11.10.2017

أصول المحاكمات المدنية عوارض الدعوى

أصول المحاكمات المدنية عوارض الدعوى







عوارض دعوي

obstacles in lawsuit - obstacles du procès

 عوارض الدعوى

عوارض الدعوى

شفيق إسماعيل




لم يعرّف قانون أصول المحاكمات السوري هذه العوارض التي تعترض سير الدعوى ولم يفرد لها فصلاً خاصاً تحت هذا العنوان واكتفى بسردها مبيِّناً الوضع القانوني لكل واحدة منها تاركاً التعريف إلى الفقه.

وقد عرفها بعض الفقهاء بأنها المسائل والعوامل التي تعترض سير الدعوى فتحّيدها عن سيرها الطبيعي المنتهي بفصل النزاع بين أطرافها، وقد تؤدي هذه المسائل إلى وقف سير الدعوى أو انقطاعه، أو قد تنتهي بفصلها بحكم لا يتعلق بموضوعها، وقد أورد قانون الأصول بعضاً من هذه العوارض في الباب السادس منه بعد بحثه بالدفوع واختصام الغير وإدخال الضامن والطلبات العارضة المقدمة من طرفي الدعوى والتدخل حيث أورد بالفصل الرابع من هذا الباب:

1- وقف الخصومة.

2- انقطاعها (الفصل الخامس).

3- التنازل عن الحق أو الخصومة (الفصل السادس).

وبعد ذلك بحث في الباب السابع بـ:

1- رد القضاة (الفصل الأول).

2- نقل الدعوى (الفصل الثاني).

3- تعيين المرجع (الفصل الثالث).

واستكمالاً لهذه النصوص التي تبحث بعوارض الدعوى فقد أورد المشرع بعارض آخر بقانون السلطة القضائية عند بحثه باختصاص محكمة التنازع حيث نصت المادة (29) بفقرتيها على الجواز للمحكمة المذكورة وقف السير بالدعوى المرفوعة أمامها وحق رئيس المحكمة بوقف الحكمين المتناقضين أو أحدهما.

أولاً- وقف الخصومة

يعني عدم السير بالدعوى مدة محددة أو غير محددة إذا اعتراها سبب من أسباب الوقف المنصوص عليها بالقانون والمحددة في المادتين (163) و(164) حصراً من قانون أصول المحاكمات.

فالمادة (163) أجازت لطرفي الدعوى الاتفاق على وقف الخصومة لمدة لا تتجاوز 6 أشهر، والمادة (164) أجازت وقف الدعوى إذا نص القانون على ذلك صراحة أو أجاز للمحكمة أن توقف الدعوى كلما رأت أن الفصل فيها يتوقف على مسألة أخرى فتقرر وقفها إلى حين البت بهذه المسألة.

وعلى هذا الأساس فإن وقف الدعوى يشبه إلى حد كبير تأجيل الدعوى ولكن هنالك فروق بين التأجيل والوقف، ففي التأجيل يجب أن يصدر عن المحكمة قرار صريح يحدد الجلسة التي أجلت إليها الدعوى باليوم والتاريخ والساعة، في حين أن الوقف لا يحتاج إلى مثل هذا القرار وإنما يوقف السير بالدعوى بمجرد توافر أسباب الوقف، فإذا اتفق الطرفان على وقفها مدة 6 أشهر استجابت المحكمة لمثل هذا الطلب وهذا ما يسمى بالوقف الاتفاقي وهو ما نصت عليه المادة (163) أصول، وقد يكون الوقف من قبل المحكمة تطبيقاً لحكم المادة (164) وعندئذ يسمى هذا الوقف بالوقف القضائي، وهو لا يحدد له مدة كالتأجيل للسير بها دائماً، تسير بمجرد زوال هذا السبب.

1- الوقف الاتفاقي:

سمح القانون بهذا الوقف فيما إذا توافق طرفا الدعوى عليه. وهذا التوافق شرط أساسي لوقوعه على ألا يتجاوز 6 أشهر، وذلك لتحاشي الطرفين تكرار التأجيل الذي قد لا يوافق عليه القاضي الناظر للدعوى ويعدّه بمنزلة المماطلة لتطويل أمد التقاضي وعرقلة القضاء للبت بها، لذلك أجاز المشرع للطرفين أن يتفقا على وقف هذه الدعوى مدة 6 أشهر فقط. ومن هذا يُستخلص أنه لوقوع مثل هذا الوقف اشترط المشرِّع شرطين أساسيين:

¦ انعقاد إرادة الطرفين صراحة على الوقف.

¦ عدم تجاوز مدة الوقف 6 أشهر.

فإذا اتفق الطرفان على وقفها مدة تزيد على ذلك قصرها القاضي على المدة المنصوص عليها في القانون، وإذا تعدد أطراف الدعوى فلابد من اتفاق جميع الأطراف على هذا الوقف، إلا إذا كان النزاع قابلاً للتجزئة فيمكن وقف الجزء المتفق على وقفه.

وعدّ الاجتهاد أن مثل هذا الوقف ليس له حجية الأحكام النهائية فلا يجوز الطعن به، إلا أنه يتمتع بحجية الأحكام المؤقتة وبهذه الحالة يجوز الطعن به إذا وقع خلافاً للقانون.

2- الوقف القضائي:

وهو الوقف الذي يقرره القضاء ولا يكون باتفاق الطرفين ولكن تقرره المحكمة من تلقاء نفسها إذا توافر أحد أسباب هذا الوقف، ومن هذه الأسباب:

أ- إذا نص القانون صراحة بوقف الدعوى وجوباً أو جوازاً وهو ما يشكل المفهوم المعاكس لما ورد بنص الفقرة الأولى من المادة (164) بقولها: «في غير الأحوال التي نص عليها القانون بوقف الدعوى وجوباً أو جوازاً»، ومعنى ذلك أنه عند ورود نص بوقف الدعوى وجوباً وجب على المحكمة وقف الدعوى، واذا ورد نص بجواز وقف الدعوى جاز للمحكمة وقفها أو عدم وقفها.

وقد رُصدت لحالتي الجواز والوجوب النصوص القانونية التالية:

نص المادة (189) أصول التي رتبت على طلب رد القاضي وجوب وقف الدعوى الأصلية إلى أن يبت بهذا الطلب بحكم نهائي، وكذلك ما ورد بالمادة (29) من قانون السلطة القضائية حيث أجازت لمحكمة التنازع وقف السير بالدعوى المقدم بشأنها طلب تعيين المحكمة المختصة، كما أجازت لرئيسها وقف تنفيذ الحكمين المتناقضين أو أحدهما.

ب- كلما رأت المحكمة تعليق حكمها في موضوعها على الفصل بمسألة أخرى يتوقف عليها الحكم «نص الفقرة (1) من المادة (164)»، وهنا أجاز المشرع للمحكمة أن تأمر بوقف الدعوى المنظورة أمامها كلما رأت تعليق حكمها على الفصل في مسألة أخرى يتوقف عليها الحكم، وهذا ما أطلق عليه فقهياً بالوقف القضائي وهو يتحقق على صورتين:

¯ الأولى أن يتقدم أحد الخصوم أمام المحكمة وفي أثناء النظر بالدعوى بدفع يثير فيها مسألة أولية يخرج الفصل فيها عن اختصاص المحكمة الوظيفي أو النوعي، كأن يثير مسألة لا تستطيع المحكمة أن تفصل في الدعوى الأصلية إلا إذا فصلت هذه المسألة أولاً على أن تكون هذه المسألة داخلة في اختصاص قضاء آخر.

¯ الثانية أن يطرأ على الدعوى حوادث أو أوضاع تقضي من المحكمة أن توقف السير فيها حتى ينتهي هذا الحادث أو الوضع الطارئ بالفصل فيها، ولكن لا يجوز للمحكمة أن توقف الدعوى في هذه الحالات إلا إذا كان الفصل في المسألة الأخرى ضرورياً للفصل في الدعوى الموقوفة بحيث لا يمكن الفصل بالنزاع بالرفض أو القبول إلا بعد صدور الحكم في تلك المسألة، وهذا ما عنته المادة (164) أن يكون الفصل في هذه المسألة الأخرى مما يتوقف عليه الحكم في الدعوى المطلوب إيقافها، وعلى ذلك فلا يكفي مجرد وجود ارتباط بين الدعوى المنظورة أمام المحكمة ودعوى أخرى لتوقف المحكمة الفصل في الدعوى المنظورة أمامها، كما أنه لا محل لوقف الدعوى إذا كانت المسألة التي ترى المحكمة تعليق حكمها عليها إذا كان من الممكن أن يؤخذ حكمها من أوراق الدعوى ذاتها المعروضة على المحكمة، وعلى هذا فقد ذهب الاجتهاد على أنه لا يجوز وقف الدعوى إذا كان المدعى عليه موقوفاً حتى ينتهي توقيفه؛ لأنه من الجائز محاكمة الموقوف وتبليغه الدعوى ومن حقه أن يوكل محامي عنه. «نقض 1989/قرار 242 لعام 72».

استئناف الدعوى الموقوفة:

نصت الفقرة (2) من المادة (164) على أنه بمجرد زوال الوقف تستأنف الدعوى بقوة القانون سيرها من النقطة التي وقفت عندها، وعلى هذا فقد عُدّت الدعوى التي يصدر فيها قرار بوقف الخصومة غير محسومة ولا تسجل في سجل الأحكام، لذلك فهي تستأنف سيرها من النقطة التي وقفت عندها من دون المساس بالإجراءات التي تمت خلال سيرها حتى تاريخ وقفها.

ثانياً- انقطاع الخصومة

من المقرر قانوناً أن يكون طرفا الدعوى متمتعين بالأهلية اللازمة لإقامة الدعوى، فإذا فقد أحد طرفيها هذه الأهلية وجب حتماً انقطاع هذه الخصومة بقوة القانون؛ لأن القاعدة العامة: «لا تسمع الدعوى من فاقد هذه الأهلية ولا يمكن أن تقام الدعوى على من يفقدها، فإذا فقدها أثناء سير الدعوى أوجب القانون قطع هذه الخصومة بسبب فقدان أحد طرفيها لأهلية التقاضي».

وقد بينت المادة (165) أسباب انقطاع الخصومة وحددتها بالآتي:

¦ وفاة أحد الخصوم.

¦ فقدان أهلية.

¦ زوال الصفة التي باشر فيها الدعوى.

وجميعها تتعلق بالأهلية اللازمة للتقاضي فكلما زالت هذه الأهلية انقطعت الخصومة.

ولا شك أن أسباب الانقطاع وردت في القانون على سبيل الحصر ولا يمكن القياس عليها، فلا تنقطع الخصومة بوفاة الوكيل بالخصومة أو بعزله أو اعتزاله ولكن يمكن للمحكمة أن تمنح مهلة لتغييره بآخر.

وقد أوجب القانون على المحكمة أن توقف الدعوى في أية مرحلة كانت عليها الدعوى؛ إلا إذا كانت مهيأة للحكم في موضوعها فإنها يحق لها أن تحكم بها ولو علمت بوقوع الوفاة أو فقدان أهلية التقاضي؛ واعتبرت أن الدعوى تكون مهيأة للحكم متى كان الخصوم قد أبدوا أقوالهم وطلباتهم الخاصة في جلسة المرافعات قبل وقوع أسباب الانقطاع (الفقرة الثانية من المادة 166 أصول).

ويترتب على انقطاع الخصومة وقف جميع مواعيد المرافعات التي كانت جارية بحق الخصوم وبطلان جميع الإجراءات التي تحصل بعد الانقطاع (مادة 167 أصول).

1- ويقصد بالخصوم في هذا النص من قام من أجله سبب الانقطاع، فإذا صدر حكم قابلاً للطعن بالنقض وبلغ إلى المحكوم عليه وتوفي هذا الأخير ينقطع ميعاد الطعن ولابد للمحكوم له من تبليغ الحكم إلى أحد الورثة وقد تأيدت هذه القاعدة التي لا تخرج عن كونها تطبيقاً لحكم المادة (223) أصول التي تنص على أنه يقف ميعاد الطعن بموت المحكوم عليه ولا يزول الوقف إلا بعد تبليغ الحكم لأحد الورثة في آخر موطن لمورثهم. أما إذا توفي المحكوم له أثناء ميعاد الطعن فعلى المحكوم عليه تبليغ الطعن إلى أحد ورثته وذلك في آخر موطن كان لمورثهم (المادة 224 أصول).

2- كل إجراء يتم بعد حصول سبب الانقطاع يعدّ باطلاً، كما يعدّ باطلاً كل حكم يصدر في أثناء الانقطاع، فإذا استمعت المحكمة إلى شهود بعد وفاة أحد الخصوم أو زوال أهلية أو زوال الصفة، أو قامت بمعاينة الشيء المتنازع عليه فإنه تصبح هذه الإجراءات جميعها باطلة. ولكن هذا البطلان هو بطلان نسبي؛ بمعنى أنه يحق لمن شرع لأجله عدم التمسك به ولا يحق للخصم الآخر التمسك به ولا يحق للمحكمة أن تثيره من تلقاء نفسها؛ والتنازل عن التمسك بهذا البطلان إما أن يكون صراحة وإما أن يكون ضمناً كأن يقبل من شرع لأجله بالإجراءات الجارية قبله.

لهذا يسلم الفقه والقضاء بأن آثار الانقطاع نسبية مادام الضرر يلحق فقط بالخصم الذي لم يمثل في الدعوى تمثيلاً صحيحاً فهو صاحب الحق بالتمسك بهذا البطلان؛ أما الطرف الآخر فلا يحق له التمسك به لأنه لم يلحقه ضرر، فلو كان الميعاد مقرراً لمصلحة الخصم الذي قام به سبب الانقطاع فإنه يقف رعاية له؛ إذ يفترض جهله بسريانه.

ويتعين هنا التفرقة بين الإجراءات التي تصدر لمصلحة من شرع الانقطاع لأجله والتي تصدر عليه، فإن الانقطاع الذي يحدث في الخصومة يكون رعاية له وحده من دون حكم الآخر، ويشمل البطلان جميع الإجراءات الصادرة به.

3- متى لا تنقطع الخصومة: لما كان الغرض من انقطاع الخصومة هو تفادي اتخاذ إجراءات في غفلة من الخصوم، لذا أجاز القانون للمحكمة أن تحكم في الموضوع إذا كان الخصوم قد أبدوا أقوالهم وطلباتهم الختامية في جلسة المرافعة قبل قيام سبب الانقطاع أو يكونوا بهذه الحالة قد استنفدوا وسائل دفاعهم؛ والنص القانوني في الانقطاع يقول: «إذا حدث سبب من أسباب الانقطاع المتقدمة وكانت الدعوى مهيأة للحكم في موضوعها جاز للمحكمة أن تحكم فيها على موجب الأقوال والطلبات الختامية، أو أن تؤجلها بناء على طلب من قام مقام الذي توفي أو مفتقد أهلية الخصومة أو من زالت صفته أو بناء على طلب الطرف الآخر».

وهذا الحق الخياري أُعطي للمحكمة، فإذا وجدت أن أسباب الفصل بهذه الدعوى قد تهيأت فإن القانون أعطاها الحق بالفصل بها؛ لأن جميع الإجراءات التي تمت بها بحضور الأطراف، فهي صحيحة ولم يبق من الدعوى سوى النطق بالحكم، لذلك وجد المشرع أن صدور الحكم بهذه الدعوى لا يفوِّت على أحد طرفيها أي إجراء لم يتم بغياب أحدهما، ومع ذلك فإنه أعطاها الحق أيضاً أن توقف الدعوى بناء على طلب ممن قام مقام المتوفى أو فاقد الأهلية أو من زالت صفته أو بناء على طلب الطرف الآخر، ويبقى قول الفصل بهذا الموضوع للمحكمة التي لها في مطلق الأحوال حق فصل الدعوى التي تهيأت للحكم في موضوعها ولو وقع سبب الانقطاع. ولكن ليس للمحكمة في هذه الحالة أن تحكم إلا بموجب الأقوال والطلبات الختامية، فإذا وجدت سبباً من أسباب عدم الفصل فيها وجب أن تقرر معه إعلان إعادة فتح المرافعة وقطع هذه الخصومة؛ لأن الدعوى تحتاج إلى إجراءات جديدة يجب أن تتم بحضور الطرفين.

4- استئناف الخصومة بعد الانقطاع:

تستأنف الخصومة سيرها بعد الانقطاع بتكليف بالحضور يعلن إلى من يقوم مقام الخصم الذي توفي أو فقد أهلية الخصومة أو زالت صفته بناء على طلب الطرف الآخر، وقد تستأنف الدعوى سيرها إذا وجدت سبب الانقطاع في أثناء فترة تأجيل الدعوى وطلب الجلسة من يمثل المتوفى أو من يقوم مقام فاقد الأهلية أو من يقوم مقام من زالت عنه الصفة. ولما كان انقطاع الخصومة لا يؤثر في أي إجراء من إجراءات الدعوى التي تمت قبل الوقف كان استئناف السير بالخصومة يعود بالدعوى إلى الحالة التي كانت عليها قبل الوقف، وتعدّ الإجراءات اللاحقة بعد الوقف مكملة للإجراءات السابقة ويصدر الحكم وفق جميع الإجراءات التي تمت فيها قبل الوقف وبعده. وتستأنف الدعوى سيرها إذا حضر الجلسة التي كانت محددة للنظر بها وارث المتوفي أو من يقوم مقام من فقد أهلية الخصومة أو مقام من زالت عنه الصفة ويباشر السير بها وفقاً لأحكام المادة (168) أصول.

ثالثاً- التنازل عن الحق أو عن الدعوى:

من دراسة الأحكام القانونية المتعلقة بهذا التنازل يتضح أن المشرع أقر أربعة أنواع من هذه التنازلات وهي:

1- التنازل عن الدعوى:

أجاز قانون أصول المحاكمات في المادة (169) للمدعي التنازل عن الحق المدعى به أو التنازل عن دعواه، فما معنى ذلك وما هو أثره؟

الأصل أن المدعي في القضايا المدنية سيد الموقف بالادعاء أو عدمه فلا أحد يجبره على إقامة الدعوى على خصمه، وإنما هو صاحب الحق ومالكه ويستطيع اللجوء إلى المطالبة بهذا الحق في أي وقت شاء. ويتفرع من هذا الأصل حقه بأن يتنازل عن هذه الدعوى وعن الحق المدعى به في أي وقت أراد ولكن المشرع وضع ضوابط لهذه الحقوق، فالقانون منعه من ممارسة حقه بالادعاء إذا كان الحق المدعي به ساقطاً بالتقادم.

وبعد إقامته دعوى على خصمه وإتمام المنازعة بين الطرفين فقد جعل القانون ضوابط لهذا التنازل، فصحيح أن المدعي هو سيد الموقف في الدعوى المدنية، ولكنه يفقد هذه السيادة عندما تتم الخصومة بين الطرفين وتصبح الدعوى المدنية ملك لطرفيها حين انعقاد الخصومة بينهما. لذلك ضمن المشرع بعض الحقوق للمدعى عليه عندما يتنازل المدعي عن دعواه، ويتم تنازل المدعي عن دعواه بطريقتين:

الأولى: بترك الخصومة ضمنياً:

وذلك بتغيب المدعي عن الحضور في أول جلسة محددة لرؤية الدعوى. والدعوى بهذه الحالة بين أمرين، فإذا لم يُبلَّغ المدعى عليه استدعاء الدعوى وتغيب المدعي جاز للمحكمة أن تشطب الدعوى لعدم حضور طرفيها، أما إذا تبلغ المدعى عليه استدعاء الدعوى وحضر فقد أعطاه المشرع حق الخيار بين طلب شطب الدعوى أو طلب الحكم بموضوعها وفق صراحة أحكام الفقرة الأولى من المادة (115 أصول). وبهذه الحالة يصبح المدعى عليه مدعياً بطبيعة الحال، فإذا لم يكن للمدعى عليه طلبات تجاه المدعي فإنه يطلب منه عدم معارضته لما يطلبه المدعي في دعواه، وهنا لابد من الإشارة إلى أن الآثار القانونية للشطب لا تنصرف إلا لإبطال استدعاء الدعوى، ولا تتناول الحق المذكور بها وفقاً لما ورد بحكم المادة (119) أصول، ولا تمنع من الادعاء به مجدداً بعد الشطب. وقد عدل المشرع أحكام الشطب بتعديل المادة (118) أصول بالمرسوم رقم (13) لعام 1979 بحق الطرفين المراجعة بإلغاء قرار الشطب يوم تقريره لعدم صدوره بمواجهتهما وتحديد جلسة جديدة للدعوى وتبليغها للطرفين واعتبار الشطب كأن لم يكن.

الثانية: ترك الخصومة صراحة أي بمواجهة الخصم:

بعد أن تنعقد الخصومة بين طرفيها تصبح الدعوى ملكهما فلا يستطيع أحد الطرفين أن يتصرف بها من دون موافقة الآخر، فإذا أراد المدعي بعد انعقاد الخصومة التنازل عن الدعوى فلا يتم هذا التنازل إلا بموافقة المدعى عليه الذي أبدى دفوعه وطلباته، فإذا لم تتم موافقته على التنازل سارت الدعوى بناء على طلب المدعى عليه.

ولكن القانون استثنى من هذه الحالة؛ فلا تسمع المحكمة طلب المدعى عليه بالاستمرار بالخصومة إذا كان لم يطالب إلا بدفوع شكلية تتعلق بعدم اختصاص المحكمة أو بإحالة الدعوى إلى محكمة أخرى أو ببطلان استدعاء الدعوى أو طلبات يقصد منها فقط منع المحكمة من سماع الدعوى، ففي هذه الحالة يمكن للمحكمة أن تستجيب لطلب المدعي بالتنازل عن الدعوى وفق صراحة حكم المادة (170) أصول.

آثار التنازل عن الدعوى:

يتم التنازل عن الدعوى من قبل المدعي عندما يصرح أمام المحكمة بذلك من دون أن يتنازل عن الحق المدعى به، وقد استقر الرأي في الفقه والقضاء أن التنازل عن الدعوى بعد تبادل طرفيها اللوائح لا يكون له أثر في الطلبات التي تقدم بها المدعى عليه؛ ولا أثر لها إلا في طلبات المدعي التي تقدم بها.

ومع أن القانون قد أعطى للمدعي الحق بإقامة دعوى جديدة بطلباته إلا أن هذا الحق لم يعد ممنوحاً للمدعي إذا استمر المدعى عليه بدعواه ولم يوافق صراحة على هذا التنازل، وبالتالي إذا استمرت رؤية الدعوى من قبل المدعى عليه وحكم بها القاضي فإنه يفقد حقه بإعادة المطالبة بهذا الحق لأنه حكم به أمام القضاء.

ويترتب على التنازل عن الدعوى وموافقة المدعى عليه على هذا التنازل إلغاء جميع إجراءات الخصومة بما في ذلك استدعاء الدعوى التي تصبح بعد التنازل كأن لم ترفع أصلاً وفق صراحة أحكام المادة (171) أصول، ولا ينجم عن رفعها انقطاع التقادم، وتبقى المصاريف جميعها بعهدة المتنازل عن الدعوى.

لذلك اشترط القانون أن تتوفر أهلية التقاضي في الشخص الذي يمارس عملية التنازل عن الدعوى، وإذا حصل هذا التنازل من قبل الوكيل ولم يكن مفوضاً بذلك فإنه يقع تحت طائلة التنصل من هذا العمل وفقاً لأحكام المادة (500) أصول.

2- التنازل عن الحق المدعى به:

إذا وقع التنازل عن الحق المدعى به فإنه يشمل الحق والخصومة معاً, فإذا كان يحق للشخص الذي تنازل عن دعواه أن يرفعها من جديد -إذا كانت مدة التقادم لم تنقضِ بعد- فالشخص الذي يتنازل عن حقه لا يجوز له أن يرجع إليه مجدداً، وعلى ذلك فإن الآثار التي تترتب على التنازل هي أقوى مفعولاً من الآثار التي تترتب على التنازل عن الدعوى. فلابد بالتالي من أن يكون هذا التنازل صريحاً وواضحاً لا غموض فيه، وأن يصدر عن الشخص الذي يملكه، فإذا وقع من وكيل غير مفوض يقع تحت أحكام التنصل وفقاً للمادة (500) أصول.

3 - التنازل عن إجراء أو ورقة من أوراق المرافعة أو الحكم بعد صدوره:

أجاز القانون لكل واحد من أطراف الدعوى أن يتنازل عن أي ورقة أبرزها للمحكمة، وأن يتنازل عن إجراء تم بناء على طلبه إذا لم يتعارض هذا الطلب مع مصلحة الطرف الآخر، فإذا تمسك بورقة ثبت تزويرها له الحق بأن يتنازل عنها ويخرجها من أوراق الدعوى ومستنداتها صراحة أو ضمناً معتبراً إجراء إبرازها كأن لم يكن، كل ذلك من دون أن يؤثر في الحقوق التي اكتسبها الطرف الآخر من هذه الورقة أو الإجراء، وذلك وفق أحكام المادة (172) أصول.

والأكثر من ذلك أنه أعطى لصاحب الحق الذي ثبت حقه بحكم من المحكمة - ولو كان مكتسب الدرجة القطيعة - الحق في التنازل عن هذا الحق الثابت فيه وفق صراحة أحكام المادة (173) أصول التي تنص على ما يلي:

«يترتب على التنازل عن الحكم التنازل عن الحق الثابت فيه».

وهذا يتعلق بحق التنازل للمادة المطالب بها عن طريق القضاء دون غيرها من الحقوق.

رابعاً- في رد القضاة

1- صفات القاضي:

لم يأتِ أي قانون يبحث بالصفات التي يجب أن يتحلى بها القاضي ليتسلم هذا المنصب الرفيع في الدولة، وإنما أتى قانون السلطة القضائية ليحدد الشروط الواجب توافرها فيمن يعين قاضياً. وهذه الشروط حددت بالمادة (70) من قانون السلطة القضائية الصادر بالمرسوم التشريعي رقم (98) لعام 1961.

إلا أن هذه الصفات لم يعثر عليها إلا في مجلة الأحكام العدلية حيث ورد بالمادة (1792) منها ما يلي:

«ينبغي أن يكون الحاكم حكيماً فهيماً مستقيماً أميناً مكيناً متيناً».

«وفي المادة (1793) ينبغي أن يكون الحاكم واقفاً على المسائل الفقهية (القانون) وعلى أصول المحاكمات ومقتدراً على فصل وحسم الدعاوى الواقعة تطبيقاً لها».

«وفي المادة (1794) ألزمت أن يكون الحاكم مقتدراً على التمييز التام، وبناء عليه لا يجوز قضاء الصغير والمعتوه والأعمى والأصم الذي لا يسمع صوت الطرفين، ثم بين المشرِّع في المواد الأخرى الآداب التي يجب أن يتحلى بها الحاكم.

وذكرت المادة (1799) أن الحاكم مأمور بالعدل بين الخصمين، وبناء عليه يلزمه أن يراعي العدل والمساواة بين الطرفين. (للاستفادة راجع أحكام المجلة من الصفحة 366 حتى 371).

وبجميع الأحوال، ومع أن تولي منصب القضاء هي مهمة وولاية، إلا أنها تتمتع بحصانة خاصة خارجة عن نطاق حصانة الوظيفة ولا تعد تابعة لسلطة الإدارة، وإنما هي سلطة مستقلة بذاتها، صان استقلالها الدستور الناظم لسلطات الدولة.

ولكن من يتولى هذه المهمة هو شخص لو تمتع بجميع هذه الصفات التي رسمها القانون لهذا الشخص لا يمكن أن يكون خالياً من الأهواء الشخصية أو العائلية، لذلك رسم المشرع طريقاً خاصاً لكبح جماح هذه الأهواء بأن جعل للطرفين المتداعيين حق رد هذا القاضي عن رؤية الدعوى التي ينظر فيها.

والقانون المصري جعل هذا الرد بحكم القانون، فالقاضي ممنوع بحكم القانون من رؤية بعض الدعاوى ولو لم يرده أحد الخصوم في الأحوال التي حددتها في المادة (313) من قانون المرافعات المصري.

أما الأسباب التي حددها القانون بطلب الرد من قبل أحد الطرفين المتخاصمين فهي محددة بالمادة (314) مرافعات.

وحيث إن الغاية من ذلك ضمان حياد القاضي الذي هو أهم صفة يجب أن تتوفر فيه أصلاً، إلا أن القاضي قد يخرج عن هذا الحياد لأسباب وعوامل عديدة تتعلق به نفسه أو بأفراد عائلته، فأوجد المشرع أصولاً لرد القضاة وهي وسيلة منحها القانون للمتخاصمين لاستبعاد القاضي الذي لا تتوافر فيه شروط الحياد اللازم للحكم في الدعوى.

ولم يشأ المشرع أن يعطي للخصوم حق تبرير هذه الأسباب التي يجوز معها رد القاضي، وإنما حددها بأسباب حصرية في المادة (174) أصول من دون أن يلجأ قانونياً إلى منع القاضي من رؤية أي دعوى بحكم القانون خلافاً للقانون المصري.

وهذا الإجراء تكريم للقاضي؛ إذ إن القانون منحه حق التنحي عن النظر في أي قضية يجد بنفسه حرجاً برؤيتها.

2- أسباب رد القضاة:

حددت المادة (174) أصول أسباب رد القضاة وهو تعداد حصري لا يجوز القياس عليه. وهذه الأسباب هي:

أ- إذا كان للقاضي أو لزوجته مصلحة مباشرة أو غير مباشرة في الدعوى ولو بعد انحلال الزوجية، فمثلاً بدعوى إزالة الشيوع لعقار لقاضي أو لزوجته فيه حصة فإنه يمنع على القاضي رؤية هذه الدعوى مبدئياً إذا رد هذا القاضي من أحد المالكين على الشيوع لوجود مصلحة مباشرة للقاضي أو زوجته بهذه الدعوى. وكذلك الأمر إذا أقيمت دعوى وقف الأعمال الجديدة وللقاضي أو لزوجته عقارمجاور وقد يتأثر نتيجة الحكم به، ففي هذه الحالة تتحقق المصلحة غير المباشرة.

وقد ساوى بذلك بين الزوجين ولو بعد انحلال الزوجية، أما إذا كان لأحد أقربائهما مصلحة فلا تسمع دعوى الرد.

ب- إذا كان بين القاضي وأحد الخصوم قرابة أو مصاهرة حتى الدرجة الرابعة وتكفي هذه القرابة ليحق للخصم تقديم الرد. وتعين درجة القرابة بالبطون. لكل بطن درجة وإذا كان بين زوجة القاضي وأحد الخصوم قرابة أو مصاهرة في الدرجة الرابعة فبحسب الرأي الراجح أن القرابة تعدّ مبرراً له، ولأن أحكام المادة (39) من القانون المدني تعد قرابة أحد الزوجين بالدرجة نفسها للزوج الآخر.

ج- إذا كان القاضي خطيباً لأحد الخصوم، وهذا يبرر طلب الرد لأنه في حالة الخطوبة تتوفر مودة قد تخرج القاضي عن الحياد وعلى الخصم الآخر أن يثبت هذه العلاقة.

د- إذا سبق للقاضي أن كان وكيلاً لأحد الخصوم في أعمال الخصومة أو قيّماً عليه فالوكالة والقوامة والوصاية من أسباب الرد ولو كانت هذه الأمور قد وقعت قبل تعيينه قاضياً فهي موجبة للرد، وإذا كان محامياً قبل تعيينه بالقضاء وكان قبلها وكيلاً لأحد الخصوم كان من حق الخصم الآخر رد هذا القاضي.

هـ- إذا سبق للقاضي أن كان شاهداً في القضية ولم يكن له أي علم بالقضية فإنه لا يكتسب صفة الشاهد، وذلك تطبيقاً للقاعدة التي لا تجيز للقاضي أن يحكم لمصلحة الشخص إذا سمي شاهداً من دون علمه .

و- إذا كان حَكماً لأحد المتخاصمين في دعوى سابقة لأنه في هذه الحالة يعد بمنزلة الوكيل عن هذا الخصم.

ز- إذا وجد بين القاضي وأحد المتخاصمين عداوة شديدة يعود للمحكمة حق تقدير ما إذا كانت هذه العداوة تؤدي إلى خروج القاضي عن حياده. وكان الباحث رزق الله أنطاكي يتمنى لو شمل المشروع موضع المودة القوية بين القاضي وأحد الخصوم ويساويها بالعداوة. (أنطاكي صفحة 426 طبعة 6 منشورات الجامعة).

ح- إذا كانت قد اجتمعت بين القاضي وبين أحد المتداعيين أو أحد أقربائه مصاهرة حتى الدرجة الرابعة بدعوى مدنية أو جزائية خلال السنوات الخمس السابقة ففيها يكون القاضي عرضة لطلب الرد.

3- من هم القضاة الجائز ردهم وما هي إجراءات الرد؟

يجوز رد جميع قضاة الحكم بجميع درجاتهم ومراتبهم كما يجوز رد قضاة النيابة إذا كانوا طرفاً منضماً بالدعوى. أما إذا كانوا طرفاً أصلياً فلا يجوز ردهم لأنهم يعاملون معاملة الخصوم، ولا فرق بالرد إذا كانت المحكمة مؤلفة من قاضٍ واحد أو كانت مؤلفة من قضاة، فمن الجائز رد قاضٍ واحد منهم أو رد جميع قضاتها إذا توفر بأفرادها احد أسباب الرد.

ونصت المادة (177) على أن الرد يكون بطلب من قبل أحد الخصوم يقدم قبل أي دفع آخر؛ وإلا سقط حق طالبه فيه ما لم ينشأ هذا السبب في أثناء سير الدعوى فيقدم هذا الطلب من فور نشأته، أما إذا استمر بالمرافعة بالدعوى فيسقط حقه بطلب الرد لقبوله ضمناً بهذا الوضع.

ويقدم طلب الرد باستدعاء يقدمه طالب الرد أو وكيله إلى المحكمة التي يوجد فيها القاضي المطلوب رده، ويشترط بالوكيل أن يكون مفوضاً بهذا الإجراء تحت طائلة التنصل منه وفق صراحة أحكام المادة (500) أصول، وأن يودع تأمين قدره مئة ليرة سورية عن كل قاضي مطلوب رده (مادة 179 أصول)، ويرفع طلب الرد إلى المحكمة المختصة للنظر به ولرئيس المحكمة تبليغه إلى القاضي المطلوب رده وإلى النيابة العامة؛ لأن من حق النيابة التدخل في طلب رد القضاة ومحاكمتهم عملاً بأحكام المادة (123) أصول.

ويجب على القاضي أن يجيب على طلب الرد خلال الأيام الثلاثة التالية لتبليغه، فإذا توفر طلب الرد ولم ينكره القاضي المطلوب رده وجب على هذه المحكمة إصدار قرارها بقبول طلب الرد وتعيين قاضي بدلاً من القاضي المطلوب رده.

ويترتب على تقديم طلب الرد وقف الدعوى المطلوب الرد فيها بحكم القانون وفقاً لصراحة أحكام المادة (189) أصول، ومن الجائز أن تصدر المحكمة قراراً بندب قاضٍ عن المطلوب رده إذا كان هناك سبباً للاستعجال.

وينظر في طلب الرد محكمة الاستئناف إذا كان القاضي المطلوب رده قاضي صلح أو بداية أو مستشار في محكمة الاستئناف أو أحد ممثلي النيابة إذا كان طرفاً منضماً بالدعوى، وإذا طلب رد عدد من قضاة محكمة الاستئناف بحيث لا يبقى من عددهم ما يمكن للبت بطلب الرد يرفع الأمر إلى محكمة النقض، فإذا قضت بقبوله أحالت الدعوى إلى أقرب محكمة استئناف بالنسبة إلى المحكمة واضعة اليد على الدعوى. وإذا كان المطلوب رده أحد قضاة محكمة النقض أو ممثلي النيابة فيها فإن محكمة النقض تنظر بهذا الطلب، وإذا ردت إحدى دوائرها؛ تنظر في الطلب دائرة أخرى من دوائرها، على ألا يقبل طلب رد جميع قضاة محكمة النقض أو عدة من قضاتها بحيث يصبح عددهم غير كافٍ للبتّ بدعوى الرد وفق صراحة أحكام المادة (178) أصول.

ويصدر الحكم بالرد حسب الرأي الراجح بجلسة علنية؛ لأن اختصاص المحكمة بغرفة المذاكرة اقتصر بحسب النص الوارد بالفقرة الثانية من المادة (173) على النظر بطلب الرد ولم يشمل الحكم، وهذا هو الرأي الراجح للفقهاء والاجتهاد. فإذا قضت بقبوله قررت فيه إعادة التأمين لمسلفه، وإذا انتهى القرار إلى رفض الرد قررت مصادرة التأمين وإيداعه في خزانة الدولة. والرأي الراجح أنه لا يجوز الرجوع عن دعوى الرد لأنها تتعلق بسمعة القاضي التي ليست هي موضع مساومة.

وقرار الرد لا يجوز الطعن به إلا إذا كان سلبياً وذلك بصراحة حكم المادة (185) أصول التي أجازت الطعن بحكم الرد إذا كان صادراً عن محكمة الاستئناف. أما إذا كان صادراً عن محكمة النقض فلا يقبل الطعن به، أو إذا كان إيجابياً فلا يحق للقاضي أن يطعن به لانتفاء المصلحة. ويكون الطعن خلال الأيام الثمانية لصدور قرار رفض الرد، ويرفع لمحكمة النقض خلال الأيام الثلاثة التالية لوقوعه، وعلى محكمة النقض النظر بهذا الطلب على وجه السرعة وإعادة الملف إلى مرجعه وذلك وفق صراحة المادة (188) أصول.

4- تنحي القاضي عن النظر بالدعوى:

بما أن المشرع أعطى لطرفي الدعوى حق طلب رد القاضي وفق إجراءات وأسباب معينة؛ فإنه من حق القاضي أن يتعامل مع هذا الإجراء بإجراء مماثل يبعد عنه الشبهة والضغينة التي تثار لدى أحد الطرفين المتداعيين، لذلك فقد منحه المشرع الحق في التنحي عن النظر بهذه الدعوى وفقاً لما ورد بحكم المادة (175) أصول التي أوجبت على القاضي أن يخبر المحكمة في غرفة المذاكرة بسبب الرد القائم وذلك للإذن له بالتنحي، وأجازت له بفقرتها الثانية بحق التنحي عن النظر في الدعوى في أحوال الرد وغيرها من الأحوال التي يستشعر القاضي فيها الحرج في نظر الدعوى.

فبمجرد قيام سبب من أسباب رد القاضي؛ من حقه أن يستبق طلب الخصوم برده بأن يتقدم بالتنحي عن رؤية هذه الدعوى، أو أن يطلب التنحي عن رؤيتها بمجرد تقديم الطلب برده، ومثل هذا الطلب الذي أقره المشرع للقاضي يعدّ رداً لافتاً للخصم الذي تقدم به على حياد القاضي وإبعاد الظن بحقه.

وقد كرم المشرع القاضي بأن أجاز له حق التنحي ليس مقترناً بتوافر أحد أسباب الرد؛ وإنما منحه هذا الحق كلما استشعر الحرج برؤية أي دعوى وبأي مرحلة كانت عليها الدعوى. فالمشرع قيَّد الخصوم بإثارة أسباب الرد بأول جلسة وقبل أي دفع آخر وإلا سقط حقه من هذا الطلب، في حين لم يقيد القاضي بذلك فمنحه حق طلب التنحي عن رؤية الدعوى كلما استشعر بنفسه الحرج من رؤية هذه الدعوى، والاستشعار بالحرج أمر نفسي خاص بالقاضي ولا يتعلق بأطرافها أو بموضوعها لأنه شعور داخلي بالقاضي يجب ألا يحاسب عليه، لذلك فإن أمر تنحي القاضي عن الرؤية لم يتركه في مطلق الأحوال لإرادة القاضي وإنما أوجب القانون أن يعرضه على المحكمة الأعلى، ولهذه المحكمة حق البتّ بهذا الطلب فإما أن تقبله وإما أن ترفضه، وتتم هذه النتيجة بغير حاجة إلى صدور حكم وبغير حاجة إلى إخطار الخصوم لعدم تعلق الأمر بهم.

وإذا أبدى أحد القضاة رغبته في التنحي عن رؤية دعوى وكان أحد الخصوم فيها قد طلب رده للسبب ذاته أو لسبب آخر فالأولى أن يسار في إجراءات التنحي فإذا ما قبل فلا يكون لطلب الرد والحكم فيه محل.

وقد ذهب الاجتهاد إلى أن مجرد صدور مرسوم قبول استقالة رئيس المحكمة لا يشكل معذرة قانونية لتخليه عن الدعوى ما لم يتم تبليغه. (نقض مدني 1131/373 ، 28/4/1975، مجلة القانون 1976، منشور في الجزء الثاني للقواعد العملية لقانون أصول المحاكمات، إعداد ممدوح العطري صفحة 1501، طبعة 2، طباعة غسان أديب استانبولي، الطبعة الثانية 1982).

خامساً- نقل الدعوى وتعين المرجع:

1- نقل الدعوى:

عندما يتعذر على المحكمة المختصة اختصاصاً نوعياً ومحلياً نظر دعوى قائمة أمامها كان لابد من إيجاد محكمة أخرى مماثلة من حيث الاختصاص للنظر بهذه الدعوى؛ إذ لا يجوز تحت طائلة إنكار العدالة أن تبقى الدعوى المرفوعة من دون حل. ولم يشأ المشرع أن يترك للمتخاصمين الاتفاق على النقل إلى محكمة معينة لعلاقة ذلك بالنظام العام؛ لذلك بين المشرع في المادة (190) أصول الأسباب القانونية لنقل الدعوى، كما نظم في المادتين (192) (193) كيفية طلب النقل والمحكمة المختصة للنظر بهذه الدعوى.

فأسباب النقل بحسب نص المادة (190) أصول سببان لا ثالث لهما: الأول تعذر تشكيل المحكمة والثاني الإخلال بالأمن. فبالنسبة إلى السبب الأول لابد من وجود سبب قانوني لتعذر تشكيل المحكمة، فطلب رد عدد من قضاة المحكمة يتعذر بموجبه تشكيلها يعدّ سبباً قانونياً لنقل الدعوى. أما بالنسبة إلى الإخلال بالأمن فقد يكون موضوعها النزاع بين أشخاص متنفذين في المنطقة ويخشى أن يؤدي الحكم الذي يصدر في الدعوى إلى إخلال بالأمن، وبحسب نص المادة (191) أصول فإن أمر النظر بالنقل يعود إلى محكمة النقض، وذلك بناء على طلب وزير العدل أو النيابة العامة أو الخصم صاحب المصلحة وبعد دفع السلفة القانونية المنصوص عليها في قانون الرسوم القضائية. ويجب أن يتضمن القرار الصادر بنقل الدعوى تعيين المحكمة التي تنقل إليها الدعوى ولا يجوز الطعن بقرار النقل وفق ما نصت عليه المادة (192)، وتسير المحكمة المعنية للنظر بالدعوى المنقولة إليها من النقطة التي وصلت إليها الدعوى السابقة مع بقاء جميع الإجراءات السابقة للنقل نافذة المفعول ومعتمدة في إصدار الحكم.

وقد ذهب الاجتهاد إلى جواز تطبيق نقل الدعوى على القضايا المقامة أمام لجنة قضايا التسريح وذلك بقرار محكمة النقض رقم (98) تاريخ 10/2/1968 المنشور في الجزء الثاني من مجموعة العطري صفحة 1214. كما أجاز الاجتهاد جواز نقل الدعوى إلى محكمة مماثلة إذا كان فيها ما يخشى معه الإخلال بالأمن، وذلك تطبيقاً للنص القانوني للمادة (190 أصول). «نقض شرعي رقم (30) لعام 1958 المرجع السابق صفحة 1215».

2- تعيين المرجع:

قد تقام الدعوى الواحدة أمام مرجعين قضائيين؛ محكمتين تابعتين لجهة قضائية واحدة ولا تتنحى احداهما للأخرى لاعتقاد كل واحدة منهما بأنها هي صاحبة الاختصاص، ويصدر عن كل واحدة منهما حكماً باختصاصها أو بعدم اختصاصها ويحوز الحكمان الدرجة القطعية، فهنا يقع التنازع بين هاتين المحكمتين حول الاختصاص. وقد نظم قانون الأصول هذه الحالة بالمادتين رقم (193) و(194)، فقد نصت المادة (193) على أنه إذا اجتمعت دعوى واحدة لدى محكمتين وحكمت كل منهما باختصاصها أو بعدم اختصاصها وحاز الحكمان الدرجة القطعية يصار إلى حل هذا النزاع الإيجابي أو السلبي على الاختصاص بتعيين المرجع، وقد حددت المادة (194) الجهة التي يقدم إليها طلب تعيين المرجع وذلك باستدعاء يقدم إلى الغرفة المدنية في محكمة النقض. وأعطى قانون السلطة القضائية الاختصاص للغرفة المدنية بالنظر في النزاعات بالقضايا المدنية والتجارية وفق صراحة الفقرتين ب و هـ من المادة (46) من قانون السلطة القضائية.

وتطبيقاً لهذه الأحكام القانونية فقد استقر الاجتهاد القضائي على ما يأتي:

¦ لا يجوز طلب تعيين المرجع إلا بعد أن يكتسب الحكمان لجهة الاختصاص الدرجة القطعية بتبليغهما للأطراف وانقضاء مدة الطعن بهما. «نقض مدني (190) لعام 1967».

¦ إن تعيين المرجع في تنازع الاختصاص بين المحاكم العادية يعود إلى الغرفة المدنية لمحكمة النقض وليس إلى محكمة تنازع الاختصاص. «مجلة القانون 457 لعام 1975».

¦ إن تعيين المرجع في محكمة من القضاء العادي وهيئة قضائية أخرى يقدم إلى محكمة تنازع ولا تختص محكمة النقض إلا بتعيين المرجع بين محكمتين عاديتين. «نقض مدني (170) لعام 1965».

هذه الأحكام منشورة بمجموعة العطري الجزء الثاني صفحات 1222 وما بعدها.

وإكمالاً لهذا البحث ومن الأمور التي توقف سير التقاضي ولم يبحثها قانون أصول المحاكمات المدنية، وإنما أتى على ذكرها قانون السلطة القضائية حيث نصت المادة (27) من هذا القانون على ما يلي:

إذا رفعت دعوى عن موضوع واحد أمام جهة القضاء العادي وأمام جهة القضاء الإداري ولم تتخلَ إحداهما عن نظرها أو تخلت كلتاهما عنها؛ يرفع طلب تعيين الجهة المختصة إلى محكمة تنازع الاختصاص التي تختص أيضاً بالفصل في النزاع الذي يقام بشأن حكمين نهائيين متناقضين صادر أحدهما من جهة القضاء العادي والآخر عن جهة القضاء الإداري أو الاستثنائي.

وتؤلف هذه الحالة وفق نص المادة (28) من قانون السلطة القضائية من:

أ- رئيس محكمة النقض أو أحد نوابه رئيساً.

ب- أقدم المستشارين في محكمة النقض.

ج- أقدم المستشارين في مجلس الدولة.

كما نصت المادة (29) على أنه:

¦ يجوز للمحكمة المرفوع إليها طلب وقف السير في الدعوى المقدم بشأنها طلب تعيين المحكمة المختصة.

¦ إذا قدم الطعن في الحكم بعد الدعوى لرئيس محكمة التنازع أن يأمر بوقف تعيين الحكمين أو أحدهما.

وبينت المادة (30) من قانون السلطة إجراءات التقاضي أمام هذه المحكمة حيث يقدم طلب باستدعاء يودع ديوان محكمة النقض وتبلغ صورته إلى الخصم وفقاً للقواعد المتعلقة بالتبليغ، ولهذا الأخير أن يجيب على الطلب وأن يقدم جوابه كتابة خلال ثمانية أيام تلي التبليغ ولا رسوم على هذا الطلب.

وتفصل محكمة التنازع في الطلب بعد سماع أقوال النيابة العامة بحكم مبرم غير قابل لأي طريق من طرق الطعن وفق ما نصت عليه أحكام المادة (31) من قانون السلطة القضائية.

وقضت الاجتهادات القضائية بأن النزاع بين المحكمة الشرعية وبين القضاء العادي يعود إلى محكمة تعيين المرجع وليس إلى محكمة التنازع وذلك لأنهما تابعين لقضاء واحد. «نقض مدني رقم قرار 170 تاريخ 3/4/1965».

مراجع للاستزادة:

- رمزي سيف، الوسيط في شرح قانون المرافعات المدنية والتجارية (دار النهضة العربية، الطبعة السابعة، 1967).

- أحمد أبو الوفا، المرافعات المدنية والتجارية (دار المعارف، الطبعة الرابعة، مصر 1956).

- مجلة الأحكام العدلية، تنسيق المحامي نجيب هواويني (مطبعة شعاركو، الطبعة الخامسة، 1968).

- رزق الله أنطاكي، أصول المحاكمات في المواد المدنية والتجارية (منشورات جامعة دمشق، الطبعة السادسة، 1993).

- أحمد أبو الوفا، قانون المرافعات المصري تعليق على النصوص (منشأة المعارف، الجزأين الأول والثاني، الطبعة الأولى، الإسكندرية 1961).

- القواعد العملية مجموعة اجتهادات محكمة النقض، تنسيق ممدوح العطري (الطبعة الثانية، 1982).

- مجلة القانون الصادرة عن وزارة العدل، دمشق، سورية.

- مجلة المحامون الصادرة عن نقابة المحامين بدمشق.
المصدر: http://arab-ency.com