10.05.2017

الأساس القانوني للمطالبة بالتعويض عن التطليق للشقاق الدكتور حسن فتوخ

الأساس القانوني للمطالبة بالتعويض عن التطليق للشقاق الدكتور حسن فتوخ









الأساس القانوني للمطالبة بالتعويض عن التطليق للشقاق
الدكتور حسن فتوخ
أستاذ بالمعهد العالي للقضاء ورئيس لجنة الشؤون القضائية والنشر بالودادية الحسنية للقضاة
إن ما يميز التطليق بسبب الشقاق عن باقي اسباب التطليق الاخرى يتمثل في احقية الطرف المتضرر من انهاء العلاقة الزوجية للشقاق في مطالبة الطرف المسؤول عن ذلك بالتعويض عن الضرر الذي لحقه شخصيا من جراء فك الروابط الاسرية ، الشيء الذي يحملنا على التساؤل عن الاساس القانوني للمطالبة بهذا التعويض ؟ او بعبارة أخرى هل يرفع الطلب في اطار المسؤولية العقدية ام في اطار المسؤولية التقصيرية ؟
لا شك ان المشرع الاسري قد نص صراحة على هذه المكنة القانونية لكلا الزوجين في حالة ما إذا كان أحدهما هو المسؤول عن سبب الفراق وفقا لمقتضيات المادة 97 من المدونة ، وذلك بصرف النظر عن المستحقات المترتبة للزوجة وللأبناء - عند وجودهم - عن إنهاء العلاقة الزوجية التي يحكم بها وجوبا من طرف المحكمة طبقا للمواد 83 و84 و85 من المدونة بعد تعذر الإصلاح وإنهاء الشقاق ، على أن لا يتعدى أجل البت في دعوى الشقاق ستة اشهر[1].
كما نصت الفقرة الأولى من المادة 113 من مدونة الأسرة على أنه " يبت في دعاوى التطليق المؤسسة على أحد الاسباب المنصوص عليها في المادة 98 أعلاه ، بعد القيام بمحاولة الاصلاح ، باستثناء حالة الغيبة ، وفي أجل أقصاه ستة اشهر ، مالم توجد ظروف خاصة .
ولعل التنصيص التشريعي على تحديد ستة أشهر كأجل اقصى يعني بمفهوم المخالفة امكانية الفصل في دعوى التطليق للشقاق داخل اجل يقل عن ستة اشهر ، إلا أن ذلك متعذر من الناحية القانونية لكون المشرع الزم المحكمة بمحاولة اصلاح ذات البين وحدد الاجل الأدنى الفاصل بين محاولتي الصلح بين الزوجين في ثلاثين يوما عند وجود اطفال حسب الفقرة الثانية من المادة 82 من مدونة الأسرة . بل والاكثر من ذلك ، فان النص القانوني المحدد للاجل المذكور لم يرتب على اعدم احترامه أي جزاء ، مما يفيذ بانه لا يتعلق بالنظام العام الاجرائي ، لا سيما وان المادة 113 أعلاه قد اشارت آلي عبارة " مالم توجد ظروف خاصة " ، الشيء الذي نخلص معه الى القول بان ضرورة الحرص على سلامة الاجراءات المسطرية التي يتم مباشرتها من قبل المحكمة ، أولى من البت داخل أجل ستة أشهر على حساب خرق القانون .
غير ان هذا الحق المخول لطرفي العلاقة الزوجية بنص القانون يدفعنا آلي التساؤل عما اذا كان يستند على عقد الزواج الرابط بين الزوجين ، ام آلي اخلال أحدهما بالواجبات والحقوق المتبادلة بين الزوجين المنصوص عليها في مدونة الأسرة ؟
بالرجوع إلي مضامين المادة الرابعة من مدونة الأسرة فانها قد اعتبرت الزواج ميثاق تراض وترابط شرعي بين رجل وامرأة على وجه الدوام غايته الاحصان والعفاف وانشاء اسرة مستقرة برعاية الزوجين طبقا لاحكام مدونة الأسرة ، أي ان المشرع الاسري ومسايرة منه لتطور واقع المجتمع اناط بالزوجين معا مهمة الرعاية المشتركة لبيت الزوجية والحفاظ على الروابط الاسرية وتمتين استقرارها وتحصينها من النزاعات التي قد تنشب بينهما عن طريق قيام كل منهما بالوفاء بما له من حقوق تجاه الطرف الاخر ، في اطار الحق والواجب المتبادل بينهما الذي تفرضه مؤسسة الزواج[2].
وهكذا فمن المسلم به قانونا ان المسؤولية العقدية تقتضي اخلال أحد طرفي العلاقة التعاقدية بالتزامه الناتج عن العقد الذي ابرمه مع الطرف الاخر ، وتستلزم لقيامها توافر الخطأ الناتج عن العقد وثبوت الضرر الذي لحق الطرف المتعاقد ووجود العلاقة السببية بين الخطأ والضرر .
ومؤدى ذلك ان ممارسة هذه المسطرة بسوء نية قد يكون من جانب الزوجة فقط ، طالما ان الزوج يملك حقه الاصلي في ايقاع الطلاق دون حاجة آلي سلوك مسطرة الشقاق ، مما يجب على القضاء التشدد والبحث عن طبيعة النزاع القائم بين الطرفين ، وكذا طبيعة الادعاء المثار من قبل الزوجة طالبة التطليق ، والتاكد مما اذا كان يشكل فعلا الشقاق الذي يستحيل معه استمرار العلاقة الزوجية ام لا ، تفعيلا منه لدوره التصالحي والايجابي في عدم مسايرة الطرفين في ادعاءاتها ، ومحاولة اصلاح ذات البين وتسوية سوء التفاهم الحاصل بين الزوجين على اثر النزاعات البسيطة والعادية التي قد تنشب بينهما بين الفينة والاخرى .
غير ان عقد الزواج له خصوصيته التي تميزه عن سائر العقود ايا كانت طبيعتها ، باعتباره ميثاقا بين طرفيه يخضع لاحكام الشريعة الاسلامية في جميع مراحل انشاءه وكذا بالنسبة للآثار المترتبة عن انهاءه .
لذلك فان المشرع الاسري قد اقر حقوقا وواجبات متبادلة بين طرفي عقد الزواج بمقتضى المادة 51 من مدونة الأسرة ، ورتب على الاخلال بها من أحدهما الحق للطرف المتضرر مطالبة الطرف الاخر بتنفيذ ما هو ملزم به ، او اللجوء آلي مسطرة الشقاق المنصوص عليها في المواد 94 إلى 97 من مدونة الأسرة[3] . ومن ثمة فان الاساس القانوني للمطالبة بالتعويض عن الضرر ضد الطرف المسؤول عن الشقاق في انهاء العلاقة الزوجية يتمثل في الخطأ التقصيري الناتج عن الاخلال بالتزامات مفروضة قانونا على الزوجين معا من اجل الحفاظ على دوام استمرار العلاقة الزوجية بينهما واستقرار كيان الأسرة ووحدتها في المجتمع ، مما يستنتج معه بان الاطار القانوني لطلب التعويض أعلاه هو المسؤولية التقصيرية وليس المسؤولية العقدية بدليل ان الحقوق والواجبات المتبادلة بين الزوجين المسطرة ضمن مقتضيات المادة 51 لا يجوز قانونا للطرفين الاتفاق على مخالفتها لورودها ضمن نص آمـــر من جهة ، وتعلقهــا برباط مقدس في النظام العام المغربي من جهة أخـرى.



وجدير بالذكر ان طلب التعويض ضد المسؤول عن الشقاق لا يمكن رفعها أثناء قيام العلاقة الزوجية نظرا لخصوصيتها المتسمة بالود والاحترام المتبادل والترابط والتماسك الشرعي بين الزوجين ، وان القول بامكانية رفع تلك الدعوى يتنافى مع واجب الرعاية المشتركة بينهما لبيت الأسرة وتحصينها من كل النزاعات التي يمكن ان تهدم كيانها .
كما ان مقتضيات المادة 97 من المدونة صريحة في كون تقديم طلب التعويض يكون بمناسبة عرض دعوى التطليق للشقاق على القضاء باستعمالها لعبارة " مراعية مسؤولية كل من الزوجين عن سبب الفراق في تقدير ما يمكن ان تحكم به على المسؤول لفائدة الزوج الاخر " . وهو ما يفيد قطعا بان طلب التعويض لا يمكن تصوره آلا كاثر مباشر عن وجود شقاق مستحكم بين الطرفين واستمراره وتعدر اصلاحه من قبل المحكمة ، اذ ليس هناك أي مانع قانوني يحول دون امكانية طلب التعويض - بعد صدور الحكم بالتطليق للشقاق - من قبل الطرف المتضرر من انهاء العلاقة الزوجية شريطة اثبات مسؤولية المدعى عليه عن سبب الفراق .
ونعتقد بان الطابع المقدس الذي تكتسيه مؤسسة الزواج يتنافى وتدخل القضاء في اجبار الطرف المخل بمقتضيات المادة 51 من المدونة على تنفيذ التزامه عينا ،على اعتبار ان الحياة الزوجية مبنية على التفاهم بين الزوجين وتبادل الاحترام والمودة والرحمة ، وبالتالي فانه وعلى الرغم من استصدار الزوج لحكم قضائي ضد الزوجة بالرجوع آلي بيت الزوجية فان الزوجة ترفض طبعا تنفيذ الحكم القضائي طالما ان الجزاء القانوني الذي يترتب على امتناعها هو سقوط نفقتها استثناء عن المدة الموالية للامتناع آلي حين رجوعها لبيت الزوجية عملا بمقتضيات المادة 195 من مدونة الأسرة . الآمر الذي يوضح بجلاء محدودية هذا التدخل القضائي لاجبار الزوجة على معاشرة الزوج رغم حصول تنافر وعدم تفاهم بينهما كزوجين ، فيبقى ابغض الحلال عند الله الطلاق هو الحل الوحيد اذن لانهاء العلاقة الزوجية بينهما ، ووضع حد لمعاناتهما معا من الشقاق الذي تعذر اصلاحه رغم جميع محاولات الصلح التي يتم اجراؤها من قبل المحكمة دون جدوى . لا سيما اذا علمنا بان الزوجة المطوب ارجاعها قضاء عن طريق رفع الزوج دعوى الرجوع لبيت الزوجية تبادر دائما آلي تقديم طلب معارض يرمي آلي تطليقها من عصمة زوجها بسبب الشقاق ، وتضطر المحكمة على اثر ذلك للبت في موضوع الطلب المعارض وسلوك مسطرة الشقاق بغرفة المشورة التي قد تنتهي في غالب الاحيان بانهاء العلاقة الزوجية بين الطرفين والحكم تبعا لذلك برفض الطلب الاصلي الرامي آلي الرجوع لبيت الزوجية .
ومسايرة لما تمت الاشارة اليه أعلاه من الناحية الواقعية فاننا نستعرض حيثيات حكم شرعي صادر عن المحكمة الابتدائية بمراكش في الملف رقم 2397/8/2004 بتاريخ 6/1/2005 ما يلي : " .. وحيث ان المحكمة تبين لها من خلال ما راج امامها من مناقشات اثناء جلسات تطبيق مسطرة الشقاق انه من المتعذر استمرار العلاقة الزوجية بين الطرفين ، ذلك ان مسيرة حياتهما الزوجية مليئة بالمنازعات القضائية المتمثلة في استصدار الزوج لحكم برجوع الزوجة لبيت الزوجية وامتناعها عن تنفيذه واستصداره كذلك بحكم بارجاع الحوائج كان مصيره نفس مصير الحكم الاول ، وانها بمقابل ذلك راجعت هي الاخرى القضاء فاستصدرت حكما بالنفقة ثم بعد ذلك رفعت دعوى للمطالبة بتطليقها للضرر وهو الحكم الذي تم الغائه من طرف محكمة الاستئناف .
وحيث ان مراجعة القضاء بالشكل المكثف اعلاه من شأنه ان يفقد الود والاحترام والطمأنينة والسكينة التي يجب ان تسود بين طرفي ميثاق الزوجية وهو ما يجعل حالة الشقاق متوفرة في النازلة وفق أحد الصورتين اللتان رسمتهما مدونة الأسرة للشقاق وهي اخلال أحد الطرفين ، كل ذلك يجعل من طلب المدعية طلبا مبررا ويتعين الاستجابة له " .
[1] - جاء في الفقرة الاخيرة من المادة 79 من المدونة بانه " يفصل في دعوى الشقاق في اجل لا يتجاوز ستة اشهر من تاريخ تقديم الطلب " .
[2] - اثير تساؤل حول كون مسطرة الشقاق قد تكون ذريعة للازواج ذوي النية السيئة للتنكيل بالطرف الآخر ، كما اثير التساؤل حول الطرف الذي يمكن ان يتحمل عبء اثبات مصدر الشقاق من الزوجين ، لتحمل مسؤوليته ؟
فاجاب السيد وزير العدل بان المادة 97 تنص على مراعاة مسؤولية كل واحد من الزوجين عن اسباب الشقاق المؤدي الى الفراق ، بعد فشل محاولة الصلح ، فاذا لم يحسم الخلاف بينهما بالصلح وتعذر استمرار العشرة على الوجه الشرعي ، يتم الطلاق ، وتقع المسؤولية على المسيئ منهما المتسبب في الشقاق ، اما الاثبات فيقع على من يثير مسؤولية الطرف الآخر وفقا للقواعد العامة .
راجع "اجوبة السيد وزير العدل والسيد وزير الاوقاف والشؤون الاسلامية عن الاسئلة والاستفسارات المثارة أثناء مناقشة مشروع المدونة امام مجلسي البرلمان – منشورات نشر المعلومة القانونية والقضائية – سلسلة الشروح والدلائل – العدد 4 – 2004 –الطبعة الاولى – ص 133 .
[3] - تنص مقتضيات المادة 52 من مدونة الأسرة على ما يلي " عند اصرار احد الزوجين على الاخلال بالواجبات المشار اليها في المادة السابقة ، يمكن للطرف الاخر المطالبة بتنفيذ ما هو ملزم به ، او اللجوء آلي مسطرة الشقاق المنصوص عيها في المواد 94 آلي 97 بعده "
وقد جاء في الدليل العملي لمدونة الأسرة – منشورات جمعية نشر المعلومة القانونية والاقتصادية – سلسلة الشروح والدلائل – العدد 1 – 2004 صفحة 47 في شرح المادة المذكورة ما يلي : " ان الالتزامات المنصوص عليها في المادة 51 مفروضة على كل واحد من الزوجين ، والاخلال باي منها يشكل خرقا صريحا للقانون ، لذا يحق للمتضرر من ذلك اللجوء الى القضاء لإلزام المخل بالتنفيذ العيني متى كان ممكنا ، واذا اصر على الامتناع وكان تدخله الشخصي في التنفيذ ضروريا امكن للزوج الاخر طلب التطليق طبق مسطرة الشقاق المنصوص عليها في المادة 94 وما بعدها ".