3.30.2019

مكافحة الاحتكار في النظام السعودي

مكافحة الاحتكار في النظام السعودي







مكافحة الاحتكار في النظام السعودي




مكافحة الاحتكار لتعميق متانة الاقتصاد
عبدالعزيز محمد العبيد
باحث ومستشار قانوني
Alobid100 @

تهدف الاقتصادات المتقدمة إلى تسهيل أسواقها للمستثمرين وتحفيز الصناعات ودعم نمو المنشآت الصغيرة والمتوسطة لتعزيز المنافسة ومكافحة الممارسات الاحتكارية التي أضحت شبحاً يمنع تطور الأسواق الناشئة وشباكاً عنكبوتية قاتلة تهدد النمو وتخنق السوق وترسم منه دائرة مغلقة تحبس في داخلها السلعة والسعر ليدورا في عجلة ضيقة كعجلة الفئران المحتبسة في أقفاص التجارب، فتُضعف حيوية قطاع الأعمال وتُقلص فرص انفتاحه على الأسواق العالمية، وتقلل رغبة القطاع الصناعي في الابتكار والتجديد، وتحرم المستهلك الجودة الأفضل والسعر الأمثل، وتفوت على الاقتصاد الكثير من الموارد والمداخيل.

يستنزف المحتكر في دائرته الضيقة الموارد الطبيعية والفرص والأدوات الاستثمارية والتسهيلات التي تقدمها الحكومات لأجل أن تنعكس على المستهلك النهائي، ويلقي الاحتكار بظلاله على تعميق مشكلة البطالة وإقصاء المنشآت الصغيرة والمتوسطة من المنافسة وعرقلةِ دخول رؤوس الأموال والاستثمارات إلى السوق، ويخلق بيئة أحادية منعدمة الندية أو ذات ندية منخفضة.



الاحتكار يا سادة نفق مظلم لجميع الأطراف العاملة بالأسواق بما فيها المحتكر ذاته، فأسرع عوامل شيخوخة الأعمال وتردي مستوى جودتها هو غياب المنافسة المحفزة على التنوع والتجديد.

وفي سياق أهداف المملكة الاقتصادية والاستثمارية الرامية إلى تعميق اندماج الاقتصاد السعودي في المنظومة الإقليمية والعالمية؛ يغدو من الضرورة الملحة إحلال الابتكار محل الاحتكار، وتنويع مصادر السلع والخدمات وتحقيق الوفرة والتعدد والتفاوت في خيارات المستهلك والتفصيلات الاستهلاكية.



وإزاء ذلك يبدو في الأفق أن مكافحة الاحتكار باتت خياراً أولوياً على قائمة الإصلاحات الاقتصادية، وتأتي معرفة العوائق والتحديات التي تواجه مكافحة الاحتكار أسلوباً واقعياً وبذرة تشخيص موضوعية تساعد على التعامل مع هذا النوع من المشكلات الاقتصادية المؤثرة؛ ومن تلك العوائق غياب المعلومات القطاعية والإحصاءات الدقيقة عن كثير من الأنشطة التجارية، وهو ما يلقي بالمسؤولية على عاتق المؤسسات والأجهزة الحكومية -بالذات الوزارات والهيئات المعنية بالقطاع الخاص- لطرح التقارير والمعلومات للعموم وتحديثها باستمرار لمساعدة الكتاب والمتخصصين في إعطاء التوصيات والمعالجات المتقدمة بشكل دقيق، ومن ناحية أخرى لتعزيز التكامل بين الهيئات والمؤسسات في ممارسة أدوارها الرقابية والخدماتية بجودة وسرعة.



ومن التحديات حداثة مفهوم المنافسة المشروعة في المجتمع المحلي، إذ لا تزال “ثقافة التاجر الشاطر” سائدة في مجتمع الأعمال بما تحمله من تلقائية وسطحية في الأفكار والسلوكيات التجارية خصوصاً لدى بعض الشركات العائلية وتجار العقار، وهو ما يجعل التاجر ينظر إلى قوانين المنافسة كنوع من التدخل في شؤونه المالية وتضييقاً من أفق علاقاته وممارساته أو اتفاقاته، وفي الوقت ذاته تظل تلك الثقافة السائدة تياراً هوائياً جامحاً يكاد يقتلع ما قد يجد في طريقة من محاولات متفاوتة لنشر ثقافة المنافسة العادلة بمفهومها الجميل الذي يعزز النمو والابتكار ويشجع على الاستثمار ويحمي المستثمرين ويمنح الغطاء البيئي الآمن للمنشآت الصغيرة والمتوسطة وشباب الأعمال.

ومن أهم التحديات كذلك تفاوت مستوى فاعلية تطبيق نظام المنافسة وقواعده النظامية، ومن المتقرر أن الهيئة العامة للمنافسة هي الجهة الرسمية المعنية بتطبيق نظام المنافسة وإصدار القواعد واللوائح الهادفة إلى تعزيز المنافسة العادلة ومكافحة الممارسات الاحتكارية كما نص عليه تنظيمها، وتعد لجنة النظر والفصل في مخالفات نظام المنافسة الجهة ذات الاختصاص شبه القضائي في إيقاع العقوبات على مخالفي نظام المنافسة ولائحته التنفيذية وتخضع قراراتها لرقابة القضاء الإداري، وتعلن الهيئة القرارات العقابية بعد اكتسابها القطعية تأكيداً لقوة النظام وشفافية أدوارها الرقابية ونتائج مباشرتها النظامية للوقائع الاحتكارية بعد التأكد من استنفاد المحتكر المخالف لكافة الضمانات المقررة في الأنظمة، وقد أثمرت جهود الهيئة إلى حد متقدم في تفعيل نظام المنافسة وتطبيق أحكامه؛ إلا أن تلك الجهود ومنذ 13 عاماً لا تزال بنظري في أطوار النمو إذا ما أُخذ بالاعتبار مستوى التطلعات وعبء المسؤولية الذي يتنامى بقدر تنامي حجم التحول الاقتصادي لجذب الاستثمارات وتقليل الاعتماد على النفط وتنويع مصادر الدخل، ويأتي تدعيم الهيئة بالخبرات والكفاءات والتجارب الدولية واحداً من أهم الخطوات الجديرة بتجاوز التحديات، وعاملاً مهماً في تفعيل “نظام المنافسة” كما هو حال قوانين المنافسة ومنع الاحتكار في أمريكا والاتحاد الأوروبي.



لا شك بأن أمام الهيئة العامة للمنافسة الكثير من التحديات التي تتطلب تكامل الأدوار المؤسساتية والمجتمعية لتؤدي وظيفتها الرقابية ودورها التوعوي ومسؤولياتها التنظيمية بالمستويات العليا للتعامل مع أفق الأنشطة التجارية الملبَّد بالكثير من الممارسات الاحتكارية؛ ولخلق بيئة استثمارية تقوم على أسس العدالة والشفافية وتكافؤ الفرص، ولتعزيز سلوكيات التنافس المشروع، ولتكريس الدور الحيوي للمبادئ القانونية العادلة التي قررتها المملكة في نظامها الأساسي وممارساتها القضائية وارتكزت عليها رؤيتها وبرامجها التنموية في تجذيرِ مكانتها الإقليمية وريادتها العالمية وتعميقِ متانة اقتصادها واستدامته وتنوعه.






ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق