4.05.2019

حجية الحكم القضائي الصادر بالدعوىحجية الحكم القضائي الصادر بالدعوى

حجية الحكم القضائي الصادر بالدعوىحجية الحكم القضائي الصادر بالدعوى







حجية الحكم القضائي الصادر بالدعوى




بسم الله الرحمن الرحيم






حجية الحكم القضائي الصادر بالدعوى

إشراف الدكتور
محمد خلايلة

إعداد الطالب
هورامان محمد سعيد

الفصل الثاني للعام الدراسي 2009-2010 


المقدمة
كثير من البلدان أخذ بنظام القضاء المزدوج، وتأثر صلاحية القاضي الإداري تجاه الإدارة بما ينشأ في فرنسا من محددات لهذه العلاقة والتي تقتصر عن إلغاء المطعون به كلياً أو جزئياً، وللظروف التي نشأت فيها دعوى الإلغاء في فرنسا على يد القضاء الإداري أثر كبير في دور القاضي وحدود سلطته وعلاقته بالإدارة. فقد استقر هذا القضاء على أن لا يملك القاضي الإداري استناداً لمبدأ الفصل بين الإدارة العامة والقضاء الإداري أن يوجه للإدارة أي أمر للقيام بعمل أو الامتناع عن العمل، وإنما يقتصر دوره في منازعات الإلغاء على إلغاء القرار المعيب إن وجد أنه يتضمن عيباً من العيوب التي تبرر إلغائه، هكذا لا يحق للقاضي الإداري أن يحل محل الإدارة لإصدار القرار السليم أو تعديل القرار المعيب وإنما تحددت علاقة القاضي الإداري بالإدارة بالاقتصار على فحص مشروعية المطعون فيه، وكل ما يملكه في هذا الشأن هو إلغاء القرار المطعون به فقط. 
أما بالنسبة للصفة الإلزامية لحكم القضاء بإلغاء القرار المطعون به وإلزام الإدارة بإطاعة كل ما جاء بالحكم وتحقيق نتائجه هي نتيجة منطقية، طالما أن حكم الإلغاء صادراً على أساس القانون وما يقضي به الحكم يتطابق مع ما يقتضيه القانون، والقانون ملزمة للجميع ولكل المستويات وبذلك يبدو مخالفاً للمنطق أن نقر بصفة الإلزام لأعمال السلطة التشريعية وننكرها على أعمال السلطة القضائية المستندة أصلاً للقانون، فمن هنا يظهر أن صفة الإلزام للأحكام القضائية يستمد من قوة القانون نفسه، لأن الحكم القضائي يفصل طبقاً للقانون الأمر الذي يمنحه قوة إلزامية مستقاة من قوته القانونية.
وحتى يتضح الصفة الإلزامية لحكم القضاء الإداري بإلغاء القرار الإداري وقوته التنفيذية ومدى سريانه على أطراف الدعوى وعلى الغير وهل يملك الغير صاحب المصلحة أن يتمسك به تجاه الإدارة سنحاول في بحثنا المتواضع أن نبحث في الحكم وحجيته بصورة عامة وبعد ذلك نبحث عن الحكم الصادر من قضاء الإلغاء وقوة الأمر المقضي به بالنسبة لهذه الأحكام وبعد ذلك سنبحث بشكل مختصر عن حجية الصادر من المحاكم المدنية والتجارية بهدف توضيح أكثر.



المبحث الأول
"الحكم القضائي"
الحكم القضائي الصادر في الخصومة هو النهاية الطبيعية لهذه الخصومة وبه تنقضي انقضاءً طبيعياً، ويقال أن الحكم يستهلك الخصومة، فلا تعد هناك حاجة لوجودها قائمة بعد صدور هذا الحكم().
وغرض الخصوم من رفع الدعوى والسير فيها الوصول لاستصدار حكم يضع حداً للنزاع ويقر الحقوق في نصابها، وكل ما يقدمونه من أوجه دفاع وما يتخذونه من الإجراءات وما تأمر به المحكمة مقصوداً به اتخاذ قرار في المنازعة يتفق مع حقيقة مركز الخصوم فيها ويؤيد الحق فيها().
نقوم بتقسيم هذه الدراسة للحكم القضائي إلى مطالب الثلاث على النحو التالي:
المطلب الأول: تعريف الحكم وطبيعته.
المطلب الثاني: حجية الأحكام.
المطلب الثالث: أحكام القضاء الإداري وقوة الشيء المقضي.
المطلب الأول
"تعريف الحكم وطبيعته"
• يعرف الحكم لغة بأنه: العلم والفقه، قال تعالى: "وآتيناه الحكم صبياً".
• ويقول العرب: حكمت، بمعنى رددت ومنعت، ولهذا سمي الحاكم (حاكماً) لأنه يمنع الظالم من الظلم.
• ويقال حكم: بمعنى قضى، والحكم هو القضاء بالعدل().
والحكم القضائي هو القرار الذي تصدره المحكمة في منازعة معينة بما لها من سلطة قضائية بحيث يكون من شأنه حسم النزاع بما يتفق مع حقيقة مراكز الخصوم().
والحكم هو القرار الذي تصدره المحكمة في خصومة بالشكل الذي يحدده القانون للأحكام().
وذهب رأي آخر إلى أن الحكم القضائي هو العمل القضائي الصادر من القاضي حسماً لنزاع مطروح عليه أياً كانت طبيعة هذا النزاع، وهو يمثل العمل الأخير في الخصومة.
وذهب آخرون إلى أن الحكم القضائي هو القرار القانوني الصادر من شخص له ولاية القضاء في نزاع رفع إليه، ويبين فيه حكم القانون في هذا النزاع، ولهذا القرار قوة نفاذ وتنفيذ وإلزام، ويصدر هذا الحكم في الشكل المكتوب().
فلكي يعتبر القرار حكماً يجب أولاً أن يصدر في خصومه، أي منازعة معينة قامت ونشأت بين شخصين أو أكثر سواء كانوا شخص طبيعي أو اعتباري عام أو خاص، وكذلك يجب ثانياً أن يصدر الحكم وفقاً لأشكال معينة عن المحكمة تتبع جهة قضائية وفقاً لأوضاع وإجراءات معينة تتمثل في المرافعة والمواجهة والمداولة وإصدار قرار مكتوب ومسبب ومتضمن بيانات عامة.
ومعنى ذلك أن الحكم إجراء من إجراءات الخصومة يتم في شكل قانوني يوفر له ضمانات معينة لا تتوفر في غيره من القرارات، بحيث يمكننا أن نطلق وصف "الحكم" على كل قرار يصدر من المحكمة في خصومة قضائية وفقاً لقواعد إصدار الأحكام().

وبذلك نستطيع أن نحدد وبشكل مختصر الأركان العامة للحكم القضائي وهي:
1. أن يصدر هذا الحكم من قاض له ولاية إصداره.
2. أن يصدر في خصومة بالمعنى المحدد في القانون.
3. أن يفصل في نزاع.
4. أن يكون مكتوباً.
والأحكام القضائية التي لا يتوافر فيها ركن من أركان وجودها يعتبر أحكام منعدمة لا حجية لها ولا يمكن الاعتداد بها().
والحكم القضائي ليس نوعاً واحداً وإنما هو على أنواع متعددة:
- يمكن تقسيمه إلى أحكام قطعية وأحكام غير قطعية، ومعيار هذا التقسيم هو مدى حرية المحكمة في الرجوع إلى المسألة التي فصلت فيها.
فالحكم القطعي هو الذي فصل في مسألة فصلاً لا يجوز الرجوع فيه، فهو الأحكام الفاصلة في موضوع الدعوى وبعض الأحكام الإجرائية مثل الأحكام الصادرة باختصاص المحكمة.
أما الحكم غير القطعي فهو الحكم الذي يفصل في مسألة على نحو يمكن معه للمحكمة أن تراجعه فتعدله أو تلغيه، فهو الحكم الذي يصدر في دعوى وقتية أو الحكم الذي يتعلق بسير الخصومة أو تحقيقها، مثل الحكم بالتأجيل أو بإيداع المستندات أو بقفل باب المرافعة.
- ويمكن تقسيمه إلى أحكام ابتدائية وأحكام نهائية وباتة، ومعيار هذا التقسيم هو في قابلية الحكم للطعن فيه أمام محكمة أعلى درجة.
فالحكم الابتدائي هو الحكم الذي تصدره محكمة أول درجة، ويكون قابلاً للطعن فيه بالاستئناف.
أما الحكم النهائي أو البات فهو الحكم الذي لا يطعن فيه بالاستئناف، وهو يكون حائزاً لقوة الأمر المقضي به.
- كما يمكن تقسيمه إلى أحكام منهية للخصومة وأحكام غير منهية لها.
الحكم المنهي للخصومة هو الذي يؤدي إلى انقضاء الخصومة بأكملها أمام المحكمة التي تتولاها، سواء كان حكماً فاصلاً في الموضوع، كالحكم بإجابة طلبات المدعي أو برفض طلباته، أو كان حكماً إجرائياً قبل الدخول في موضوع الدعوى كالحكم بعدم الاختصاص أو عدم توفر المصلحة.
أما الحكم غير المنهي للخصومة فهو الذي يصدر أثناء سيرها دون أن يؤدي إلى انقضاءها.
والأحكام المنهية للخصومة هي التي يجوز الطعن فيها فور صدورها، أما الأحكام غير المنهية للخصومة فلا تقبل الطعن فيها فور صدورها أي لا تقبل الطعن الفوري المباشر().
جدير بالإشارة أن تعدد أنواع الحكم القضائي ما هو إلا تعدد صوري، حيث أنه من الممكن أن تتوافر في الحكم الواحد أكثر من صفة من الصفات التي تشكل نوع مستقل من الأحكام.




المطلب الثاني
"حجية الأحكام"
إن قوة القضية المقضية أو ما يُعرف بحجية الأمر المقضي تدل في اللغة على أن هناك أمر سبق عرضه على القضاء وتم الفصل فيه بحكم قضائي، وأن هذا الحكم حجة بما فصل فيه وأنه يعتبر مطابقاً للحقيقة، ولا يجوز للأطراف أن يعاودوا الالتجاء إلى القضاء في شأن الأمر الذي سبق الفصل فيه، فإذا رفع أحد الأطراف بشأن هذا الأمر كان للخصم الآخر أن يدفع هذه الدعوى بما يسمى (بحجية الشيء المقضي أو بسبق الفصل أو بحجية الأمر المقضي).

ومضمون هذه الحجية، أن الحكم متى صدر يعتبر عادلاً، أي يتضمن إرادة القانون الحقيقية في الحالة المعروضة، وصحيحاً، أي يوافق النموذج القانوني للحكم، وهو نتيجة إجراءات صحيحة().
فيقصد بحجية الأمر المقضي أن الحكم يتمتع بنوع من الحرمة بمقتضاها تمتنع مناقشة ما حكم به في دعوى جديدة، فالقانون يفترض أن الحكم هو عنوان الحقيقة، أي أنه صدر صحيحاً من حيث إجراءاته، وأن ما قضى به هو الحق بعينه من حيث الموضوع، فالحجية قرينة ذات شطرين تسمى إحداهما قرينة الصحة والآخر قرينة الحقيقة().
وحجية الشيء المقضي به تلعب دورها خارج الخصومة التي صدر فيها الحكم الحائز لهذه الحجية، فهي تلعب هذا الدور بالنسبة للمستقبل، بمعنى أنه تكفل احترام الحكم الصادر بالنسبة للمستقبل فلا يجوز إعادة طرح هذا النزاع بذات عناصره على أية محكمة أخرى بعد صدور حكم قطعي في موضوعه، وأن إعادة طرح النزاع في مثل هذه الحالة يترتب عليه عدم القبول ومن النظام العام().
وبجانب هذا الأثر السلبي، يترتب على الحجية أثر إيجابي، إذ تؤدي الحجية إلى احترام مضمون الحكم القضائي().
وتختلف حجية الأمر المقضي عن قوة الأمر المقضي، فالحجية والقوة فكرتان مختلفتان:
فحجية الأمر المقضي، هي عبارة عن قرينة قانونية، مفادها أن الحكم متى صدر يعتبر صحيحاً وعادلاً، ويتمتع بالحجية بمجرد صدوره وإن كان يقبل الطعن بطرق الطعن العادية.
أما قوة الأمر المقضي أو قوة الشيء المحكوم فيه، فهي مرتبة يصل إليها الحكم إذا أصبح غير قابل للطعن فيه بالطرق العادي(). سواء صدر غير قابل للطعن أو أصبح كذلك بانقضاء مواعيد الطعن أو برفض الطعن أو عدم قبوله.
والحجية تثبت للعمل القضائي، لأنه يمثل حماية تأكيدية، تأكيد قضائي للحقوق والمراكز القانونية المتنازعة، وتكون الحجية للعمل القضائي سواء تضمن قضاء جنائياً أو إدارياً أو مدنياً، ويستوي أن يكون الحكم صادراً من محكمة مختصة نوعياً وقيمياً ومحلياً أو غير مختصة ما دام لم يطعن عليه ولم يلغ من محكمة عليا، وذلك لأن اعتبارات الحجية تعلو عن قواعد الاختصاص النوعي والقيمي والمحلي، فهي أكثر اتصالاً بالنظام العام().
ويتفق الرأي في الفقه والقضاء على أن حجية الأمر المقضي إنما تثبت في الأصل لمنطوق الحكم، باعتباره الجزء من الحكم الذي يشمل أصلاً على ما قضى به القاضي أي قراره الفاصل في النزاع.
وقد يكون منطوق الحكم مشوباً باللبس والغموض ويحتاج فهمه إلى الرجوع إلى أسباب الحكم لتفسيره، وقد تشتمل الأسباب على أمر يعد مقدمة منطقية لما ورد في المنطوق، فتعتبر الأسباب متممة للمنطوق وتحوز حجية الأمر المقضي.
أما بالنسبة لثبوت الحجية للوقائع تعتبر من الحالات النادرة، فقد يعجز منطوق الحكم وأسبابه عن تحديد نطاق ما تم الفصل فيه، بحيث يكون من غير الممكن تحديد مدى المنطوق دون الرجوع إلى وقائع الدعوى، وفي هذه الحالة تعتبر الوقائع مكملة للمنطوق وتحوز حجية الأمر المقضي.
وجدير بالذكر أن الحكم الذي يحوز حجية الأمر المقضي يجب أن يتوافر فيه الشروط التالية:
1. أن يكون حكماً قضائياً صادراً عن جهة قضائية بموجب سلطتها القضائية، يستوي في ذلك أن تكون جهة قضائية عادية أو دينية أو إدارية أو خاصة، كما يستوي أن يتعلق الأمر بقضاء في مسألة مدنية أو إدارية أو تجارية أو شرعية أو جزائية أو غير ذلك.
2. أن يكون الحكم صادراً من محكمة لها ولاية الفصل في موضوعه، أي أن تكون المحكمة التي أصدرته مختصة اختصاصاً ولائياً أو وظيفياً بنظر الدعوى التي صدر فيها الحكم، ولو كانت غير مختصة بنظر الدعوى حسب قواعد الاختصاص القيمي أو النوعي أو المحلي.
3. أن يكون حكماً قطعياً، لأن الحجية لا تثبت إلا للحكم القطعي، وهو الحكم الذي يحسم موضوع النزاع في جملته أو في جزء منه، يستوي أن يكون حكماً موضوعياً أو حكماً إجرائياً().
المطلب الثالث
"أحكام القضاء الإداري وقوة الشيء المقضي به"
تتمتع الأحكام الصادرة في دعوى الإلغاء بحجية الشيء المحكوم به وقوة الشيء المقضي به مثل سائر الأحكام القطعية، ويقصد بحجية الشيء المحكوم به كما قلنا أن المحكمة استنفذت ولايتها بعد إصدارها للحكم القطعي وليس لها الحق في الرجوع عما قضت به أو تعدل فيه، وإن كان لها أن تفسره، وتصحح ما قد يكون قد وقع فيه من خطأ مادي، هذا من ناحية الشكل والإجراءات().
أي يمتنع على المحكمة أن تنظر الدعوى مرة أخرى، إذ استنفذت المحكمة ولايتها بمجرد إصدارها الحكم، ويصبح الحكم قطعياً بمجرد صدوره من المحكمة، وليس للمحكمة الحق في الرجوع عن حكمها، كما ليس لها الحق في تعديله.
ومن ناحية موضوع الدعوى، فإن الحكم الصادرة في الدعوى تعد عنواناً للحقيقة والعدالة، فما تضمنه الحكم يعد قرينة غير قابلة لإثبات العكس، ولا يمكن قبول إثبات عكس ذلك، ولا يجوز عرض النزاع مرة أخرى على أي محكمة، مما يستدعي أن تكون الأحكام واضحة لا تقبل التأويل وخالية من الغموض وفي حدود طلبات المدعي.
وفي ذلك تنص قانون مجلس شورى الدولة العراقي المعدل بأن القرار الصادر من الهيئة العامة لمجلس شورى الدولة السابقة في العراق، ومن المحكمة الاتحادية العليا في دعوى الإلغاء في الوقت الحاضر يتمتع بحجية الشيء المقضي به كسائر الأحكام القطعية وتكون حجة فيما قضت به، تنص المادة السابقة من القانون المذكور على أن (...... يكون قرار المحكمة غير المطعون فيه وقرار الهيئة العامة لمجلس شورى الدولة الصادر نتيجة الطعن باتاً ومُلزماً) ().
وكذلك تنص المادة 26 من قانون محكمة العدل العليا الأردنية بالنسبة للأحكام الصادرة من حكمة العدل العليا على أن (يكون حكم المحكمة في أي دعوى تقام لديها قطعياً لا يقبل أي اعتراض أو مراجعة بأي طريق من الطرق ويتوجب تنفيذه بالصورة التي صدر فيها وإذا تضمن الحكم إلغاء القرار الإداري موضوع فتعتبر جميع الإجراءات والتصرفات القانونية والإدارية التي قامت بموجب ذلك القرار ملغاة من تاريخ صدور ذلك القرار).
وتنص المادة 101 من قانون الإثبات في المواد المدنية والتجارية في المصر على أن (الأحكام التي حازت قوة الأمر المقضي تكون حجة فيما فصلت فيه من الحقوق، ولا يجوز قبول دليل ينقض هذه الحجية....) فالمشرع يفترض فرضاً غير قابل لإثبات العكس وهي أن الحكم عنوان الحقيقة، وأن الحقيقة القضائية قرينة قاطعة على الحقيقة الواقعية، وجب أن تكون هذه القرينة قاطعة لا يجوز دحضها().




المبحث الثاني
حجية حكم الإلغاء
تنقسم الأحكام القضائية في الدعوى الإدارية بصورة عامة إلى أحكام قطعية تحوز حجية المقضي به في خصوص ما صدرت به مثل الأحكام الموضوعية التي تفصل في طلبات الخصوم في الدعوى، وأحكام غير قطعية لا تحوز هذه الحجية مثل ما يصدر من إجراءات أثناء سير الدعوى كالأحكام التحضيرية والتمهيدية والوقتية.
وتنقسم أيضاً إلى أحكام موضوعية وهي التي تصدر في الطلبات المقدمة في الدعوى كالأحكام الموضوعية بإلغاء القرار الإداري أو برفض إلغائه، والأحكام الفرعية وهي التي تصدر أثناء نظر الدعوى في الدفوع الشكلية وفي الطلبات المتعلقة بسير الدعوى أو بشكلها وفي الطلبات الوقتية وكل ذلك قبل الفصل في الطلبات المقدمة فيها.. ().
والقضاء الإداري إما أن تحكم برد الدعوى شكلاً أو يصل إلى مرحلة البحث في موضوع الدعوى تنحصر سلطاته في التأكد من مشروعية القرار الإداري المطعون فيه أو عدم مشروعيته، بحيث يحكم برفض الدعوى إذا أيقن من عدم صحة ما ادعاه الطاعن وتأكد من مشروعية القرار الإداري، أو يحكم بإلغاء القرار الإداري كلياً أو جزئياً().
سنتناول في هذا المبحث بالدراسة تباعاً في تلك الموضوعات:





المطلب الأول
حجية الإحكام الصادرة برد الدعوى شكلاً
قد تحكم القضاء الإداري بعدم قبول الدعوى ورده شكلاً وذلك إما لرفعه من غير ذي صفة، أو على غير ذي صفة، أو لرفعها بعد الميعاد المعين، أو لعدم استكمال شروط القرار الإداري القابل للطعن بالإلغاء.
وقد اختلف الفقه حول الحجية التي يتمتع بها هذا الحكم، ولكن الرأي الغالب يرى أنها تتمتع بحجية نسبية يقتصر على الخصوم فقط، ويتعين لإعمال الحجية توافر ثلاثة شروط هي وحدة الخصوم والسبب والموضوع، لهذا لا يجوز للخصم نفسه أن يقدم دعوى جديدة بالموضوع ذاته واستناداً للسبب ذاته، لكن لا يترتب على رد دعوى الإلغاء شكلاً لتخلف أحد شروط قبولها الحيلولة دون تقديم دعوى جديدة، شريطة توافر الشروط جميعاً في الدعوى الثانية، خصوصاً شرط الميعاد.
لكن هناك من يرى أن هناك العديد من الحالات التي لا يجوز فيها تقديم دعوى جديدة من المستدعي في الدعوى الأولى، لذلك من الضروري التفرقة بين حالات مختلفة.
- يمكن للمستدعي الذي ردت دعواه شكلاً لتخلف أحد الشروط الشكلية تقديم دعوى جديدة إذا توافرت بقية الشروط الأخرى، خصوصاً شرط ميعاد الطعن، ومن أمثلة ذلك رد دعوى الإلغاء شكلاً لخطأ في الخصومة، أو لتقديمها من محام لا تتوافر فيه الشروط القانونية للمرافعة أمام محكمة العدل العليا، أو لعدم توافر الصفة القانونية فيه، ولكن ذلك لا يمنع الغير من تقديم دعوى إلغاء جديدة للطعن بالقرار نفسه، شريطة احترام ميعاد الطعن، إذا توافر فيه جميع الشروط المتبقية.
لا يمكن الذي ردت دعواه شكلاً تقديم دعوى جديدة إذا ردت دعواه الأولى، لإذعانه للقرار المطعون فيه، أو لعدم توافق الصفة القانونية فيه، ولكن ذلك لا يمنع الغير من تقديم دعوى إلغاء جديدة للطعن بالقرار نفسه شريطة احترام ميعاد الطعن إذا توافر فيه جميع الشروط المتبقية.
إن المستدعي في الدعوى الأول أو الغير لا يملكون تقديم دعوى جديدة إذا قررت المحكمة رد دعوى الإلغاء شكلاً لعدم وجود قرار إداري، أو لأن العمل من الأعمال السيادة أو من الأعمال التشريعية والقضائية، وعليه يتمتع الحكم في هذه الحالة بحجية عامة ومطلقة وليست نسبية().
المطلب الثاني
حجية الإحكام الصادرة برفض الدعوى
إذا قررت المحكمة قبول الدعوى لتوافر الشروط الشكلية المطلوبة جميعاً، قد تتصدى لموضوع الدعوى، وتنحصر سلطتها في بحث مشروعية القرار الإداري وتنتهي بإحدى نتيجتين: إما برد الدعوى موضوعاً أي برفض إلغاء القرار والتأكيد على مشروعيته، أو بإلغاء القرار الإداري المشوب بالعيب().
فإن حجية الحكم الصادر برفض إلغاء القرار الإداري تكون نسبية على طرفي أو أطراف الدعوى، فليس ما يمنع من أن يقوم شخص آخر ذي مصلحة برفع دعوى إلغاء جديدة تثير عيباً آخر في القرار لم تثيره الطاعن الأول، أو ليس ما يمنع أن يكون القرار صحيحاً بالنسبة للطاعن الأول وخاطئاً بالنسبة لطاعن آخر وهو ما قد يحدث في قرارات الترقية مثلاً، وهذا ما أوضحته محكمة القضاء الإداري المصري في أحد أحكامها فقالت().
(أما الحكم الذي يرفض الطعن بالإلغاء فإن حجيته مقصورة على طرفيه، وذلك لأنه قد يكون صائباً بالنسبة إلى الطاعن وخاطئاً بالنسبة إلى غيره، كما إذا قدم موظف طعناً بإلغاء ترقية موظف آخر على أساس أنه أحق منه بالترقية فقضى برفض طعنه، فإن هذا القضاء لا يمنع من أن يكون الموظف الذي رقى قد تخطى شخصاً آخر بغير حق، ولا يجوز في هذه الصورة أن يعتبر الحكم حجة على هذا الأخير إذا طالب بإلغاء القرار) ().
وهذه الحجية النسبية لا تحول دون تقديم دعوى إلغاء جديدة حتى من المستدعي نفسه، إذا كان مستنداً إلى أدلة جديدة().
ولكن من الناحية العملية يندر أن يقيم المستدعي أو آخرون دعاوي إلغاء أخرى ضد القرار الذي سبق أن رفض القضاء إلغاؤه، وذلك إما بسبب فوات ميعاد الطعن بالإلغاء وهو قصير جداً كما نعلم، وإما بسبب ترجيحهم عدم نجاح الدعوى التي يقيمونها ما دام أن القضاء أصدر أحكاماً برفض الدعوى أو الدعاوى السابقة().

المطلب الثالث
الحجية المطلقة لحكم الإلغاء الكلي
الحكم الصادر بإلغاء القرار الإداري يترتب عليه إعدام هذا القرار واعتباره كأن لم يكن منذ صدور هذا القرار وكأنه لم يصدر أصلاً.
ولهذا الحكم بالإلغاء حجية قوية متميزة فهو يعتبر حجة في مواجهة الكافة طبقاً لما قررته المادة 52 من قانون مجلس الدولة المصري (تسري في شأن الأحكام القواعد الخاصة بقوة الشيء المحكوم فيه على أن الأحكام الصادرة بالإلغاء تكن حجة على الكافة).
حكم الإلغاء يسري على الجميع سواء كانوا أطرافاً في الدعوى أم لم يكونوا، فيمتنع على من لم يكن طرفاً في الدعوى مخاصمة القرار الإداري الذي قضي بإلغائه، ويستفيد من آثار الإلغاء من كان طرفاً في دعوى الإلغاء ومن لم يكن طرفاً فيها لحكم إطلاق حجية حكم الإلغاء().
وفي هذا قضت محكمة العدل العليا في الأردن (أن للأحكام الصادرة بالإلغاء حجة على الكافة وحجيتها من النظام العام، فإذا ما تقرر إلغاء قرار ما توجب على الإدارة الالتزام بإعادة الحال إلى ما كان عليه كما لو لم يصدر القرار الملغى) ().
إن الفقه والقضاء متفقان على أن الأحكام الصادرة بالإلغاء تتمتع بحجية عامة ومطلقة، ومؤدى هذه الحجية أنها تسري على من طعن ومن لم يطعن كافة، وفي مواجهة جهات الإدارة جميعها، مثلت في الدعوى أم لم تمثل فيها، وعليه يملك المستدعي المحكوم لصالحه أن يتمسك بحكم الإلغاء بمواجهة الكافة، كما يحق لكل صاحب مصلحة من الكافة أن يتمسك به أيضاً().
وتعبر المحكمة الإدارية العليا عن ذلك بقولها (والمراد من ذلك إلى أن مقتضى إلغاء القرار الإداري هو اعتباره معدوماً وكأن لم يكن، فيسري هذا الأثر بحكم اللزوم وطبائع الأشياء على الكافة، ولكل ذي شأن ولو لم يكن من أطراف المنازعة أن يتمسك به) ().
وللحجية المطلقة للحكم الصادر بإلغاء القرار الإداري نتائج مهمة منها:
• إعدام القرار الإداري الملغي بأثر رجعي واعتباره كأن لم يكن. ومن ثم تزول وتمحى كل الآثار القانونية التي تكون قد ترتبت عليه(). وهذا هو المعنى المستفاد من الفقرة الأخيرة من المادة (26/ب) من قانون محكمة العدل العليا وهي (إذا تضمن الحكم إلغاء القرار الإداري موضوع الدعوى فتعتبر جميع الإجراءات والتصرفات القانونية والإدارية التي تمت بموجب القرار ملغاة من تأريخ صدور ذلك القرار).
• إن الحجة المطلقة للحكم الصادر بالإلغاء واعتباره قطعياً يحول دون نظر المحكمة أية دعوى أخرى ترفع للطعن بنفس القرار الإداري المحكوم بإلغائه، كما يحول دون قبول أي اعتراض، أو مراجعة بأي طريق من الطرق().
وتعتبر الحجية المطلقة المقررة للحكم  الصادر بالإلغاء استثناء على القاعدة العامة المقررة لجميع الأحكام القضائية والمتمثلة في الحجية النسبية.
وترجع العلة في تقرير هذا الاستثناء إلى انتماء دعوى الإلغاء إلى القضاء الموضوعي أو العيني، حيث تقوم الدعوى على أساس اختصام القرار الإداري لإصابته بعيب من العيوب، كما أن الحكم بالإلغاء يؤدي إلى إعدام القرار الإداري سواء كان هذا القرار تنظيماً أم فردياً بأثر رجعي واعتباره كأن لم يكن، مثله في ذلك مثل سحب القرار الإداري من جهة الإدارة، فليس من المنطقي إذن أن يصدر حكم الإلغاء حائزاً لحجية نسبية لأن معنى ذلك أن القرار يعتبر معدوماً في مواجهة البعض وقائماً في مواجهة الآخرين().
وترجع ذلك أيضاً إلى تعلق حجية الحكم الصادر بالإلغاء بالنظام العام، وذلك لاتصال هذا الحكم باستقرار الأوضاع والمراكز القانونية التي حسمها في منطوقة، فلا تجوز العودة إلى إثارة النزاع مرة أخرى حتى لا تزعزع الأوضاع التي استقرت بصدور الحكم().




المطلب الرابع
الإلغاء الكلي والإلغاء الجزئي
يتناول الإلغاء الكلي القرار الإداري بالإعدام في مجموعه وبكل آثاره ويعتبر كأن لم يكن منذ تأريخ صدوره، بينما يصيب الإلغاء الجزئي على الجزء المعيب من القرار الإداري المطعون فيه، ويحكم بالإلغاء الجزئي إذا كان ذلك ممكناً، فإذا استحال الحكم بالإلغاء الجزئي فإن الإلغاء يكون كلياً، وقد يرفض القاضي الدعوى إذا كان المطلوب في عريضتها الحكم بالإلغاء الجزئي وكانت هناك استحالة في الاستجابة لهذا الطلب لارتباط أجزاء القرار المطعون فيه ارتباط لا يقبل الفصل بين الجزء المطلوب إلغاؤه وبقية أجزاء القرار().
والقضاء المصري ميز بين الإلغاء الكامل الذي يعني أن يشمل الحكم الصادر بالإلغاء القرار كله وفي مجموعه، وبين الإلغاء الجزئي الذي يكون قاصراً على جزء فقط من القرار أو أثر من آثاره.
والمجال الواسع لحالات الإلغاء الجزئي في القرارات المتعلقة بالوظيفة العامة كقرارات التعيين وقرارات الترفيع، وذلك في حال قرار بتعيين أو ترفيع بعض الموظفين مع وجود من هو أولى، ويكون الحكم الصادر في هذه الحالات من قبيل الإلغاء الجزئي، لأنه يقتصر على جزء من القرار أو شق منه فقط، وهو إلغاء قرار التخطي في التعيين أو الترفيع، وهذا الحكم لا يشمل القرار بالكامل والخاص بتعيين أو ترفيع، إنما قد تحكم المحكمة بإلغاء جزء من القرار وهو تصحيح الوضع بالنسبة لرافع الدعوى بتعيينه أو ترفيعه، وقد تحكم بإلغاء القرار بالكامل().
والحكم الصادر بالإلغاء الكلي يحوز على الحجية المطلقة، أما بالنسبة لمدى حجية الإلغاء الجزئي هناك اختلاف في الفقه، ذهب البعض إلى القول بأنه لا يتمتع بالحجية على الكافة بل أن حجيته نسبية فقط وعليه فإنه لا يجوز أن يتمسك به إلا من كان طرفاً فيه.
في حين ذهب البعض الآخر بأن له حجية مطلقة شأنه في ذلك شأن الإلغاء الكلي، لأن الخصومة الحقيقية في الطعن بالإلغاء تنصب على القرار الإداري ذاته.
مجلس الدولة الفرنسي قد طبق فكرة الإلغاء النسبي في مجال معين من مجالات الوظيفة العامة وهو مجال الوظائف المحجوزة، وأخذت محكمة القضاء الإداري المصري بالفكرة وطبقتها في أحوال معينة، هي الحالات التي يكون فيها "العيب القانوني الذي بنى عليه الحكم نسبياً، أي خاصاً بشخص ذاته أو أشخاص يمكن تعيينهم بذواتهم لا يتوافر بالنسبة إلى غيرهم، وأن الحكم لا يكون حجة مانعة للغير من المطالبة بإلغاء ذات القرار لعيوب أخرى خاصة به"()، غير أن المحكمة الإدارية العليا لم تؤيد اتجاه محكمة القضاء الإداري في الأخذ بفكرة  النسبي، حيث استعملت عبارة الإلغاء الجزئي في أحكامها بدلاً من الإلغاء النسبي().

المبحث الثالث
"حجية الأحكام المدنية والتجارية"
يترتب على صدور الحكم القضائي في الجانب الموضوعي بعض الآثار يمكن حصرها بالشكل التالي.
أولاً: تقرير الحقوق، وذلك بأن تحكم المحكمة بأن الحق يخص هذا الخصم أو ذاك، أو أن هذا الحق لا يخص المدعي، أي أن التقرير هنا قد يكون إيجابي أو سلبي، والحكم التقريري هو الناشئ عن الدعاوي التقريرية، وهذا الحكم له حجية وهو حكم قطعي وهو يشبع مصالح الخصوم بمجرد صدوره، وبالتالي فليس له قوة تنفيذية. مثال ذلك الحكم بإثبات النسب أو بإثبات ملكية أو بإثبات حق ارتفاق أو نفيه.
ثانياً: إنشاء الحقوق، قد يكون لبعض الأحكام أثر منشئ للحقوق يتمثل في إيجاد حق لم يكن موجوداً من قبل، أو تعديله أو إنهائه، مثال ذلك الحكم بإبطال عقد أو فسخ عقد أو حل شركة، مثل هذه الأحكام تشبع حاجة الخصوم بمجرد صدورها وليست لها قوة تنفيذية.
ثالثاً: أحكام ملزمة، أي صادرة بأداء يلتزم المحكوم عليه بأدائه، وهذه الأحكام تقبل التنفيذ الجبري، لأن الأداء الوارد بها يحتاج إلى الاستغاثة بالقوة الجبرية لإعادة المطابقة بين المراكز الواقعية والمراكز التي قررها الحكم، ومثل هذه الأحكام تعتبر سندات تنفيذية().
الأحكام القضائية الصادرة في الموضوع تؤدي إلى تقوية الحقوق في كثير من النواحي، منها تأكيد الحق وقطع النزاع بشأنه، ولا يجوز رفع دعوى جديدة بذات الحق المحكوم به، كما يعطي المحكوم له سند رسمي يحل محل السند الذي كان أساساً لما أدعاه، كما ينشئ المحكوم له سند تنفيذي كذلك.
لكن إذا كان الحكم يعتبر عنواناً للحقيقة والصحة، وإذا كان يحوز حجية الأمر المقضي، فالقاعدة في الأحكام المدنية والتجارية أن هذه الحجية لا تثبت إلا بين أطراف الخصومة التي صدر فيها دون غيرهم، فحجية الأمر المقضي إذن حجية نسبية وليست مطلقة().
الشروط التي يجب أن تتوفر لقيام حجية الأمر المقضي هي اتحاد الخصوم واتحاد المحل واتحاد السبب.
اتحاد الخصوم: الأصل ألا تكون للأحكام حجية إلا في نزاع قائم بين الخصوم أنفسهم، وهو ما يعبر عنه بأن حجية الأمر المقضي نسبية.
وأطراف النزاع هم المدعي والمدعي عليه والمتدخلين، فلا يكون للحكم حجية إلا بالنسبة للخصوم أنفسهم، وليس الحكم حجة على الخصوم وحدهم بل هو حجة أيضاً على خلف الخصم سواء كان الخلف عاماً أم خاصاً().
فالحجية من هذه الناحية تفرض على كافة الأطراف، لا فرق بين المدعي والمدعى عليه والمتدخلين، أما الغير الذي لم يكن خصماً في الدعوى التي صدر فيها الحكم فلا تسري في حقه هذه الحجية.
إذ لا يصح الاحتجاج على شخص بحكم صدر في دعوى لم يكن طرفاً فيها، وإن حصل ذلك جاز له أن يدفع بمبدأ الأثر النسبي للأحكام، على أنه إذا لم يسعفه التمسك بهذا المبدأ وكان من شأن الحكم أن يتعدى إلى حقوقه ومصالحه ويضر بها، فيمكن أن يسلك طريق الطعن باعتراض الغير.
إلا أن مبدأ الأثر النسبي لحجية الأحكام من هذه الناحية ليس مطلقاً، فهنالك من الأحكام تكون له حجية مطلقة، أي تقوم في مواجهة الكافة، بحيث لا يستطيع أحد من الناس أن ينازع فيما قضت به حتى ولو كان من غير أطراف الدعوى وكانت له مصلحة في هذه المنازعة، من ذلك الأحكام التي تقرر للشخص أهلية جديدة، كتلك الصادرة بتوقيع الحجر أو برفعه أو بشهر الإفلاس أو بتغيير اسم الشخص، فهذه الأحكام تقتضي بطبيعتها أن تكون لها حجية قبل الجميع، لأنها ترمي إلى تحديد الأوضاع الجديدة التي يمكن للشخص الذي صدرت في شأنه أن يتعامل مع الآخرين().
اتحاد المحل/ المحل أو الموضوع هو الطلبات التي يقدمها الخصوم في الدعوى لتفصل فيها المحكمة، سواء كانت طلبات أصلية أو عارضة، فإذا رفعت دعوى جديدة بهذا المحل ذاته، أمكن دفعها بحجية الأمر المقضي، فالحكم بالتعويض عن ضرر ما يمنع من تجديد المطالبة بالتعويض عن نفس الضرر، ولكنه لا يمنع من الحكم بتعويض آخر عن ضرر آخر عن عمل ضار آخر أو عن ضرر استجد من نفس العمل الضار.
والعبرة في تحديد المحل بالنسبة لحجية الأمر المقضي هو بطلبات الخصوم وما تحسم المحكمة في شأنه، على أن الحكم في شيء يعتبر حكماً فيه وفيما يتفرع عنه بالضرورة، فلا يجوز رفع الدعوى من جديد في طلب يعتبر نتيجة حتمية للطلب القديم المقضي بشأنه.
اتحاد السبب/ السبب هو المصدر القانوني للحق المدعى أو القاعدة التنظيمية التي يؤسس المدعي عليها دعواه، أو الواقعة المادية أو القانونية التي نشأ مركزه أو حقه عنها، ومن المقرر أنه لا يجوز الحكم السابق قوة والأمر المقضي بالنسبة للدعوى اللاحق إلا إذا اتحد الموضوع في كل من الدعويين واتحد السبب المباشر الذي تولدت عنه كل منهما هذا فضلاً عن وحدة الخصوم.
والسبب بهذا المعنى هو الواقعة التي يستمد منها المدعي في طلبه، وهو لا يتغير بتغير الأدلة الواقعية والحجج القانونية التي يستند إليها الخصوم().

الخاتمة
الحجية نوع من الحرمة التي يتمتع بها الحكم والتي يعتبر بمقتضياتها متضمناً قرينة لا تقبل الدليل العكسي من حيث صدوره من ناحية الشكل ومن ناحية الموضوع، فهو على هذا عنواناً للحقيقة.
وتكون الحجية لمنطوق الحكم دون وقائعه وأسبابه، وأن كان من الممكن أن تحوز الأسباب الحجية، وذلك متى كانت مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بمنطوق الحكم بحيث لا يمكن فهم منطوق الحكم إذا فصل عن الأسباب.
ويترتب على الحجية أنه يمتنع على المحكمة التي أصدرت الحكم أن تعيد النظر فيما تضمنه هذا الحكم أو تعدل فيه، كما يترتب عليه أيضاً أن يمتنع على المحاكم الأخرى أن تنظر فيما سبق النظر فيه ما لم تكن هذه المحاكم الأخرى هي التي ينص القانون على أن الطعن في الحكم يجري أمامها.
الأصل في الأحكام المدنية أنها نسبية الأثر لا يحتج بها إلا على الخصوم في الدعوى، على أن هناك أحكاماً في مجال القضاء المدني متعدية الأثر فيحتج بها على غير الخصوم وخلفائهم، بل يحتج بها على الكافة، ومن أمثلة هذه الأحكام المتعدية الأثر جميع الأحكام التي تنشئ حالة قانونية أو مراكزاً قانونياً كالملكية والحقوق العينية والأهلية والزوجية ونحوها.
أما أحكام القضاء الإداري فبعضها نسبي الأثر كالأحكام الصادرة برد الدعوى، وبعضها متعدي الأثر مثل حكم إلغاء القرار الإداري، فلحكم الإلغاء آثار هامة هي إلغاء القرار المحكوم بإلغائه وسقوط ذلك القرار من تلقاء نفسه.
وإلغاء القرار الإداري قد يكون كلياً ينصب على القرار برمته، ويتناوله بجميع عناصره، وقد يكون جزئياً وينصب على الجزء المعيب من القرار الإداري المطعون فيه.
وإن تنفيذ حكم الإلغاء تحكمه قاعدة عامة مقتضاها أن يعود للطاعن مركزه القانوني قبل صدور القرار المحكوم لإلغائه على اعتبار أنه لم يصدر أصلاً، ويشترط أن يكون إعادة الحال إلى ما كان من الواجب أن يكون عليه كاملاً وبأثر رجعي.

المراجع والمصادر
• ابن منظور، لسان العرب، مجلد 12.
• د. أحمد هندي، قانون المرافعات المدنية والتجارية، دار الجامعة الجديدة، 2003.
• د. حسني عثمان محمد عثمان، د. محمد رفعت عبد الوهاب، القضاء الإداري، دار المطبوعات الجامعية، 2000.
• د. علي خطار شطناوي، موسوعة القضاء الإداري، دار الثقافة للنشر، الجزء الثاني، 2004.
• د. عوض أحمد الزعبي، أصول المحاكمات المدنية، الجزء الثاني، دار وائل للنشر، 2003.
• د. مازن ليلو راضي، القضاء الإداري دراسة لأسس ومبادئ القضاء الإداري في الأردن، دار قنديل، الطبعة الأولى، 2005.
• د. مازن ليلو راضي، القضاء الإداري طبقاً لقانون مجلس شورى الدولة العراقي، أربيل، الطبعة الأولى، 2009.
• د. محمد رفعت عبد الوهاب، القضاء الإداري، الكتاب الثاني، منشورات الحلبي الحقوقية، 2003.
• د. محمود حلمي، القضاء الإداري، الطبعة الثانية، 1977.
• د. نبيل اسماعيل عمر، قانون المرافعات المدنية والتجارية، دار الجامعة الجديدة، 1994.
• د. نواف كنعان، القضاء الإداري، دار الثقافة للنشر، الطبعة الأولى، 2006.
• عبد الغني بسيوني عبد الله، القضاء الإداري قضاء الإلغاء، منشأة المعارف، 1997.
• محمد عبد الله الظاهر، شرح قانون أصول المحاكمات المدنية، 1997.
• المستشار سعيد أحمد شمل، قضاء النقض المدني في حجية الأحكام، 1988.
22








ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق