11.19.2017

انتقال الالتزام (حوالة الحق وحوالة الدين)

 انتقال الالتزام (حوالة الحق وحوالة الدين)







انتقال التزام (حواله حق وحواله دين)

transfer of obligation (transfer of right and of debt) - transfert de l'obligation (transfert du droit et de la dette)

 انتقال الالتزام (حوالة الحق وحوالة الدين)

انتقال الالتزام (حوالة الحق وحوالة الدين)

أحمد عبد الدائم





يقصد بانتقال الالتزام Cession des obligations تحويل الرابطة القانونية التي تربط بين الدائن والمدين لأشخاص آخرين. والانتقال قد يكون إيجابياً إذا تحول الحق من ذمة الدائن إلى شخص آخر يحل محله، وبالتالي يخلف الدائن الجديد الدائن الأصلي في الحق ذاته، وقد يكون سلبياً إذا تمّ من ذمة المدين إلى شخص غيره بحيث يحل هذا الشخص محل المدين الأصلي في التزامه بالدين ذاته مع إخلاء ذمة الأخير منه. وقد نظّم القانون المدني السوري موضوع انتقال الالتزام عن طريق الحوالة.

أولاً- حوالة الحق :La cession de créance

1- تعريفها ومحلها وركنها:

أ- تعريف حوالة الحق: حوالة الحق هي اتفاق ينقل به الدائن حقه قِبَل المدين إلى شخصٍ آخر ليصبح دائناً مكانه، ويسمى الدائن الأصلي هنا بالمحيل، والدائن الجديد بالمحال إليه، والمدين بالمحال عليه. (جلال علي العدوي: أصول أحكام الالتزام والإثبات، منشأة المعارف، الإسكندرية 1996، ص175).

ب- محل الحوالة: الأصل أن حوالة الحق تقع على جميع الحقوق الشخصية أياً كان محلها وأياً كانت أوصافها أو طبيعتها، ومن ضمنها الحقوق المضافة لأجل والحقوق المعلقة على شرط والحقوق المدنية والتجارية. ولكن يستثنى من قابلية الحق للحوالة ثلاث حالات أشارت إليها المادة 303 من القانون المدني السوري، وهذه الحالات هي:

(1) نص القانون: قد ينص القانون على عدم جواز حوالة حق معيّن كدين النفقة التي يحكم بها القضاء. كذلك لا يجوز الحجز على الأجور والمرتبات إلا بمقدار الربع لذلك لا تجوز حوالتها إلا بمقدار الربع أيضاً. (جلال علي العدوي: أصول أحكام الالتزام والإثبات، مرجع سابق، 178).

(2) اتفاق المتعاقدين: قد يكون هناك اتفاق بين الدائن والمدين على منع حوالة الحق كاشتراط المؤجر على المستأجر عدم جواز التنازل عن الإيجار للغير؛ لأن حق الإيجار - من حيث المبدأ - حق شخصي، ولا ينتقل إلى الغير. (أحمد عبد الدائم: مرجع سابق، 2003، ص282).

(3) طبيعة الالتزام: يستثنى من قابلية الحق للحوالة إذا كان لشخص الدائن اعتبار خاص في التعاقد كحق الدائن في التعويض عن الضرر الأدبي ما دام المبلغ لم يتحدد عن طريق الاتفاق أو القضاء.

ج- أركان الحوالة: حتى تنعقد حوالة الحق يجب أن يتوافر فيها الأركان التالية:

(1) رضاء المحيل والمحال له: يعدّ رضاء المحيل والمحال له كافياً لانعقاد الحوالة دون رضاء المدين؛ لأنه يستوي لدى المدين استبدال دائن بآخر؛ لأنه لن يترتب على هذا التغيير أية زيادة في عبء الالتزام بالنسبة إليه. (أنور سلطان: النظرية العامة للالتزام، أحكام الالتزام، الإسكندرية 1997، ص 280).

وتسري في شأن الحوالة القواعد العامة اللازمة لانعقاد التصرف القانوني وصحته من حيث وجوب توافر الأهلية سواء أهلية البيع أم التبرع أم الوفاء، وسلامة الرضا من العيوب، كما يجب ألا يكون الحق قد زال عن المحيل قبل إبرام الحوالة.

(2) سبب الحوالة: يجب أيضاً أن يكون لحوالة الحق سبب مشروع؛ فهذه الحوالة قد تكون بمقابل أي بالبيع مثلاً أو بغير مقابل بالهبة. وقد يقصد المحيل بالحوالة الوفاء بدين عليه للمحال إليه، فينزل له عن الحق المحال به مقابل ما يلتزم تجاهه من دين، ويكون الوفاء هنا وفاء بمقابل. (جميل الشرقاوي: النظرية العامة للالتزام، الكتاب الثاني، أحكام الالتزام، 1995، دار النهضة العربية، القاهرة، ص 247).

ولكن لا يشترط لانعقاد الحوالة شكل خاص؛ إلا إذا كانت هبة مباشرة فلا تنعقد إلا إذا تم إفراغها في الشكل الرسمي. (رمضان أبو السعود: أحكام الالتزام، دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية، 1998، ص 375).

2- شرائط نفاذ الحوالة: يجب التمييز فيما يتعلق بشرائط نفاذ الحوالة بين المدين والغير.

أ- نفاذ الحوالة بالنسبة إلى المدين: يجب أن يعلم المدين بالحوالة حتى تكون نافذة بحقه، وقد حددت المادة 305 من القانون المدني السوري طريقين يتم بهما هذا العلم، وهما:

(1) القبول: يجب أن يكون قبول المدين معاصراً لانعقاد الحوالة أو تالياً له، ولكن لا يجوز أن يكون سابقاً على الانعقاد حتى لو صرّح المدين في سند الدين أنه يقبل مقدماً حوالة الحق للغير؛ لأنّ المقصود هو علم المدين بإجراء الحوالة، ولن يتحقق هذا العلم إلا بالقبول اللاحق. (أحمد عبد الدائم: النظرية العامة للالتزام، ج2، أحكام الالتزام، منشورات جامعة حلب، مركز التعليم المفتوح، الدراسات القانونية العملية، مديرية الكتب والمطبوعات الجامعية، 2006، ص281).

وقد يقع القبول صراحةً أو ضمناً كوفاء المدين ببعض الحق أو فوائده للمحال له، ولا يلزم في القبول أن يكون ثابت التاريخ إذا ما أريد التمسك بالحوالة في مواجهة المدين ذاته. (مصطفى الجمّال: أحكام الالتزام، الدار الجامعية، 1987، بند 73 ، صفحة 92).

ويقتصر مدلول القبول على مجرد العلم بالحوالة دون أن يتضمن هذا القبول أي إقرار من المدين بالدين المحال، ودون أن يحمل هذا القبول محمل التنازل من جانب المدين عن الدفوع التي يستطيع التمسك بها ضد المحيل باستثناء الدفع بالمقاصة. (جلال علي العدوي: أحكام الالتزام، دراسة مقارنة في القانونين المصري واللبناني، الدار الجامعية، 1985، بند 404، صفحة 296).

(2) التبليغ: يتم تبليغ المدين بالطريق الرسمي، أي بواسطة ورقة رسمية عن طريق المحضر، وذلك بناءً على طلب المحيل أو المحال له، وإن كان غالباً يتم بناءً على طلب الأخير لوضوح مصلحته في هذا الشأن، وهذا التبليغ يكون دائماً ثابت التاريخ. (جلال علي العدوي: أصول أحكام الالتزام والإثبات، مرجع سابق، 179).

ب- نفاذ الحوالة بالنسبة إلى الغير: يقصد بالغير هنا كل من اكتسب حقاً خاصاً على الحق المحال به، ويشترط لنفاذ الحوالة قبل الغير:

(1) أن يقبلها المدين قبولاً ثابت التاريخ أي قبولاً معاصراً أو تالياً لانعقادها، ولا عبرة للقبول السابق على انعقادها.

(2) وإما تبليغه بالحوالة على نحو رسمي، والهدف من اشتراط ثبوت التاريخ هو منع التواطؤ بين المحيل والمحال له بهدف الإضرار بالغير عن طريق تقديم تاريخ الحوالة. (سليمان مرقس: موجز أصول الالتزامات، مطبعة لجنة البيان العربي، القاهرة 1961، بند 792، صفحة 862).

3- آثار حوالة الحق: تختلف هذه الآثار بين مرحلة الانعقاد ومرحلة النفاذ.

أ- آثار انعقاد الحوالة بين المتعاقدين: يترتب على انعقاد الحوالة فيما بين المحيل والمحال له الآثار الآتية:

(1) التزام المحيل بنقل الحق المحال إلى المحال له: تعدّ حوالة الحق تصرفاً ناقلاً للملكية. لذلك يجب على المحيل نقل الحق إلى المحال إليه بكل أوصافه ومميزاته وملحقاته وتوابعه من تأمينات عينية وشخصية. كما يجب على المحيل نقل الحق المحال بكل فوائده ودفوعه، فيجوز للمدين دفع مطالبة المحال إليه ببطلان العقد الأصلي المنشئ للدين لأي سبب من أسباب البطلان. كما تنتقل مع الحق المحال الدعاوى التي تكفله كدعوى فسخ البيع ودعوى الضمان، وإذا كان العقد من العقود الملزمة لجانبين ولم يقم المدين بتنفيذ التزامه؛ جاز له الدفع بعدم التنفيذ أو طلب فسخ العقد. (أحمد عبد الدائم: مرجع سابق، 2006، ص286).





(2) التزام المحيل بالضمان: نظم المشرع السوري أحكام الضمان بنوعيه الاتفاقي والقانوني.

النوع الأول: الضمان القانوني: فرق المشرع السوري بين ضمان وجود الحق المحال وبين ضمان المحيل فعله الشخصي الذي يضر بحق المحال له، وخص أخيراً حوالة الحقوق المتنازع عليها بأحكام خاصة بها.

¯ ضمان وجود الحق المحال: يختلف هذا الضمان استناداً إلى الحوالة فيما إذا كانت معاوضة أو تبرعاً. ففي الحوالة بعوض إذا لم يوجد اتفاق بين المحيل والمحال له؛ ضمن المحيل للمحال له بحكم القانون وجود الحق المحال وقت الحوالة فقط، ولا يضمن -من حيث المبدأ- يسار المدين. أما إذا كانت الحوالة تبرعاً فلا يكون المحيل ضامناً حتى لوجود الحق؛ لأنّ المتبرع غير ضامن.

وقد قصر المشرع السوري في المادة 310 من القانون المدني حق المحال له في التعويض على الخسارة التي لحقته، أي إنّه يسترد فقط ما دفعه له عوضاً عن الحق المحال مع الفوائد والمصروفات التي أنفقها. ولا يستطيع المحال له الرجوع بأكثر مما دفعه مع الفوائد والمصاريف إلا عند ضمان المحيل لأفعاله الشخصية، ولا يجوز الاتفاق على غير ذلك لأنّ هذا المبدأ من النظام العام. (أحمد عبد الدائم: مرجع سابق، 2006، ص 288).

¯ ضمان المحيل فعله الشخصي: لم تميز المادة 311 من القانون المدني السوري بين ما إذا كانت الحوالة بعوض أو بغير عوض، حيث يكون المحيل مسؤولاً بحكم هذا الضمان عن أفعاله الشخصية؛ إذا قام بعد إبرام الحوالة وقبل أن تصبح نافذة في حق المدين باستيفاء الحق من هذا المدين سواء كان المدين يعلم أم لا يعلم بصدور الحوالة. (أحمد عبد الدائم: مرجع سابق، 2003، ص291).

ويكون المحيل مسؤولاً أيضاً بحكم هذا الضمان إذا عمد أحد دائنيه بعد صدور الحوالة وقبل أن تصبح نافذة في حق الغير إلى إيقاع حجز تحفظي على الحق المحال به، وصار هذا الحجز نافذاً في حق المحال له. (ر.عبد الرزاق السنهوري: الوسيط في شرح القانون المدني الجديد (2)، نظرية الالتزام بوجه عام، المجلد الثاني، دار النهضة العربية، القاهرة، ج3، ص 500، فقرة 280).

¯ حوالة الحقوق المتنازع عليها: أي إذا كانت هناك دعوى مرفوعة تتعلق بوجود الحق أو بمشروعيته وقت إجراء الحوالة؛ فإنّه يحق للمدين المدعى عليه الذي يتولى الدفاع في هذه الدعوى إخراج المحال إليه من الدعوى برد المبلغ الفعلي له إضافة إلى نفقات إبرام العقد مع الفائدة القانونية بدءاً من تاريخ دفعه الثمن. وتسمى هذه العملية «العدول عن النزاع» حيث يحل المدين ببساطة محل المحال إليه، ويحول هذه العملية إلى حسابه الخاص. (أحمد عبد الدائم، مرجع سابق، 2003، ص291).

النوع الثاني: الضمان الاتفاقي: لا تعدّ أحكام الضمان القانوني من النظام العام، ولهذا يجوز للمتعاقدين الاتفاق على إنقاص الضمان أو إسقاطه أو الزيادة فيه. فمن صور إنقاص الضمان اتفاق المحيل مع المحال له على عدم ضمان توابع الحق. ومن صور إسقاط الضمان إعفاء المحيل في الحوالة بعوض من ضمان وجود الحق المحال به وقت الحوالة. ومن صور التشديد إلزام المحيل في الحوالة بعوض ضمان يسار المدين المحال عليه، وليس فقط ضمان وجود الحق المحال به. ولا ينصرف هذا الشرط إلا لضمان يسار المدين وقت الحوالة دون الاعتداد بما قد يتعرض له المدين من إعسار في المستقبل. (عادل حسن علي: الإثبات - أحكام الالتزام، 1997، مكتبة زهراء الشرق، ص 468).

ب- آثار نفاذ الحوالة: يترتب على نفاذ الحوالة آثار منها ما يتعلق بالمدين، ومنها ما يتعلق بالغير.

(1) في حق المدين: يترتب على نفاذ الحوالة في حق المدين أنه يصبح مديناً للمحال له دون المحيل، فيمكن لهذا المدين الامتناع عن وفاء المحيل بالدين، وإن وفاه يكون الوفاء غير مبرئ لذمته، وللمحال له المطالبة بالوفاء مرّة أخرى. كما يترتب على نفاذ الحوالة جواز مطالبة المحال له المدين بالحق المحال، وبالمقابل جواز تمسك المدين قبل المحال له بجميع الدفوع التي كانت له قِبَل المحيل. (أحمد عبد الدائم: مرجع سابق، 2006، ص 290).

(2) آثار نفاذ الحوالة بالنسبة إلى الغير: والغير هو كل متضرر من نفاذ الحوالة، كالمحال له الثاني، أو الدائن المرتهن، أو الدائن الحاجز على ذلك الحق تحت يد المدين المحال عليه.

¯ التنازع بين المحال لهم: إذا أبرم المحيل عدة حوالات للحق ذاته ولأشخاص مختلفين؛ فإنّ الأفضلية بينهم تكون لمن تصبح حوالته نافذة قبل غيرها في حق الغير. والعبرة ليست بتاريخ صدور الحوالة، بل بالتاريخ الثابت للتبليغ أو للقبول. (أحمد عبد الدائم: مرجع سابق، 2003، ص 294).

لكن هذه القاعدة ليست مطلقة، بل يحد منها مبدأ الغش يفسد التصرفات، بمعنى أنه إذا تمت الحوالة الثانية بالتواطؤ بين المحيل والمحال له الثاني للإضرار بالمحال له الأول، فإنّه يجب تفضيل هذا الأخير ولو كان تبليغ الحوالة للمدين جاء لاحقاً لقبول الحوالة الثانية أو تبليغها. (جلال علي العدوي: مرجع سابق، فقرة 413، صفحة 302).

¯ التنازع بين المحال له والدائن المرتهن: إذا قام المحيل بحوالة حقه إلى محال له، ثم قام برهن الحق نفسه إلى دائن مرتهن، فالقاعدة أنّ الأفضلية بينهما تكون على أساس الأسبقية في النفاذ. فإذا كانت الحوالة هي الأسبق في النفاذ كانت الأفضلية للمحال له، أما إذا كان الرهن هو الأسبق في النفاذ، فإنّ الأفضلية تكون للدائن المرتهن.

¯ التنازع بين المحال له والدائن الحاجز: يأخذ التنازع الذي يحدث بين دائن المحيل وبين المحال له وبين دائن المحيل الحاجز على الحق المحال تحت يد المدين صوراً مختلفة، ومنها:

¯ التزاحم بين المحال له والدائن الحاجز المتأخر: إذا تم نفاذ الحوالة في حق الغير بالقبول الثابت التاريخ أو التبليغ قبل توقيع الحجز تحت يد المدين؛ فهنا لا أثر للحجز في الحق المحال لأنه وقع على حق غير مملوك للمدين باعتباره خرج من ذمة المحيل ولم يعد في الضمان العام لدائنيه، فيقع باطلاً لانعدام المحل، ويتقدم بالتالي المحال له على الدائن الحاجز، ويحصل أولاً على الحوالة. (أحمد عبد الدائم: مرجع سابق، 2006، ص292).

¯ التزاحم بين المحال له والدائن الحاجز المتقدم: إذا تم قبول الحوالة أو تبليغها بعد توقيع الحجز بمعرفة دائن المحيل، فهنا يعدّ الحجز صحيحاً لأنّه وقع على مال مملوك للمدين الحاجز، ولكن الحوالة المتأخرة تعدّ بمنزلة حجز آخر، فإن كان المال كافياً استوفى كل منهما حقه، وإن لم يكن كافياً قسّم بينهما قسمة غرماء. (عادل حسن علي: مرجع سابق، صفحة 472).

¯ التزاحم بين المحال له والدائن الحاجز المتقدم والدائن الحاجز المتأخر: إذا وقعت الحوالة بين حجزين أولهما سابق على نفاذ الحوالة في حق الغير وثانيهما تالٍ، لذلك هنا يقسّم الدين المحال له بين الحاجز المتقدم والمحال له والحاجز المتأخر قسمة غرماء على أن يؤخذ من حصة الحاجز المتأخر ما يستكمل به المحال له قيمة الحوالة. والعلة في ذلك أنّ الحوالة غير نافذة في مواجهة الحاجز المتقدم في حين أنها سارية في مواجهة الحاجز المتأخر، وهذا خروج من قبل المشرع على القواعد العامة بعدم الاعتداد بالحجز المتأخر. (شفيق طعمة وأديب استانبولي: التقنين المدني السوري، الجزء الثاني، الطبعة الثانية، 1992، المكتبة القانونية، دمشق، ص 2738).

ثانياً: حوالة الدين La cession de dette:

1- تعريفها ومحلها وركنها:

أ- تعريف حوالة الدين: تعدّ حوالة الدين بمنزلة اتفاق بين طرفين على نقل عبء الدين من ذمة المدين الأصلي، وهو المحيل إلى ذمة مدين جديد يحل محله يسمى المحال عليه، ويترتب على هذه الحوالة انتقال الدين نفسه بصفاته ودفوعه وتأميناته إلى المدين الجديد. وتنعقد حوالة الدين إما بين المدين الأصلي والمدين الجديد الذي انتقل إليه الدين، وإما مباشرةً عبر عقد يتم بين الدائن والمحال عليه. (أحمد عبد الدائم: مرجع سابق، 2003، ص299).

ب- محل الحوالة: يجب أن يكون لحوالة الدين محل، وأن يكون هذا المحل مستوفياً لشروطه القانونية، والمحل هنا هو الدين المحال. ولكن لا يشترط في حوالة الدين أن ترد على دين منجز، فقد يكون محل الحوالة ديناً حالاً أو مستقبلاً غير مستحق الأداء، وقد يكون محلها مضافاً إلى أجل أو معلقاً على شرط واقف. كذلك يمكن أن يكون محل الحوالة ديناً مدنياً أو تجارياً بفائدة أو من دون فائدة. (منذر الفضل: النظرية العامة للالتزامات في القانون المدني، دراسة مقارنة بين الفقه الإسلامي والقوانين المدنية الوضعية، أحكام الالتزام، مكتبة دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمّان، 1992، ص 219).

ج- أركان الحوالة: تخضع حوالة الدين التي تبرم بين المدين الأصلي والمدين الجديد وباعتبارها عقداً للقواعد العامة في انعقاد العقود وصحتها، فلابد من وجود رضا صادر عن شخص كامل الأهلية وخالٍ من العيوب. كما يجب وجود سبب لهذه الحوالة حيث أنّ المحال عليه قد يقصد إما إقراض المدين مبلغ الدين، وإما الوفاء بدين مترتب في ذمة هذا المدين، وإما التبرع للمدين الأصلي بالمبلغ.

أما الاتفاق على الحوالة بين الدائن والمحال عليه فيجب أن ينصب على الدين ذاته حتى ينتقل إلى المدين الجديد، ويجب أن يكون الاتفاق بنية الحوالة التي تتم بواسطة عقد يتم مباشرة بين الدائن والمحال عليه دون رضا من المدين الأصلي ودون مشاركة منه استناداً إلى القاعدة التي تجيز للأجنبي وفاء الدين دون رضاء المدين؛ لأنّ هذا الأخير لن يتضرر من تبرئة ذمته ولا من تحمل غيره ما كان عليه من دين. (أحمد عبد الدائم: مرجع سابق، 2003، ص 302).

2- شروط نفاذ الحوالة: إذا انعقدت حوالة الدين بين الدائن والمحال عليه مباشرةً، فلا يشترط رضاء المدين بالحوالة أو إقراره لها. أما إذا انعقدت بين المدين الأصلي والمدين الجديد فيجب إقرار الدائن لهذه الحوالة حتى تكون نافذة في حقه، ولا تعدّ موافقة الدائن على حوالة الدين شرطاً لانعقاد الحوالة، وإنما لنفاذها في حقه.

أ- مفهوم الإقرار: هو موافقة الدائن على حوالة الدين التي تمت بين المدين والمحال عليه مما يؤدي إلى جعل آثار هذه الحوالة نافذة بحقه. والمقصود بنفاذ الحوالة في حق الدائن انتقال الدين الأصلي إلى المدين الجديد، ويصبح سارياً في مواجهة هذا الدائن، وتبرأ ذمة الأول، ويصبح الثاني هو وحده المدين للدائن. (سليمان مرقس: مرجع سابق، 1961، ص877).

ويعدّ إقرار الدائن للحوالة تصرف إرادة منفردة، وإذا تم هذا الإقرار استند أثره إلى تاريخ انعقاد الحوالة، وليس إلى تاريخ الإقرار، حيث يعدّ المحال عليه في علاقته مع الدائن خلفاً خاصاً للمحيل من تاريخ الاتفاق على الحوالة. (أحمد عبد الدائم: مرجع سابق، 2006، ص 301).

ب- شكل الإقرار: لا يتطلب القانون شكلاً معيّناً للإقرار، فيكفي إخطار من الدائن إلى أحد المتعاقدين أنه يقر الحوالة التي تمت بينهما، وقد يكون الإقرار صريحاً أو ضمنياً كقبول الدائن من المحال عليه - مع علمه بالحوالة ودون تحفظ - الوفاء ببعض الدين أو بالفوائد المستحقة عنه.

ويجب الإشارة إلى أنه إذا رفض الدائن الإقرار بالحوالة؛ فإنّ هذا يؤدي إلى اعتبارها غير سارية في مواجهته. وقد يرفض الدائن الحوالة رفضاً صريحاً أو ضمنياً، ومن صور الرفض الضمني أن يبلغ المحيل أو المحال عليه الدائن بالحوالة، ويعيّن له أجلاً معقولاً ليقرها، فإذا انقضى الأجل دون أن يستبين موقف الدائن من الحوالة عدّ سكوته رفضاً لها.

3- آثار حوالة الدين: تختلف آثار الحوالة بحسب ما إذا كانت الحوالة قد تمت نتيجة اتفاق بين المدين والمحال عليه، أو بين الدائن والمحال عليه.

أ- آثار حوالة الدين باتفاق المدين والمحال عليه: يترتب على هذه الحوالة ثلاثة آثار، وهي:

(1) علاقة المحيل بالمحال عليه: إذا سكت المتعاقدان عن تنظيم آثار الحوالة قبل إقرارها من الدائن أو بعد رفضها؛ فيكون المحال عليه ملزماً تجاه المحيل بالوفاء للدائن في الوقت المناسب، فإذا قام الدائن بمطالبة المدين قضائياً فإنه يحق لهذا المدين الرجوع على المحال عليه باعتبار أنه قد تعهد بالوفاء عنه ليجنبه هذه المطالبة، فإن تخلف المحال عليه عن الوفاء كان للمحيل الرجوع عليه بالتعويض.

أما بعد إقرار الدائن الحوالة فهنا يجب الرجوع إلى العلاقة القائمة بين المدين الأصلي والمحال عليه، فإذا كان المحال عليه قد أقدم على الحوالة بقصد إقراض المدين مبلغ الدين أو الوفاء بدين مترتب في ذمة هذا المدين؛ فعندئذٍ يلتزم المدين الأصلي بالمقابل وفقاً للشروط وفي المواعيد التي حددها اتفاق الحوالة. أما إذا كان المحال عليه يهدف إلى التبرع للمدين الأصلي بمبلغ الحوالة؛ فإنه بالتالي لا يستطيع الرجوع عليه. (جلال علي العدوي: أصول أحكام الالتزام والإثبات، مرجع سابق، 188).

(2) علاقة الدائن بالمحال عليه: بعد إقرار الدائن للحوالة ووصول هذا الإقرار إلى علم من وجه إليه، فإنّ الدين ينتقل من المدين الأصلي إلى المحال عليه، ويصبح الأخير مديناً للدائن من تاريخ انعقاد الحوالة تطبيقاً لفكرة الأثر الرجعي للإقرار. ويترتب على انتقال الدين نفسه إلى المحال عليه النتائج الآتية:

¯ احتفاظ الدين بصفته السابقة: والمقصود بذلك أنّ الدين قد يكون بسيطاً غير موصوف أو قد يكون موصوفاً، أي معلقاً على شرط أو مضافاً إلى أجل مما يوجب مراعاة الوصف المذكور، سواء كان ديناً مدنياً أم تجارياً، مؤجلاً أم معلقاً على شرط أم منجزاً، أم منتجاً لفائدة… إلخ. (منذر الفضل: مرجع سابق، 1992، ص 219).

¯ يبقى للدين المحال ضماناته وتأميناته: المبدأ أنه يبقى للدين المحال كل ضماناته، باستثناء الكفالة الشخصية أو العينية إلا إذا قبل الكفيل الحوالة، فيعدّ عندئذٍ كفيلاً لشخص آخر غير المدين الأصلي سواء كان هذا الكفيل متضامناً أم غير متضامن مع المدين الأصلي، وسواء كان متمتعاً بحق تجريد المدين الأصلي أم محروماً من هذا الحق. (ر. أحمد عبد الدائم: مرجع سابق، 2006، ص305).

¯ انتقال الدين إلى المحال عليه بدفوعه: يستطيع المحال عليه التمسك في مواجهة الدائن بما كان للمدين الأصلي من دفوع، فيكون للمحال عليه التمسك في مواجهة الدائن ببطلان التصرف المنشئ للدين المحال بسبب عدم وجود الرضا أو عدم توافر شروط المحل أو عدم مشروعية السبب.

كما يمكن للمحال عليه التمسك بالدفوع المستمدة من عقد الحوالة كالدفع ببطلان الحوالة لانعدام الرضا أو لعدم مشروعية المحل أو عدم مشروعية السبب، أو الدفع بعدم الوفاء. وإذا انقضى الدين بأحد أسباب الانقضاء كان للمحال عليه التمسك به سواء تم الانقضاء بالوفاء أم ما يقوم مقامه كالتجديد أو استحالة التنفيذ أو الإبراء أو التقادم. (رمضان أبو السعود: مرجع سابق، 1998، ص 413).

(3) علاقة الدائن بالمحيل: متى أقر الدائن الحوالة برأت ذمة المدين الأصلي. ولكن، لا يقر الدائن الحوالة إلا إذا كان المحال عليه موسراً. وهكذا يضمن المدين الأصلي أن يكون المحال عليه موسراً وقت إقرار الدائن للحوالة.

ب- آثار حوالة الدين باتفاق الدائن والمحال عليه: إذا انعقدت الحوالة نتيجة اتفاق بين الدائن والمحال عليه مباشرة دون تدخل المدين الأصلي؛ فإنّ الحوالة في هذه الصورة تنتج جميع آثارها، وتكون نافذة في حق الدائن وفي حق المدين الأصلي بمجرد انعقادها، وتؤدي إلى براءة ذمة المدين الأصلي من الدين بمجرد انعقاد الحوالة من دون حاجة إلى رضائه بذلك. ويترتب على ذلك الآثار الآتية:

(1) انتقال الدين إلى المحال عليه بصفاته وتأميناته ودفوعه: فتبقى تأمينات الدين لضمان الوفاء به، باستثناء الكفالة الشخصية والعينية. كذلك يحق للمحال عليه التمسك قبل الدائن بالدفوع المتعلقة بالدين المحال به، كبطلان هذا الدين أو فسخه أو انقضائه، وبالدفوع المستمدة من عقد الحوالة.

(2) عدم ضمان يسار المحال عليه: لا يلتزم المدين الأصلي بضمان يسار المحال عليه لأن الحوالة تمت نتيجة اتفاق بين الدائن والمحال عليه دون موافقة المدين الأصلي، ولذلك يتحمل الدائن وحده تبعة إعسار المدين الجديد. (شفيق طعمة وأديب استانبولي: مرجع سابق، ص2776).

(3) علاقة المدين الأصلي بالمحال عليه: يرجع في شأن هذه العلاقة إلى سبب قبول الأخير الحوالة، فإذا لم يكن سببها نية التبرع إلى المدين الأصلي؛ كان للمحال عليه الرجوع على المدين الأصلي بقيمة ما يوفيه للدائن على أساس الإثراء بلا سبب؛ لأنّ الحوالة لم تتم بتدخل المدين. (جلال علي العدوي: أصول أحكام الالتزام والإثبات، مرجع سابق، ص190).

يستخلص مما تقدم أن المشرع السوري قد نظّم موضوع انتقال الالتزام نتيجة تبنيه للمذهب المادي في الالتزام الذي يركز على عنصر الأداء المالي في الالتزام بشكل مستقل عن أطراف الالتزام، وبالتالي يمكن انتقال الالتزام بإرادة أحد أطرافه إيجاباً أو سلباً من شخص إلى آخر عن طريق الحوالة. فإذا كان هذا الطرف هو الدائن سميت حوالة حق، وإذا كان هو المدين سميت حوالة دين.

وتتفق حوالة الحق مع حوالة الدين بأن كلاً منهما تنعقدان باتفاق ثنائي، ولا يصبح المدين أو الدائن طرفاً في عقد الحوالة  ولو تم قبول المدين  أو تبليغه بحوالة الحق أو تم إقرار الدائن لحوالة الدين، وبالتالي لا تنقلب هذه الحوالة من اتفاق ثنائي إلى ثلاثي.

ولكن تختلف حوالة الحق عن حوالة الدين بأنّ حوالة الحق تصبح نافذة بحق المدين بمجرد قبولها من هذا المدين أو بتبليغها له من المحال أو من المحال إليه، ولا يشترط أن يكون قبول المدين ثابت التاريخ إلا في حال الاحتجاج بهذه الحوالة ضد الغير. أما في حوالة الدين التي تتم باتفاق المدين الأصلي مع المدين الجديد فلا يكفي مجرد القبول أو التبليغ، بل لابد من إقرارها من قبل الدائن، وهذا على خلاف الحوالة التي تتم مباشرة نتيجة اتفاق الدائن مع المحال عليه، فلا تحتاج لأي إقرار من قبل الدائن ولا حتى لقبول من المدين استناداً إلى القاعدة التي تجيز الوفاء من الأجنبي دون رضاء المدين.

مراجع للاستزادة:

- أحمد عبد الدائم، شرح القانون المدني، النظرية العامة للالتزام، ج2، أحكام الالتزام (مديرية الكتب والمطبوعات الجامعية، 2003).

- أحمد عبد الدائم، النظرية العامة للالتزام، ج2، أحكام الالتزام (منشورات جامعة حلب، مركز التعليم المفتوح، الدراسات القانونية العملية، مديرية الكتب والمطبوعات الجامعية، 2006).

- أنور سلطان، النظرية العامة للالتزام، أحكام الالتزام (الإسكندرية 1997).

- جلال علي العدوي، أصول أحكام الالتزام والإثبات (منشأة المعارف، الإسكندرية 1996).

- جلال علي العدوي، أحكام الالتزام، دراسة مقارنة في القانونين المصري واللبناني (الدار الجامعية، 1985).

- جميل الشرقاوي، النظرية العامة للالتزام، الكتاب الثاني، أحكام الالتزام (دار النهضة العربية، القاهرة 1995).

- رمضان أبو السعود، أحكام الالتزام (دار المطبوعات ش، الإسكندرية 1998).

- سليمان مرقس، موجز أصول الالتزامات (مطبعة لجنة البيان العربي، القاهرة 1961).

- شفيق طعمة وأديب استانبولي، التقنين المدني السوري، الجزء الثاني (الطبعة الثانية، المكتبة القانونية، دمشق 1992).

- عادل حسن علي، الإثبات- أحكام الالتزام (مكتبة زهراء الشرق، 7991).

- عبد الرزاق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني الجديد (2)، نظرية الالتزام بوجه عام، المجلد الثاني (دار النهضة العربية، القاهرة، ج3).

- مصطفى الجمّال، أحكام الالتزام (الدار الجامعية، 1987).

- منذر الفضل، النظرية العامة للالتزامات في القانون المدني، دراسة مقارنة بين الفقه الإسلامي والقوانين المدنية الوضعية، أحكام الالتزام (مكتبة دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمّان 1992).

المصدر: http://arab-ency.com