11.19.2017

أصول المحاكمات الإدارية

أصول المحاكمات الإدارية







اصول محاكمات اداريه

administrative procedure acts - règles des procédures administratives

 أصول المحاكمات الإدارية

أصول المحاكمات الإدارية

مهند نوح






أولاً- تعريف أصول المحاكمات الإدارية و مصادرها:

قانون أصول المحاكمات المدنية هو القانون الذي ينظم المحاكم المختلفة وحدود اختصاص كل منها، كما يعنى ببيان الإجراءات واجبة الاتباع من جانب الأفراد و القضاء، وذلك فيما يتعلق بنظر المنازعات التجارية والمدنية ، وبذلك يمكن القول إن قانون أصول المحاكمات المدنية والتجارية يشمل جميع المراحل التي يجب اتباعها في الدعوى.

أما قانون أصول المحاكمات الإدارية Les procédures administratives فهو مجموعة القواعد التي تحكم سير الدعوى أمام القضاء الإداري منذ رفعها حتى صدور حكم مبرم فيها.

وفي الحقيقة أن خصوصية الدعوى الإدارية قد فرضت نمطاً ذا خصوصية في نطاق أصول التقاضي، مع أنه لا يوجد حتى الآن لا في فرنسا ولا في سورية ولا في مصر مدونة مستقلة قننت بها أحكام أصول المحاكمات الإدارية، بل إن هذه الأحكام تنتج من مصادر شتى، تتمثل في الجمهورية العربية السورية بنصوص قانون مجلس الدولة، واجتهادات القضاء الإداري، ونصوص قانون أصول المحاكمات المدنية:

1- قانون مجلس الدولة رقم 55 لسنة 1959: حيث إن المبادئ الأساسية ذات الخصوصية لأصول المحاكمات الإدارية في سورية مستقاة من هذا القانون، ويلاحظ أنه أصبح قديماً، إذ لم يخضع لتعديل أو تطوير يذكر منذ إصداره.

2- اجتهادات القضاء الإداري: يعد القضاء الإداري قضاء إنشائياً يبتدع الحلول المناسبة، ويتمثل هذا الدور الإنشائي في ابتكاره للقواعد الإجرائية المناسبة للدعوى الإدارية، وذلك عندما لا يوجد نص يحكمها في قانون مجلس الدولة خصوصاً.

3- قانون أصول المحاكمات المدنية: لقد انقسم الفقه إلى اتجاهين رئيسيين بشأن إمكانية تطبيق قانون أصول المحاكمات المدنية على المنازعات الإدارية، فذهب رأي إلى القول إن قانون أصول المحاكمات المدنية هو بمنزلة الشريعة العامة في نطاق إجراءات التقاضي لجميع أنواع المنازعات مدنية كانت أم تجارية أم إدارية، وذلك ما لم ينظم المشرع قواعد إجرائية خاصة بالمنازعات الإدارية، ويترتب على هذا الرأي التزام القاضي الإداري في نطاق الدعوى المرفوعة أمامه أن يطبق قانون أصول المحاكمات المدنية إلا إذا كانت هناك قواعد إجرائية خاصة بالمنازعة الإدارية.

أما الاتجاه الثاني فيرى وجوب الامتناع عن تطبيق أحكام قانون الأصول المدنية على إجراءات التقاضي المتعلقة بالمنازعات الإدارية، وذلك على أساس تمييز الدعوى الإدارية من غيرها من حيث الطبيعة والوظيفة ومن حيث مراكز الخصوم، والنتيجة الأساسية المترتبة على ذلك أن القاضي الإداري لا يلتزم الأخذ بالقواعد الإجرائية المنصوص عليها في قانون أصول المحاكمات المدنية إلا في نطاق ما يراه مناسباً لطبيعة المنازعة الإدارية، والروابط القانونية التي تكون الإدارة طرفاً فيها. وفي الحقيقة أن المادة الثالثة من قانون مجلس الدولة السوري قد أخذت بالاتجاه الأول، حيث قضت بتطبيق قانون أصول المحاكمات المدنية في نطاق المسائل التي لم يرد فيها نص إجرائي في قانون مجلس الدولة، بيد أن الواقع العملي يثبت نقيض ذلك حيث يطبق القاضي الإداري السوري قواعد قانون الأصول بما ينسجم مع طبيعة الدعوى الإدارية، أي إنه لا يطبق قانون أصول المحاكمات تلقائياً في كل مالم يرد به نص في قانون أصول المحاكمات المدنية.

ثانياً- خصائص أصول المحاكمات الإدارية:

هناك جملة من الخصائص تميز أصول التقاضي الإدارية، تتمثل فيما يلي:

1- الإجراءات الإدارية يوجهها القاضي: إذ إن هذه الإجراءات ذات طابع تحقيقي Procédure inquisitoire، ومن ثم فإن القاضي هو الذي يقود الدعوى الإدارية ويوجهها، وذلك على خلاف ماهو سائد في نطاق الأصول المدنية من قيام الأفراد بقيادة الدعوى، ويتجسد ذلك في نطاق الإثبات خصوصاً حيث يستطيع القاضي أن يطلب من الإدارة تقديم أي وثيقة ضرورية لاستجلاء الحقائق المتعلقة بالخصومة.

2- الصيغة الكتابية للإجراءات: إن إجراءات الدعوى الإدارية تسودها الصبغة الكتابية، فكل ما فيها يجب أن يكون ثابتاً بالكتابة، وهذا يعني أن كل ما يعرض على القاضي، وما يكون اعتقاده وقت الحكم يجب أن يكون ثابتاً بالكتابة.

3- البساطة والاقتصاد: والبساطة في الدعوى الإدارية تنبع من كون الدعوى موجهة من جانب القاضي الإداري.

مع أن التطبيقات العملية السائدة في أروقة القضاء الإداري السوري تشير إلى غير ذلك، وهذا عائد خصوصاً إلى كون الإدارة هي الطرف الآخر في الدعوى الإدارية، وتمثلها غالباً إدارة قضايا الدولة، وهذه العلاقة بينهما تتسم بالبطء والتعقيد، والطابع «البيروقراطي»، مما يؤثر في بساطة الدعوى الإدارية حتماً. أما الاقتصاد فيتجلى أحياناً في كون رسوم الدعاوى الإدارية أقل من رسوم دعاوى القضاء العادي، وهو الأمر المتحقق في فرنسا في دعاوى الإلغاء، ولكنه غير متوافر في سورية ما عدا بعض المنازعات التي تعفى من الرسوم، ولاتعفى من الطوابع، كما هو الحال في القضايا العمالية بحسب القانون 7 لسنة 1990 المتعلقة بالمحاكمات المسلكية.

ثالثاً- خصوصية أصول المحاكمات الإدارية: 

ويتجلى ذلك في إجراءات الخصومة، وفي نظام البينات المتبع، وفي الأحكام الإدارية، وتفسيرها وطرق الطعن بها،  وذلك على النحو التالي:

1- إجراءات الخصومة الإدارية:

تبدأ الخصوصية في إطار الخصومة الإدارية من خلال الطرف الذي ترفع في مواجهته الدعوى الإدارية، إذ غالباً ما تكون الإدارة في موقف المدعى عليه، وهذا شيء طبيعي لأن الإدارة تستطيع في غالب الأحوال أن تفرض وجهة نظرها على الأفراد من خلال استخدامها امتيازات القانون العام؛ لذلك يجب أن توجه الدعوى في مواجهة من يمثل الشخص الاعتباري العام الطرف في الدعوى، والمختص بذلك وفقاً لصك تأسيسها، تحت طائلة عدم قبول الدعوى لعدم صحة الخصومة، وهذا يفترض لصحة الخصومة الإدارية أن يكون هناك شخص اعتباري عام طرفاً في الدعوى، وأن يحدد بدقة من يمثله أمام القضاء لترفع الدعوى بصفته، أو إضافة إلى منصبه أو وظيفته، ومن ثم فإن رفع الدعوى في مواجهة رجل إدارة لا تتمتع بالشخصية الاعتبارية يوجب رد الدعوى. مع أن الواقع العملي يبين نقيض ذلك، حيث يتساهل القضاء الإداري إلى درجة يكفي معها رفع الدعوى في مواجهة ممثل الشخص الاعتباري ذي العلاقة، وإن وجهت ضد رجال إدارة لا يمثلون شخصاً اعتبارياً عاماً (كأن توجه الدعوى ضد المحافظ إضافة إلى منصبه، ومدير الخدمات الفنية في المحافظة إضافة إلى وظيفته، مع أن هذا الأخير لا علاقة له بتمثيل الشخصية الاعتبارية للمحافظة)، أو يمثلون شخصاً اعتبارياً عاماً، ولكن هذا الأخير لا علاقة له بالدعوى، نظراً لاستقلال الجهة المدعى عليها عنه قانونياً (كأن ترفع الدعوى في مواجهة وزير الكهرباء إضافة إلى منصبه، والمدير العام لشركة الكهرباء إضافة إلى وظيفته، بصدد نزاع ناشب مع شركة الكهرباء).




ويجب أن تقام الدعوى الإدارية دائماً من قبل محامٍ أستاذ (المادة 23 من قانون مجلس الدولة)، ويتجلى ذلك في الواقع العملي من خلال قيام المحامي الوكيل في الدعوى الإدارية بتحرير محضر إيداع للدعوى لدى ديوان محكمة القضاء الإداري. وذلك بخلاف ما هو متبع لدى محاكم القضاء العادي التي تجيز قبول الدعوى من دون محامٍ على نحو واســـع  توسعاً منها في تطبيق نص المادة 104 أصول محاكمات مدنية، وهذه القاعدة لها استثناءان: حيث يجوز الحضور أمام محاكم القسم القضائي لدى مجلس الدولة من دون محامٍ في الدعاوى العمالية (المادة 36 من القانون 7 لسنة 1990)، كما جرى العمل لدى محاكم القسم القضائي على قبول حضور الأفراد أمامها من دون محامٍ، وذلك إذا مثلوا أمامها بوصفهم مدعى عليهم من قبل الإدارة.

أما عريضة الدعوى فيجب أن تشتمل البيانات العامة المتعلقة بأسماء المدعين، والمدعى عليهم، وصفاتهم ومحال إقامتهم، وبياناً بالمستندات المؤيدة للطلب، كما يجب أن تقرن العريضة بصورة عن القرار المطعون فيه أو ملخص عنه، ولوكيل المدعي أن يقدم مذكرة يبين فيها أسانيد الطلب، وعليه أن يودع ديوان المحكمة عدداً كافياً من صور العريضة والمذكرة والمستندات الملحقة، بحيث يراعى عدد الخصوم في الدعوى، وإدارة قضايا الدولة والمحكمة (المادة 24 من قانون مجلس الدولة)، وفي كل الحالات يجب أن يراعى في موضوع الدعوى ما تختص به محاكم القسم القضائي في مجلس الدولة، كما يجب أن يراعى دائماً في طلبات الدعوى مبدأ الفصل بين الإدارة القاضية و الإدارة العاملة، ومن ثم لا يجوز أن يطلب من المحكمة أن تحل محل الإدارة فيما هو داخل في اختصاصها.

ولا تنعقد الخصومة إلا إذا تم تبليغ الطرف الآخر في الخصومة، ويجري تبليغ عريضة الدعوى مع مرفقاتها خلال ميعاد لا يجاوز سبعة أيام من تاريخ تقديمها، ويتم التبليغ عن طريق البريد (المادة 25 من قانون مجلس الدولة)، ويتم التبليغ في الواقع العملي عن طريق محضري المجلس إلى إدارة قضايا الدولة التي تقوم بدورها بتبليغ الجهة المدعى عليها عن طريق البريد لتبدي هذه الأخيرة رأيها في عريضة الدعوى و تقدم ما يمكن أن يكون منتجاً في الدعوى من أدلة وأوراق. 

ومن الملاحظ أن النهج الذي سارت عليه محاكم القضاء الإداري في الجمهورية العربية السورية منذ نفاذ قانون مجلس الدولة ذي الرقم 55 لعام 1959 يقوم على الاكتفاء بتبليغ الأطراف موعد الجلسة الأولى فقط؛ لأن الغالبية العظمى في الدعاوى تكون الجهات العامة هي المدعى عليها، ومعظمها تمثله إدارة قضايا الدولة، ومحامو الدولة حاضرون دوماً في الجلسات مما لا حاجة البتة إلى إعادة تبليغ الأطراف موعد الجلسة القادمة فيما إذا جرى تنسيب أي جلسة لعدم انعقادها.

بعد ذلك يجب على الجهة الإدارية المختصة أن تودع ديوان المحكمة خلال ثلاثين يوماً من تاريخ تبليغها مذكرة بالبيانات والملاحظات المتعلقة بالدعوى مشفوعة بالمستندات والأوراق والملفات الخاصة بها (المادة 27 من قانون مجلس الدولة).

وبعد أن تتم إجرءات التبليغ على النحو سالف البيان يقوم ديوان المحكمة بتبليغ تاريخ الجلسة إلى ذوي الشأن، ويكون ميعاد الحضور ثمانية أيام على الأقل، ويجوز في حالة الضرورة إنقاصه إلى ثلاثة أيام ( المادة 32 من قانون مجلس الدولة).

وتتميز الدعوى الإدارية بإجراء مهم وهو تحضير الدعوى من قبل هيئة مفوضي الدولة، وقد وضع المشرع في فرنسا ومصر وسورية هذا الإجراء في سبيل تجهيز الدعوى، حيث تصل جاهزة للفصل للمحكمة المختصة، مما يسرع في عملية الفصل بالقضايا (المادة 30 من قانون المجلس)، مع أن الواقع العملي يبين لنا أن عملية تحضير الدعاوى من قبل هيئة المفوضين أصبحت مهمة ذات طابع «روتيني» مقتضب، ولا يؤدي إلى تجهيز الدعوى تسريع الفصل بالقضايا، كما كانت إرادة المشرع في قانون مجلس الدولة، وهذا يرجع بالدرجة الأولى حالياً إلى كثرة القضايا، وقلة القضاة في هيئة المفوضين، بل في مجلس الدولة في مجمله.

ومن الملاحظ أن الطلبات العارضة تقدم أمام محاكم القضاء الإداري كما هو متبع في قانون أصول المحاكمات المدنية، وكذلك الحال للتدخل في الدعوى، وتستطيع الجهة المدعى عليها أن تقدم طلبات غير تلك المتعلقة برد الدعوى شكلا أو موضوعاً في حال قيامها بإجراء ادعاء بالتقابل.  

2- نظام الإثبات:

يقوم بناء نظرية الإثبات أمام القضاء الإداري في ضوء اعتبارات وعوامل متعددة، تؤدي إلى صياغة النظرية على وجه يناسب ظروف الدعوى الإدارية، وهذه العوامل المؤثرة في الإثبات اقتضت ظهور نظرية مستقلة للإثبات في القانون الإداري، ولعل أهم هذه العوامل التي تعطي لنظرية الإثبات أمام القضاء الإداري خصوصيتها إنما يتمثل في كون الإدارة طرفاً في الدعوى الإدارية مع تمتعها بامتياز إجرائي مهم يتجسد في أن الإدارة مزودة تلقائياً بأدلة الإثبات الطبيعية، في حين يقف الفرد أمامها أعزلَ ومجرداً من هذه الأدلة المتمثلة في الأوراق الإدارية، وربما لا يدرك شيئاً عنها أو عما سطر فيها من بيانات وما انتهى إليه مصيرها، سواء أكانت في صالحه أم على خلاف ذلك، وكثير من هذه الأوراق لا يتسنى للفرد تحديده أو معرفته، وربما لا تقدمه الإدارة تلقائياً أو تعمل على حجبه عنه، وبذلك يكون الفرد بحكم طبيعة الأمور أعزلَ من أدلة الإثبات التي تؤيد دعواه. وتؤدي هذه الظاهرة في النهاية إلى الإخلال بالتوازن العادل بين الطرفين في الدعوى الإدارية من جهة ما يتحمله كل منهما من أعباء في الإثبات بالنظر إلى وضعه وإمكاناته. ولتحقيق العدالة تظهر الحاجة إلى قيام عناصر فعالة للتخفيف من الأعباء الواقعة على عاتق الطرف الضعيف والعمل على مساندته، أو بنقل هذه الأعباء كلية على عاتق الإدارة بعدّها الطرف القوي في الدعوى الإدارية، أو بمواجهتها ودفعها إلى تقديم ما لديها من عناصر وأدلة قد تكون في مصلحة الطرف الضعيف. ولذلك أعطي القاضي الإداري دوراً كبيراً في قيادة الدعوى الإدارية؛ مما ترتب عليه أن القاضي لا يترك مهمة الإثبات على عاتق الأفراد يقومون بها وحدهم ويقتصر دوره على الحكم لأقواهم حجة، وإنما يقوم هو نفسه بدور كبير في البحث عن الحقيقة. ولذلك يجوز مطالبة الإدارة بأن تقدم ما تحت يدها من أوراق ومستندات تفيد في الفصل في الدعوى الإدارية. وإذا كان الإثبات في الدعوى الإدارية يستند إلى ما تقدم، فما هي أدلة الإثبات المعتمدة في مجال هذه الدعوى؟

أ- الدليل الكتابي: يتمتع الدليل الكتابي بمكانة مرموقة في الدعوى الإدارية، فقد قررت المحكمة الإدارية العليا السورية ذلك في مناسبات عدة، حيـث قالت: (في مجال إثبات التزامات الدولة قبل الأفراد لا يؤخذ إلا بالبينة الرسمية الخطية). ولكن من الملاحظ أن الدليل الكتابي لا يتمتع في نطاق أصول المحاكمات الإدارية بالقوة نفسها في الإثبات التي يتمتع بها في القانون المدني، حيث لا تطبق القاعدة المدنية التي تقول لا يجوز إثبات عكس ما هو وارد بالكتابة إلا بالكتابة، إذ يجوز إثبات العكس بكل طرق الإثبات المعتمدة أمام القضاء الإداري.

ب - الشهادة: على الرغم من أن المادة 30 من قانون مجلس الدولة في سورية تنص على أنه للمفوض أن يأمر باستدعاء ذوي الشأن لسؤالهم عن الوقائع التي يرى لزوم تحقيقها، وهذا يدل على أخذ القانون بمبدأ البينة الشخصية في مرحلة تحضير الدعوى فقط؛ لذلك فإن اجتهاد المحكمة الإدارية العليا يسير نحو قاعدة مفادها عدم الاحتجاج بالشهادة على أنها دليل للإثبات أمام القضاء الإداري. ولا تقبل الشهادة للإثبات أمام محاكم القسم القضائي إلا في حالة وحيدة هي حالة الإثبات أمام المحاكم المسلكية، وذلك وفقاً للقانون 7 لسنة 1990.

ج- اليمين: وهذا الأسلوب في الإثبات غير وارد إطلاقاً في إطار المحاكمات الإدارية، حيث قرر مجلس الدولة الفرنسي منذ زمن طويل أن نصوص القانون المدني المتعلقة باليمين الحاسمة أو المتممة لا تسري على المنازعات الإدارية، وأن أسباباً تتعلق بالنظام العام هي التي تحول دون توجيه هذه اليمين أمام القضـاء الإداري.

د- الإقرار و استجواب الخصوم: وهو أسلوب أيضاً غير متبع في الإثبات في إطار أصول المحاكمات الإدارية؛ وذلك لأن المحاكمات الإدارية تسودها الكتابية، فعلى المحكمة أن تطلب ما تريده كتابة وترد عليه الإدارة كتابة، كما أن مبدأ الفصل بين الإدارتين العاملة والقاضية يحول دون القاضي الإداري واستجواب رجال الإدارة.

هـ- الخبرة: الخبرة هي الدليل الأثير لدى القاضي الإداري؛ لأنها من الأدلة الإدارية الموضوعية التي تجري في المجال الإداري منفصلة عن الصبغة الشخصية التي تتنافى مع الإثبات الإداري، والقاضي الإداري يمكن أن يأمر بالخبرة من تلقاء ذاته، وإن لم يطلبها الخصوم، كما له أن يرفض إجراءها وإن طلبها الخصوم.

ومن الواضح أن القاضي الإداري يلجأ إلى الخبرة لتحديد العناصر الفنية التي لا يستطيع هو أن يفصل فيها مباشرة، والتي يتوقف على معرفتها الفصل في المنازعة الإدارية ذاتها. وقد قضت المحكمة الإدارية العليا بأن تصدي المحكمة للحكم بمسائل فنية من دون الاستعانة بالخبرة الفنية موجب لإلغائه. ومما تتميز به الخبرة في نطاق الأصول الإدارية أن المحكمة و على خلاف قانون البينات تستقل في تعيين الخبراء، ولا دور للخصوم في ذلك. ومتى ما تقررت الخبرة بموجب قرار إعدادي صادر عن المحكمة فإن رسوم الخبرة تقع على عاتق صاحب الطلب المطلوب التحري عنه عن طريق الخبرة، أما إذا كان الطلب مشتركاً فتقع تكاليفه عندئذٍ على عاتق الطرفين. وإن الإحجام عن دفع رسوم الخبرة إنما يعني عدم جدية صاحب الطلب مما يؤدي إلى رده، وربما إلى رد الدعوى بمجملها، ولا تسلم المحكمة تلقائياً بنتائج تقرير الخبرة؛ وذلك لأن  الخبرة ليست إلا وسيلة لتمكين المحكمة من استخلاص قناعتها في المواضيع المعروضة عليها للفصل في النزاع.

وفي كل الحالات لا يجوز للخبير أن يخرج عن نطاق المهمة المحددة له بموجب القرار الإعدادي الذي أصدره القاضي الإداري بشأن اعتماد الخبرة، كما لا يجوز للخبير أن يترك المسائل الفنية ويتطرق للمسائل القانونية؛ لأن هذه المسائل من شأن المحكمة وحدها.

3- الأحكام في الدعوى الإدارية: إن أهم ما يؤثر في مضمون حكم القضاء الإداري هو مبدأ الفصل بين الإدارة والقضاء، بحكم أن القاضي الإداري يقضي ولا يدير، وتنحصر مهمته في القضاء بالمنازعات الإدارية من دون أن يتعداها إلى التدخل في أعمال الإدارة، وهذا المبدأ يطبق بشدة في نطاق قضاء الإلغاء، حيث تنحصر مهمة القاضي الإداري فقط في إلغاء القرار الإداري المعيب. في حين أن صلاحيات القاضي تتسع في إطار أحكامه التي يصدرها ضمن ولاية القضاء الكامل، حيث لايكتفي القضاء الإداري بتحطيم رأي الإدارة المخالف للقانون، ولكنه يتعدى ذلك إلى تحديد المراكز القانونية مثار الدعوى. وعلى كل حال فإن الأحكام الصادرة عن محاكم القسم القضائي في مجلس الدولة إنما تتمتع بحجية الأمر المقضي L’autorité de la chose jugée، إضافة إلى تمتعها بقوة الأمر المقضي Force de la chose jugée، شأنها في ذلك شأن الأحكام القطعية، وهي تنطوي بذلك على أثرين: أحدهما يتعلق بالإجراءات، و الآخر يتعلق بأصل الدعوى، أما الأول فيعني أن المحكمة التي أصدرت الحكم القطعي - بمجرد إصداره - قد استنفذت ولايتها بهذا الصدد فلا تستطيع أن تتراجع فيما قضت به ولا أن تعدل فيه، وكل ما لها هو أن تفسر الغامض من منطوقه - إن كان ثمة غموض فيه- وتصحح ما اشتمل عليه الحكم من غلط مادي، وأما الثاني فيعني أن ما جاء به الحكم من قضاء إنما يعد صحيحاً و عنواناً للعدالة، فهو في ذلك قرينة قاطعة لا تقبل إثبات العكس. وفي كل الحالات لا تصدر الأحكام في الدعوى إلا بعد إقفال باب المرافعة فيها، وحجزها للحكم، وفي جلسة علنية (المادة 33 من قانون مجلس الدولة).

ويتعين أن تكون أسباب الأحكام واضحة لا جهالة فيها، ولا نقص، ولا تناقض، وتؤدي إلى النتيجة التي انتهت إليها. وقد لوحظ أن الحكم الإداري يختلف في لونه بعض الاختلاف عن الحكم المدني، إذ يعمد القاضي الإداري في فرنسا خاصة إلى اختصار التسبيب، ولعل ذلك بسبب وراثته للإدارة ثم للوزير القاضي في مهمة الفصل في المنازعات الإدارية، مع أن هذا الوجه ليس بارزاً لدى القضاء الإداري العربي.

والأحكام التي تصدر في الدعوى الإدارية نوعان؛ إعدادية، وموضوعية، والأحكام الإعدادية تصدر بعد حجز الدعوى للحكم، وفي سبيل حسن إدارة الدعوى ولاسيما من الناحية الإثباتية، ومن المفترض ألا تكثر مثل هذه القرارات وذلك بسبب عناية المشرع بالدعوى في دور التحضير والتهيئة بمعرفة المفوضين، إلا أن الواقع العملي يظهر غير ذلك لدى قضائنا الإداري حيث تتزايد هذه الأحكام إلى حد كبير، وذلك بسبب انطباع عملية تحضير الدعوى بالطابع الشكلي، أما الأحكام الموضوعية فتصدر في الطلبات المقدمة في الدعوى أصلية أو احتياطية، وكذلك الطلبات المقابلة التي يرد به أحد الخصوم على ما يقدمه خصمه فيها من طلبات.

4- تفسير الأحكام الإدارية: تفسير الحكم الإداري إنما هو إيضاح ما غمض فيه من نقاط تتطلب إيضاح القصد و العبارة و استجلاء حقيقتها من دون أن يؤدي التفسير إلى تغيير في مضمون الحكم أو تعديله عن طريق التفسير حفاظاً على الحجية التي تتصف بها الأحكام القضائية، ومن ثم فلا يجوز عن طريق تفسير الحكم إثارة موضوع الدعوى من جديد، وإعادة البحث في الدفوع، ومن ثم فإنه يشترط لقبول طلب التفسير توافر الشروط التالية:

أ- أن يكون الحكم غامضاً غموضاً حقيقياً.

ب- وأن ينصبّ طلب التفسير على منطوق الحكم دون أسبابه.

ج- وألا يتخذ وسيلة للمساس بقوة القضية المقضية.

5- الطعن في الأحكام الإدارية: يتم الطعن بالأحكام الإدارية بطريق النقض أمام المحكمة الإدارية العليا (المادة 15 من قانون مجلس الدولة)، وقد تحول هذا الطريق عملاً إلى طعن بالاستئناف، كما يمكن الطعن بهذه الأحكام بطريق التماس إعادة النظر ماعدا الأحكام الصادرة عن المحكمة الإدارية العليا (المادة 19 من قانون مجلس الدولة)، كما يمكن الطعن بالأحكام الإدارية بتصحيح الغلط المادي.

مراجع للاستزادة:

- سليمان محمد الطماوي، القضاء الإداري، الكتاب الثاني (دار الفكر العربي، القاهرة 1996).

- إدوار عيد، القضاء الإداري، الجزء الأول، أصول المحاكمات الإدارية (بيروت 1974).

- رزق الله أنطاكي، أصول المحاكمات في المواد المدنية والتجارية (مطبوعات جامعة دمشق 1990).

- عبد العظيم عبد السلام عبد الحميد، مصادر الإجراءات الإدارية (القاهرة 1994).

- أحمد كمال الدين أبو موسى، «فكرة الإثبات أمام القضاء الإداري»، مجلة مجلس الدولة المصرية، السنة /27/ 1980.

- مصطفى أبو زيد فهمي، القضاء الإداري ومجلس الدولة (القاهرة 1966).

- مصطفى كمال وصفي، أصول إجراءات القضاء الإداري (مطبعة الأمانة، القاهرة 1978).

- صبري السنوسي محمد، الإجراءات أمام القضاء الإداري (دار النهضة العربية، القاهرة 1998).

- G. PEISER, Contentieux administratif, (Dalloz, Paris, 2004).
المصدر: http://arab-ency.com