شرح شامل ضمن سلسلة دروس في مادة القانون الجنائي للمؤلف الدكتور عبد الرزاق بوبندير، يتناول مفهوم القانون الجنائي والقواعد الموضوعية والشكلية التي تنظمه، بالإضافة إلى النظرية العامة للجريمة وأركانها التفصيلية.
محتويات المقال
مقدمة عامة في القانون الجنائي
ينصرف معنى القانون الجنائي إلى القواعد التي تحدد سياسة التجريم والعقاب، وتنظم السياسة الإجرامية التي تبين كيفية اقتضاء الدولة لحقها في العقاب بما يضمن التوازن بين حقوق المتهم وحقوق المجتمع.
ويتضمن القانون الجنائي بهذا المعنى نوعين من القواعد:
- قواعد موضوعية: تبين ما يعد جريمة والعقوبة المقررة لها في إطار مبدأ الشرعية (لا جريمة ولا عقوبة ولا تدبير أمن إلا بنص من القانون - المادة 1 من قانون العقوبات)، وتعرف بـ قانون العقوبات.
- قواعد شكلية: تبين الإجراءات القانونية التي يتعين مراعاتها وإتباعها طوال مراحل الخصومة الجنائية من التحري والتحقيق إلى صدور الحكم وتنفيذه، وتعرف بـ قانون الإجراءات الجنائية والجزائية.
يقسم قانون العقوبات الموضوعي إلى قسمين رئيسيين:
- قسم عام: يهتم بدراسة النظرية العامة للجريمة، ببيان الأحكام العامة والأركان الأساسية والمسؤولية الجنائية وأنواع العقوبات وظروف تشديدها وتخفيفها.
- قسم خاص: يهتم بتحديد وصف الأركان الخاصة بكل جريمة على حدة، وبيان الحد الأدنى والأقصى للعقوبة المقررة لها.
وترتكز دراستنا على القواعد الجنائية الموضوعية لـ مبادئ أولية في القانون الجنائي العام وقانون الأعمال، تحديداً مفهوم الجريمة وأنواعها، وجرائم اختلاس الأموال العمومية، والرشوة، وإصدار شيك بدون رصيد.
المبحث الأول: تعريف الجريمة الاتجاهات الفقهية والقضائية
لا تتضمن معظم القوانين العقابية تعريفاً للجريمة، وقد أدى اختلاف الفقه في تعريف الجريمة إلى ظهور اتجاهين رئيسيين:
- الاتجاه الشكلي: يعتمد على الربط بين الواقعة المرتكبة والقاعدة القانونية، فيعرف الجريمة بأنها: "فعل يجرمه القانون" أو "نشاط أو امتناع يجرمه القانون ويعاقب عليه".
- الاتجاه الموضوعي: يعتمد على إبراز جوهر الجريمة باعتبارها اعتداءً على مصلحة اجتماعية، فيعرفها بأنها: "الواقعة الضارة بكيان المجتمع وأمنه".
ويستخلص من تعريف الجريمة الخصائص والتأصيلات التالية:
- الجريمة سلوك قد يكون فعلاً ينهى القانون عنه، أو امتناعاً يأمر به القانون.
- يجب أن يكون السلوك ممكناً نسبته لفاعله، بصدره عن إرادة سليمة مدركة ومميزة وغير مكرهة.
- أن يؤدي السلوك (إيجابياً أو سلبياً) إلى الإضرار بمصلحة محمية جنائياً بفرص جزاء عقابي.
- تمثل الجريمة الجانب الموضوعي للمسؤولية الجنائية وتقتضي وجود الجريمة والجاني معا، فلا تعد الجرائم ناتجة عن حوادث القضاء والقدر.
المبحث الثاني: أركان الجريمة وتقسيماتها العامة والخاصة
يتطلب القانون لقيام الجريمة توافر أركان معينة، وهي على نوعين:
- الأركان العامة للجريمة: تسري على كافة الجرائم بوجه عام، وبها تقوم الجريمة تامة أو مشروعة استوجبت العقاب، وإن انتفى أحدها لا تقوم الجريمة قانوناً.
- الأركان الخاصة للجريمة: ينص عليها القانون لكل جريمة على حدة لتحديد طبيعتها (كأن يكون المجني عليه حياً في القتل، والمرتشي موظفاً عاماً في الرشوة، والشيء المختلس مالاً منقولاً مملوكاً للغير في السرقة).
وقد اختلف الفقه بشأن تقسيم الأركان العامة؛ فمنهم من يرى أن للجريمة ركنين (مادي ومعنوي)، ومنهم من يرى أنها ثلاثة أركان بإضافة الركن الشرعي.
المطلب الأول: الركن المادي للجريمة وعناصره
يتمثل الركن المادي للجريمة في المظهر الخارجي لنشاط الجاني، إذ لا يعاقب قانون العقوبات على النوايا الباطنية والأفكار المجردة دون أن تقترن بنشاط مادي. ويتكون الركن المادي من ثلاثة عناصر:
أ ـ السلوك الإجرامي
هو النشاط المادي الخارجي المكون للجريمة والسبب في إحداث الضرر، وهو حركة الجاني الاختيارية المؤثرة في العالم الخارجي أو نفسية المجني عليه. وتختلف طبيعة وشكل السلوك الإجرامي حسب الجرائم:
أولاً: الاختلاف في طبيعة السلوك الإجرامي:
- في السرقة: فعل اختلاس مال منقول مملوك للغير.
- في القتل: فعل إزهاق روح المجني عليه.
- استثناءً قد يكون السلوك خفياً كما في جريمة الاتفاق الجنائي أو الاشتراك بطريق الاتفاق (المواد 176 و177 و178 من قانون العقوبات).
- في الجريمة الوقتية (كالسرقة): فعل مادي يبدأ وينتهي فوراً.
- في الجريمة الوقتية المتتابعة (كإقامة مباني دون ترخيص): أفعال متلاحقة تربطها وحدة المصلحة وتفصلها فواصل زمنية.
- في الجريمة المستمرة (كإخفاء الأشياء المسروقة): نشاط متجدد للحفاظ على الحالة.
- في الجريمة البسيطة (كالضرب والجرح): فعل إجرامي واحد لا يلزم تكراره.
- في جريمة الاعتياد (كتحريض القاصر على الفسق): تكرار عدة أفعال محظورة.
ثانياً: الاختلاف في شكل السلوك الإجرامي:
يختلف بحسب مرحلة المشروع الإجرامي وبحسب الدور على مسرح الجريمة:
- حيازة سلاح ناري بدون ترخيص لاستخدامه في قتل شخص يعد عملاً تحضيرياً في القتل لا عقاب عليه بهذه الصفة، لكنه يشكل جريمة مستقلة هي حيازة سلاح بدون رخصة.
- الفرق بين الفاعل الأصلي (من يطعن بالخنجر) والشريك (من يحرض دون مسك الخنجر)، بينما إخفاء الجاني الفار يشكل جريمة مستقلة طبقاً للمادة 178 من قانون العقوبات.
الظروف المقترنة بالسلوك الإجرامي:
- ظروف مشددة: حمل السلاح في السرقة (المادة 351 ق ع)، أو ظرف الليل في إتلاف المزروعات (المادة 361 ق ع).
- ظروف مخففة أعذار: مفاجأة الزوج لزوجه متلبساً بالزنا فيرتكب القتل (المادة 279 ق ع)، وعذر صغر السن دون 13 سنة حيث لا توقع إلا تدابير الحماية أو التوبيخ (المادتان 49 و50 ق ع).
ب ـ النتيجة المترتبة على السلوك الإجرامي
تعتبر النتيجة العنصر الثاني في الركن المادي، ولها مفهومان:
- المفهوم المادي: الأثر الحسّي الملموس في العالم الخارجي الذي يتطلبه القانون مكتصلاً بالركن المادي (كموت المجني عليه في القتل). وتقسم الجرائم بناءً عليه إلى جرائم مادية (كالقتل والضرب) وجرائم شكلية (كشهادة الزور وترك الأطفال).
- المفهوم القانوني: الضرر أو الخطر الذي يهدد مصلحة محمية قانوناً. وتقسم الجرائم بناءً عليه إلى جرائم ضرر وجرائم خطر (كالاتفاق الجنائي المادة 176 ق ع).
وينتج عن الجريمة ضرر عام مفترض يصيب المجتمع ككل، وضرر خاص يصيب المجني عليه أو أقاربه (مادياً أو معنوياً، محققاً أو محتملاً في الشروع). وتستلزم بعض الجرائم توافر الضرر كركن لقيامها مثل التزوير في محرر دون استعماله.
جـ ـ علاقة السببية بين السلوك والنتيجة
يلزم لقيام الركن المادي نسبة النتيجة الضارة إلى السلوك الإجرامي عبر علاقة السببية. ويشمل الإسناد نوعين: إسناد مادي (نسبة الجريمة لفاعل معين) وإسناد معنوي (نسبتها لشخص متمتع بالأهلية والإدراك وحرية الاختيار).
وتثار الإشكاليات عند تداخل أسباب أخرى سابقة أو معاصرة أو لاحقة، وتلخص النظريات الفقهية كالتالي:
- نظرية تعادل الأسباب: جميع العوامل متعادلة، ويسأل الجاني عن النتيجة باعتباره العامل الأول الذي أطلق سلسلة الحوادث.
- نظرية السبب المباشر أو الأقوى: يسأل الجاني إذا كان نشاطه هو السبب الرئيسي والمباشر في إحداث النتيجة، ولا يسأل إذا كانت النتيجة حتمية الوقوع بدونه (كوفاة المجني عليه بسكتة قلبية قبل الاعتداء).
- نظرية السبب الملائم: يتوقف تقرير المسؤولية على ما إذا كان السلوك يصلح وفقاً للمجرى العادي للأمور لإحداث النتيجة، وتنتفي السببية إذا تدخلت عوامل شاذة غير مألوفة (كنشوب حريق بالمستشفى أدى لوفاة المحروق).
ويرجح ترك تقدير توافر علاقة السببية لقاضي الموضوع في غياب نص قانوني مجرد.
المطلب الثاني: الركن المعنوي صور القصد الجنائي والخطأ غير العمدي
لا يكفي السلوك المادي وحده لتقرير المسؤولية، بل يجب توافر الركن المعنوي وهو النية الباطنية، ويتخذ إحدى صورتين: الخطأ العمدي (القصد الجنائي) أو الخطأ غير العمدي (الإهمال عدم الحيطة).
أ ـ القصد الجنائي
هو انصراف إرادة الجاني إلى ارتكاب الجريمة مع العلم بأركانها القانونية. وتتكون عناصره وصوره مما يلي:
أولاً: عناصر القصد الجنائي:
- انصراف الإرادة: اختلف الفقه بين نظرية التصور (كفاية اتجاه الإرادة للفعل) ونظرية الإرادة (وجوب اتجاه الإرادة للفعل والنتيجة معا، وهي السائدة في دروس في قانون العقوبات الجزائري).
- علم الجاني بتوافر أركان الجريمة: يتطلب العلم بموضوع الحق المعتدى عليه، وبخطورة الفعل، وبزمان ومكان الارتكاب (مكان عام في التجمهر المادة 97 ق ع؛ مكان خال في ترك الأطفال المادة 314 ق ع؛ زمن الحرب المادتان 62 و73 ق ع؛ المسكن ليلاً المادة 40 ق ع)، وبصفات الجاني (الطرف الجزائري في الخيانة المادة 60 ق ع)، وبصفات المجني عليه (صفة الموظف المادة 144 ق ع؛ صفة المتزوجة المادة 339 ق ع)، والظروف المشددة المغيرة للوصف.
ثانياً: صور القصد الجنائي:
- القصد العام والقصد الخاص: القصد العام يتطلب إرادة ارتكاب الجريمة والعلم بأركانها (مثل المادة 450 فقرة 5 ق ع في الإضرار بالممتلكات المنقولة بغرامة 50 إلى 200 دج والحبس حتى 10 أيام). أما القصد الخاص فيتطلب الباعث الخاص المحدد قانوناً (كنية استعمال المحرر المزورة المادة 216 ق ع).
- القصد المباشر والقصد غير المباشر: المباشر هو الاعتقاد اليقيني بتحقق نتيجة محددة. وغير المباشر (الاحتمالي) هو التنبؤ بالنتيجة الأشد جسامة كأمر ممكن الوقوع والمضي في الفعل (كجناية الضرب المفضي للموت المادة 264 فقرة أخيرة ق ع).
- القصد المحدود والقصد غير المحدود: المحدود يتوجه لنتيجة أو شخص معين. وغير المحدود ينصرف لارتكاب الجريمة دون تحديد للنتيجة أو عدد الضحايا (كإطلاق النار على تجمع).
ب ـ الخطأ غير العمدي
هو التصرف الذي لا يتفق مع الحيطة التي تتطلبها الحياة الاجتماعية، ويقع بفعل سلبي (إخلال بالتزام تعاقدي أو قانوني كإهمال الممرضة) أو بفعل إيجابي (قيادة سيارة بسرعة مفرطة).
عناصر الخطأ غير العمدي:
- الإخلال بواجبات الحيطة والحذر: ويقاس بالمعيار الموضوعي (مقارنة التصرف بالشخص المتوسط الحذر) وليس بالمعيار الشخصي.
- العلاقة النفسية بين الإرادة والنتيجة: وجود رابطة سببية مباشرة بين خطأ الجاني والنتيجة الجرمية.
صور الخطأ غير العمدي:
- الإهمال وعدم الانتباه: خطأ سلبي بترك اتخاذ الحذر.
- الرعونة: سوء التقدير المادي (إطلاق نار للصيد فيصاب مرّار) أو المعنوي (خطأ المهندس المعماري).
- عدم الاحتياط: نشاط إيجابي دون تبصر بالعواقب (كالسرعة الزائدة).
- عدم مراعاة الأنظمة: مخالفة التعليمات واللوائح والقوانين الإدارية.
أسئلة شائعة حول القانون الجنائي
- الدكتور عبد الرزاق بوبندير
- قانون العقوبات الجزائري
- قانون الإجراءات الجنائية والجزائية الجزائري
- قرار المحكمة العليا المؤرخ في 1986/06/24 (الفرقة الجنائية الأولى، الطعن رقم 43.835)
- المادة 1 من قانون العقوبات

شكرا جزيلا
للاستفادة من موقعنا ابحثوا على الموضوع الذين تريدون، بمربع البحث. نسعى دائما لتطوير موقعنا، شكرا لكم