النبي r أمر أن يستنكه من أقر بالزنى، مع أنه حاضر العقل والذهن، يتكلم بكلام مفهوم ومنتظم، صحيح الحركة . ومع هذا فجوز النبي r أن يكون به سكر يحول بينه وبين كمال عقله وعلمه، فأمر باستنكاهه. (إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان لابن القيم، ص 31).
بعد هذا كله نطمئن الأخت المسلمة السائلة إلى أن ما صدر عن زوجها من طلاق في حال سكره ونشوته غير معتبر في نظر الشرع، سائلين الله أن يتوب على الزوج العاصي، وأن يعين الزوجة المؤمنة في محنتها . وأن يوفق أولي الأمر في بلاد الإسلام لمنع أم الخبائث ومعاقبة من شربها أو أعان عليها بوجه من الوجوه ومنه العون وبه التوفيق*.

3-الاختيار والقصد:
الإرادة والاختيار أساس في التكليف ومن فقدها فقد الأهلية ولذلك أعتبر الشرع المكره غير مسئول عن تصرفاته لأنه مسلوب الإرادة فلو اسلم شخص مكرهاً لا يعتبر بإسلامه لقوله تعالى: ]لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي[73][ ولذلك لو كفر مكرهاً لا يعتد بكفره لقوله تعالى: ]إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان[ [74] ولقوله r:" رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما أستكرهوا عليه" [75] وكذلك مدار صحة أفعال العباد وأقوالهم متوقف على النية لقوله r "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ مانوى"[76] يقول القسطلاني في شرحه للحديث "إنما الأعمال البدنية أقوالها وأفعالها فرضها ونفلها قليلها وكثيرها الصادرة من المؤمنين المكلفين صحيحة أو مجزئة بالنيات قيل قدره الحنفية انما الأعمال الكاملة والأول أولى لأن الصحة أكثر لزوماً للحقيقة من الكمال.[77] . والطلاق فعل من افعال العباد يحتاج إلى النية والتي تعني القصد والعزم ولذلك يقول الله تعالى:] فإن عزموا الطلاق[ لكن هل تكفي النية فقط لوقوع الطلاق دون التلفظ وهل يكفي اللفظ في الطلاق دون النية هذا ما يتضح في النقاط التالي:

أ- نية الطلاق:
لو نوى الزوج في نفسه تطليق زوجته أو طلقها في نفسه دون أن ينطق بلفظ يدل على الطلاق قاصداً إياه فإن الطلاق لا يقع عند الجمهور يقول صاحب المغني: أن الطلاق لا يقع إلا بلفظ فلو نواه بقلبه من غير لفظ لم يقع في قول عامة أهل العلم منهم عطاء وجابر بن زيد وسعيد بن جبير ويحي ابن كثير والشافعي واسحاق وروى أيضاً عن القاسم وسالم والحسن والشعبي[78] واستند الجمهور إلى حديث أبي هريرة t عن النبي r أن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم" وقال قتادة إذا طلق في نفسه ليس بشئ [79] وقد توقف ابن سرين في المسألة كما نقل عبدالرازق عن معمر سئل ابن سرين عمن طلق في نفسه فقال أليس قد علم الله ما في نفسك قال بلى قال فلا أقول فيها شيئاً[80] وذهب إلى وقوعه الإمام مالك في رواية أشهب عنه وقد سئل إذا نوى الرجل الطلاق بقلبه ولم يتلفظ به لسانه فقال يلزمه كما يكون مؤمناً بقلبه وكافراً بقلبه"[81] وروى وقوعه عن الزهري كذلك وحجة هذا القول قوله تعالى: ] وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله[ [82]وكذلك حديث رسول الله r : إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى"[83].
القول الراجح:
قول جمهور الفقهاء هو الراجح لوضوح دليلهم وقوته أما ما استدل به غيرهم فلا حجة لهم به من وجوه، الوجه الأول: قوله تعالى] وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله[ فليس فيها أن من المحاسبة بما يخفيه العبد إلزامه بأحكامه بالشرع وانما فيها محاسبته بما يبديه أو يخفيه ثم هو مغفور له أو معذب فأين هذا من وقوع الطلاق بالنية[84]. الوجه الثاني: لما نزلت هذه الآية اشتد ذلك على أصحاب رسول الله r فأتوا رسول الله r فقالوا كلفنا من الأعمال ما نطيق الصلاة والصيام  والجهاد والحج وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها فقال r: أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم " سمعنا وعصينا" قولوا "سمعنا وأطعنا" فلما قرأها القوم وجرت بها ألسنتهم أنزل الله تعالى ] آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه[ ونسخها الله تعالى فأنزل ] لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما أكتسبت[ [85] فهي إذن منسوخة ولا دليل لهم فيها. والوجه الثالث: أن حديث "إنما الأعمال بالنيات" فهو حجة عليهم لا لهم لأن النبي r أخبر فيه أن العمل مع النية هو المعتبر لا النية وحدها وأما قولهم من أعتقد الكفر بقلبه أو شك فهو كافر لزوال الإيمان الذي هو عقد القلب مع الاقرار فإذا زال العقد الجازم كان نفس زواله كفراً فإن الايمان أمر وجودي ثابت قائم بالقلب.[86] بخلاف الطلاق.

ب - طلاق المكره.
ذهب جمهور الفقهاء إلى عدم وقوع طلاق المكره وروي ذلك عن عمر وعلي وابن عمر وابن عباس وابن الزبير وجابر بن سمرة وبه قال عبدالله بن عبيد بن عمير وعكرمة والحسن وجابر بن زيد وشريح وعطاء وطاووس وعمر بن عبد العزيز وابن عون وأيوب السخستاني ومالك والاوزاعي والشافعي واسحاق وأبو ثور وأبو عبيد[87] وقد استدل هؤلاء بما يلي:
·        حديث رسول الله r "رفع عن امتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"[88]
·        أخرج البخاري في صحيحه عن ابن عباس قوله:" طلاق السكران والمستكره غير جائز"[89]
·   حديث عائشة t قالت سمعت رسول الله r يقول:" لا طلاق في اغلاق قال أبو عبيد والقتيبي معناه في اكراه وقال أبو بكر سألت ابن دريد النحوي فقال يريد الإكراه لأن إذا أكره انغلق عليه رأيه[90] وقالوا إن طلاق المكره هو قول حمل عليه صاحبه بغير حق فلم يثبت له حكم ككلمة الكفر إذا أكره عليها أحد.
هذا في الإكراه بغير حق أما لو أكره بحق نحو إكراه الحاكم المولى على الطلاق بعد التربص إذا لم يفئ [91] ويدخل في هذا الزوج الذي يسئ عشرة زوجه اساءة يتحقق بها الضرر وتستحيل معها العشرة ويأبى الخلع أو الطلاق فإن أكرهه الحاكم على الطلاق وقع لدفع الضرر عن الزوجة ولحديث "لا ضرر ولا ضرار".
وذهب الإمام أبو حنيفة وأصحابه وأبو قلابة والشعبي والنخعي والزهري والثوري إلى وقوع طلاق المكره.[92] وقالوا أنه طلاق من مكلف في محل يملكه فينفذ كطلاق غير المكره ولا شك أن حجة الجمهور وقولهم أصح والله أعلم.

جـ - طلاق الغضبان.
الغضب حالة من الاضطراب العصبي وعدم التوازن الفكري تحل بالإنسان إذا عدا عليه احد بالكلام أو غيره روى أبو داود بسنده في سننه أن أم المؤمنين عائشة t قالت: "سمعت رسول الله r يقول: لا طلاق ولا عتاق في اغلاق"قال أبو داود: الغلاق أظنه الغضب"[93] وهو تفسير الإمام أحمد كما حكاه عنه الخلال[94] وقد حكى الإمام ابن القيم عن شيخ الإسلام ابن تيمية قوله وحقيقة الاغلاق أن يغلق على الرجل قلبه فلا يقصد الكلام ولا يعلم به كأنه انغلق عليه قصده وإرادته[95] .
وحالة الاضطراب هذه درجات بعضها لا شك أشد من بعض فهل يقع طلاق الغضبان على الاطلاق أم لا أم ثمة تفصيل في المسألة، قسم الإمام ابن القيم الغضب على ثلاثة أقسام فقال : والغضب على ثلاثة أقسام:
أحدها: مايزيل العقل فلا يشعر صاحبه بما قال وهذا لا يقع طلاقه بلا نزاع.
الثاني:ما يكون في مبادية بحيث لا يمنع صاحبه من تصور ما يقول وقصده فهذا يقع طلاقه.
الثالث: أن يستحكم ويشتد به فلا يزيل عقله بالكلية ولكن يحول بينه وبين نيته بحيث يندم على ما فرط منه إذا زال فهذا محل نظر وعدم الوقوع في هذه الحالة قوي متجه.[96] وهو محل الخلاف بين الفقهاء ولكن الأرجح عدم وقوعه، يقول ابن عابدين في حاشية رد المختار والذي يظهر لي أن كلاً من المدهوش والغضبان لا يلزم فيه أن يكون بحيث لا يعلم ما يقول بل يكتفي فيه بغلبة الهذيان واختلاط الجد بالهزل ثم يقول رحمه الله فالذي ينبغي التعويل عليه في المدهوش ونحوه إناطة الحكم بغلبة الخلل في أقواله وأفعاله الخارجة عن عادته.[97]

د - طلاق الهازل:
الهازل هو الذي يتكلم بالكلام على سبيل المزاح أو المداعبة واللعب ويقابله الجاد. وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى وقوع طلاق الهازل جاء في المغني لابن قدامه :"فمتى أتى بصريح الطلاق وقع نواه أو لم ينوه وجملة ذلك أن الصريح لا يحتاج إلى نية بل يقع من غير قصد فمتى قال أنت طالق أو مطلقة أو طلقتك وقع من غير نية بغير خلاف لأنه ما يعتبر له القول يكتفي فيه من غير نية إذا كان صريحاً فيه كالبيع سواء قصد المزاح او الجد لقوله r :"ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق والرجعة" رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أحد جد الطلاق وهزله سواء كما روي أيضاً عن عمر بن الخطاب t وابن مسعود t ونحوه عن عطاء وعبيده وبه قال الشافعي وأبو عبيد وهو قول سفيان وأهل العراق[98] ويقول ابن القيم بعد أن ذكر حديث "ثلاث جدهن جد" المكلف إذا  هزل بالطلاق أو النكاح أو الرجعة لزمه ما هزل به" ويعلل ذلك بأن الهازل قاصد للفظ غير مريد حكمه وذلك ليس إليه فإنما إلى المكلف الأسباب وأما ترتب مسبباتها وأحكامها فهو إلى الشارع قصد المكلف أولم يقصده.[99]
القول الثاني: هو أن طلاق الهازل لا يقع وهو قول في مذهب أحمد ومالك وإليه ذهب الباقر والصادق والناصر[100] حيث أن هؤلاء يشترطون لوقوع الطلاق القصد عند التلفظ به وإرادته والعلم بمعناه فإذا انتفت النية والقصد فلا عبرة باللفظ واستدلوا بقوله تعالى: ] وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم[ [101] كما استدلوا بحديث رسول الله r "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ مانوى"[102] والهازل لا عزم له ولا نية ومما يؤيد هذا القول حديث البخاري عن ابن عباس y :" الطلاق عن وطر" قال العسقلاني لا يطلق الرجل إلا عند النشوز والحاجة"[103].

طلاق المخطئ:
ذهب جمهور الفقهاء إلى عدم وقوع طلاق المخطئ وهو من سبق لسانه بلفظ الطلاق من غير قصد له واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ] وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم[ [104]. وحديث رسول الله r :"إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" وفي رواية "أن الله تجاوز عن امتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"[105]. وذهب الاحناف أن الطلاق يقع قضاءً ولا يقع ديانة[106] إذا علم من نفسه أنه أخطأ ولم يقصد الطلاق وذلك حتى لا يتخذ وسيلة إلى إحلال ما حرم الله بأن يطلق ثم يدعي الخطأ.


طلاق الوكيل
الأصل أن الطلاق بيد الزوج فهو يملك ايقاعه بنفسه ولكن هل يجوز له أن يوكل غيره في ايقاعه ذهب الجمهور إلى أن للزوج أن يوكل غيره من باب من صح تصرفه في شئ لنفسه مما تجوز الوكالة فيه صح توكيله فيه. والوكيل بالطلاق مقيد بالعمل برآي الموكل فإذا تجاوزه لم ينفذ تصرفه إلا بإجازة الموكل وللوكيل أن يطلق متى شاء مالم يقيده الموكل بزمن معين[107]. وذهب الظاهرية إلى عدم جواز الوكالة في الطلاق قال ابن حزم الظاهري" ولا تجوز الوكالة في الطلاق ولم يأتي في طلاق أحد عن أحد بتوكيله إياه قرآن ولا سنة والمخالفون لنا أصحاب القياس بزعمهم فبالضرورة يدري كل أحد أن الطلاق كلام والظهار كلام واللعان كلام والإلاء كلام ولا يختلفون في أنه لا يجوز أن يظاهر أحد عن أحد ولا أن يلاعن أحد عن أحد ولا أن يولي أحد عن أحد لا بوكالة ولا بغيرها[108]، وقد رد الشيخ على الخفيف على مخالفة الظاهرية لجمهور الفقهاء فقال رحمه الله: ولست أدري أن الطلاق كالظهارأو كاللعان والإيلاء فالإلاء واللعان أيمان ولا تجوز النيابة في الأيمان اتفاقاً إذ لا يصح أن يقسم شخص بالنيابة عن آخر أما الظهار فالاقدام عليه جريمة لأنه باطل من القول وزور فلا تجوز الوكالة فيه.[109]

الزواج بنية الطلاق
كثيراً ما يحدث ان يأتي شباب ليدرس بالغرب وأمام مغريات الحياة وما يقابله الشباب من فتن يفكر في الزواج ويبحث عن شريكة حياته وقد لا يجد المواصفات التي يريدها في شريكة حياته وقد تكون هناك أمور في بلده تمنعه من الزواج فيلجأ إلي أن يفكر في أن يرتبط بزوجه فترة بقائه للدراسة أو للعمل ثم يتركها بعد ذلك فهو عازم على طلاقها وفراقها حين انتهاء دراسته أو عمله وهذا يسمى عند الفقهاء الزواج بنية الطلاق وحتى نعرف حكمه لابد أن نذكر أن الفقهاء اشترطوا للزواج الصحيح أن يكون غير محدد بمدة معينة وإلا كان نكاح متعة وهو محرم أما ان كان في نيته طلاقها فالنكاح صحيح عند عامة أهل العلم وخالف الإمام الأوزاعي وقال: انه نكاح متعة وبهذا يكون حراماً باطلاً نظراً للمشاكل التي تترتب على الزواج بنية الطلاق وما يحدث للمرأة من ضرر وغش وخداع وخاصة حين يكون ثمة أولاد من هذا الزواج .
يقول الشيخ رشيد رضا في تعليقه على رأي الإمام الأوزاعي في تفسير المنار هذا وان تشديد علماء السلف والخلف في منع المتعة يقتضي منع النكاح بنية الطلاق وان كان الفقهاء يقولون ان عقد النكاح صحيحاً إذا نوى الزواج التوقيت ولم يشترطه في صيغة العقد ولكن كتمانه إياه يعد خداعاً وغشاً وهو أجدر بالبطلان من العقد الذي يشترط فيه التوقيت الذي يكون بالتراضي بين الرجل والمرأة ووليها ولا يكون فيه من المفسدة إلا العبث بهذه الرابطة العظيمة والميثاق الغليظ وإيثار التنقل في مراتع الشهوات بين الذواقين والذوقات وما يترتب على ذلك من المنكرات ومالا يشترط فيه ذلك يكون على اشتماله على ذلك غشاً وخداعاً تترتب عليه مفاسد أخرى من العداوة والبغضاء وذهاب الثقة حتى بالصادقين الذين يريدون الزواج حقيقة وهواحصان كل الزوجين للآخر وتحقيق الأمن والطمأنية وتوافر الاخلاص والنية الصادقة لبناء أسرة مسلمة وبيت صالح من بيوت الأمة.

طلاق القاضي غير المسلم
من الاشكاليات التي تقابل الأسرة المسلمة في الغرب عندما تتصدع ولا تجد مصلحاً يوفق بينهما أو يكون الفراق هو آخر الدواء وقد يلجأ أحد الزوجين أو كلاهما إلى المحاكم الغربية طلباً للطلاق وقد يحكم القاضي بالطلاق فهل حكمه نافذ حسب الشريعة الإسلاميةأم لا ؟ ناقش المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث هذه المسألة باستفاضة وقدمت فيها عدة بحوث وفي ختام المناقشات أصدر المجلس الفتوى التالية:
القرار 3/5
حكم تطليق القاضي غير المسلم
الأصل أن المسلم لا يرجع في قضائه إلا إلى قاض مسلم أو من يقوم مقامه، غير أنه بسبب غياب قضاء إسلامي حتى الآن يتحاكم إليه المسلمون في غير البلاد الإسلامية، فإنه يتعين على المسلم الذي أجرى عقد زواجه وفق قوانين هذه البلاد، تنفيذ قرار القاضي غير المسلم بالطلاق، لأن هذا المسلم لما عقد زواجه وفق هذا القانون غير الإسلامي، فقد رضي ضمناً بنتائجه، ومنها أن هذا العقد لا يحل عروته إلا القاضي. وهو ما يمكن اعتباره تفويضاً من الزوج جائزاً له شرعاً عند الجمهور، ولو لم يصرح بذلك. لأن القاعدة الفقهية تقول (المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً). وتنفيذ أحكام القضاء ولو كان غير إسلامي جائز من باب جلب المصالح ودفع المفاسد وحسماً للفوضى، كما أفاده كلام غير واحد من حذاق العلماء كالعز بن عبدالسلام وابن تيمية والشاطبي.

الاشهاد على الطلاق:
مما لا شك فيه أن الطلاق حق من حقوق الزوج لقوله تعالى :" يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن"[110] فنسب الطلاق إلى الأزواج وقد ذهب جمهور العلماء أن الزواج لا ينعقد حتى يكون الشهود حضوراً حالة العقد لحديث عائشة t أن رسول الله r قال:" لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل"[111] وفي موطأ مالك أن عمر بن الخطاب t أُتي بنكاح لم يشهد عليه إلا رجل وامرأة فقال هذا نكاح السر ولا أجيزه ولو كنت تقدمت فيه لرجمت"[112] .
ولكن هل يشترط الاشهاد على الطلاق؟ كذلك اختلف الفقهاء في ذلك فقد ذهب الجمهور إلى أن الطلاق يقع من غير إشهاد لأنه حق الزوج ولا يحتاج إلى اشهاد ولم يثبت عن النبي r ما يدل على مشروعيته وحملوا الأمر في قوله تعالى:" فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم"[113]، على الاستحباب أو انصرف الاشهاد إلى الإمساك لا إلى الطلاق.
وذهب الإمام على t وعمران بن الحصين t من الصحابة ومن التابعين الإمام محمد الباقر وجعفر الصادق وكذلك عطاء وابن جريج وابن سيرين والظاهيرية إلى وجوب الإشهاد على الطلاق.
وقد قال الإمام ابن حزم الظاهري: قرن الله عز وجل بين المراجعة والطلاق والإشهاد فلا يجوز افراد بعض ذلك عن بعض وكان كل من طلق ولم يشهد ذوي عدل أو يراجع ولم يشهد ذوي عدل متعدياً لحدود الله تعالى وقال r من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد"[114].

الاختيار في المسألة.
في اطار الأسباب التي دعت الفقهاء لذين يقولون بوجوب الاشهاد على الرجعة أو استحبابها وهي كما ذكر القرطبي في تفسيره "ألا يقع بينهما التجاحد وأن لا يتهم في إمساكها وألا يموت أحدهما فيدعي الباقي ثبوت الزوجية ليرث"[115]. تبقى نفس هذه المحاذير في حالة عدم الاشهاد على الطلاق ولذلك أميل إلى القول بوجوب الاشهاد على الطلاق للأدلة التالية:
1.     قوله تعالى:" فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم" فإن ظاهر الأمر في عرف الشرع يقتضي الوجوب وحمل ما ظاهره الوجوب على الاستحباب فضلاً عن إلغائه بالكلية خروج عن عرف الشرع من غير دليل كما أن الآية الكريمة لم تفرق بين الطلاق أو الرجعة في الإشهاد.
2.     ما رواه أبو داود وابن ماجه عن عمران بن الحصين أنه سئل عن الرجل يطلق المرأة ثم يقع بها ولم يشهد على طلاقها ولا على رجعتها فقال طلقت لغير سنة وراجعت لغير سنة وأشهد على طلاقها وعلى رجعتها ولا تعد"[116] ومما هو معروف عند علماء الأصول أن قول الصحابي من السنة كذا في حكم المرفوع للنبي r .
3.     ما ذكره ابن كثير في تفسيره عن عطاء أنه كان يقول في قوله تعالى" وأشهدوا ذوي عدل منكم" قال لا يجوز نكاح ولا طلاق ولا رجاع إلا شاهدا عدل كما قال الله عز وجل إلا أن يكون من عذر[117] .
4.     أخرج السيوطي في كتابه الدر المنثور عن عبد الرازق وعبدالله بن حميد عن عطاء قال: النكاح بالشهود والطلاق بالشهود والرجعة بالشهود"[118].
5.     عن علي t أنه قال لمن سأله عن طلاق أشهدت عليه عدلين كما أمر الله تعالى قال لا قال اذهب فليس طلاقك بطلاق.[119]وقد ذهب إلى ذلك من العلماء المحديثين أحمد شاكر وابو زهرة والشيخ الغزالي رحمهم الله تعالى.



المبحث الثاني: الزوجة "المطلَّقة.
وهي التي يقع عليها الطلاق ويشترط لصحة وقوع الطلاق عليها شروط:
1.  قيام الزوجية على أساس عقد نكاح صحيح عند وقوع الطلاق فإن المرأة في عقد النكاح الفاسد لا تصلح أن تكون محلاً للطلاق، وكذلك المرأة الاجنبية لأنها لا ترتبط برباط الزوجية مع المطلق وبالتالي يكون كلامه لغواً وكذلك لو قال أن تزوجت فلانة فهي طالق فإن الطلاق لا يصح منه ولا يقع لحديث عمر بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله r قال:" لا نذر لابن آدم فيما لا يملك ولا عتق له فيما لا يملك ولا طلاق فيما لا يملك"[120]
2.     لابد من تعيين المطلقة بالإشارة أو بالصفة أو بالنية تعيناً لا يحتمل الشك ولا اللبس إن كان له أكثر من زوجة
3.  أن لا تكون معتدة من فسخ الزواج بسبب عدم الكفاءة أو لنقص المهر عن المثل أو لخيار البلوغ أو لظهور فساد العقد بسبب فقد شرط من شروط صحته.[121]
4.     أن لا تكون مطلقة منه قبل الدخول بها فإن كان قد طلقها قبل الدخول بها فلا يقع عليها طلاق آخر لأنها بانت منه.
5.  أن لا تكون معتدة من طلاق بائن بينونة كبرى أما إذا كانت معتدة من طلاق رجعي فإن جمهور الفقهاء يرون أن الطلاق يقع عليها ما دامت في العدة جاء في المغني"والرجعية" أي المطلقة طلاقاً رجعياً زوجة يلحقها طلاقه وظهاره وإيلاؤه ولعانه ويرث أحدهما الآخر.[122] وفي البدائع فإن كانت معتدة من طلاق رجعي يقع الطلاق عليها سواء كان صريحي أو كناية.[123] وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أنها لا يلحقها طلاق حيث قال: والرجعية لا يلحقها الطلاق وإن كانت في العدة[124] أما المعتدة من طلاق بائن بينونة صغرى فإن الجمهور يرون أن الطلاق لا يلحقها جاء في المغني وجملة ذلك أن المختلعة لا يلحقها طلاق وبه قال ابن عباس وابن الزبير وعكرمة وجابر بن زيد والحسن والشعبي ومالك والشافعي واسحاق وأبو ثور[125] وخالف الاحناف فقالوا بوقوع الطلاق حتى وإن كانت مختلعة يقول الإمام علاء الدين الكاساني :وإن كانت معتدة من طلاق بائن أو خلع فيلحقها صريح الطلاق عند أصاحبنا[126].
6.  أن لا تكون حائضاً أو في طهر جامعها فيه حال وقوع الطلاق عليها وهذا الشرط عند من يرى عدم وقوع الطلاق البدعي وسيأتي بيانه.



المبحث الثالث: الصيغة.
صيغة الطلاق هي اللفظ المعبر به عنه إلا أنه قد يستعاض عن اللفظ في أحوال بالكتابة أو بالإشارة[127].

أولاً اللفظ :
هو المعبر عن إرادة الزوج وقوع الطلاق ويشترط فيه شروط هي:
1.  القطع بمعرفة معنى اللفظ الذي نطق به قاصداً الطلاق سواء كان هذا اللفظ بالعربية أو بغيرها فإن لم يدرك معنى اللفظ بأن لا يفهم معناه فلا عبرة به .
2.     الجزم بحصول اللفظ فلو شك أنطق بالطلاق أم لا. لا يقع الطلاق.
3.     الجزم بالعدد الذي قصده فإن شك في العدد بنى على الأقل لأنه به يحصل اليقين.

ثانياً الكتابة.
اتفق الفقهاء على وقوع الطلاق بالكتابة ولو كان الكاتب قادراً على النطق واشترط الفقهاء لذلك شروطاً منها:
1.     أن تكون الكتابة واضحة تقرأ وهو ما يعبر عنه الفقهاء بلفظ "مستبينة" مكتوبة في صحيفة أو نحو ذلك.
2.     أن تكون مصدرة للزوجة باسمها ومعنوناً لها أما إذا لم يكن موجهاً لها فلا يقع الطلاق عندئذ إلا بالنية.
3.  أن يقصد بالكتابة الطلاق فإن كتب مثلاً زوجتي طالق من غير قصد للطلاق فإن زوجته لا تطلق لقوله r في حديث عمر t :"إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ من نوى"[128]، ولاحتمال أن يكون كتبه لتحسين خطه ورسمه.

ثالثاً الإشارة.
جمهور الفقهاء على عدم صحة الطلاق بالإشارة من القادر على الكلام وخالف المالكية فقالوا يقع الطلاق بإشارة القادر على الكلام كالأخرس إن كان إشارته مفهمة وأن لم تكن مفهمة لم يقع الطلاق عند الاكثر وفي قول لبعض المالكية يقع بها الطلاق بالنية[129]، أما الاخرس والعاجز عن النطق والبيان فإن جمهور الفقهاء على وقوع الطلاق منه لأن الاشارة تقوم مقام الكلام عند هؤلاء وذلك بشرط أن تكون الإشارة مفهمة للمقصود ولا تحتمل تأويلاً وإلا كانت كناية تحتاج إلى نية واشترط بعض الشافعية والأحناف عدم معرفة الاخرس بالكتابة وإلا لا تصح اشارته كما صرح ابن عابدين حيث قال: فإن كان الأخرس لا يكتب وكان له اشارة تعرف في طلاقه ونكاحه وشرائه وبيعه فهو جائز. وإن لم يعرف ذلك منه أو شط فهو باطل.[130]

!!!!
الفصل الثالث
أقسام الطلاق
المبحث الأول: الطلاق من حيث صفته.
     ينقسم الطلاق من حيث صفته إلى قسمين: سني وبدعي وعلى هذا جمهور الفقهاء خلافاً للأحناف الذين قسموا السني إلى حسن وأحسن وقبل الحديث عن كل قسم من هذين القسمين نذكر تعريف السنة والبدعة:
تعريف السنة:
السنة في اللغة تطلق على السيرة والطريقة حسنة كانت أو سيئة قال r:من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شئ ومن سنّ في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شئ"[131].
وفي اصطلاح الفقهاء ماثبت عن رسول الله r من غير افتراض ولا وجوب وتقابل الواجب وغيره من الأحكام الخمسة وقد تطلق عندهم على مايقابل البدعة.[132]

تعريف البدعة:
البدعة في اللغة هي اختراع الشئ على غير مثال.
وتعرف كذلك  بالحدث في الدين بعد الإكمال[133] ومنه حديث رسول الله r "وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة"[134] .
وشرعاً تطلق في مقابل السنة وعند الحنفية هي اعتقاد خلاف المعروف عن الرسول r لا بمعاندة بل بنوع شبهة وقال الحسين الصنعاني هي الذهاب إلى قول لم يدل عليه دليل[135]
المطلب الأول: طلاق السنة.
أولاً: تعريفه.
     لا يعني الفقهاء بالطلاق السني ما يقابل الفرض أو الواجب أي أنه سنة فلم يقل بذلك أحد من أهل العلم حتى الذين صاروا إلى أن حكم الطلاق عامة الإباحة ولكن يعنون بالسني ما وافق سنة رسول الله r وهديه في طريقة إيقاعه.

ثانياً: صورته.
     أن يطلق الزوج امرأته في طهر لم يمسها فيه طلقة واحدة ويتركها حتى تنقضي عدتها فتصير هذه الطلقة الرجعية طلقة واحدة بائنة بعد انقضاء عدتها وتبين المرأة من زوجها بينونة صغرى إن لم تكن هذه الطلقة مكملة للطلاق الثلاث [136] وبهذا يكون الطلاق السني من ناحية العدد أن يوقع عليها طلقة واحدة ومن ناحية الزمان أن لا تكون حائضاً أو حاملاً مستيقناً حملها أو في طهر جامعها فيه أو نفساء فقد ألحق العلماء النفساء بالحائض[137]. وبهذا جاءت الأدلة من الكتاب والسنة ففي سورة الطلاق يقول سبحانه:] ياأيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة[ [138]. وفي صحيحي البخاري ومسلم عن عبدالله بن عمر y أن عبدالله بن عمر y طلق امرأته وهي حائض على عهد رسول الله r فسأل عمر بن الخطاب t  رسول الله r عن ذلك فقال رسول الله r مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك وإن شاء طلق قبل أن يمس فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء"[139] وهذا بيان لقوله تعالى":] ياأيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة[ ،وورد عن ابن مسعود t قال: طلاق السنة تطليقة وهي طاهر في غير جماع فإذا حاضت وطهرت طلقها أخرى فإذا حاضت وطهرت طلقها أخرى ثم تعتد بعد ذلك بحيضة"[140] وهو بهذا يقصر العدة على المرأة فيقل تضررها من الطلاق.
ثالثاً: حكمه.
     لا خلاف بين أهل العلم أن الطلاق السني يقع وذلك إذا استوفى بقية شروطه التي ذكرها الفقهاء لوقوع الطلاق سواء الخاصة منها بالزوج أو بالزوجة أو الصيغة.

المطلب الثاني: طلاق البدعة.
أولاً: تعريفه.
     الطلاق البدعي هو ما خالف السنة في طريقة وقوعه.

ثانياً: صورته.
     وصوره خلاف بين العلماء في بعضها نتحدث عنها عند الحديث عن حكم كل صورة على حدة وهي:
1.     أن يطلق الرجل زوجه في طهر جامعها فيه.
2.      أن يطلقها في حالة الحيض أو النفاس.
3.     أن يطلقها أكثر من طلقة واحدة في مجلس واحد أو ثلاثاً بكلمة واحدة [141].

ثالثاً: حكمه.
     لا خلاف بين أهل العلم على أن الطلاق البدعي حرام وأن فاعله آثم ولكن هل تجب عليه عليه مراجعة زوجه؟ ذهب الأحناف إلى وجوب مراجعتها في الأصح عندهم[142]، وذهب المالكية إلى تقسيم البدعي إلى حرام ومكروه فالحرام عندهم ما وقع في الحيض أو النفاس من الطلاق مطلقاً والمكروه ما وقع في غير الحيض والنفاس كما لو أوقعها في طهر جامعها فيه وعلى هذا فعند المالكية يجبر المطلق في الحيض والنفاس على الرجعة رفعاً للحرمة ولا يجبر غيره على الرجعة وإن كان بدعياً[143]. وذهب الحنابلة إلى استحباب الرجعة فنص صاحب المغني على ذلك بقوله: "ويستحب أن يراجعها لأمر النبي r بمراجعتها وأقل أحوال الأمر الاستحباب ولأنه بالرجعة يزيل المعنى الذي حرم الطلاق ولا يجب ذلك في ظاهر المذهب وهو قول الثوري والأوزاعي والشافعي وابن أبي ليلى"[144]، وهذا كله أن كان الطلاق الأول أو الثاني أما إذا كان الطلاق الثالث فقد ذهب جمهور الفقهاء أنه لا يحل مراجعتها حتى تنكح زوجاً غيره كما سيأتي. ولكن هل يقع طلاق البدعة؟ أم لا خلاف بين العلماء سنبينه في كل صورة من صوره.

المسألة الأولى طلاق الرجل زوجته وهي حائض أوالنفساء أو في طهر جامعها فيه.
    قال الإمام النووي t:"أجمعت الأمة على تحريم طلاق الحائض"[145]،وجاء في مواهب الجليل " أن الطلاق في الحيض حرام بالاجماع"[146]،وقال صاحب المغني فإن طلق للبدعة وهو أن يطلقها حائضاً أو في طهر أصابها فيه أثم"[147].

حكمة تحريم طلاق الحائض:
      والحكمة من تحريم الطلاق في الحيض يرجع إلى أمرين: الأمر الأول لئلا تطول عدة المرأة المطلقة وفي إطالتها ضرر عليها والأمر الثاني لغرض التأكد من أن الطلاق كان لحاجة الزوج إليه وليس مرده إلى نزوة طارئة وغضب سريع وقرار متعجل وبيان ذلك أن الرجل عادة لا يميل إلى زوجه وهي حائض الميل الطبيعي المعتاد نظراً لحرمة وطئها في الحيض وربما يدعوه ذلك إلى العجلة في تطليقها لأتفه الأسباب ولأقل غضب[148] ولذلك استثنى جمهور العلماء من حظر طلاق المرآة في الحيض حالات هي :
1.  غير المدخول بها لأنها لاعدة عليها فيكون طلاقها على أي حال لقوله تعالى:] لا جناح عليكم إن طلقتم النساء مالم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة[[149]، ولقوله تعالى:] يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها[ [150]. قال ابن عبد البر:" أجمع العلماء أن طلاق السنة إنما في المدخول بها أما غير المدخول بها فليس لطلاقها سنة ولا بدعة إلا في عدد الطلاق على أختلاف بينهم فيه"[151].
2.  كما استثنى الخلع عند من يرى أنه طلاق لحديث ابن عباس y أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي r فقالت يا رسول الله ثابت ما أعتب عليه في خلق ولا دين ولكني أكره الكفر في الإسلام فقال رسول الله r:"أتردين عليه حديقته قالت: نعم فقال رسول الله r: أقبل الحديقة وطلقها تطليقة"[152]، ووجه الاستشهاد بالحديث أن رسول الله r لم يسألها أهي حائض أم لا فدل على جواز الخلع في الحيض والطهر وذلك لأن المرأة هي التي تطلب الخلع وتسعى إليه وقد جاء في مغني المحتاج في فقه الشافعية "ويجوز خلعها في الحيض والنفاس لا طلاق قوله تعالى:] فلا جناح عليهما فيما افتدت به[ ولحاجتها إلى الخلاص بالمفارقة حيث افتدت بالمال"[153].
3.  واستثنوا كذلك تطليق القاضي في الإيلاء إذا رفض الزوج الفيء قبل مضي مدة الايلاء وهي أربعة أشهر ووقع تطليق القاضي حال الحيض لعموم قوله تعالى:] للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإذا فاءوا فإن الله غفور رحيم وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم[[154].
حكم طلاق الحائض:
وهل يقع الطلاق أم لا ؟ هذه المسألة من المسائل التي سار حولها جدل كثير بين مثبت لوقوع الطلاق ونافِ له وامتحن بسببها أئمة كبار وعلماء عظام والخلاف طويل وقد أسهب كثير من العلماء في تحريره وجمع أدلته وايضاح ما استشكل منها كالسيد العلامة محمد بن إبراهيم الوزير الذي له مصنف حافل وللإمام الشوكاني رسالة ذكر فيها أدلة الطرفين وما يرجح منها اضافة إلى ماذكره في كتابه نيل الأوطار هذا بالإضافة إلى ما كتبه ابن حزم وابن تيمية وابن القيم. 
وخلاصة المسألة يعود إلى قولين:
القول الأول:
      ذهب جمهور العلماء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة والزيدية وغيرهم إلى وقوعه واستدلوا بما يلي:
1.  الطلاق في الحيض داخل تحت عموم قوله تعالى:] فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره[ [155]، وقوله تعالى"] والمطلقات يتربص بأنفسهن ثلاثة قروء[ [156]، وحجتهم في ذلك أن الآيات لم تفرق بين مطلقة في حيض وبين مطلقة في طهر وكذلك العموميات الأخرى الواردة في القرآن الكريم بشأن المطلقات يدخل فيها المطلقات في الحيض إذ لا يجوز إخراج بعض المطلقات من هذا العموم الوراد في هذه الآيات إلا بنص أو اجماع ولا يوجد نص ولا اجماع في أخراج المطلقات في الحيض من هذا العموم"[157].
2.  أمر النبي r أن يراجع عبدالله بن عمر y زوجه ولو لم يقع الطلاق لم يأمره بإرجاعها وكذلك تصريح عبدالله بن عمر في بعض الروايات أنها حسبت طلقة فعن ابن عمر y أنه طلق امرأته وهي حائض على عهد رسول الله r فسأل عمر بن الخطاب t رسول الله r عن ذلك فقال رسول الله r: مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهرثم إن شاء أمسك بعد ذلك وإن شاء طلق قبل أن يمس فتلك العدة التي أمر الله سبحانه أن تطلق لها النساء"[158] وفي لفظ للبخاري قال ابن عمر: حسبت عليّ تطليقة"[159] .
3.  كون الطلاق في الحيض محرماً لا يمنع ترتيب أثره وحكمه عليه والدليل على ذلك أن الظهار وبه تقع الفرقة بين الزوجين وصفه القرآن الكريم بأنه منكر من القول وزور وهو محرم بلا شك ومع ذلك فإن أثره يترتب عليه وهو تحريم الزوجة إلى أن يعطي المظاهر الكفارة فكذلك الطلاق البدعي كالطلاق في الحيض هو محرم ولكن يترتب عليه أثره إلى أن تحصل الرجعة فيه وكذلك طلاق الهازل يقع مع أن الهزل فيه محرم"[160].
4.  الطلاق في الحيض طلاق من مكلف في محل الطلاق فيقع كطلاق الحامل ولأنه ليس بقربة فيعتبر لوقوعه موافقة السنة بل هو إزالة عصمة وقطع ملك فإيقاعه في زمن البدعة أولى تغليظاً عليه وعقوبة له أما غير الزوج فلا يملك الطلاق والزوج يملكه بملكه محله[161] .
القول الثاني:
     وأصحاب هذا القول يرون أن من طلق امرأته وهي حائض أو في طهر جامعها فيه فإن طلاقه لا يقع وإلى هذا القول ذهب الإمام الباقر والصادق والناصر وطاووس وسعيد بن المسيب وابن علية وابن حزم وابن تيمية وابن القيم والشوكاني ومحمد بن الوزير ومحمد بن اسماعيل الصنعاني[162]
     وقد أستدل أصحاب هذا الرأي بما يلي: 
1.  قول الله سبحانه وتعالى] ياأيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقهن لعدتهن[[163]والطلاق حال الحيض أو الطهر الذي جامعها فيه ليس طلاقاً للعدة التي أمر الله سبحانه وتعالى بها ومما هو مقرر عند الأصوليين أن الأمر بالشئ نهي عن ضده.
2.  قوله تعالى:] فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان[ ومن أن المعلوم أن الطلاق في الحيض أو في الطهر الذي جامع الرجل زوجه فيه ليس من الاحسان للمرأة بل هو إساءة لها وضرر بها حيث تطول عدتها.
3.  أخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي عن ابن عمر بلفظ "طلق عبدالله بن عمر امرأته وهي حائض قال عبدالله فردها عليّ رسول الله r ولم يرها شيئاً وهو حديث صحيح.
4.  حديث الإمام مسلم عن عائشة t أن رسول الله r قال:" من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" والطلاق في حال الحيض مخالف لأمر الشرع فيكون مردوداً لا أثر له.
5.  روى ابن حزم في المحلى بإسناده عن نافع مولى ابن عمر عن ابن عمر t أنه قال في رجل طلق امرأته وهي حائض قال ابن عمر لا يعتد بذلك[164]. وروى عبدالرازق في مصنفه عن ابن جريح عن ابن طاووس عن أبيه أنه قال: كان لا يرى طلاقاً ما خالف وجه الطلاق ووجه العدة وكان يقول وجه الطلاق أن يطلقها طاهراً من غير جماع وإذا استبان حملها.[165]

الأختيار في المسألة:
من الواضح خلال البحث أن المسألة أخذت جدلاً كبيراً ومناقشات بين العلماء وحاول كل فريق اثبات حجيتة وأدلتة وابطال أدلة الآخرين والرد عليها وجار آخرون في المسألة حتى أن عالماً كبيراً كالإمام محمد بن إسماعيل الصنعاني يتردد بين إيقاع الطلاق وعدمه حتى تستقر عنده الفتوى بعدم وقوع الطلاق يقول الصنعاني: وقد كنا نفتي بعدم الوقوع وكتبنا فيه رسالة وتوقفنا مدة ثم رأينا وقوعه ثم أنه قوى عندي ما كنت أفتي به أولاً من عدم الوقوع لأدلة قوية سقتها في الرسالة سميناها الدليل الشرعي في عدم وقوع الطلاق البدعي.[166].
وهذا الرأي يتناسب مع الأتجاه إلى التضييق في إيقاع الطلاق حفاظاً على الكيان الأسري من الضياع والتفكك فلا يزال النكاح إلا بيقين من كتاب أو سنة أو اجماع وليس ثمة أدلة يقينية تزيل عقد النكاح الذي عُقد بيقين وليس ثمة اجماع في المسألة يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تقدم من حكاية النزاع ما يعلم معه بطلان دعوى الإجماع[167]

المسألة الثانية: حكم الطلاق الثلاث في طهر واحد بكلمة واحدة أو كلمات.
تقدم أن طلاق السنة هو أن يطلقها طلقة واحدة في طهر لم يمسها فيه ثم يتركها حتى تنقضي عدتها فإذا جمع الرجل الطلقات الثلاث في كلمة واحدة مثل أن يقول لها أنت طالق ثلاثاً أو في كلمات كأن يقول لها أنت طالق أنت طالق أنت طالق أو أنت طالق وطالق وطالق أو ماشابه ذلك وكان في طهر واحد يكون قد خالف السنة ويكون بدعياً في قول الحنفية والمالكية وابن تيمية وابن القيم ولايكره ذلك عند الشافعية والحنابلة في الراجح من الروايات وكذا عند أبي ثور وداود الظاهري وإنما يكون تاركاً للأفضل ولكن هل يقع الطلاق أم لا ثمة آراء أربع في المسألة:
الرأي الأول:
لا يقع ولا يلزم منه شئ وهو منقول عن بعض المعتزلة والشيعة وبعض الظاهرية وقد أستدل هؤلاء بالأدلة نفسها التي أستدل بها على عدم وقوع الطلاق في الحيض لأن كلاً منها بدعي غير مشروع.
الرأي الثاني:
يقع ثلاث طلقات سواء كانت المرأة مدخول بها أم لا وإلى ذلك ذهب الجمهور ومنهم أئمة المذاهب الأربعة وبعض من الصحابة كأبي هريرة t وابن مسعود وابن عمرو وغيرهم وقد استدل هؤلاء بأدلة من الكتاب والسنة والآثار منها:
1.     قوله تعالى:]فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره[ [168].
2.     وقوله تعالى :] وإن طلقتموهن من قبل ان تمسوهن[ [169].
3.     وقوله تعالى:] لا جناح عليكم إن طلقتم النساء[ [170].
 ظاهر هذه الآيات أنها لم تفرق بين ايقاع الطلاق واحدة أو ثنتين أو ثلاث.
4.  أخرج أبو داود في سننه أن ركانة بن عبديزيد طلق امرأته البتة فأخبر النبي r بذلك وقال والله ما أردت إلا واحدة فقال رسول الله r والله ما أردت إلا واحدة فقال ركانة: والله ما أردت إلا واحدة فردها إليه رسول الله r فطلقها ثانية في زمان عمر بن الخطاب والثالثة في زمان عثمان"[171] وهو يدل على أنه لو أراد الثلاث لوقعن.
الرأي الثالث:
يقع واحدة ولا تأثير للفظ وهو قول ابن عباس على الأصح وابن اسحاق وعطاء وعكرمة وطاووس كما أفتى به محمد بن أسحاق وحلاس بن عمرو وهو قول الزيدية وبعض الظاهرية وابن تيمية وابن القيم. وقد حكاه ابن المغيث[172]في كتاب الوثائق عن علي وابن مسعود وعبدالرحمن بن عوف والزبير وحكاه أيضاً عن جماعة من مشايخ قرطبة ونقله ابن المنذر عن أصحاب ابن عباس وقد استدل أصحاب هذا القول بأدلة خالفوا بها جمهور الفقهاء والأئمة الأربعة وقد أطال بعض العلماء من أصحاب هذا الرأي في ذكر الأدلة وتفنيد حجج المخالفين لهم[173] منهم شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وغيرهم وأدلة هؤلاء:
1.  قوله تعالى:] الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أوتسريح بإحسان[ فهذه الآية دلت على أن الطلاق المشروع هو أن يكون مرة بعد مرة وعقب كل مرة يكون للزوج حق ارجاعها أما طلاقها الثلاثة فيجعلها تبين منه ولا يحل له ارجاعها حتى تنكح زوجاًغيره ] فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره[.
2.  حديث ابن عباس t قال كان الطلاق على عهد رسول الله r وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر t طلاق الثلاث واحدة فقال عمر t إن الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناه فلوأمضيناه عليهم فأمضاه عليهم وفي رواية لمسلم عن طاووس أن أبا الحصباء قال لابن عباس أتعلم أنما كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد رسول الله r وأبي بكر وثلاثاً من امارة عمر فقال ابن عباس نعم[174].
3.  حديث ابن عباس t عن ركانة أنه طلق امرأته ثلاثاً في مجلس واحد فحزن عليها حزناً شديداً فسأله رسول الله r كيف طلقتها قال طلقتها ثلاثاً في مجلس واحد فقال رسول الله r انما تلك واحد فارتجعها.[175]
الرأي الرابع:
وهو قول يفرق بين المرأة البكر التي لم يدخل بها زوجها وبين الثيب التي دخل بها زوجها فيوقعون على البكر واحدة وعلى المدخول بها ثلاثاً وهو قول جماعة من اصحاب ابن عباس وهو مذهب اسحاق بن راهويه فيما ذكره عنه محمد بن نصر المروزي في كتاب أختلاف العلماء ، وأدلة هؤلاء:
1.  قال أصحاب هذا الرأي أن غير المدخول بها لا عدة عليها بنص القرآن الكريم ] يا ايها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فمالكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحاً جميلاً[ [176] فإذا أوقع عليها ثلاث طلقات بانت منه بالأولى ويكون ما بعدها لغو لا أثر له يقول الإمام القرطبي في تفسيره:"وربما اعتلوا فقالوا غير المدخول بها لا عدة عليها فإذا قال أنت طالق ثلاثاً فقد بانت بنفس فراغه من قوله أنت طالق فيرد ثلاثاً عليها وهي بائن فلا يؤثر شيئاً ولأن قوله أنت طالق مستقل بنفسه فوجب ان لا تقف البينونة في غير المدخول بها على مايأتي بعد أنت طالق"[177].
2.  روى أبو داوود عن طاووس أن رجلاً يقال له أبو الصهباء كان كثير السؤال لابن عباس قال أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثاً قبل ان يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله r وابي بكر وصدراً من خلافة عمر قال ابن عباس: بلى كان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله r وأبي بكر وصدراً من امارة عمر فلما رأى الناس قد تتابعوا فيها قال أجيزوهن عليهم" وقد تمسك بهذه الرواية من ذهب إلى أن المطلقة ان كانت مدخول بها وقعت الثلاث وإن لم تكن مدخولاً بها فواحدة.[178]
الاختيار في المسألة:
مع كثرة الآراء بين من يعد الطلاق الثلاث في مجلس واحد أو في كلمة واحدة طلاقاً واقعاً وتبين منه امرأته بينونة كبرى وبين من لا يراه شيئاً البتة ومن يراه في المدخول بها خلاف التي لم يدخل بها يأتي الرأي الوسط وهو أن الطلاق يقع طلقة واحدة ولا تأثير للفظ والعدد ويؤيد ذلك اضافة إلى ما ذكرنا من أدلة ما يأتي:
1.     الاستشهاد بالأيات الكريمة التي سيقت للدلالة على وقوع الطلاق بحجة أن اطلاق القرآن الكريم للفظ الطلاق يشمل الواحدة والثنتين أو الثلاث دعوة غير مقبولة بل باطلة كما يقول الإمام ابن القيم إذ أن ذلك لا يعم جائزه ومحرمه كما لا يدخل تحته طلاق الحائض وطلاق الموطوءة في طهرها ومعلوم أن القرآن الكريم لم يدل على جواز كل طلاق وإنما دل على أحكام الطلاق والمبين عن الله تعالى بين حلاله وحرامه.[179]
2.     البدهي من لغة العرب أن وصف اللفظ بالعدد أنما هو أخبار عن وقوع الموصوف في الخارج بهذا اللفظ كما في قوله تعالى "فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله انه لمن الصادقين"[180] فإنه لا يصح أن يقول أشهد بالله أربع شهادات بل يجب ان يكرر الشهادة أربع مرات وكذلك أمره r بالتسبيح والتحميد والتكبير دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين مرة لا يصح أن يقول سبحان الله ثلاثاً وثلاثين وإنما يجب العدد سبحان الله سبحان الله. وهكذا من يقول لزوحه أنت طالق ثلاثاً لا يكون إلا مرة واحدة.

المبحث الثاني: الطلاق من حيث الأثر الناتج عنه.
ينقسم الطلاق من حيث الأثر الناتج على الحياة الزوجية إلى قسمين رجعي وبائن.

المطلب الأول: الطلاق الرجعي.
تعريفه: هو الطلاق الذي يوقعه الزوج على زوجته التي دخل بها حقيقة إيقاعاً مجرداً عن أن يكون في مقابلة مال ولم يكن مسبوقاً بطلقة أصلاً أو كان مسبوقاً بطلقة واحدة[181].
والدليل عليه قوله تعالى:] الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان[ [182]
وفي الآية بيان أن الطلاق المشروع يكون مرة بعد مرة وللزوج الحق أن يراجع زوجه بعد الطلقة الأولى او الثانية ما لم تنقضي عدتها والإمساك بالمعروف معناه مراجعتها ويقول الله سبحانه وتعالى:] والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن ارادوا اصلاحاً[ [183]، وفي الحديث الصحيح أن رسول الله r قال لعمر حينما أخبره أن أبنه عبدالله طلق زوجه وهي حائض فقال له:"مره فليراجعها"[184].

شروط وقوع الطلاق الرجعي:
1.     أن يكون في نكاح صحيح.
2.  أن يكون الزوج قد بنى بزوجه التي أوقع عليها الطلاق لأن المطلقة قبل الدخول تبين من زوجها ولا عدة عليها لقوله تعالى:] ياأيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحاً جميلاً[ [185].وعند الحنفية والمالكية والشافعية لا تقوم الخلوة الصحيحة مقام الدخول بالنسبة لحق الزوج في إرجاع زوجه إذا طلقها بعد الخلوة الصحيحة دون دخول بها حقيقة ولهذا يقع الطلاق عندهم في هذه الحالة طلاقاً بائناً وعند الحنابلة الخلوة الصحيحة تقوم مقام الدخول حتى لو أنه طلقها قبل الدخول بها لكن بعد الخلوة الصحيحة بها جاز له إرجاعها باعتبار أن طلاقه طلاق رجعي.[186]
3.  أن لا يكون الطلاق مقابل عوض من الزوجه لأنه يصير عندئذ خلعاً ولا يحق له مراجعتها إلا بموافقتها وبمهر جديد وعقد جديد كما في باب الخلع. قال صاحب المغني:" أجمع أهل العلم على أن الحر إذا طلق الحرة بعد الدخول بها أقل من ثلاث بغير عوض ولا أمر يقتضي بينونتها فله عليها الرجعة ما كانت في عدتها"[187].
4.  أن لا يكون مكملاً للثلاث ولأن الزوج من حقه إرجاع زوجه بعد الطلقة الأولى والثانية أما بعد الثالثة فلا يصح له حتى تنكح زوجاً غيره وهو الطلاق البائن كما سيأتي.

 حكم الطلاق الرجعي:
1.  للزوج حق ارجاع زوجه ما دامت في عدتها بدون عقد جديد لقوله تعالى:] وبعولتهن أحق بردهن في ذلك أن أرادوا اصلاحاً[ [188] ولا يشترط في ذلك رضا الزوجة ولا علمها وإن استحب ذلك وتصح مراجعتها بالقول مثل أن يقول راجعتك أو بالفعل كالجماع ودواعيه.
2.  الطلاق الرجعي لا يزيل الزوجية القائمة ما دامت الزوجة في العدة ففي الآية السابقة سمى الله تعالى المطلقات أزواجاً بعد الطلاق "وبعولتهن" ولا يكون ذلك إلا إذا كانت الزوجية قائمة ولذلك جاء في المغني لابن قدامه قوله:"والرجعية يلحقها طلاقه وظهاره وإيلاؤه ولعانه مادامت في العدة ويرث أحدهما الآخر إذا حصلت وفاة أحدهما وهي في العدة وإن خالعها صح خلعه.[189]
3.     لا يحل بالطلاق الرجعي المؤجل من المهر لأحد الأجلين وإنما يحل ذلك بعد انقضاء العدة.
4.  الطلاق الرجعي ينقص عدد الطلقات التي يملكها الزوج على زوجه فإن الزوج يملك ايقاع ثلاث طلقات على زوجه فإن طلق واحدة احتسبت وبقيت له ثنتان وإن طلق الثانية احتسبت وبقيت له واحدة تبين بعدها.
مسألة:
لو أراد الزوج مراجعة زوجه من طلاق رجعي أثناء العدة فادعت أنقضاء عدتها نظر فإن كان الوقت الذي ادعت فيه تنقضي فيه العدة عادة قبل قولها لقوله تعالى"] ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن أن كنَّ يؤمن بالله واليوم الآخر[ [190]
فلولا أن قولها مقبول لما نهاهن الله تعالى عن الكتمان والمطالبة بإظهاره هنا هو الحيض والحمل كما نص على ذلك اهل العلم وان ادعت انقضاء العدة في مدة لا تنقضي فيها العدة حتى على أقل مدة عند الفقهاء فالقول عندئذ قول الزوج لظهور عدم صحة قولها.

المطلب الثاني: الطلاق البائن.
إذا لم يكن للزوج حق الرجعة سمى الطلاق بائناً وينقسم إلى قسمين: بائن بينونة صغرى وبائن بينونة كبرى.

أولاً:البائن بينونة صغرى.
تعريفه:
هو الطلاق الذي لا يملك الزوج فيه حق الرجعة إلا بعقد جديد ومهر جديد سواء كان أثناء العدة أم بعدها.
حالاته:
أ‌-   الطلاق قبل الدخول إذ لا يملك الزوج في هذه الحالة إذا أراد أن يراجع زوجه إلا أن يعقد عليها عقداً جديداً ويسمي لها مهراً.
ب‌- الطلاق على عوض والمسمى في الفقه بالخلع لأن المرأة ما دفعت العوض إلا لتتخلص من قيد الزوجية وتملك أمر نفسها وبه لا يملك الزوج ارجاع زوجه إلا برضاها وعقد جديد ومهر جديد.
ت‌- بعض الحالات التي يفرق فيها القاضي كتفريق القاضي بسبب الشقاق بين الزوجين أو تضرر الزوجة من غيبة الزوج أو حبسه.
ث‌-  المطلقة رجعياً إذا أنقضت عدتها ولم يراجعها زوجها.
حكمه:
أ‌-   الطلاق البائن بينونة صغرى يزيل قيد الزوجية بمجرد وقوعه فتصبح الزوجة أجنبية عن زوجها فلا يحل له الاستمتاع بها ولا يرث أحدهما الآخر إذا مات أثناء العدة أو بعدها.
ب‌- لا يحتاج الطلاق البائن بينونة صغرى لمحلل بمعنى أنه لا يشترط لحلها لزوجها أن تنكح زوجاً غيره وإنما يكتفي بمهر جديد وعقد جديد.
ت‌-  يحل بالطلاق البائن مؤخر الصداق المؤجل لأقرب الأجلين.
ث‌-  لا يملك الزوج حق إرجاع زوجه إلا برضاها ومهر جديد وعقد جديد.
ج‌-  ينقص الطلاق البائن بينونة صغرى عدد الطلقات التي يملكها الزوج على زوجه فإذا رجعت إليه بعقد جديد ومهر جديد عادت إليه بما بقى من الطلقات.
وقد اتفق الفقهاء على أن المطلقة الرجعية إذا اراد زوجها إرجاعها وكذلك البائن بينونة صغرى إذا عقد عليها زوجها عقداً جديداً قبل أن تتزوج بزوج آخر تعود إليه بما بقى له من الطلقات الثلاث واحدة أو اثنتين.

ثانياً: البائن بينونة كبرى.
تعريفه:
هو الطلاق الذي لا يملك الزوج فيه حق الرجعة إلا بعقد جديد ومهر جديد بعد أن تنكح زوجاً آخر ويدخل بها ثم يفارقها بموته أو بالطلاق وتنتهي عدتها.

حالاته:
يقع الطلاق بائناً بينونة كبرى إذا كان مكملاً الثلاث لقوله تعلى:] الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً إلا أن يخافا أن لا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما أفتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره[ [191]. ولقوله r لامرأة رفاعة وقد طلقها زوجها ثلاثاً وأرادت أن تعود إليه بعد أن تزوجت بآخر لكن دون معاشرة زوجية "لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك وهذا القول كناية عن الوطء"[192].

حكمه:
يأخذ جميع أحكام الطلاق البائن بينونة صغرى التي ذكرت من قبل إلا أنه يزيل قيد الزوجية والحل أي أن الزوجة المطلقة ثلاثاً لا تحل لزوجها حتى تنكح زوجاً غيره ثم يفارقها بموت أو طلاق وتنقضي عدتها ثم إذا شاء زوجها الأول أن يعقد عليها برضاها كان له ذلك ولكن بعقد جديد ومهر جديد.

شروط النكاح الذي تحل به المطلقة ثلاثاً للزوج الأول:
أ‌-   يشترط في النكاح الذي تحل به المطلقة ثلاثاً للزوج الأول أن يكون صحيحاً ظاهراً وباطناً بأن يكون مستوفياً لشروطه وأركانه وأن يكون المقصود منه اقامة البيت وتحقيق أغراض الزواج في الإسلام.
ب‌- اشترط جمهور الفقهاء الوطء فلا يكفي مجرد العقد الصحيح وذلك لحديث عائشة y أن رفاعة القرظي تزوج امرأة ثم طلقها فتزوجت آخر فأتت النبي r فذكرت له أنه لا يأتيها وأنه ليس معه إلا مثل هدبة الثوب فقال لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك"[193]

مسألة الهدم.
إذا تزوجت المطلقة ثلاثاً "المبانة بينونة كبرى" ثم طلقت من زوجها وعادت إلى زوجها الأول بعد انقضاء عدتها فإنها تعود إليه بثلاث تطليقات يملكها عليها قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أن الحر إذا طلق زوجته ثلاثاً ثم انقضت عدتها ونكحت زوجاً أخر ودخل بها ثم فارقها وانقضت عدتها ثم نحكت زوجها الأول أنها تكون عنده على ثلاث تطليقات.[194]
أما المبانة بينونة صغرى إذا تزوجت ثم طلقها زوجها وعادت إلى زوجها الأول فقد أختلف أهل العلم في ذلك إلى أقوال ثلاث القول الأول وهو قول أبراهيم النخعي ان كان دخل بها الأخير فطلاق جديد ونكاح جديد وإن لم يكن دخل بها فعلى ما بقى[195]. والقول الثاني: وهو قول عمر بن الخطاب  وعلي بن أبي طالب  وعمران بن الحصين  وأبو هريرة ويروى ذلك عن زيد بن ثابت ومعاذ بن جبل وعبدالله بن عمرو بن العاص وبه قال عبيدة السلماني وسعيد بن المسيب والحسن البصري ومالك وسفيان الثوري وابن أبي ليلة والشافعي وأحمد واسحاق وأبو عبيد وأبو ثور ومحمد بن الحسن وابن نصر وهؤلاء يقولون أنها ترجع إليه بما بقى من طلاقها . والقول الثالث: قول ابن عمر وابن عباس وبه قال عطاء والنخعي وشريح والنعمان ويعقوب وهو أن الزواج جديد والطلاق جديد وقد ذكر أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا أبو معاوية ووكيع عن الأعمش عن إبراهيم قال كان أصحاب عبدالله يقولون أيهدم الزوج الثلاث ولا يهدم الواحدة والاثنين.[196] وهذا القول هو الأظهر في المسألة والله أعلم.

المبحث الثالث: الطلاق من حيث الصيغة المستعملة
ينقسم الطلاق من حيث الصيغة المستعملة إلى طلاق صريح وكنائي:
المطلب الأول الطلاق الصريح.

أولاُ معناه.
الطلاق الصريح هو الذي يكون بلفظ لا يحتمل غير الطلاق مثل أنت طالق ومطلقة باللغة العربية وكذلك الألفاظ التي تؤدي معنى الطلاق الصريح في اللغات الأخرى.

ثانيا ألفاظه.
ذهب الفقهاء إلى أن الألفاظ الصريحة في الطلاق هي مادة "طلق" وما اشتق منها لغة وعرفاً مثل طلقتك وأنت طالق[197]وكذلك الالفاظ التي تؤدي معنى الطلاق الصريح في اللغات الأخرى وقد ذهب الشافعية إلى أن الصريح ثلاثة ألفاظ الطلاق والفراق والسراح[198] وهي الألفاظ التي أستعملها القرآن الكريم في الحديث عن فرق الزواج.

ثالثاً حكمه.
ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الطلاق يقع باللفظ الصريح دون حاجة إلى نية أو دالة حال[199] وخالف الظاهرية فقالوا يقع الطلاق بلفظ الطلاق أو السرح أو الفراق إذا نوى به الطلاق فإن قال في شئ من ذلك كله لم أنو الطلاق صدق في الفتيا ولم يصدق في القضاء في لفظ الطلاق وما تصرف منه وصدق في سائر ذلك في القضاء أيضاً[200] ولعل هذا ما يتفق مع ما ذكرنا سابقاً من حيث اشتراط النية والقصد في الطلاق لقوله تعالى:" وإن عزموا الطلاق" ولقوله r :"إنما الأعمال بالنيات"

المطلب الثاني الطلاق بالكناية.
أولاً تعريفه.
هو فك عرى الزواج بلفظ يحتمل الطلاق وغيره.
ثانياً ألفاظه.

كل لفظ يحتمل الطلاق وغيره مثل قول الرجل لزوجه أنت بائن فهو لفظ يحتمل البينونة عن النكاح والبينونة عن الخير والشر ومثل قول الحقي بأهلك.

ثالثاً حكمه.
الجمهور على وقوع الطلاق بالفاظ الكناية إن نوى الطلاق وقصده وذلك لحديث عائشة t عند البخاري في كتاب الطلاق أن ابنة الجون لما دخلت على رسول الله r ودنا منها قالت أعوذ بالله منك فقال لها عذت بعظيم الحقي بأهلك وفي الصحيحين  وغيرهما في حديث تخلف كعب بن مالك عن غزوة تبوك لما قيل له رسول الله r يأمرك أن تعتزل امرأتك فقال أطلقها أم ماذا أفعل قال بل اعتزلها فلا تقربها فقال لامرأته الحقي بأهلك فقد أستعملت لفظة "الحقي بأهلك" مرة قصد بها الطلاق ومرة لم يقصد بها الطلاق. وهذا عند جمهور الفقهاء ومنهم الحنفية والشافعية والحنابلة والمالكية والزيدية وخالف الظاهرية فذهبوا إلى أن طلاق الكناية لا يقع قال ابن حزم:" ومن قال لأمرأته أنت عليّ حرام أو زاد على ذلك فقال كالميتة والدم ولحم الخنزير أو قال من ذلك فهو كله باطل وكذب ولا تكون بذلك عليه حرام وهي امرأته كما كانت نوى بذلك طلاقاً أو لم ينوه وقال وماعدا هذه الألفاظ الطلاق والسراح والفراق لا يقع بها طلاق البتة نوى بها طلاقاً أو لم ينوه لا في فتيا ولا في قضاء"[201]

المبحث الرابع: الطلاق من حيث زمن وقوع أثره
المطلب الأول الطلاق المنجز.
أولاً تعريفه.
هو الطلاق الخالي من صيغة عن التعليق والإضافة[202].
ثانياً حكمه.
يقع الطلاق المنجز في الحال وتترتب عليه أثاره متى صدر من أهله وصادف محلاً له وكان مستوفياً لشروطه.

المطلب الثاني الطلاق المعلق.
أولاً تعريفه.
هو ما جعل فيه الزوج حصول الطلاق معلقاً على شرط محتمل الوجود أما إذا علق على مستحيل فهو لغو ليس بطلاق.
ثانياً أقسامه.

ينقسم الطلاق المعلق إلى قسمين:
القسم الأول.
هو ما يقصد به الحمل على فعل شئ أو تركه أو تأكيد خبر ويسمى التعليق القسمي مثل ان يقول لزوحه أن فعلت كذا فأنت طالق قاصداً منعها من الفعل.
القسم الثاني.
هو ما يقصد به ايقاع الطلاق عند حصول الشرط ويسمى الشرطي مثل أن يقول لزوجته أن أبرأتني من مؤخر صداقك فأنت طالق[203].

ثالثاً حكمه.
أختلف أهل العلم هل يقع الطلاق المعلق بقسميه أم لا؟
1- ذهب جمهور الفقهاء إلى وقوع الطلاق المعلق بنوعيه بشروط:
أ‌-       أن تكون المرأة في عصمة الزوج حال وقوع الطلاق المعلق.
ب‌- أن يكون التعليق على أمر معدوم حال صدور الطلاق المعلق ويمكن وقوعه أما إذا علقه على حاصل فهو في حكم الطلاق المنجز وإذا علقه على مستحيل فهو لغو لا يقع به طلاقه.
ت‌-  ألا يفصل بين الصيغة والشرط بكلام أو بزمن من غير عذر.
وقد أستدل الجمهور بما يلي:
أ‌-       لم تفرق الآيات بين المنجز والمعلق حين ذكرت الطلاق مثل قوله تعالى:" الطلاق مرتان".
ب‌-  تعليق الطلاق على شرط داخل تحت عموم حديث الرسول r "المسلمون عند شروطهم إلا شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالاً" وليس في تعليق الطلاق هنا تحليل حرام أو تحريم حلال.
ت‌- روى البيهقي عن أبن مسعود t في رجل قال لامرأته أن فعلت كذا أو كذا فأنت طالق ففعلته فقال هي واحدة وهو أحق بها.
ث‌-  روى البيهقي عن ابن عباس t في رجل قال لامرأته هي طالق إلى سنة قال يستمتع بها سنة.
2- ذهب الظاهرية والإمامية إلى أن طلاق المعلق لا يقع سواء وجد الشرط أم لا وسواء كان يميناً أم لا.
وقد أستدل القائلون بهذا الرأي بما يلي:
أ‌-   قال ابن حزم الظاهري من قال إذا جاء رأس الشهر فأنت طالق أو ذكر وقتاً ما فلا تكون طالقاً بذلك لا الآن ولا إذا جاء رأس الشهر برهان ذلك أنه لم يأت قرآن ولا سنة بوقوع الطلاق بذلك وقد علمنا الله الطلاق على المدخول بها وفي غير المدخول بها وليس هذا فيما علمنا[204].
ب‌-  تعليق الطلاق يمين واليمين بغير الله لا تجوز لقوله r "من كان حالفاً فلا يحلف إلا بالله"[205].
3- فصل ابن تيمية وابن القيم في المسألة فقالا ان كان التعليق قسمياً أو على وجه اليمين ووجد المعلق عليه لا يقع ويجزيه عند ابن تيمية كفارة يمين ان حنث في يمينه ولا كفارة عليه عند ابن القيم وأما إن كان التعليق شرطياً أو على غير وجه اليمين فيقع الطلاق عند حصول الشرط.[206]
وقد استدل ابن تيمية وابن القيم بما يلي:
أ‌-       حديث البخاري عن ابن عباس t "الطلاق عن وطر والعتق ما تبتغى به وجه الله تعالى" فبين ابن عباس أن الطلاق انما يقع بمن غرضه ان يوقعه لا لمن يكره وقوعه كالحلف به والمكره عليه.[207]
ب‌- الطلاق القسمي إن كان المقصود منه الحث على فعل شئ أو تركه فهو في معنى اليمين وتجري عليه أحكام اليمين عند الحنث.

والاختيار في المسألة:
هذا النوع من الطلاق مما عمت به البلوى حتى لا يكاد يسلم منه إلا من رحم ربي مما يجعلنا نميل إلى ما رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية فلا يقع الطلاق بصيغة التعليق إذا كان القصد من هذا التعليق الحلف بالطلاق أو معنى اليمين وهو الحث على فعل شئ أو ترك شئ أو لحمل السامع على التصديق بشئ أو تكذيبه أو قصد التهديد ولم يكن القصد من التعليق أيقاع الطلاق عند تحقق الشرط وما نقل عن بعض الصحابة أو السلف ايقاع الطلاق المعلق فذلك محمول على التعليق المحض الذي لا يقصد به اليمين أما الذي بمعنى اليمين فلا يحفظ عن صحابي أنه أفتى بوقوعه عند وقوع الشرط كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم[208].
ومما عمت به البلوى في عصرنا استخدام كثير من الناس ألفاظ الطلاق في معاملاتهم سواء كان ذلك داخل البيت حين يريد الزوج ان يمنع زوجه من أمر أو يحثها على شئ فكثيراً ما نرى الأزواج يستعملون صيغ الطلاق المعلق ان فعلت كذا – إن ذهبت إلى كذا  ثم ما يلبث أن يرى الزوج نفسه أنه قد اخطأ وضيق على نفسه وأهله بيمينه هذه مما حدا بكثير من المحاكم الشرعية أن تأخذ بفتوى شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم كما في مصر وسوريا وغيرهما على الرغم من أن المذهب الحنفي هو السائد في هذه البلاد.
وهذا ما ذهب إليه شيخنا علامة العصر الأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي حيث قال في اجابة عن سؤال حول الطلاق المعلق:
إن المذهب الذي اعتمده وأدين الله تعالى به وأفتي به منذ سنين طويلة هو أن الطلاق المعلق الذي يراد به الحمل على شئ معين أو المنع منه ليس هو الطلاق الذي شرعه الله تعالى لقطع العلاقة الزوجية بالفراق عند تعذر الوفاق وإنما يعامل معاملة اليمين فإذا لم يحدث ما علق به كان فيه كفارة يمين(اطعام عشرة مساكين أو كسوتهم) وهذا هو مذهب بعض السلف الذي رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وهو الذي أختاره وارجحه وارى أنه الأوفق بروح الإسلام وهو الذي عليه كثير من أهل العلم والفتوى في عصرنا[209]



!!!!!
الفصل الرابع
كيف نحد من الطلاق
    
ذكرنا مما سبق أن الطلاق أخر الدواء ولم يشرعه الإسلام إلا حينما تفشل كل سبل الإصلاح عندها " وإن يتفرقا يغني الله كلاً من سعته" [210] لكن المسلم يبقى دائماً مؤملاً في الاصلاح "والصلح خير" لا يترك المشكلات تتراتكم حتى تستفحل وإنما يسعى دائماً إلى صفو الحياة وعلاج المشكلات خاصة والإسلام والحمد لله جعل لكل داء دواء ومن هنا رأيت أن يكون هذا الفصل محاولة للحد من أنتشار الطلاق وعلاجاً في نفس الوقت لكثير من المشكلات التي تعترض الحياة الزوجية وسوف ألمح إلى نقاط في عجالة أراها مهمة في طريق تضييق الخناق على الطلاق والحد من تفسخ الأسرة وانهيارها .

أولاً قبل الزواج.
1: حسن الاختيار.
أمر الإسلام كلاً من الزوجين أن يحسن اختيار صاحبه على أسس وقواعد شرعها ذكرت فيما سبق لكن تحت ظروف معينة قد يضطر الرجل أن يتزوج أي امرأة لا لتكون شريكة حياته ولكن ليقضي منها حاجة وقد تضطر المرأة أن تقبل أي رجل تحت أي ظرف من الظروف دون تفكير منها وروية ودون البحث عن الزوجة الصالحة والزوج الصالح ولا أعني بالصالح هنا العابد الملتزم فقط وإنما أعني الصالح لأن يكون شريك حياة لصاحبه اضافة إلى تدينه والتزامه قد يكون هناك تباعد في الثقافة والفكر وبالتالي ينتج عنه تباعد في الرؤى نظراً لاختلاف اهتمامات كل منهما وإذا انضم إلى ذلك اختلاف البيئة والذي يعني أختلافاً في العادات والتقاليد فما يكون عيباً في هذه البيئة قد لا يكون عيباً في الأخرى وما يكون التزاماً في الحياة في بيئةلا يكون إلتزاماً في البيئة الأخرى ومثال على ذلك البيئة الغربية التي تعتبر مثلاً الرجل شريك المرأة في كل شئ حتى في رعاية الطفل فعليه مثل ما عليها وكما يعبرون 50:50 الرجل عليه أن يقوم من الليل ليرعى الطفل عند بكائه ويغير له ثيابه والرجل مطالب كذلك بأن يعد الطعام كما تعد المرأة وأن يغسل الملابس كما تغسل وأن ينظف المنزل كما تنظف سواء كانت المرأة تعمل أم لا وسواء كان الرجل يعمل أم لا فتلك نقرة وهذه أخرى كما يقولون[211] وبالتالي تكثر المشاكل وقد لا يدوم الزواج في مثل هذه الحالات وكذلك أختلاف الدين ومع أن الإسلام أباح للرجل أن يتزوج من أهل الكتاب بقوله تعالى:" والمحصنات من اللذين أُوتوا الكتاب" [212] إلا أن ثمة اشكالية كبرى فالمسلم له من الشعائر التي يقيمها مثل الصلاة والصيام والعيدين ورغبته في تنشئة الأولاد على الإسلام مما يشعره بالغربة في بيئة ومع أهله كذلك فهي تريد أن تقيم طقوس دينها وتحتفل بأعيادها والإسلام وإن كان أباح لها أن تفعل ذلك وفق قوله تعال:"لكم دينكم ولي دين"[213] إلا أنها تشعر بالغربة كذلك في بيتها لأنها لا تجد من يشاركها في أعيادها ولذلك قد تجذب ابناءها ليشاركوها طقوسها وعبادتها في غفلة عن زوجها.
ومن هنا وجب على كل من الزوجين أن يفكرا كثيراً قبل الزواج وأن يستخيرا الله تعالى وأن يكون الإيمان والخلق الصالح أساس الاختيار حتى تكون هناك مرجعية عند الخلاف لا قدر الله تعالى.

2- الوقوف على فقه المعاملة الزوجية.
إن الإنسان قبل أن يبدأ أي مشروع في حياته الدنيوية يقوم بدراسته دراسة جيدة يقف خلالها على أسباب نجاحه وفشله والوسائل التي تنميه وتزيده وليس ثمة أهم من مشروع بناء الأسرة المسلمة التي تقوم عليها الأمة فإن كانت الأسرة ناجحة قوية متماسكة كانت الأمة كذلك وإن كانت الأسرة ضعيفة متهالكة يسودها الشقاق والخلاف كانت الأمة ضعيفة لذلك كان حرياً بالمسلم أن يتفقه في أمر دينه خاصة ما يخص الأسرة وقد حثنا الإسلام على طلب العلم وجعله فريضة فقال r :" طلب العلم فريضة على كل مسلم"[214] وقال r :" من يرد الله به خيراص يفقهه في الدين" وكثيراً ما تأتي الخلافات نتيجة لقلة الفقه والجهل بأمور الشريعة فيما يخص الأسرة فالزوج لايعرف ما عليه من واجبات تجاه زوجته وأولاده فيقصر والزوجة تجهل ما عليها من واجبات تجاه زوجها وأولادها فتقصر ومن هنا تبدأ الاشكاليات ويدب الخلاف ولذلك أنصح المراكز الإسلامية والمساجد بإقامت دورات بين الحين والآخر في فقه المعاملات الأسرية خاصة للمتزوجين الجدد أو لمن هم مقدمون على الزواج.

3- وضوح الهدف من الزواج.
     الهدف الأسمى من الزواج اقامة البيت المسلم المستقر الذي يخرج للأمة أجيال المستقبل التي تحمل على كاهلها متابعة عمارة الأرض فالأسرة محضن لبناء الأجيال والتناسل والتكاثر وسيلة لتحقيق ذلك قال r :" تناكحوا تناسلوا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة".
     ولكن في الغرب قد يختلف الهدف أحياناً عند بعض الرجال أو النساء عن هذا وتكون هناك مصالح يرجوها كل واحد من الآخر لا علاقة لها بما ذكرنا ويقوم الزواج على هذه المصالح فإذا انتهت المصلحة أو حصل كل واحد على مايريد من صاحبه سقطت الأسرة وهوت فقد يتزوج الشاب الفتاة حتى يحصل على أوراق الاقامة أو الجنسية أو طمعاً في مال وقد تتزوج الفتاة الشاب كذلك طمعاً في العيش في الغرب أو لمال لديه مع قناعة كل منهما أن صاحبه ليس الشخص المناسب لأن يكون شريك الحياة مثل هذا الزواج لا يدوم فبمجرد حصول أحدهما على مبتغاه تبدأ الصراعات والنزعات ويسقط القناع وكثيراً مارأينا أسراً هدمت \ بعدحصول الرجل على الجنسية أو المرأة وكثيراً ما يكون بينهما أبناء بل إن هناك من يتاجر بعقود الزواج من أجل الحصول على الإقامة أو الجنسية وهذا لا شك أمر غير جائز شرعاً لأنه عبث بأوثق المواثيق ولعب بسنة من سنن الله وأية من آياته ولذلك جاءت فتوى المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث رداً على سؤال حول صحة مثل هذه العقود بما يلي:
السؤال: ما هو الحكم الشرعي فيما يسمى بزواج المصلحة، وصورة هذا الزواج متعددة فيما يبدو لي، ومنها على سبيل المثال:
               v                        يتفق رجل وامرأة على عقد زواج مقابل مبلغ من المال يدفعه إليها، وقد يكون هذا المبلغ مقطوعاً أو موزعاً على سنوات - حسب الاتفاق - وذلك في مقابل أن تذهب معه إلى مصلحة شرطة الأجانب عند تجديد الإقامة كل سنة، إلى أن يحصل على الإقامة الرسمية، ومن ثم يفسخ العقد، وفي تلك الأثناء إما أن يعيش الرجل مع هذه المرأة عيشة الزوجين، بمعنى أنه يضمهما بيت واحد يتعاشران فيه معاشرة الأزواج، إلا أنهما يتفقان على فسخ العقد عند حصول الزوج على الإقامة الرسمية، وهذا الاتفاق لا يصرح به طبعاً عند الجهة العاقدة، لأن القانون لا يسمح بذلك.
               v                        وفي بعض الصور لا يعيش الرجل مع المرأة التي عقد عليها أمام السلطات ولا يخالطها ولا تخالطه، بل يتفقان أن تذهب معه عند تجديد الإقامة كل سنة، كي تقول للسلطات إنها مرتبطة به كزوج، وتأخذ المبلغ المتفق عليه، ويذهب بعد ذلك كل واحدٍ إلى حال سبيله. مع العلم بأن هذا اللون من ألوان الزواج قد يقدم عليه الرجل لأجل أن يحصل هو على الإقامة، وبالمقابل قد تفعله المرأة مع الرجل لتحصل هي على الإقامة، ويمكن أن يكون أحدهما غير مسلم، ويمكن أن يكون الاثنان مسلمين!!! وفي كل الأحوال فإنه من خلال هذه المدة تكون الزوجة محسوبةً على زوجها من الناحية القانونية، ويكون هو محسوباً عليها من الناحية القانونية كذلك. ولو افترضنا أن هذه المرأة قد عاشرت رجلاً آخر، وأنجبت منه، فإن المولود يسجل باسم هذا الزوج المؤقت، ولو جاء هو يطالبها بحق المعاشرة الزوجية فإنها لا تستطيع أن تمتنع عن ذلك قانوناً، وخاصة إذا كانت هي المحتاجة إلى الإقامة.
وهذا العقد بصورتيه المذكورتين إنما يتم في البلدية كسائر العقود المدنية في هذا البلد.
وقد يكون عقداً شرعياً بشروطه الشرعية المعتبرة، ولكن الجانبين لا يصرحان بذلك الاتفاق في صلب العقد. وإنما هو اتفاق بينهما بحضور بعض أفراد العائلتين (عائلة الزوج وعائلة الزوجة).
               v                        وهنالك صورة أخرى من صور الزواج في بلاد الغرب، أوردها كما يلي:
يتزوج الرجل المرأة بصداق، ولكنه مضمر في نفسه، ويصرح لأصدقائه وأقاربه أن غرضه ليس الزواج وإنما هو الحصول على الإقامة، فمتى حصل على الإقامة طلق زوجته هذه، وهو لا يستطيع أن يصرح بهذا أمام المرأة، خوفاً من أن تطرده قبل الحصول على الإقامة.
الجواب:
الصورة الأولى حرام يأثمان عليه، وذلك بسبب منافاة هذا العقد لمقصد الشريعة في الزواج، إذ هو عقد صوري مقصود به أمر آخر غير الزواج، فهو لو استوفى شروط العقد فإنه لا يحل لهذا المعنى، وكذلك لأجل أن قانون البلاد لا يسمح به، يتأكد المنع بمجيء هذه الصورة مخالفة لقانون البلد، والقانون هنا متفق مع المقصد الشرعي. كما أن هذه الصورة لا تخلو من شبه بنكاح المتعة الذي حرمه النبي صلى الله عليه وسلم([215])، من جهة التوقيت الذي فيه إلى فترة الحصول على الإقامة ثم يفسخ العقد بعد ذلك كما عبر السائل.
والصورة الثانية مثل الأولى في التحريم، وفيها قضية مقطوع بحرمتها وهي زواج المسلمة من غير مسلم، فإن مجرد العقد فاسد سواء للغاية المذكورة في السؤال أو لمجرد الزواج.
وأما الصورة الثالثة فالعقد وإن كانت صورته صحيحة، ولكن الزوج آثم بغشه المرأة؛ وذلك لإضماره نية الطلاق من حين العقد، والزواج في الإسلام يعني الديمومة والبقاء والاستقرار للحياة الزوجية، والطلاق طارئ بعد العقد، ولهذا السبب حرم الزواج المؤقت واعتبر فاسداً. كذلك فإن الإيجاب والقبول في الزواج شرطان أساسيان فيه، والمرأة حين قبلته زوجاً فإنما كان مقصدها حقيقة الزواج، ولو علمت أنه قبلها زوجة مؤقتة يطلقها متى شاء لرفضت ذلك، فإذا كان عازماً الطلاق عند العقد أثر ذلك في صحة العقد، لأن المرأة بنت قبولها على غير ما أراد. [الدورة الثانية]

 ثانياً: بعد الزواج.
1-  مراقبة الله تعالى.
نعني بمراقبة الله تعالى أن يراقب كل من الزوج والزوجة ربه سبحانه وتعالى في تعامله مع الآخر وأن يتخلق معه بخلق الإسلام الذي أمرنا أن نحسن التعامل مع الناس جميعاً فما بال الزوج مع زوجته والزوجة مع زوجها وقد قال تعالى مبيناً العلاقة بينهما:" ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها"[216] فالتعبير بقوله تعالى"من أنفسكم" يوحي في النفس أن الزوجة قطعة من الزوج وجزء منه فكيف يتعامل معها وكيف تتعامل معه وفي قوله تعالى "هن لباسن لكم وأنتم لباس لهن" اشارة إلى قوة العلاقة بين الزوج وزوجه هذه العلاقة تحتاج إلى زاد دائم لتبقى قوية متماسكة وهذا الزاد هو الذي عبر عنه القرآن الكريم بقوله تعالى" وجعل بينكم مودة ورحمة" وهو بحاجة لشحنات دائمة تدفعه وتقويه وإلى دليل يراقبه حتى لا يتطرق إليه أي فساد ومراقبة الله تعالى في تعامل كل من الزوجين لصاحبه هي خير دليل لذلك خاصة عندما يذكر كل منهما قوله تعالى في مطلع سورة النساء" ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والارحام إن الله كان عليكم رقيباً"[217].

2- حسن المعاشرة.
نعني بحسن المعاشرة هنا أن يحسنِ كل من الزوجين معاشرة الآخر والتلطف معه ويكون ذلك بعدة أمور منها:
أ- التحلي بالأخلاق الإسلامية خاصة المتعلقة بالتعامل مع الآخرين مثل الصبر والإيثار والتواضع والكرم والحلم والرفق فصاحب الخلق الحسن أقرب الناس إلى رسول الله r يوم القيامة حيث جاء في الحديث "أقربكم مني منازل يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً"[218]
ب- بذل الواجب قبل المطالبة بالحق.
حتى تنجح مؤسسة الأسرة لابد لكل الزوجين أن يحرصا على ديمومتها وسعادتها ومن هذا الحرص أن ينظر كل من الزوجين في الواجبات التي عليه تجاه الآخر فيؤديها باحسان قبل أن يطلب حقه ومن هنا سيسعد كل من الزوجين بأخذ حقه واعطائه ما عليه من واجب سواء كانت هذه الواجبات مادية كالتي على الزوج من حسن الانفاق والسكن والرعاية وعليه أن يتعبد الله تعالى بهذه النفقة فهي لا شك من أفضل القربات إلى الله تعالى كما جاء في الحديث أن رسول الله r قال:" دينار أنفقته في سبيل الله ودينار أنفقته في رقبة ودينار تصدقت به على مسكين ودينار أنفقته على أهلك أعظمها أجراً الذي أنفقته على أهلك"[219] .
أو كانت هذه الواجبات مشتركة بين الزوجين كاستمتاع كل من الزوجين بالآخر كما قال تعالى:" هن لباس لكم وأنتم لباس لهن"[220] فتلك واجبات متبادلة بين الزوجين "ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف".[221]
وما تعلمه كل منهما من فقه المعاملة الزوجية عليه أن يطبقه في حياته يبتغي الرجل بحسن عشرته لزوجه وجه الله تعالى والثواب الجزيل من الله تعالى كما قال r : "أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً وخياركم خياركم لنسائهم"[222]. ولقد كان r يمزح مع أهله ويداعبهم ويسابقهم كما ذكرنا ذلك من قبل وكان يقول:" خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي"[223]. وكان عمر t مع هيبته يقول ينبغي للرجل أن يكون في أهله مثل الصبي التمسوا ما عنده وجد رجلاً ووصفت اعرابية زوجها بعد موته فقال" والله لقد كان ضحوكاً إذ ولج سكيناً إذا خرج آكلاً ما وجد غير مسائل عما فقد"[224]. وتلك المعاملة استجابة لقوله تعالى:" وعاشرهن بالمعروف"[225] .
كما تبتغي المرأة بحسن عشرتها ومعاملتها وطاعتها لزوجها رضا الله تعالى وما عنده من عظيم الثواب والمنن فحق زوجها عليها من اعظم الحقوق كما قال r لعائشة t حين سألته "أي الناس أعظم حقاً على المرأة قال زوجها"[226] ولها جزاء ذلك من الأجر العظيم كما أخبر بذلك الرسول r حين قال:" إذا صلت المرأة خمسها وصامت شهرها وحفظت فرجها وأطاعت زوجها قيل لها ادخلي الجنة من أي أبواب الجنة شئت"[227].


3- الوقوف على أسباب الشقاق.
مما لا شك فيه أن لكل خلاف يقع بين الزوجين أسباباً والوقوف على هذه الأسباب ومعرفة حجمها يقلل من الوقوع في الطلاق فقد يدب خلاف كبير وتتفكك الأسرة وتنهار من غير أسباب تذكر وقد تكون الأسباب واهية ولذلك لو عرف السبب استطاع كل من الزوجين حل المشكلة فقد يكون السبب من الزوج كأن يكون بخيلاً لا ينفق أو مضيعاً لحقوق أهله وأولاده أو يكون غليظاً في معاملته وطباعه أو غير مراعياً لشعور زوجه وقد يكون السبب من الزوجة كإهمالها في حق زوجها وأولادها أو عدم تقديرها لزوجها وقد يكون منهما معاً حيث لم يتعرف كل منهما على ما يغضب صاحبه وما يجرح شعوره أو يكون بسبب تدخل الأهل من كلا الطرفين في شئون الأسرة تدخلاً يفسد المعيشة ويعكر الصفو ومن هنا لابد من معرفة الأسباب والوقوف عليها وتجنبها في تعامل كل من الزوجين لصاحبه.

4- اتباع الوسائل الشرعية في حل الخلافات الزوجية.
وضع الإسلام وسائل لإصلاح ما قد يعكر صفو الأسرة سواء كان السبب من قبل الزوج أو من قبل الزوجة أو منهما معاً فشرع لكل حالة ما يناسبها من العلاج لكن عليه أن يعرف  أولاً أن كل إنسان يحمل بين جنباته من الخير والشر وعليه أن يوازن فلا ينسى في غضبه عليها أن فيها من الحسنات ما قد يمحو السيئات "لا يفرك مكؤمن مؤمنة ان كره منها خلقاً رضي منها خلقاً آخر"[228] وعليه أن يتدرج في الإصلاح بلطف قال تعالى:" واللائي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجرهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً إن الله كان علياً كبيرا"[229] والوعظ هو أن يذكرها بالله وينبهها إلى الثواب الذي اعده الله تعالى للمرأة الطائعة لزوجها والعقاب للمخالفة. وليس للوعظ مدة محددة انما هو حسب الحالة فإن لم يصلح الوعظ فالهجر ويكون في الفراش وأما هجرها في الكلام فلا يزيد عن ثلاثة أيام لما رواه أبو هريرة t أن النبي r قال:" لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة ايام"[230] . ومع أن القرآن الكريم ذكر الضرب كوسيلة من وسائل التقويم إلا أن النبي r قال:" ولا يضرب خياركم" . وإن كان الشقاق ناتجاً عن سوء فهم بين الطرفين ولم يستطيعا الاصلاح بأنفسهما فإن الله تعالى قال:" وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها إن يريدا اصلاحاً يوفق الله بينهما"[231] ويشترط في الحكمين أن يكون عندهما إرادة وعزيمة على الاصلاح حتى يستحقا توفيق الله وعونه كما ذكر سبحانه.
اما في الغرب فإني ادعو المراكز الإسلامية والمساجد أن تقوم بدورها في توعية الأسرة بواجباتها وعواقب الخلاف والشقاق وأن تكون هناك لجاناً للإصلاح والتوفيق من أهل اعلم والخبرة تقوم بهذا العمل.


5- تجديد العلاقات الزوجية.
مما يضيق الخناق على المشاكل الاسرية تجديد العلاقات الزوجية وأعني بذلك استحداث برامج وأنشطة أسرية كالرحلات مثلاً وتحديد أوقات للراحة والجلوس سوياً للتفاهم والتناقش في امور الحياة واستغلال الأجازات استغلالاً جيداً يقوي أواصر المودة والمحبة بين الزوجين وفوق هذا وذاك الاجتماع ولو اسبوعياً على طاعة الله تعالى في حلقة ذكر أو قيام ليل ولقد أوصى النبي r علياً وقاطمة t بقوله:" إذا أويتما إلى فراشكما فسبحا الله ثلاثاُ وثلاثين وحمداه ثلاثاً وثلاثين وكبره ثلاثاً ثلاثين" [232].

ثالثاً: بعد الطلاق.
1- قضاء المرأة عدتها في بيت الزوجية.
أوجب الإسلام على المرأة المطلقة أن تبقى فترة عدتها في بيت الزوجية وذلك طمعاً في أن يراجع كل من الزوجين نفسه لعل ذلك يؤدي إلى الاصلاح وعودة المياه إلى مجاريها ووآم الأسرة بعد تفككها يقول الله تعالى:" يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم لا تخرجهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه"[233]. وقد اتفق الفقهاء على أن المطلقة طلاقاً رجعياً تستحق النفقة والكسوة وهذا يصب كذلك في باب الاصلاح.
2- يجب على الزوجين بعد الوقوع في الطلاق سؤال أهل العلم عن حكم الطلاق فأحياناً يظن الزوجان أن الطلاق قد وقع ولزمت الفرقة في حين أنه يمين لغو أو لم يستوف شروط الطلاق وبالعكس قد يظن انه ليس بشئ وهو طلاق واقع وقد حثنا سبحانه وتعالى على سؤال أهل العلم فقال جل شأنه:" فسألوا اهل الذكر ان كنتم لا تعلمون"[234] وعليهم أن يتخيروا أهل الفقه والبصيرة يقول الإمام الحسن البصري t إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم".

تعليقات