4.04.2019

جدل العقوبة والتقادم الإشكالات الحقيقية ذ حكيم وردي

جدل العقوبة والتقادم الإشكالات الحقيقية ذ حكيم وردي







حكيم وردي: باحت في صف الدكتوراه
جدل العقوبة والتقادم الإشكالات الحقيقية ( ½)


لو قدر للجدل المفتعل الذي اعتمل حول مدة تقادم العقوبة الجنحية الصادرة في جناية مُتع متهمها الموجود في حالة سراح بظروف التخفيف، أن ينعكس على واقع العمل لاضطربت الاتجاهات القضائية في مسألة خطيرة اعتبرتها محكمة النقض من النظام العام لارتباطها بالحرية، لاسيما وقد فقدت القضايا الجنائية هيبتها، وباتت غرف الجنايات لاعتبارات قانونية وواقعية قلما تصدر عقوبات جنائية من جنس تلك المنصوص عليها في الفصل 16 ق ج ، وتكتفي في الكثير من الأقضية بعقوبات حبسية، وقد تخضعها للتشطير في إيقاف التنفيذ طبقا للمادة 55 ق ج، فلا تتجاوز السنة النافذة، وقد تطعن النيابة العامة أو المتهم بالاستئناف فيؤيد القرار ثم بالنقض ( الذي يوقف طبقا للمادة 532 ق م ج التنفيذ ما عدا إذا طبقت المادتان 392 و431 أعلاه من لدن هيئة الحكم ) فيرفض الطلب ويحوز الحكم آنذاك قوة الشيء المقضي، فتحيل كتابة الضبط ملخص الحكم إلى النيابة العامة باعتبارها الجهة المشرفة على التنفيذ ( المادة 597 ق م ج) التي توجهه إلى الشرطة القضائية قصد إيقاف المعني واقتياده إلى السجن لتنفيذ العقوبة، وقد يتعذر الإيقاف وتنشر عليه برقية بحت على الصعيد الوطني، وقد تمر أربع سنوات والمطلوب للتنفيذ متوار عن الأنظار، فيتقدم دفاعه للنيابة العامة بطلب إلغاء برقية بحت عليه للتقادم، أو قد يلقى عليه القبض وتربط الشرطة القضائية الاتصال هاتفيا بالنائب المداوم لتلقي المناسب من التعليمات فتخبره بمدة العقوبة الحبسية المطلوب تنفيذها وبمضي أكثر من أربع سنوات على حيازتها قوة الشيء المقضي، فهل من المستساغ قانونا ومنطقا أن يساق المتهم إلى السجن بعلة أن السنة الحبسية المطلوب تنفيذها صدرت في جناية لا تتقادم عقوبتها إلا بمضي خمسة عشر سنة؟ وهل إذا رفع النزاع كاستشكال عارض في التنفيذ بغرفة المشورة على الهيئة المصدرة للمقرر المطلوب تنفيذه في إطار مقتضيات المادتين 599 و 600 ق م ج ستسير في نفس الاتجاه؟ 


لسبب ما ذكرتني هذه الأسئلة البسيطة بالكتاب العميق " العقوبة ؟ " للدكتور محي الدين أمزازي الذي استهله بعتبة معبرة قائلا " حقيقة العقوبة سر تعظمه الدراسات والأبحاث. لكي نعترف أن العقوبة تشابهت علينا وتعي ذلك معي أدن واعية، وضعت هذا الكتاب " ( محي الدين أمزازي، العقوبة؟ منشورات تنمية البحوث والدراسات القضائية، 1993، ص 13 ) 
وبالفعل فإذا كان مقبولا أن يتعثر الطالب المبتدئ في مطبة الجواب، لاسيما وأن زاده في الإعداد للمباريات لا يخرج عن تلاخيص ونقول لمراجع فقهية قلما تتوسع في دراسة إشكالات التنفيذ الزجرية الناتجة عن الممارسة العملية، فإن الأمر يبدو محسوما بالنسبة للعاملين في المحاكم، حيث العبرة في احتساب تقادم العقوبة ليست بنوع الجريمة ولكن بمقدار العقوبة الصادرة في شأنها على أساس التمييز الذي أقامه المشرع نفسه بين تقادم الدعوى العمومية ( المادة 5 وما يليها من ق م ج ) وتقادم العقوبة الصادرة بمناسبتها ( المادة 648 وما يليها )، على غرار نظيره الفرنسي ( الفصل 133-2 وما يليها ق ج )، وخلافا لقانون الإجراءات الجنائية المصري ( المادة 528 ) الذي لا يقيم تمييزا بين تقادم الدعوى العمومية وتقادم العقوبة.
وهذا الاتجاه الواضح تشريعيا كرسه قضاء النقض المغربي عندما حسم الأمر معتبرا أن اعتبار عقوبة متقادمة من عدمه يتحدد بنوع العقوبة المحكوم بها وليس بنوع الجريمة التي أدين من أجلها المحكوم عليه ( القرار عدد 447/1 صادر بتاريخ 26/02/2003 في الملف عدد 28943/2002، وقرار عدد 1137 بتاريخ 24/02/2000 في الملف الجنحي عدد 20214-6-7-99 منشور بمجلة قضاء محكمة النقض عدد مزدوج 59-60 السنة 24 ص 358 )، وهو نفس الاتجاه الذي سبق لمحكمة النقض الفرنسية أن قالت به في قرار قديم ( نقض جنائي صادر بتاريخ 21 غشت 1843 منشور بمجلة القصر ج 2، 1845، ص 682 )، كما أن العمل القضائي لمحاكم الموضوع منضبط عند التنفيذ للتمييز الواضح بين العقوبات الجنائية والجنحية بصرف النظر عن نوع الجريمة.
لقد سبق لأستاذي الفقيه سيدي عبد الواحد العلمي أن أشار إلى كون التقادم الرباعي الوارد في المادة 650 م ج يحكم كل العقوبات الجنحية حتى ما كان صادرا منها في جناية من الجنايات مؤسسا رأيه على المستفاد من مقتضيات المادتين 649 و 651 ق م ج (عبد الواحد العلمي: شرح القانون الجنائي المغربي، القسم العام، ط 5، 2013، ص 452)، كما أن القضاة المتمرسين الذين شرحوا قانون المسطرة الجنائية بتكليف من وزارة العدل انتبهوا إلى أن العبرة في التقادم بالمدة المحكوم بها لا بنوع الجريمة واستثنوا من ذلك المخالفات لصراحة المادة 651 ق م ج، ووزيادة في التمييز أحالوا في الهامش على المشرع المصري الذي يأخذ بنوع الجريمة المحكوم بالعقوبة من أجلها بوجه عام بصرف النظر عن العقوبة المنطوق بها في حد ذاتها لاحتساب أمد التقادم (وزارة العدل: شرح قانون المسطرة الجنائية، الجزء الثالث، منشورات جمعية نشر المعلومة القانون والقضائية، سلسلة الشروح والدلائل، العدد 8، يونيو 2007، ص 67).


ولقد كان الدكتور محمد عبد النبوي أكثر وضوحا في تناول الفرق بين تقادم الدعوى العمومية وتقادم العقوبة وعزز رأيه في تحديد المقصود بالعقوبة عند احتساب التقادم بالتفسير الذي كرسته محكمة النقض (قرار عدد 1137 بتاريخ 24/02/2000 في الملف الجنحي عدد 20214-6-7-99 منشور بمجلة قضاء محكمة النقض عدد مزدوج 59-60 السنة 24 ص 358 ) لما اعتبرتها تلك التي صدرت بها الأحكام القضائية المطلوب تنفيذها لا تلك المقررة بمقتضى فصول القانون الجنائي أو القوانين الجنائية الخاصة. (محمد عبد النباوي: تقادم الدعوى العمومية وتقادم العقوبة، مجلة الشؤون الجنائية، العدد 1، ص 31).
واعتبارا لمحورية التنفيذ الزجري وخطورة التضارب في التفسيرات القضائية على الحريات أولت المناشير التي كانت تصدر عن وزير العدل بصفته رئيسا للنيابة العامة أهمية بالغة للموضوع منذ فجر الاستقلال، ويمكن القول بأن المنشور رقم 67 الصادر في 16 أبريل 1959 عن وزير العدل الفقيه محمد اباحنيني حول تنفيذ العقوبات والموجه إلى المحامي العام لدى محكمة الاستئناف بالرباط وطنجة في حوالي 40 صفحة بمتابة دراسة عملية شافية وافية لجميع مناحي تنفيذ مختلف أنواع العقوبات وما قد يعترضها من إشكالات ( أورده إلى جانب جميع المناشير المتعلقة بالتنفيذ د إدريس بلمحجوب في كتابه : قواعد تنفيذ العقوبات، ج 1، العقوبات السالبة للحرية و العقوبات المالية، منشورات المعهد الوطني للدراسات القضائية، 1988، ص 265 وما يليها)، على أن المنشور الصادر عن وزير العدل مولاي مصطفى بلعربي العلوي تحت عدد 1013 بتاريخ 23/02/1989 حسم بشكل مباشر في التساؤل فقال بالحرف ( لا بد من إثارة الانتباه إلى كون بنود المسطرة الجنائية المتعلقة بالتقادم تقتضي بأن نوع العقوبة المحكوم بها هو الذي يحدد أمد التقادم وليس نوع الجريمة التي أدين من أجلها المتهم، وبالتالي فإن العقوبة الجنحية الصادرة عن جناية ( بسبب ظروف التخفيف أو أحد الأعذار المخففة مثلا ) تخضع للتقادم الجنحي ( خمس سنوات، أربعة بعد التعديل) ...)، بل سبق لوزير العدل محمد بوزوبع أن وجه رسالة دورية تحت عدد14 س 3 بتاريخ 14/03/2004 تدعو إلى عدم سلوك إجراءات تنفيذ العقوبات الحبسية التي تقل عن سنة متى توجه صاحبها بطلب العفو المولوي السامي، وإلى حين التوصل بإشعار برفض الطلب.
هل يحتاج النهار إلى دليل؟ ربما لمن اعتاد التأملات المجردة، وقراءة النصوص القانونية بمعزل عن تطبيقاتها العملية، التي قد تعترضها في الشق المتعلق بتقادم العقوبات السالبة للحرية إشكالات قانونية حقيقية ودقيقة تصدى لها القضاء المغربي في قرارات غير منشورة بتفسيرات حقوقية تنتصر للحرية.
نتمنى أن ينسأ الله في العمر وتسعف الظروف للوقوف على بعض هذه الإشكالات ومن بينها إشكال مدى سريان تعديل المادة 650 ق م ج المخفض لمدة تقادم العقوبة الحبسية من خمس إلى أربع سنوات رغم اكتساب العقوبة الحبسية الصادرة في جناية لقوة الشيء المقضي به في ظل المادة 650 ق م ج قبل التعديل (أي 5 سنوات ). وتقادم العقوبات السالبة للحرية في المسطرة الغيابية وتاريخ بدء احتساب التقادم، ومدى جواز توقفه أو انقطاعه..






ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق