القائمة الرئيسية

الصفحات

الأخطاء الطبية في ميزان القضاء

الأخطاء الطبية في ميزان القضاء

الأخطاء  الطبية  في  ميزان  القضاء



الأخطاء الطبية في ميزان القضاء
الممارسات الطبية الخاطئة في الميزان القضائي
الشيخ: هاني بن عبد الله محمد الجبير*


         الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:
       فإن الناظر في تعاليم الإسلام والمتأمل فيها يوقن حقاً بأنه منهاج حياة متكامل، فهو لم يدع جانباً من جوانب الحياة، ولا طوراً من أطوار الإنسان إلا ورسم فيه المنهج الأمثل، ومن جملة ما رسم منهاجه وحدد قيوده الإجراءات العلاجية والعمليات الطبية.
         وبحمد الله تعالى أن كانت هذه البلاد مُحَطِّمة للإسلام مُقِيمة لشرعه في قضائها باحثة عن المصلحة فيما تسنه من أنظمة وتعليمات.
             من خلال هذين الأمرين: تعاليم الإسلام، والسياسة الشرعية التي لا تخالفه تخرج تطبيقات القضاء وأحكامه.
___________
* القاضي بالمحكمة العامة بمكة المكرمة.

    ومن المؤسسات القضائية في هذه البلاد ((اللجنة الطبية الشرعية)) والتي تتولى التحقيق والمحاكمة في الشكاوى الناتجة عن الممارسات الطبية وتحقيق مدى المسؤولية فيها.
       وفيما يلي نظرات أو وقفات في هذا الموضوع من خلال الفقرات الآتية:
 1ــ اللجنة الطبية وطريقة الترافع والمداولة.
2 ـ أنواع المخالفات الطبية.
3 ـ كيفية الإثبات.
4 ـ أثر الإثبات.
5 ـ أمثلة واقعية.

أولاً: اللجنة الطبية الشرعية:

         صدر نظام مزاولة مهنة الطب البشري وطب الأسنان بالمرسوم الملكي رقم م/ 3 في 21/2/1409 هـ وقد تناول في الفصل الرابع منه تشكيل هذه اللجنة([1]) والتي يكون
مقرها الرياض وتنشأ لجان أخرى في المناطق م 34.

        وهي مُكَوَّنة من قاضٍ شرعي لا تقل درجته عن قاض (أ) يعينه وزير العدل رئيساً ومستشار نظامي وطبيبَيْن من ذوي الكفاءة يُعَيِّنهم وزير الصحة وعضو هيئة تدريس من إحدى كليات الطب يُعَيِّنه وزير التعليم العالي م 34.
    وتصدر قراراتها بالأغلبية بشرط أن يكون القاضي منها: م 36.
ويحضر فيها المدعي على حسابه الخاص، أما الطبيب المدعى عليه فإنه يُنَقل إليها على

حساب مرجعه وهذا إذا لم يكن لديهم فرع للجنة الطبية الشرعية م 36/ 5.
        وإذا تقدم شخص للجنة الطبية الشرعية فإن اللجنة تنظر في دعواه وبعدها تسمع جواب الطبيب على دعوى المدعي، وقد تطلب ملف المريض للتحقق من الإجراءات وتناقش الطبيب في موضوع الدعوى ثم تصدر قرارها، وتُفِهم الطبيبَ أن من حقه أن يعترض على قرارها ويتظلم منه أمام ديوان المظالم ليتولى تدقيق الحكم والبت فيه بإقراره ليكون قطعياً واجب التنفيذ أو نقضه كله أو بعضه، وفي بعض الأحوال يدعي المدعي العام فيما ليس فيه حق خاص.
        والأصل أ يحضر الطبيب بنفسه إذ اللجنة تتولى التحقيق والمحاكمة وليس في النظام ما يمنع توكيل محام في المرافعة ما لم يستدعِ الحال حضور الطبيب بنفسه. ([2])

ثانياً أنواع المخالفات الطبية:

      يمكن حصر المخالفات الطبية الجنائية في قسمين: الأول: المخالفات العادية، والثاني: الأخطاء الفنية.
    أولاً: المخالفات العادية:
     وهي المخالفات النظامية والشرعية التي لا صلة لها بالأصول الفنية لمهنة الطب ومن  أبرزها:

1-   ممارسة العمل الطبي بدون ترخيص من الجهة الحكومية المختصة((م29/2)) أو استعمل وسيلة دعائية تجعل الجمهور يعتقد أنه أهل لمزاولة عمل طبي خلافاً للحقيقة ((م29/3)) أو انتحل لقباً من الألقاب التي تطلق على مزاولي مهنة الطب((29/4)).
        وهذه المبادئ المقررة نظاماً متفقة مع ما ذهب إليه فقهاء المالكية من أن أصل مشروعية العمل الطبي هو إذن الحاكم ([3]) والذي يظهر لي أن الطبيب غير النظامي والذي لم يحصل على شهادة من جهة أكاديمية يسوغ لولي الأمر منعه من عمله وعقابه على افتياته عليه، لكن مجرد عدم حمله للترخيص لا يوجب الضمان بل هو كالطبيب المرخص له متى كان صاحب  خبرة تامة  وقد مارس العلاج فعلاً فانتفع به المرضى، وهذا ما اختاره الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله.([4])
      2- امتناع الطبيب عن علاج المريض: فإنه يجب على الطبيب الذي يعلم أن مريضاً في حالة خطرة  أن يقدم له المساعدة الممكنة أو أن يتأكد من أنه يتلقى العناية الضرورية، ومن أمثلة ذلك: امتناع الطبيب عن استخدام أجهزة الإنعاش الصناعي لمريض معرض لخطر الموت إذا طلب المحتضر استخدامها، أو امتناع الطبيب عن التدخل العلاجي في حال انفجار الزائدة الدودية أو الخوف منه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (( من قدر على انجاء شخص بإطعام أو سقي فلم يفعل، فمات، ضمنه)).([5])             
3 - تخلف رضا المريض بالعلاج: فإنه لا يجوز للطبيب أن يتدخل تدخلاً علاجياً إلا بعد موافقة المريض إذا كان أهلاً بأن يكون بالغاً عاقلاً مدركاً لما يأذن به(( أو وليه إذا كان ناقص الأهلية)) بعد أن يبين له الطبيب تشخيص مرضه ومدى خطورته وأثر الإجراء الطبي، عن عائشة رضي الله عنها قالت: (( لَدَدْنا ([6])رسول الله r فأشار أن لا تلدّوني فقلنا: كراهية المريض للدواء، فلما افاق قال: ألم أنهكم أن لا تَلُدُّوني، لا يبقى أحد منكم إلا لُدَّ))([7]).
لكن يستثنى من ضرورة الحصول على إذن المريض في الحالات العاجلة(( أو الخطرة)) لأن الضرورات تبيح المحظورات ([8]) والخوف على النفس ضرورة تبيح للطبيب ترك الاستئذان، أما لو امتنع المريض عن العلاج ولم يأذن به فإن ليس على الطبيب مسؤولية إذا ترك علاجه متى كان امتناع المريض عن أهلية وإدراك تام لأثره، قال البهوتي: (( لا يجب التداوي في مرض ولو ظن نفعه)) ([9]) وقال ابن عابدين: ((فإن ترك الأكل والشرب حتى هلك فقد عصى، بخلاف من امتنع عن التداوي حتى مات)) ([10]) ويدل لذلك ما رواه ابن عباس رضي الله عنهما أن امرأة سوداء أتت النبي r فقالت: إني أصرع وإني أتكشف، فادع الله لي، قال: إن شئت صبرت ولك الجنة وإن شئت دعوت الله أن يعافيك، فقالت: أصبر فقالت: إني أتكشف

فادع الله لي أن لا أتكشف، فدعا لها)). ([11])
       4- إفشاء السر الَمَرضي: الأصل أنه لا يجوز للطبيب إفشاء سر مريضه سواء أفضى بها المريض إليه، أو عرفها نتيجة لممارسة عمله فهذا من خصوصيات المريض، وحفظها من حفظ الأمانة قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ﴾[المؤمنون:8] قال ابن الحاج: (( وينبغي أن يكون ـ الطبيب ـ أميناً على أسرار المريض فلا يطلع أحداً على ما ذكره المريض، إذ إنه لم يأذن له في إطلاع غيره على ذلك)). ([12]).
           إلا لحاجة مشروعة كالإبلاغ عن وفاة ناجمة عن حادث جنائي، أو الإبلاغ عن مرض معد أو إذا صدر له بذلك أمر من جهة قضائية.
5- إجراء العلاج لغير الشفاء أو تحقيق مصلحة مشروعة: مثل أن يجرب دواء على المريض وهدفه البحث العلمي البحت ([13])، أو يطلب منه شخص أن يُحْدث في رجْلِه آثار عملية لُيِعفى من الخدمة العسكرية، قال ابن حزم: (( واتفقوا أنه لا يحل لأحد أن يقتل نفسه، ولا يقطع عضواً من أعضائه ولا أن يؤلم نفسه، في غير التداوي بقطع العضو الألم خاصة))([14]) وذلك أن جسد الإنسان إنما هو ملك لله تعالى، كما قال تعالى: ﴿ لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾[المائدة:120] ولا يحق لأحد أن يتصرف في ملك بما يحرّمه مالكه.
      ولذا كان هذا العمل موجباً للمسؤولية لأن الباعث عليه ليس شفاء المريض أو تحقيق


مصلحة مشروعة، مع أن الطبيب لم يقصد ضرر المريض بلا شك.

ثانياً: الأخطاء الفنية:

         وهي الأخطاء التي يخرج فيها الطبيب على الأصول والقواعد الفنية، والمقصود بالأصول والقواعد: الأصول الثابتة والقواعد المتعارف عليها نظراً وعملياً بين الأطباء والتي يجب أن يلم بها كل طبيب وقت العمل الطبي ([15]) سواء كانت علوما مقررة قديمة أو كانت علوماً مستحدثة طرأ اكتشافها فهذه تعتبر أصولاً علمية بشرطين:
1-    أن تكون صادرة من جهة معتبرة مثل الجهات المختصة بالأبحاث الطبية.
2-    أن يشهد أهل الخبرة بطفاءتها.([16])
        وبإيجاز: فإن الخطأ الفني هو : الانحراف عن الأصول والقواعد التي تحكم مهنة الطب وتقيّد أهلها عند ممارستهم له.
وهذه الأخطاء على قسمين خطأ في التشخيص وخطأ في الفعل.
والخطأ الموجب للضمان لابد أن يكون خطأ فاحشاً، لا يحتمل النقاش الفني ولا  تختلف فيه الآراء، وهذا بطبيعة الحال لا يحصل إلا نتيجة الجهل أو الإهمال أو الرعونة.


صدر قرار اللجنة الطبية الشرعية بمكة المكرمة رقم 285 في 28/2/1401 هـ بإخلاء سبيل الأطباء العاملين  في مستشفى بمكة وقررت أن التشخيص الذي تم التوصل إليه من قبل الأطباء قبل العملية وهو اشتباه التهاب الزائدة أو التهاب المرارة مع التهاب بريتوني هو تشخيص يتمشى مع ما وجد في أثناء العملية من التهاب بريتوني ناتج عن التهاب حاد في البنكرياس ومن ثم لا يعد التشخيص خطأ من الناحية الفنية.
والخطأ الجسيم أو الفاحش هو الذي لا يمكن أن يقع فيه طبيب أو جراح مماثل، فإذا فعل الطبيب المعالج ما يفعله طبيب متوسط في نفس المهنة والمستوى في نفس الظروف فإنه سلوكه لا يوصف بالخطأ([17]) قال الشافعي ــ رحمه الله ــ : (( وإذا أمر الرجل أن يحجمه أو يختن غلامه، أو يبيطر دابته فتلفوا من فعله، فإن كان فعل ما يفعله مثله مما فيه  الصلاح للمفعول به عند أهل العلم بالصناعة فلا ضمان عليه، وإن كان فعل ما لا يفعل مثله من أراد الصلاح وكان عالماً به فهو ضامن))([18])

ثالثاً: كيفية الإثبات:

      يعتمد القاضي في إثبات موجب المسؤولية على أدلة الإثبات الشرعية التي منها:
     1- الإقرار وهو أقوى الأدلة، والإقرار حجه كاملة يثبت القاضي الحكم استناداً إليها ولو رجع عن إقراره أو أنكره ما دام مرتبطاً بحق آدمي.
    2- الشهادة مثل شهادة طبيب آخر أو ممرض أو مساعد على فعل معين، فإذا كانت
الشهادة على حصول واقعة معينة فإنه يشترط فيها ما يشترط في الإثبات بعامة، وأما الشهادة على التقصير في الإجراء أ, مخالفة الأصول العلمية فهذا لا يقبل إلا من أهل خبرة واختصاص. ([19])
3-                        المستندات الخطية والتقارير الموجودة في سجلات المستشفيات، بشرط أن يكون لها حماية خاصة وأن يحافظ عليها من العبث.
رابعاً: أثر الإثبات:
        لا يخلو الخلل أو الخطأ الحاصل من الطبيب إما أن يكون خطأ نظامياً محضاً لا علاقة للمريض به مثل ممارسة العمل دون ترخيص فهذا راجع للحق العام وعقوبته محددة في نظام مزاولة مهنة الطب ويمكن الاطلاع عليه. ([20])
         ومن أمثلته قرار اللجنة الطبية الشرعية بالرياض رقم 924 في 14/5/1418 هـ فقد ادعي المريض أنه كان يعاني من بواسير بسيطة وأنه راجع الطبيب فأجرى له عملية بواسير وحصلت له أوجاع فشخص بأنها ناسور وبقايا بواسير.
     وقد حكمت اللجنة في الحق الخاص ثم قررت بالنسبة للحق العام أن المدعى عليه ((الطبيب)) قد تجاوز اختصاصه حيث إنه طبيب مقيم مسالك بولية وقام بعمل الجراحة لذا فقد اتخذت نحوه عقوبة للحق العام.
النوع الثاني الحق الخاص وموجبات المسؤولية فيه أربعة:
1- كون الطبيب غير مؤهل.([21])
2- مخالفة الطبيب للأصول العلمية.
3- كونه غير مأذون له.([22])
4- ألا يهدف منه عمله إلى الشفاء أو تحقيق مصلحة مشروعة كعمليات التجميل التحسينية وتغيير الجنس والإجهاض المحرم وموت الرحمة وغيرها.
أما إن أذن المريض للطبيب بإجراء معين يقصد منه الشفاء أو تخفيف المرض فأجراه على وفق الأصول العلمية فترتب عليه تلف عضو أو نفس فلا ضمان على الطبيب باتفاق أهل العلم.([23])
ومن الأسباب الموجبة للمسؤولية تعمد الجناية وهو مما لا يحصل من الأطباء بحمد الله غالباً والعمد موجب للقود من الطبيب وغيره سواء.([24])




خامساً: أمثلة لبعض قرارات اللجنة الطبية الشرعية:

المثال الأول: ([25])
  قال المدعي: إن زوجتي كانت تعاني آلام في المرارة  مع وجود حصوة فيها وقد راجعت المستشفى وبعد إجراء الفحوصات تقرر إجراء عملية في اليوم التالي وقد تم إجراء العملية بواساطة النظار وقد أخطأ الأطباء في تفتيت الحصوة بالجهاز وتسببوا في قطع شرايين في البطن وتم إجراء عملية فتح بطن مما أدى إلى فقدان 80%من دمها وبسبب ذلك أدخلت العناية المركزة ثم انتقلت إلى رحمة الله وحيث أن ما حصل على زوجتي نتيجة إهمال أو جهل في العمل لذا اطلب الحكم على المتسبب في وفاة زوجتي بدفع ديتها والعقوبة الإدارية.
الدراسة والقرار:
      (( وبدراسة أقوال المدعي والمدعى عليهم ونظراً إلى ما يشتمل عليه ملف الدعوى من تقارير وتحقيقات وحيث قرر المدعي مطالبته بدية مورثة موكليه وحيث إن وفاة المريضة ناتج عن النزيف ومضاعفاته والذي حدق في أثناء إجراء عملية المرارة بالمنظار حيث حدث هبوط مفاجئ آخر بعد تحسن الضغط عندما أدخل الدكتور ((ص)) المثقاب كما اتضح وجود ثقب في الشريان والوريد الحرقفي وثقب في الوريد الأجوف السفلي وحيث إن الطبيبين عندما حصل هبوط الضغط أو فتحتا بطن المريضة لم يقوما بالفتح المناسب
لاستكشاف البطن مِمّا نتج عنه عدم قدرتهما على اكتشاف مدى شدة النزيف مما أدى ذلك إلى دخول المريضة في صدمة شديدة أدت مضاعفاتها إلى الوفاة، كما اتضح عدم وجود الخبرة الكافية لدى الطبيبين في جراحة المناظير، أما طبيب التخدير الدكتور((ج)) فحيث إنه ترك الحالة للطبيب الأخصائي رغم علمه بالمضاعفات التي حصلت للحالة، لذا فقد قررت اللجنة إلزام المدعى عليهم بدفع دية مورثة المدعين وقدرها خمسون ألف ريال.
المثال الثاني: ([26])
ملخص القضية:
1-    راجع بزوجته بتاريخ 16/10/1417 هـ وكانت تعاني من انتفاخ شديد في البطن مع وجود ورم كبير في الشرج.
2-    شخص الطبيب حالتها  بوساطة المنظار على أنها تعاني من بواسير ملتهبة.
3-    أجرى لها عملية جراحية للبواسير ثم خرجت إلى المنزل في نفس يوم الدخول.
4-    راجع الزوج بزوجته مستشفى آخر واتضح أنها مصابة بسرطان متقدم في المبيض.
5-    توفيت فيما بعد.
6-    يطالب الزوج بدفع دية زوجته كاملاً والأضرار والخسائر التي صرفها وقدرها ثمانون ألف ريال بسبب معالجتها من جراء ما حصل لها من تهييج المرض وانتشاره والذي صعب معه علاجاً.


الدراسة والقرار:
    بعد دراسة أقوال المدعي والمدعى عليه ونظراً إلى ما يشتمل عليه ملف الدعوى من تقارير وتحقيقات وحيث إن المدعى عليه لم يأخذ التاريخ المرضي لزوجة المدعي كاملاً ولم  يقم بفحصها فحصاً كاملاً، كما أنه قام بإجراء العملية بسرعة وليس هناك ما يوجب العجلة في إجراء العملية وحيث إن ما حصل للمريضة وأدى إلى وفاتها لم يكن سبباً مباشراً من المدعى عليه أو من العملية التي تم إجراؤها وإنما هو من طبيعة مرضها الموجود قبل إجراء العملية فقد قررت اللجنة بالإجماع إلغاء الترخيص المعطى للمدعى عليه وشطب اسمه من سجل المرخص لهم وعدم استحقاق المدعي لما يدعيه من تعويض.

المثالث الثالث: ([27])                                                                                                                                    
ملخص القضية:
     راجعت المرأة مع زوجها المستوصف وكشف الطبيب المدعى عليه على المرأة التي كانت تشكو من عدم الإنجاب وكان انطباع الطبيب عن التشخيص أحد الاحتمالات الآتية(( زوائد لحمية نازلة بالرحم، نزيف رحمي وظيفي، إجهاض تام، إجهاض غير كامل)) فقام بأخذ مسحة من جدار الرحم بملعقة شرمان ثم  حصل للمريضة  تشنج ثم إعطاؤها إبر لمحاولة إسعافها ولما رأى حالتها                  تزداد سوءاً اتصل بالهلال الأحمر لنقلها ثم توفيت وقد طلب المدعي بالوكالة الدية لورثة المتوفاة.
       درست اللجنة ما ورد في الملف من معلومات وما ورد من أقوال وانتهت إلى ما يأتي:
         أ – الحالة عقم ثانوي وهناك اشتباه دورة شهرية متأخرة أو حمل أو بواقي حمل أو اشتباه حمل أو كما ذكر الطبيب المدعى عليه زوائد لحمية بالرحم أو بعنق الرحم وكل هذه الاحتمالات لا تستوجب التدخل إطلاقاً إلا في مستشفى حيث تجري أشعة صوتية وتحليل بول للحمل مع توافر الإسعافات الأولية.
        ب – استخدام الطبيب (( آلة شرمان)) لأخذ العينة وأغلب الظن أن عنق الرحم كان ضيقاً مما أدى إلى استعمال نوع من العنف لأخذ العينة تسبب في ألم شديد مما نتج عنه صدمة عصبية وهبوط بالجهاز الدوري.
       ت – أدت هذه الصدمة وتأخر الإجراءات الأسعافية اللازمة إلى وفاة المريضة بالطريق في أثناء نقلها للمستشفى.
     ث – ما ذكره الطبيب الشرعي في تقريره المرفق بالأوراق من أن ما قام به الطبيب من اجراءات تتمشى مع الأصول الطبية المتعارف عليها فغير صحيح وليس من اختصاصه  ولم يسأل عنه.
     ج – قرار اللجنة:
بالنسبة للحق الخاص قررت اللجنة الشرعية بإلزام الطبيب المدعى عليه تسليم المدعي وكالة دية مورثة موكليه وقدرها خمسون ألف ريال.
        وبالنسبة للحق العام تقرر سحب الترخيص الممنوح له وعدم السماح له بالعمل في المملكة في هذا التخصص مرة أخرى.
وبعد فهذا ختام ما أردت الحديث عنه موجزاً، وفق الله الجميع لهداه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

                            


([1]) وهذا القرار يرتب ويقرر واقع اللجنة لا يبتدئها فوجودها سابق للنظام بمدة طويلة.
([2]) هناك لجنة تسمى لجنة المخالفات الطبية وتختص بنظر المخالفات الناشئة عن تطبيق النظام المذكور فيما لا يدخل في اختصاص اللجنة الطبية الشرعية واختصاص اللجنة الطبية الشرعية أوضحته المادة 35 بأنه النظر في المطالبة بالحق الخاص الناتج عن الخطأ الطبي المهني والنظر في الحق العام عن الأخطاء الطبية التي ينتج عنها وفاة أو تلف عضو أو فقد منفعته أو بعضها.
([3]) مواهب الجليل 321.
([4]) فتاوى ورسائل سماحته (8/103) وفيه مصادقته على حكم صادر من المحكمة المستعجلة بجدة بإخلاء سبيل أحد الذين يمتهنون الطب العربي القديم عالج شخصاً بالكي فمات وكان من حيثيات حكمه أن الطبيب يمارس الطب العربي القديم عن خبرة تامة، ولأنه كثيراً ما يعالج المرضى ويشفون بإذن الله، وقد أذن له المريض بالعلاج.
([5]) الاختيارات الفقهية ص 301.
([6]) اللدود: دواء يُصب في أحد جانبي فم المريض، فتح الباري 10/176، لسان العرب 3/ 390.
([7]) صحيح البخاري 5712، صحيح مسلم 2213.
([8]) الأشباه والنظائر لابن نجيم 85، والسيوطي 173.
([9]) شرح منتهى الإرادات 1/320.
([10]) حاشية ابن عابدين 5/296.
([11]) صحيح البخاري 5652، صحيح 2576.
([12]) المدخل إلى تنمية الأعمال بتحسين النيات 4/ 143 ونص تحريمه ابن مفلح في الفروع 2/217.
([13]) من حق الشخص أن يأذن بإجراء التجارب عليه متى عرف كافة الاحتمالات التي يمكن أن يتعرض لها في أثناء التجربة، ولم يكن في إجرائها خطر على حياته، جاء في قرار مجمع الفقة الإسلامي رقمن 69/5/7 في الدورة السابعة عام 1412 هـ ما نصه: (( لابد في إجراء الأبحاث الطبية من موافقة الشخص التام الأهلية، بصورة خالية من شائبة الإكراه كالمساجين، أو الإغراء المادي كالمساكين، ويجب أن لا يترتب على إجراء تلك الأبحاث ضرر، ولا يجوز إجراء الأبحاث الطبية على عديمي الأهلية، أو ناقصيها، ولو بموافقة الأولياء))
([14]) مراتب الإجماع ص 157، ونص ابن القيم على تحريم قطع أي عضو لغير مصلحة دينية ولا دنيوية في تحفة المودود بأحكام المولود ص 169، 136.
([15]) المسؤولية الجنائية للأطباء، أسامة عبد الله قايد ص 160، أحكام الجراحة الطبية محمد الشنقيطي ص 473.
([16]) المرجعين السابقين.
([17]) انظر تبيين الحقائق 5/ 127، حاشية الدسوقي 4/28، المغني 8/ 117، زاد المعاد 4/ 139.
([18]) الأم 6/ 166.
([19]) كثير من مزاولي المهن الطبية في عصرنا هذا من غير المسلمين وقد يحتاج القاضي لسماع ما لديهم وقد تناول هذه المسألة بالتفصيل ابن القيم في كتابه الطرق الحكمية ص 257 وقرر قبول شهادة الكفار ببعضهم على ببعض وعدم جواز شهاداتهم على المسلمين إلا في حال الوصية في السفر لقوله تعالى: ﴿ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ ﴾[المائدة:106] واختار شيخ الإسلام قبولها في كل ضرورة وذلك أن قبول شهادتهم في هذا الموضَعَ ــــــــ أي ضرورة السفر ــــــ يقتضي صحة التعليل به فتقبل للضرورة حضراً وسفراً، وهذا في الشهادة والخبرة سواء، انظر المعيار المغرب 10/17.
([20]) فمثلاً من زوال المهنة من دون ترخيص يعاقب بالسجن مدة لا تتجاوز ستة أشهر وغرامة لا تزيد على خمسين ألفاً(( م 29)) إجراء الفحص في غير المكان المحدد لذلك يعاقب عليه بغرامة قدرها عشرون ألفاً وقررت المادة 33 أن العقوبات هي: الإنذار والغرامة وإلغاء الترخيص بمزاولة المهنة.
([21]) زاد المعاد 4/140.
([22]) الفروع 4/452.
([23]) المغني 8/117، زاد المعاد 4/139، وانظر تفاصيل تضمين الطبيب في بحثي ( الإذن في إجراء العمليات الطبية أحكامه وأثره) ص 102 ـــــــــ 124.
([24]) قال الدسوقي(( وإنما لم يقتص من الجاهل ـــــ يعني بالطب ــــــ لأن الغرض أنه لم يقصد ضرراً، وإنما قصد نفع العليل أو رجا ذلك، وأما لو قصد ضرره فإنه يقتص منه)) حاشية الدسوقي 3/ 295.
([25]) قرار رقم 920/418 وتاريخ 29/4/1418 هـــ اللجنة الطبية الشرعية بالرياض.
([26]) قرار رقم 946/418 في 26/ 10/ 1418 هـــــ اللجنة الطبية الشرعية بالرياض.
([27]) قرار رقم 672/ 412 في 22/ 3/ 1421 هـــــ اللجنة الطبية الشرعية بالرياض.

تعليقات