10.11.2017

الاطار التطبيقي للشروط الاتفاقية بين الزوجين ذ. عبد اللطيف الأنصاري

الاطار التطبيقي للشروط الاتفاقية بين الزوجين ذ. عبد اللطيف الأنصاري











الاطار التطبيقي للشروط الاتفاقية بين الزوجين
ذ. عبد اللطيف الأنصاري
قاضي بالمحكمة الابتدائية بالرشيدية



تقديم: المقتضى القانوني المنظم
المبحث الاول: تنفيذ الشروط الاتفاقية بين الزوجين
المطلب الأول: تفسير الشروط الاتفاقية
1 - حالة الشرط المحتمل
2 - حالة الشروط المعتمدة المعطوف بعضها على بعض بالواو.
المطلب الثاني: الاخلال بتنفيذ الشروط الاتفاقية بين الزوجين.
1 - حالة التنصيص على الجزاء المترتب عن الاخلال بالشروط.
2 - حالة عدم تحديد جزاء عن الاخلال بالشروط
المبحث الثاني: تعديل الشروط الاتفاقية والاعفاء منها والتنازل عنها.
المطلب الاول: تعديل الشروط الاتفاقية والاعفاء منها.
1 - مبررات تعديل الشروط الاتفاقية والاعفاء منها.
2 - سلطة القضاء في تعديل الشروط الاتفاقية والاعفاء منها.
المطلب الثاني: التنازل عن الشروط الاتفاقية.
1 - طريقة التعبير عن التنازل وتوقيعه.
2 - من له الحق في التنازل عن الشروط الاتفاقية.
المبحث الثالث: التطبيقات المالية للشروط الاتفاقية بين الزوجين
المطلب الاول: الشروط الاتفاقية والأموال المكتسبة اثناء قيام الزوجية
1 - حالة الاتفاق على كيفية استثمار الاموال المكتسبة اثناء قيام الزوجية
2 - حالة عدم النص في الاتفاق على كيفية توزيع الاموال المكتسبة اثناء قيام الزوجية.
المطلب الثاني: الشروط الاتفاقية وقضايا النفقة
1 - الشروط الموضوعة لفائدة الزوجة
2 - الشروط الموضوعة لفائدة الزوج.
خاتمة: مدى الفعالية والنجاعة للشروط الاتفاقية في تثبيت أواصر العلاقة الزوجية.

مقدمة:
نقصد بالشروط الاتفاقية بين الزوجين، مجموعة الشروط التي يتفق عليها الزوجان ويتراضيان عليها في موضوع او مواضيع ذات صلة بعلاقتها الزوجية.
ويستعمل الفقهاء للتعبير عن هذا المعنى مصطلحات متعددة، وتعابير مختلفة، منها الشروط الارادية او الجعلية، والشروط المقيدة، والشروط المقارنة، والالتزامات...
غير ان النظر المتأني في تلك المصطلحات والتعابير، يفضي الى ان الاختلاف بينهما انما ينصرف اساسا الى زاوية النظر التي ينظر من خلالها الى هذه الشروط لا الى احكامها واثارها فمن وصفها من جهة مصدرها سماها الشروط الجعلية او الارادية، أي ان اساس انشائها جعل الزوجين وارادتهما.
ومن وصفها من جهة اقتران عقد الزواج بها وزمن ذلك الاقتران، اطلق عليها الشروط المقارنة، واطلق على العقد الواردة فيه العقد المقترن بالشرط.
اما من وصفها من جهة انها تقيد حرية احد الزوجين، وتحمله بعض الالتزامات الاضافية التي ما كان له ان يتحملها بمقتضى التنظيم الفقهي والقانوني لعقد الزواج، فسماها بالشروط المقيدة او الالتزامات.
وهذه الشروط، اما ان تأتي في صورة اتفاق بين الزوجين، واما في صورة شرط يشترطه احدهما ويوافق عليه الاخر.
وقد تأخذ احيانا اخرى صورة الالتزام من قبل احد الزوجين مشروط بشرط ما، فيرضى به الزوج الاخر، وهي في كل تلك الصور اما ان تبدأ اتفاقية، واما ان تبدأ بارادة واحدة لاحد الزوجين، وتقبلها ارادة الزوج الاخر، فتصير بذلك اتفاقية.
وايا كانت تسمية هذه الشروط والصورة التي اتخذتها، فان هدفها يبقى واحدا وهو العمل على اعطاء ارادة الزوجين مجالا اوسع للتدخل في تنظيم اثار عقد الزواج بتقييدها او الزيادة فيها او الانقاص منها بالشكل الذي يكفل لحياتهما الزوجية ان تقام على اسس التشاور والاتفاق والتراضي في المواضيع الحساسة المتعلقة بها، ويدرأ عنها كل ما من شانه ان يعصف بها ويعكر صفوها.
على ان هذا القول، لا يعني بأي حال أن تتاح الفرصة لتلك الارادة الزوجية، للتدخل في احكام عقد الزواج، فتسقط منها ما تشاء وتبقى ما تشاء، وتنقص ما تشاء وتزيد ما تشاء ذلك أن هناك أحكاما هي من قبيل أركان وثوابت عقد الزواج فقها وقانونا، ولا يجوز ان تعطل او توقف او يزاد فيها او ينقص.
وإذا كان التنظيم التشريعي لمؤسسة الشروط الاتفاقية بين الزوجين في إطار مدونة الأحوال الشخصية السالفة والتعديلات المدخلة عليها، قد ظل خافتا، واقتصر على إيراد بعض المقتضيات الشاردة هنا وهناك، فإن مما تميزت به مدونة الاسرة الحالية، أنها نظمت أحكام هذه المؤسسة بشكل أكثر وضوحا، فأفردت لها ثلاثة مواد مستقلة تحت عنوان الشروط الإرادية لعقد الزواج وأثارها، وهي المواد 47 و48 و49 بالإضافة إلى مقتضيات أخرى موزعة بين مواد أخرى كما هو الحال في المواد 40 و98 و99 من المدونة وغيرها من المواد، فالمادة 40 جعلت من شرط الزوجة على زوجها عدم التزوج عليها مانعا من موانع التعدد والمادة 98 جعلت من إخلال الزوج بشرط من شروط عقد الزواج سببا من أسباب طلب التطليق من طرف الزوجة وهو ما أكدته المادة 99 من المدونة.
وإذا كان الذي سبق هو الإطار للتنظيم التشريعي للشروط الاتفاقية بين الزوجين، فان الفقه الإسلامي بشتى مذاهبه قد عالج بشكل اكبر وأوضح أحكام هذه المؤسسة وأثارها وما يجوز منها وما لا يجوز...
ولئن كان هذا الفقه، - خاصة القديم منه – لم يهتم كثيرا بالصياغة النظرية لهذه المؤسسة وما يتعلق بها، فان في مسائله العملية ونوازله التطبيقية ما يوحي بان إعلامه كانوا ينطلقون للإفتاء في موضوع الشروط من رؤية واضحة وتصور جلي، ولا يخرج هذا الأمر اختلافهم في الكثير من تلك الأحكام، طالما إن هذا الاختلاف إنما هو راجع أساسا إلى الأصول والأدلة المعتمدة عند كل مذهب أو فقيه، وطبيعة القواعد المستخدمة في استنباط الأحكام وطرائق إعمالها، وهذا أمر عام ومعروف عندهم بخصوص هذا الموضوع وغيره.
وقد حاول الفقه الحديث الارتقاء كثيرا بتنظيم تلك الأحكام، وصياغتها في إطار نظري محكم إلا انه رغم ذلك اغفل عدة جوانب منها، خاصة تلك المتعلقة بتنفيذ هذه الشروط، وما يعرض له من صعوبات تتصل أساسا بتفسيرها والإعفاء منها وتعديلها والتنازل عنها عندما يحدق ما يوجب ذلك ويبرره.
وقد أحسنت مدونة الأسرة عندما نظمت هذه الأحكام، وحسمت الكثير من الإشكالات التي يمكن أن تثار بشأنها، كما أحسنت أيضا عندما وضعت حدا للاختلاف الذي كان معلوما عند الفقهاء بخصوص مدى حرية الزوجين في الشروط، ومدى لزومها ووجوب الوفاء بها، وما يجوز منها وما لا يجوز، واضعة لكل ذلك قواعد عامة وضوابط أساسية وتاركة للقضاء مجالا واسعا للتدخل والتقدير في هذا الباب.
وفي نهاية هذه المقدمة بعدما تمت الإشارة في صدرها إلى مفهوم الشروط الاتفاقية بقي أن نشير إلى أن المقصود بالإطار التطبيقي لهذه الشروط هو مجموعة الأحكام المتعلقة بهذه الشروط عندما يصبح لها وجود وتصير واقعا بين الزوجين، سواء اتخذت شكلا شفويا أو كتابيا بأدراجها في عقد الزواج أ وفي عقد مستقل عنه، ولذلك فإننا سنحاول قدر الإمكان التطرق لمجمل ما يخل في هذا الإطار من قوة ملزمة للشروط الاتفاقية وتنفيذ لها، وتفسير لها أو إخلال بها، أو تعديل أو إعفاء منها أو تنازل عنها، لنختم هذه المحاولة بالإشارة إلى بعض تطبيقاتها العملية في المجال المالي مفردين بالدرس مجالي النفقة والأموال المكتسبة أثناء قيام الزوجية.
المبحث الأول: القوة الملزمة للشروط الاتفاقية وتنفيذها:
المطلب الأول: القوة الملزمة للشروط الاتفاقية:
أن الرأي الراجح فقها بخصوص مبدأ الاشتراط في الزواج هو ذلك الرأي القائل بان الأصل فيه هو الإباحة والإطلاق ولا يخرج عن هذا الأصل إلا ما استثني بدليل، والذي يتناسب مع هذه الخلاصة وينبغي أن يترتب عن تلك المقدمة فقها وقانونا فيما يتعلق بمسألة الوفاء بالشروط الاتفاقية هو جعل هذه الأخيرة ملزمة لمن التزم بها ويجب عليه الوفاء بها مبدئيا.
وإذا كانت مدونة الأسرة المغربية ومعها القضاء قد كرسا مبدأ إلزامية الشروط الإرادية لمن التزم بها من الزوجين كأصل وقاعدة (الفقرة الثانية)، فان للفقهاء مواقف متباينة وأراء مختلفة بخصوص هذه المسالة ( الفقرة الأولى).
الفقرة الأولى: الموقف الفقهي من الوفاء بالشروط الاتفاقية:
حكى ابن رشد في البداية اختلاف الفقهاء بشأن الوفاء بالشروط الاتفاقية الصحيحة المقترنة بعقد الزواج قائلا: وإنما اختلف العلماء في لزوم الشروط التي هي بهذه الصفة أولا لزومها..."(1). وقوله هذا يفيد أن للفقهاء رأيين في هذه المسألة، رأي يحمل الشروط الاتفاقية على اللزوم (أولا)، وآخر يحملها على عدم اللزوم (ثانيا).
أولا: الرأي القائل بعدم لزوم الشروط الاتفاقية:
وقد قال بهذا الرأي الإمام مالك رحمه الله ويعض تلامذة مذهبه، ولعل السبب في ذلك هو كون العقد على الشرط عند الإمام مالك مكروه، وقد أورد ميارة الفاسي في شرحه على تحفة الحكام ما يفيد ذلك فقال: "وقال مالك: لقد أشرت على القاضي أن ينهى الناس عن ذلك، وليس بلازم. وقوله: "أن ينهى الناس عن ذلك" أي عن التزويج على الشرط، ولا يلزم الوفاء... وفي الوثائق المجموعة: وكره مالك الشروط، وقال: لا رأى لأحد أن يكتب شهادته في كتاب فيه الشروط..."(2).
فلما كانت الشروط عند هؤلاء مكروهة أصلا، فقد جعلوها غير لازمة، بناء على أن الذي يتناسب مع حكم الكراهة هو عدم اللزوم، وحتى أن بدا للملتزم أن يفي بما التزم به من شرط فان هذا الوفاء عندهم ليس إلا على وجه الانسحاب لا اللزوم(3).
والمهدي الوزاني في المعيار الجديد فتوى تترجم بوضوح ما ذهب إليه هذا الرأي، ونصها:"وسئلت عمن شرطت عليه زوجته السكنى بها بدار أخيها فسكن بها مدة ثم تضرر من تلك السكنى وأراد الخروج منها فامتنعت الزوجة من ذلك، هل لها ذلك أم لا؟".
فأجبت، الحمد لله، شرط السكنى المذكور غير لازم له، وله أن يخرجها من تلك الدار ولو لم يكن عليه في السكن ضرر، فأحرى معه..."(4).
على إن لأصحاب هذا الرأي – مالك ومن قال قوله- استثناءا من قاعدة عدم لزوم الشروط ويتمثل في الحالة التي يعلق فيها الشرط بطلاق أو يمين، فيكون حينها لازما، لان هذين الأمرين مما لا يجوز للمسلم أن يستهين بهما وامرهما محمول دوما على الجد فيلزمان لذلك ويجب الوفاء بهما، وفي هذا الخصوص يقول المهدي الوزاني في المعيار الجديد:" إن الشرط في النكاح إذا لم يكن معلقا بالطلاق أو التمليك كشرط السكنى... لا يلزم وإنما يستحب الوفاء به فقط..."(5).
وتجدر الإشارة إلى انه إذا كان لمبدأ كراهة الشروط ابتداء عند الإمام مالك ومن شايعه في ذلك أثره الكبير في القول بعدم لزومها كقاعدة، فان هذا المبدأ لا يستند إلى دليل شرعي قوي، بل ويخالف قاعدة الأصل في الأشياء الإباحة، وما كان مباحا كان صحيحا، وما كان صحيحا لزم ونفذ.
وممن تبنى هذا الرأي حديثا، إلى الأستاذ محمد أبو زهرة، الذي علل على موقفه بكون الالتزام بالشروط يؤدي إلى العبث بالحياة الزوجية، ويتنافى مع قدسية عقد الزواج(6).
ثانيا: الرأي القائل بلزوم الشروط الاتفاقية:
أورد صاحب الشرح الكبير أن القول بلزوم الشروط الصحيحة مجمع عليه بين كثير من فقهاء الصحابة، ولم يعرف لهم مخالف في عصرهم(7). وقد أشار ابن رشد في "البداية والنهاية" إلا أن هناك من قال بكون هذا الرأي مرويا عن علي رضي الله عنه، وهناك من قال بأنه مروي عن عمر رضي الله عنه(8).
وبغض النظر عمن قال بهذا الرأي، فان التأمل في الأدلة والآثار التي يستند عليها تجعله مرجحا على الرأي السابق القائل بعدم لزوم الشروط.
وفي مقدمة تلك الأدلة، قول الرسول (ص) " أحق الشروط أن توفوا بها ما استحللتم به الفروج"(9) إضافة إلى الأثر الوارد عن عمر رضي الله عنه ونصه أن ".. عبد الرحمن بن غنم قال: كنت جالسا عند عمر تمس ركبتي ركبته، فقال رجل لأمير المؤمنين تزوجت هذه، وشرطت لها دارها، واني اجمع لأمري أو شأني أن انتقل إلى ارض كذا وكذا فقال: لها شرطها، فقال رجل : هلكت الرجال إذا لا تشاء امرأة إن تطلق زوجها إلا طلقت ؟ فقال عمر: المسلمون على شرطهم عند مقاطع حقوقهم(10).
ويعتبر ابن تيمية رحمه الله من ابرز من تبنوا هذا الموقف مؤسسا حكم لزوم الشروط على الدليلين السالفي الذكر (الحديث والأثر الوارد عن عمر)، وقد أفتى بناء على ذلك عدة فتاوى نذكر منها الفتوى آلاتية " في رجل تزوج بامرأة وشرطت عليه أن لا يتزوج عليها ولا ينقلها من منزلها وان تكون عند أمها فدخل على ذلك، فهل يلزمه الوفاء...
الجواب: نعم تصح هذه الشروط وما في معناها في مذهب الإمام احمد وغيره من الصحابة والتابعين كعمر بن الخطاب وعمرو بن العاص... ومذهب مالك إذا شرط لها إذا تزوج عليها أو تسرى أن يكون أمرها بيدها... صح هذا الشرط أيضا وملكت به الفرقة، وهو في المعنى نحو مذهب احمد وذلك لما خرجاه في الصحيحين عن النبي (ص) انه قال: "إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج"، وقال عمر ابن الخطاب رضي الله عنه: "مقاطع الحقوق عند الشروط" فجعل النبي (ص) ما تستحل به الفروج التي هي الشروط أحق بالوفاء من غيرها... (11).
وممن سار على نهج بن تيمية من المحدثين، الأستاذ مصطفى العدوى قائلا: "والذي تطمئن إليه النفس هو الرأي الأول القائل بان شرط الزوجة يمضي لها، ويلتزم به من اشترط عليه ذلك لحديث، "إن أحق الشروط بالوفاء ما استحللتم به الفروج" ولان أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه قال: مقاطع الحقوق عند الشروط "، ولان من عاهد شخصا على أن يوفي له بشرطه لزمه الوفاء، فمن علامات المنافق انه إذا عاهد غدر، وقد قال الله عز وجل: "يا أيها الذين امنوا أوفوا بالعقود" وقال سبحانه: "والموفون بعهدهم إذا عاهدوا" فهو من أنواع العقود والعهود التي يوفي بها مادام قد اخذ على نفسه ذلك(12).
وما يلفت الانتباه بهذا الخصوص، هو أن الكثير من متأخري المالكية، قد قالوا - على خلاف امامهم مالك رحمه الله- بلزوم الشروط الاتفاقية، وأفتوا في ذلك عدة فتاوى نذكر منها واحدة أوردها الوزاني في النوازل الصغرى، ونصها:
"وسئل ابو زيد الحائك عمن التزمت نفقة نفسها وولديها وحمل ان ظهر بها ان سامحها في الوطء الا برضاها فقبل منها ذلك.
فأجاب: ان هذا الالتزام لازم لها: إما على ولديها فإن من التزم الانفاق على غيره لزمه مالم يفلس او يمت كما في التزامات الحطاب، مستدلا بما لابن رشد من ان المعروف على مذهب مالك واصحابه لازم لمن اوجبه على نفسه مالم يمت او يفلس.
واما على نفسها ففي الالتزامات ايضا ان المرأة: اذا أسقطت عن زوجها نفقة المستقبل لزمها على القول الراجح" (13).

خلاصة:
إن الذي ينبغي التأكيد عليه في نهاية هذا الفصل: هو مسالة الوفاء بالشروط الاتفاقية مسالة اجتهادية في الغالب، والحكم فيها متوقف على النظر في الادلة المتوفرة دون اغفال للواقع واحوال الناس فيه، وما استجد لهم من اقضية.
وغير خاف ما لهذا الامر من اهمية بالغة في القول بلزوم الشروط الصحيحة ووجوب الوفاء بها استنادا اولا الى الادلة القرآنية والحديثية الواردة في موضوع الوفاء بالعهود سواء تلك الادلة الامرة به او الزاجرة عن نقضه والاخلال به، واستنادا ثانيا الى ان الاشتراط بين الزوجين يمكن ان يلجأ اليه لحل الكثير من المشاكل وخاصة المالية التي قد يفرزها التطور الطبيعي للاسرة ودور الزوجين فيها داخل المجتمعات المعاصرة.
الفقرة الثانية: موقف القانون والقضاء من القوة الملزمة للشروط
                          الاتفاقية:
سنعمل على معالجة هذه الفقرة في نقطتين نتطرق في الاولى منهما الى موقف القانون من المسالة قيد الدرس، مركزين فيه على مقتضيات مدونة الاسرة المغربية، مع الاشارة بين حين واخر الى موقف بعض القوانين العربية للاحوال الشخصية بما فيها مدونة الاحوال الشخصية المغربية السابقة، ونتطرق في النقطة الثانية من هذه الفقرة لموقف القضاء المغربي اساسا من خلال الاشارة الى بعض القرارات المجلسية ذات الصلة بالموضوع.
أولا: موقف القانون من القوة الملزمة للشروط الاتفاقية :
القاعدة(14) في مدونة الاسرة المغربية ان "الشروط كلها ملزمة:(15) وانها متى تضمنت فائدة مشروعة لمشترطها كانت صحيحة و"ملزمة لمن التزم بها من الزوجين"(16).
وبهذا الإلزام المبدئي للشروط الاتفاقية، تكون مدونة الأسرة قد وضعت حدا للنقاش الفقهي(17) الذي كان مثارا حول المقتضيات التي نظمت مؤسسة الشروط الاتفاقية في اطار مدونة الاحوال الشخصية القديمة، وخصوصا الفصل 38 منها(18)، الذي اقتصر فقط على الاشارة الى انه يجوز للمرأة ان تشترط على زوجها شروطا لا تتنافى مع مقاصد العقد، ومثل لهذه الشروط، باشتراط الاشتغال في المصالح العامة، دونما بيان لمدى الزام هذا الشرط او عدم الزامه لمن التزم به والجزاء المملك فرضه عليه حالة التحلل منه وعدم تنفيذه.
ولعل هذا الفراغ التشريعي الذي كان ملحوظا في مدونة الاحوال الشخصية هو الذي حدا ببعض الفقه الى تأسيس القوة الملزمة للشروط الاتفاقية بين الزوجين على القواعد العامة التي تنظم الالزام والالتزام في اطار قانون الالتزامات والعقود وخاصة الفصل 230 منه الذي ينص على ان "الالتزامات التعاقدية المنشأة على وجه صحيح تقوم مقام القانون بالنسبة الى منشئيها، ولا يجوز الغاؤها الا برضاهما معا او في الحالات المنصوص عليها في القانون".
واذا كانت مدونة الاسرة المغربية كما سبقت الاشارة صريحة في ان القاعدة في الشروط الارادية هي الالزام، فانها صريحة ايضا في انه يستثنى من تلك القاعدة(19).
- الشروط المخالفة لاحكام عقد الزواج والمنافية لمقاصده.
- الشروط التي تخالف القواعد الامرة للقانون.
وبذلك يتبين ان الضابط في الزامية الشروط الاتفاقية بين الزوجين وفقا لاحكام مدونة الاسرة هو مشروعيتها وعدم مخالفتها لاحكام ومقاصد الزواج وقواعد القانون الامرة، والا اعتبرت باطلة وغير ملزمة لمن التزم بها، لان احكام العقد وقواعد القانون الامرة اولى بالحماية في مثل هذه الحالات.
وتجدر الاشارة في نهاية هذا المطلب الى ان هناك من القوانين العربية للاحوال الشخصية من تطرقت بوضوح لمسألة الزامية او عدم الزامية الشروط الاتفاقية بين الزوجين: فالمادة 19 من قانون الاحوال الشخصيـة الاردني(20)، نصت على انه "اذا اشترط في العقد شرط نافع لاحد الطرفين، ولم يكن منافيا لمقاصد الزواج، ولم يلتزم به بما هو محضور شرعا وسجل في وثيقة العقد، وجبت مراعاته. "اما قانون الاحوال الشخصية السوري فقد ميزت المادة 14 منه بين شروط صحيحة يكون الوفاء بها واجبا، وشرط صحيحة لا يلزم الزوج تنفيذها.(21)
ثانيا: موقف القضاء من القوة الملزمة للشروط الاتفاقية:
ان النظر في بعض القرارات الصادرة عن القضاء المغربي بشقيه الشرعي والعصري، يفضي الى القول بان الموقف الذي يتبناه هو الحكم بلزوم الشروط الاتفاقية للزوج الملتزم بها كلما كانت صحيحة وغير مخالفة لمقاصد عقد الزواج واحكامه.
وللدلالة على ذلك نشير الى الحكم الشرعي الصادر عن قاضي شفشاون الحسن بن الحاج محمد العمارتي، والذي جعل الشرط المشترط من قبل الزوج في رسم الصداق والمتمثل في العذرية لازما للزوجة، ورتب على تخلفه رد الزوجة بناء على العيب، ومما جاء في هذا الحكم ان: اشتراط عذراء في رسم الصداق كاف اتفاقا في وجوب رد الزوج لزوجته التي لم يجدها بكرا..."(22).
وفي نفس الاتجاه، فإن قرار المجلس الاعلى رقم 296 بتاريخ 19/05/81 في الملف الشرعي رقم 83705 جعل الشرط المتعلق بجعل الزوج امر زوجته بيدها لازما له، وعلى هذا الاساس قضى في نازلة جعل فيها زوج امر زوجته بيدها متى شاءت دون قيد ولا شرط" بصحة الطلاق الصادر عن الطاعنة من نفسها طلاقا بائنا اخذا بشرطها..."(23).
على ان المجلس الاعلى قد خرج في احد قراراته(24) عن قاعدة لزوم الشروط الاتفاقية للزوج الملتزم بها، فجعل شرط تأخير الدخول الى حين اكمال الزوجة دراستها شرطا غير لازم للزوج بناء على انه باطل.
وبالنسبة للقضاء المقارن فنكتفي بالاشارة الى قرارين صادرين عن محكمة الاستئناف الشرعية بالاردن، واللذين طبقا بصورة واضحة قاعدة لزوم الشروط الاتفاقية المنصوص عليها في قانون الاحوال الشخصية الاردني، وهذان القراران هما(25):
- القرار رقم 16508، وجاء فيه "اذا اشترطت الزوجة ان لها ان تطلق نفسها متى شاءت، صح الشرط، فاذا استعملت هذا الشرط لدى المحكمة في دعوى فسخ عقد للشرط وطلبت تطليقها حكمت المحكمة بالطلاق".
- القرار رقم 19241، وجاء فيه:" انه في حال اشتراط الزوجة تطليق نفسها متى شاءت اذا شرب الزوج الخمر، ثم ادعت انه شرب الخمر وانها تطلق نفسها منه، واقر الزوج بجميع الدعوى، فاوقعت المحكمة طلقة واحدة رجعية وصدقته الاستئناف".
المطلب الثاني: تنفيذ الشروط الاتفاقية بين الزوجين:
ان الاخذ بمبدأ وجوب الوفاء بالشروط الاتفاقية، يقتضي من الملتزم بها ان يسعى الى تنفيذها تلقائيا وبحسن نية، امتثالا منه للنصوص الشرعية والقانونية الموجبة لذلك والتي سبق عرضها في محلها.
على ان مسألة التنفيذ، قد لا تتخذ دائما طريقها العادي والطبيعي، اذ قد يحدث احيانا ما يؤدي الى النزاع حولها، خاصة اذا كان الشرط في حاجة الى تفسير (الفقرة الاولى)، واكثر من ذلك فقد يعمد الملتزم الى التخلص من الشرط الذي التزم به، فنكون بصدد الاخلال بالشروط الاتفاقية (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: تفسير الشروط الاتفاقية:
تعتبر مسالة تفسير الشروط الاتفاقية من أهم الاشكالات التي تطرح على الزوجين بصدد تنفيذهما لتلك الشروط، فقد يحدث ان يقع نزاع حول مضمون شرط او شروط تضمنها عقد الزواج فيحتاج الأمر حينها إلى تدخل القاضي لتفسير تلك الشروط.
وما دامت مدونة الاسرة لم تحدد اية قواعد لتفسير الشروط المتنازع حول مضمونها، فإن على القاضي وإعمالا لمقتضيات المادة 400 منها، أن يرجع الى ضوابط تفسير الشروط عامة والشروط المقترنة بعقد الزواج خاصة، والمنصوص عليها في كتب الفقه المالكي.
وبالرجوع الى بعض تلك الكتب نجد انها عرضت لمجموعة من الحالات التي يلزم فيها تفسير الشرط وتحديد مضمونه، ووضعت مجموعة من الضوابط المساعدة لحلها.
ومن اهم تلك الحالات، نجد حالة الشرط المحتمل، وحالة الشروط المتعددة المعطوف بعضها على بعض.
أولا: حالة الشرط المحتمل:
نقصد بالشرط المحتمل الشرط الذي يحتمل اكثر من معنى واحد، فيتمسك زوج بانه قصد منه كذا وكذا، ويتمسك الاخر بانه قصد به غير ذلك، كأن يشترط الزوج مثلا على زوجته كونها بكرا، وتقر بذلك، وعند الدخول يتبين له انها ليست عذراء وان غشاء بكارتها زائل، فيقع النزاع حول الشرط ومعناه، فيدعي الزوج ان معنى البكر هو العذراء التي لازالت بخاتم ربها، وتدعي الزوجة ان معنى البكر هو التي لم يسبق لها الزواج.
فشرط كونها بكرا هنا احتمل معنيين، معنى انها عذراء، ومعنى انه لم يسبق لها ان تزوجت ولو لم تكن عذراء، اذ قد يقع ان تزول عذريتها بسبب غير الزواج كالقفزة والحيضة وغيرهما(26).
ورفع احتمال هذا الشرط وتحديد مضمونه متوقف على عرف الناس في ذلك، فاذا كان العرف ان البكر هي العذراء صدق الزوج وله شرطه، واذا كان العرف ان البكر انما هي التي لم يبسق لها الزواج ولو زالت عذريتها بحيضة او قفزة، فالقول قولها ولا شرط للزوج(27)، وبهذا حكم قاضي الشرع بشفشاون الفقيه الحسن العمارتي ايام ولايته، معتبرا في ذلك عرف البلد فقال: "يعتبر عرف البلد، فاذا كان عرف البلد بان البكر هي العذراء كالطفلة والبنت يجب الرد بعدم البكارة..."(28).
ثانيا: الشروط المتعددة المعطوف بعضها على بعض بالواو.
فقد يحدث ان يتضمن عقد الزواج شروطا عديدة لا شرطا واحدا، كأن يجعل الزوج طلاق زوجته بيدها ان تزوج عليها وسافر بها ومنعها من زيارة أهلها واسكن معها غيرها، ون ان يصرح بما اذا كان الطلاق متوقفا على تحقق شرط وحد فقط كالتزوج عليها او متوقفا على تحقق كل تلك الشروط.
ان المدار في حل هذا الاشكال كله على العرف والقرائن(29)، فاذا كان عرف البلد ان الطلاق يقع بمجرد تحقق شرط واحد من تلك الشروط فذاك، وإلا اعتبر تحقق الشروط كلها للقول بالطلاق.
كما ان من شهدت له قرينة من القرائن صح ادعاؤه واخذ به على من لم تشهد له أية قرينة.
يتضح مما سبق عرضه، ان لأعراف الناس دورا بالغا في تفسير ما احتمل وغمض من شروطهم، الشيء الذي يفرض على القاضي ان يكون عارفا قدر الامكان بتلك الأعراف للرجوع إليها عند الاقتضاء.
الفقرة الثانية: الاخلال بتنفيذ الشروط الاتفاقية.
يتخذ الإخلال بتنفيذ الشروط بين الزوجين، إما صورة إخلال كلي بهذه الشروط واما صورة اخلال جزئي، واما صورة تأخير في التنفيذ إذا ما حدد للشروط أجل معين.
واذا كانت أسباب تعديل الشروط او الإعفاء منها، هي أسباب موضوعية لا دخل للملتزم بالشرط فيها، كما سنبينه في موضعه، فان اسباب الإخلال على العكس من ذلك راجعة بالأساس الى فعل الملتزم بالشرط، فاما ان يعمد الى الإخلال بالشرط كليا أو جزئيا رغم امكان تنفيذه والالتزام به، واما ان يعمد الى افتعال ما يؤدي الى تعذر التنفيذ، وفي كلا الحالتين فانه يعتبر مخلا بالتنفيذ ما دامت النتيجة واحدة، وهي حرمان المشترط لفائدته من الفائدة التي توخاها من الشرط.
ولتفادي الإخلال بالشروط الاتفاقية وضمان تنفيذها، فان الزوجين قد يقرنان هذه الشروط بالجزاء المترتب عن الإخلال بها وعدم تنفيذها (أولا) وقد يقتصران فقط على ذكر الشرط دون تحديد أي جزاء عن الإخلال به (ثانيا).
أولا: حالة التنصيص على الجزاء المترتب عن الاخلال بالشروط.
بالرغم من ان الشروط الاتفاقية قد يتم التنصيص فيها على الجزاء الواجب تطبيقه حالة الاخلال بها، فان هذا التنصيص لا يعني اعمال من قرر الجزاء لفائدته لهذا الجزاء دون مراجعة القضاء، وهننا يثور التساؤل حول صلاحية القضاء في اجبار الملتزم بالشرط على التنفيذ العيني له او فرض جزاءات أخنرى عليه في حالة تعذر هذا التنفيذ.
ان حماية ارادة المشترط لفائدته، وتحقيق مصلحته من الشروط الاتفاقية تقتضي من القضاء ان يعمد الى فرض التنفيذ العيني للشروط فيمنع الزوج من اخراج الزوجة من بلدها قسرا ما دام قد التزم بعدم اخراجها، كما يرغم على اداء النفقة التي التزم بها لأولادها من زوج آخر(30) وترغم الزوجة على المساهمة مع زوجها في النفقة التي التزمت بها تجاهه مقابل السماح لها بالخروج للعمل.
وتجدر الاشارة بهذا الخصوص الى مسألتين أساسيتين، تتمثل الأولى في الحالة التي يتم فيها تمليك الزوجة الطلاق كجزاء عن الاخلال بالشرط، وتتمثل الثانية في الحالة التي يتم تحديد مبلغ مالي كجزاء عن الاخلال في اطار ما يسمى بالشرط الجزائي.
أ – التمليك كجزاء عن الاخلال بالشرط.
ان اخلال الزوج بالشرط يعتبر بصريح المادة 99 من المدونة ضررا مبررا لطلب الزوجة التطليق.
لكن ما حدود صلاحية القضاء في الاستجابة لطلب التطليق هذا او رفضه في حالة التمليك هذه.
قد يقول البعض بان الذي يفهم من المادة 99 السالفة الذكر، هو انه ليس للزوجة الا رفع امرها الى القضاء حالة الإخلال بالشرط ليحكم بالتطليق او يرفضه في اطار سلطته التقديرية.
غير ان بعض الفقهاء يرون عن حق ان المحكمة في مثل هذه الحالة لا تبقى لها السلطة التقديرية في الاستجابة للطلب او رفضه، وانما تكون ملزمة بالحكم بالتطليق وفقا لرغبة المرأة، لأنه حق من حقوقها ملكته بالشرط الذي التزم به الزوج(31).
وقد علل الأستاذ الخمليشي نفاذ التطليق الذي علق على الإخلال بالشرط لكونه تمليك معلق، والتمليك المعلق يعتبر نافذا في أغلبية المذاهب الفقهية ومنها المذهب المالكي(32).
وعليه فان سلطة المحكمة هنا تنصرف اساسا الى التحقق من وقوع الاخلال بالشرط، وكلما ثبت لها هذا الاخلال الذي علق عليه التمليك وجب ان تحكم به والعكس صحيح.
ب – ادراج الشرط الجزائي كتعويض مالي عن الاخلال بالتنفيذ.
ذهب بعض الباحثين الى أنه: "لضمان الوفاء بالتعهدات والشروط في عقد الزواج وزيادة في الاطمئنان فلا مانع من تضمين جزاءات لحث الطرف الآخر على الوفاء ومن هذه الجزاءات الشرط الجزائي وهو تقدير اتفاقي وجزافي للتعويض يتم تحديده سلفا من قبل الزوجين كتعويض عن الضرر الذي يلحق أحدهما نتيجة عدم تنفيذ الآخر لالتزامه اما كلا او بعضا او لتأخره في التنفيذ"(33).
وهنا لا بد من الإشارة الى ان تضمين عقد الزواج شرطا جزائيا يحدد تعويضا ماليا مسبقا عن الإخلال بالشرط أمر يصعب التسليم به من الناحية المبدئية، لأن من شأنه ان يؤدي الى إخراج عقد الزواج عن طبيعته الخاصة المبنية على المكارمة، ويدخله في زمرة العقود المالية المبنية على المشاحة كما يقول الفقهاء خاصة وان الجانب المالي في عقد الزواج مسألة عارضة، ولذلك كان الصداق فيه ليس إلا رمزا وتعبيرا عن ارادة الارتباط بين الزوجين فقط، ويمكن ان يكون شيئا معنويا.
ولذلك فانه من الأفضل ان يترك امر تقدير التعويض عن الضرر اللاحق بالزوج الذي وضع الشرط لفائدته للقضاء.
لكن اذا حدث ان ادرج شرط جزافي في عقد الزواج لضمان تنفيذ الشروط الاتفاقية، فانه لا مناص للقاضي من تطبيق قواعد قانون الالتزامات والعقود وخاصة الفصل 264 منه مع ضرورة مراعاة طبيعة عقد الزواج وما يميزه من خصائص أثناء تطبيق تلك القواعد رعاية لمصالح الزوجين والأسرة عموما.
ثانيا: حالة عدم تحديد جزاء الاخلال بالشروط.
ان السلطة التقديرية التي يمتلكها القضاء في حالة عدم تحديد جزاء عن الإخلال بالشروط الاتفاقية، أوسع بكثير من تلك المخولة له في إطار الشروط المقرونة بجزاءات متفق عليها بين الزوجين مسبقا.
فاذا كانت هذه السلطة – كقاعدة عامة - في حالة تحديد الجزاء عن الإخلال لا تتعدى التأكد من ثبوت الإخلال او عدم ثبوته للحكم بالجزاء المتفق عليه او رفضه، فان سلطته في حالة عدم تحديد الجزاء بالإضافة الى كونها تتمثل في التأكد من ثبوت الإخلال بالشروط او عدم ثبوته فانها تمتد أيضا الى تحديد الجزاء الواجب تطبيقه على الطرف المخل بالتنفيذ.
غير ان هذه السلطة التقديرية الواسعة المخولة للقضاء بهذا الخصوص بقدر ما هي مهمة جدا بقدر ما هي خطيرة جدا ذلك انها تفرض عليه قبل تحديد الجزاء الملائم للإخلال بالشرط ان يقدر أهمية هذا الشرط وفائدته بالنسبة للطرف الذي وضع لمصلحته والضرر اللاحق به جراء الإخلال بذلك الشرط.
وبذلك يستطيع القاضي ان يتوصل الى تقرير الجزاء المناسب لكل حالة على حدا.
ويرى بعض الفقه – عن صواب ان على المحكمة بهذا الخصوص ان تحاول تنفيذ الشروط عينا ما أمكن وفي حالة التعذر تطبق على المخل جزاءات أخرى لا يكون من بينها فسخ الزواج إلا في حالة الضرورة القصوى(34).
ولعل صوابية هذا الرأي تتأتى من كونه من جهة يعطي الأولوية للتنفيذ العيني للشرط ما أمكن الشيء الذي يؤدي الى تحقق الفائدة من الشرط التي تعلقت به إرادة أحد الزوجين أثناء التعاقد، ومن جهة أخرى، فان هذا الرأي لا يلجأ الى تطبيق جزاء حل العلاقة الزوجية إى استثناء وفي حالة الضرورة القصوى.
وبناء على ذلك، يمكن القول بان طلب التطليق المخول للزوجة بنص المادة 99 من مدونة الأسرة في حالة إخلال الزوج بشرط ما، ينبغي ان تتعامل معه المحكمة بحذر كبير خاصة وانه يستعمل من طرف الزوجة بنوع من التعسف والمجازفة(35).
وفي الأخير نود الإشارة إلى ان على المحكمة قبل فصلها في النزاع المعروض عليها بخصوص الشروط الاتفاقية بين الزوجين ان تقوم بمحاولة إصلاح ذات البين وتقريب وجهات النظر بينهما تحقيقا لمصلحتهما ومصلحة أولادهما ودعما لاستقرار الأسرة واستمرارها.
وتتجلى أهمية محاولة الصلح هذه في انها قد تؤدي الى تراضي الزوجين على صيغ مقبولة لتجاوز أزمة الإخلال بهذه الشروط دون إعمال للجزاء المقرر لهذا الإخلال خاصة وان هذا الجزاء قد يكون أحيانا هو إنهاء العلاقة الزوجية وحل رباطها.
المبحث الثاني: تعديل الشروط الاتفاقية والاعفاء منها والتنازل عنها.
اذا كان الأصل هو تنفيذ الشروط بالطريقة المتفق عليها وذلك بترتيب آثارها في ذمة المشترط عليه كلما تحقق السبب الموجب لذلك فان هذا لا يمنع من إمكان تعديل تلك الشروط او الإعفاء منها (المطلب الأول)، كما انه ليس هناك ما يمنع من وضع الشرط لمصلحته من ان يتنازل عنه سواء قبل تحققه او بعد تحققه (المطلب الثاني).

المطلب الأول: تعديل الشروط الاتفاقية والإعفاء منها:
تقتضي منا مناقشة مسألة تعديل الشروط الاتفاقية والإعفاء منها التطرق لموجبات ومبررات هذا التعديل والإعفاء (الفقرة الأولى) ولسلطة القضاء في ذلك (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: مبررات تعديل الشروط الاتفاقية والإعفاء منها:
ان الصفة الأبدية لعقد الزواج قد تؤدي الى تغيير الوضعية القانونية لطرفيه فيصبح الالتزام بالشرط مرهقا لمن التزم به ولذلك فلابد ان تخول لهذا الأخير إمكانية مراجعة ذلك الشرط بالإعفاء منه او تعديله(36).
وقد أقرت المادة 48 من مدونة الأسرة هذا المبدأ عندما نصت على انه "إذا طرأت ظروف او وقائع اصبح معها التنفيذ العيني للشرط مرهقا امكن للملتزم به ان يطلب من المحكمة إعفاءه منه او تعديله ما دامت تلك الظروف او الوقائع قائمة".
ولقد احسن المشرع عندما اقتصر على إقرار المبدأ الموجب للتعديل او الإعفاء والمتمثل في حدوث ظروف او الوقائع دون تحديد لتطبيقاته تاركا بذلك للقضاء في اطار سلطته التقديرية صلاحية تحديد تلك الظروف والوقائع ومدى تأثيرها في الشرط الى درجة يصبح معها التنفيذ العيني له مرهقا لمن التزم به من الزوجين.
على ان تلك الظروف والوقائع المعتبرة في تعديل الشروط الاتفاقية او الاعفاء منها اذا كان يطلب فيها ان تجعل التنفيذ العيني للشرط مرهقا للملتزم به فانه يطلب فيها ايضا ان تكون طارئة لا بفعل الملتزم بالشرط وانما بفعل موضوعي لا يد له فيه اذ لا يعقل ان يلتزم زوج تجاه زوج آخر بشرط ما ثم يفتعل بعد ذلك ما يجعل تنفيذه لذلك الشرط مرهقا له ليؤسس عليه المطالبة بالتعديل او الاعفاء فيما بعد.
وقد أورد الزرقاني في شرحه على المختصر فتوى مؤداها انه اذا اشترطت الزوجة على زوجها ألا يغيب عنها فان غاب فطلاقها في يدها، فوقع أسيرا في يد العدو أو وقع في السجن، فان كان هو الذي خرج للغزو اختيارا فوقع في الأسر، أو فعل اختيارا ما يوجب سجنه، فتأخذ زوجته بشرطها، وتطلق نفسها ان شاءت، وان لم يكن له يد في الأمر فهو معذور(37).
ومعنى ذلك ان موجب تعديل الشرط او الاعفاء منه ينبغي ان يكون موجبا موضوعيا لا ذاتيا.
وفي الأخير، لابد من الإشارة الى انه اذا كان المبدأ في مدونة الأسرة هو تخويل الملتزم بالشرط امكانية المطالبة القضائية لتعديل هذا الشرط او الاعفاء منه، فانه يستثنى من ذلك المبدأ وبنص المادة 48 من نفس المدونة، الشرط المنصوص عليه في المادة 40 منها والذي ينص على ان التعدد "يمنع في حالة وجود الشرط من الزوجة بعدم التزوج عليها".
وقد تولى الدليل العملي لمدونة الأسرة توضيح ذلك، فأشار الى ان شرط عدم التعدد هو استثناء من قاعدة جواز الاعفاء من الشروط ولا يمكن التحلل منه الا بالتنازل عنه من الزوجة التي اشترطته(38).
غير ان الاستثناء المنصوص عليه في المادة 48 من مدونة الأسرة والتي تحيل على المادة 40 منها يطرح اشكالا مهما وله آثار خطيرة في نفس الوقت ويتمثل في انه رغم وجود ظروف ووقائع من شأنها ان تجعل شرط عدم التعدد مرهقا للزوج فانه لا يمكن التحلل منه الا بالتنازل عنه من طرف الزوجة.
ولتكن تلك الظروف مثلا هي العقم فلو أراد الزوج ان يتزوج من امرأة أخرى طلبا للولد وتحصيلا للذرية فان شرط عدم التزوج الملتزم به للأولى يمنعه من ذلك وما عليه ان اراد الزواج بالثانية ولم تتنازل له الأولى عن شرطها الا ان يطلقها وهو أمر وان كانت فيه حماية للزوجة فان فيه نوعا من الارهاق للزوج بسلوك مساطر واجراءات قضائية قد لا يكون راغبا فيها خاصة وانه قد لا يكون راغبا ايضا في تطليق زوجته الأولى.
والذي يبدو مناسبا في مثل هذه الحالة هو جعل عقم الزوجة مبررا استثنائيا للزواج عليها حتى ولو التزم لها زوجها بشرط عدم التعدد عنها.
وما دام الأمر ليس كذلك فان على الزوجة ان تتفهم رغبة زوجها في تحصيل الولد وتتنازل عن شرط عدم التعدد ولعل ذلك افضل لها بكثير من ان تطلق وتحرم من العيش في رحاب حياة زوجية قد تكون سعيدة جدا.
الفقرة الثانية: سلطة القضاء في تعديل الشروط الاتفاقية او الاعفاء
                        منها:
لقد ربطت الفقرة الثانية من المادة 48 من مدونة الأسرة امكانية تعديل الشروط الاتفاقية او الاعفاء منها من طرف المحكمة بظهور ظروف او وقائع يصبح معها التنفيذ العيني للشرط مرهقا للملتزم به وعليه فان سلطة المحكمة بهذا الخصوص تنحصر فيما يلي:
1 - التحقق من كون الظروف او الوقائع التي اصبح معها التنفيذ العيني للشرط مرهقا طارئة وحادثة ومعنى ذلك انها إذا كانت قائمة وقت التعاقد فانه لا يمكن ان تقوم مبررا للتعديل او الاعفاء ونفس الشيء يمكن ان يقال اذا زالت تلك الظروف اثناء نظر المحكمة في طلب التعديل او الاعفاء ويستفاد هذا المقتضى من عبارة "مادامت تلك الظروف او الوقائع قائمة " المنصوص عليها في المادة 48 من المدونة.
2 - التحقق من ان تلك الظروف او الوقائع من شانها ان تجعل التنفيذ العيني للشرط مرهقا للملتزم به اما اذا لم يكن لها اثر على التنفيذ بحيث يبقى ممكنا دون ارهاق للملتزم بالشرط فترفض المحكمة الطلب.
3 - التحقق من ان اسباب تلك الظروف او الوقائع موضوعية لا ذاتية أي انه لا يد للملتزم بالشرط في ظهورها وحدوثها.
مما سبق يتبين انه متى عرضت على المحكمة حالة ما تتعلق بالاعفاء من الشرط او تعديله وتوفرت فيها المبررات السالفة الذكر وجب عليها ان تحكم وفق طلب الملتزم بالشرط لأن "العدالة تقتضي هاهنا اعادة النظر في الشروط الاتفاقية في عقد الزواج ومراجعة القضاء لها بقصد اعادة التوازن ورفع الحيف اما بالغاء الشرط او تعديله مع امكانية التعويض للطرف المتضرر اذا توافرت
شروطه(39).
المطلب الثاني: التنازل عن الشروط الاتفاقية:
يقصد بالتنازل عن الشروط الاتفاقية صلاحية الزوج المشترط لفائدته في اسقاط تلك الشروط عن الزوج الملتزم بها فإذا كانت مدونة الاسرة لم تتعرض للتنازل عن هذه الشروط الا كامكانية مخولة للزوجة في حالة اشتراطها على زوجها عدم التعدد عليها بحيث لا يمكنه التحلل من هذا الشروط الا بتنازلها عنه (المادة 48) فان كتب الفقه بما في الفقه المالكي قد عرضت لمجموعة من احكام هذا التنازل وحالاته.
وسنتطرق في هذا المبحث الى مجموعة من تلك الأحكام والمتعلقة اساسا بطريقة التعبير عن التنازل وتوقيته (الفقرة الأولى) وبمن له الحق في إيقاعه (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: طريقة التعبير عن التنازل وتوقيته.
أولا: طريقة التعبير عن التنازل:
ان التعبير عن التنازل عن الشروط الاتفاقية اما ان يكون صريحا واما ان يكون ضمنيا.
فالتعبير الصريح هو الذي يفيد بلفظه صراحة تنازل المشترط له عن شرطه المترتب في ذمة الملتزم به كان يقول مثلا رددت عليك شرطي او جعلتك في حل منه او اسقطته عنك.
وقد اورد الامام القرافي "في الذخيرة" فتوى تتضمن تنازلا صريحا لزوجة عن شرط لها في ذمة زوجها ونص هذه الفتوى "... واذا قال : (أي الزوج) ان اخرجتك من بلدك فامرك بيدك ثم اراد فقالت : رددت عليك امرك واسقطت الشرط قال مالك: لا شيء عليك ولا يقضي بعد ذلك بشيء لنه حق لها اسقطته"(40).
اما التعبير الضمني عن التنازل فهو الذي يستنتج ضمنا من كل تصرف ايجابي (فعل) او سلبي (سكوت) يصدر عمن وضع الشرط لفائدته ويفيد اسقاطه له وتنازل عنه.
ومن صوره ان تشترط الزوجة على زوجها انه "ان قرب ام ولده الا باذنها فامرها بيدها... فيقربها وياتيها وهي تعلم ذلك فتغار وتريد ان تقوم عليه بذلك الشرط."
وقد ذهب ابن رشد في البيان والتحصيل الى انه لا امر لهذه الزوجة ولا قضاء فيما اشترطته(41)، فاخلال الزوج بالشرط وعلم الزوجة بذلك وسكوتها عنه يعتبر اقرارا ضمنيا يفسر على انه تنازل منها عن شرطها ويسقط حقها في القيام به على زوجها.
ثانيا: توقيت التنازل عن الشروط الاتفاقية:
ان التنازل عن الشروط الاتفاقية كما يمكن ان يقع قبل تحقق الشيء المعلق عليه، يمكن ان يقع ايضا بعد ذلك الشيء وهو في أي الوقتين وقع ادى الى نفس النتيجة وهي اعفاء المتحمل بالشرط من الآثار المترتبة في ذمته بسبب ذلك الشرط.
وبناء على ذلك فانه إذا "تنازلت المرأة عن شرطها لزمها تنازلها... سواء تنازلت قبل وقوع الشرط المعلق عليه او بعد وقوعه كان تشترط على زوجها الا يتزوج عليها فان تزوج فطلاقها بيدها ثم تنازلت عن هذا الشرط قبل ان يتزوج عليها او بعد ان تزوج عليها فالتنازل لازم لها"(42).
الفقرة الثانية: من له الحق في ايقاع التنازل عن الشروط الاتفاقية؟
ان الذي له الحق في التنازل عن الشروط الاتفاقية هو الزوج الذي ملكها ووضعت لفائدته ورتبت له حقوقا في ذمة الزواج الآخر، اذ القاعدة هنا ان "من ملك حقا ملك التنازل عنه".
ولعله من المفيد هنا ان نشير الى مسألتين أساسيتين تتعلق الأولى بجواز او عدم جواز التنازل عن شرط تعلق به حق الغير. وتتعلق الثانية بمدى توقف امضاء تنازل الزوجة على موافقة وليها او الوصي عليها.
ففيما يتعلق بالمسألة الأولى، فان المفهوم المخالف لقاعدة "من ملك حقا ملك التنازل عنه"، يؤدي الى نتيجة مفادها عدم جواز التنازل عن أي شرط تعلق به حق الغير، وقد أورد الزرقاني في شرحه على المختصر انه لا يجوز للمرأة ان تتنازل عن شرط تعلق به حق لغيرها ولو كانت وصيا عليه لأن الوصي لا يتنازل عن حقوق محجوره... وانما يجوز لها ان تتنازل عن شروط لا تتعلق الا بها وحدها(43).
وواضح ان ما انطبق على الزوجة في ذلك ينطبق على الزوج من باب ان الأصل في الأحكام الشرعية ان تخاطب المكلفين بها رجالا ونساء على السواء.
وفيما يتعلق بمسألة مدى توقف إمضاء تنازل الزوجة عن الشروط الموضوعة لفائدتها على موافقة وليها. فان ذلك غير لازم ولا يتوقف عليه إمضاء تنازل من هي تحت ولايته ولو كانت محجورة (44)، والى هذا ذهب الامام مالك فقال: "ولا يلتفت الى والدها وهي احق بترك شروطها وان ابى والثيب والبكر في ذلك سواء لان ذلك في بدنها لا في مالها وانما يولى عليها في مالها دون بدنها ودليله حديث النبي  "والبكر تستأمر في نفسها وانما تستأمر في بدنها دون مالها" وان ذات الأب خارجة من هذا الخطاب بدليل أوجب إخراجها فدل على ان البدن لا يقضي فيه الوصي وانما يقضي في المال"(45).
وانما يأخذ الأب او الوصي بشروط من هي تحت ولايته او وصايته ويتنازل عنها اذا وكلته في ذلك(46).
المبحث الثالث: التطبيقات المالية للشروط الاتفاقية بين الزوجين:
يعتبر مجال العلاقات المالية بين الزوجين من أخصب المجالات وأحقها بالبحث الفقهي والتنظيم القانوني بالنظر لما يثيره من اشكالات عملية ناتجة عن التطور الاجتماعي والثقافي والاقتصادي وما أفضى اليه من آثار كبيرة على نظام الأسرة ووضع المرأة فيه.
واذا كانت للشروط الاتفاقية آثارها الكبيرة في اتقاء الكثير من النزعات المستقبلية وتجنيب الحياة الزوجية من ويلاتها فان أهمية هذه الشروط تكون اكبر والحاجة إليها اشد في مجال تنظيم العلاقات المالية بين الزوجين.
وقد تطرق الفقه الإسلامي عموما والفقه المالكي خصوصا الى الكثير من القضايا المالية التي تم تنظيمها بين الزوجين عن طريق الاشتراط والاتفاق ومن أهمها قضية تدبير الأموال المكتسبة أثناء الحياة الزوجية والنفقة.
واذا كانت مدونة الأسرة قد حاولت في إطار المادة 49 منها، ان تكرس مبدئيا ما ذهب اليه الفقه المالكي المغربي بخصوص القضية الأولى بإعطائها للزوجين إمكانية الاتفاق على استثمار وتوزيع الأموال المكتسبة أثناء الحياة الزوجية فانها لم تخصص للقضية الثانية نفس الإمكانية الشيء الذي يجعلها خاضعة من جهة للقواعد العامة للشروط الإرادية المنصوص عليها في المادتين 47 و48 من المدونة ومن جهة ثانية لقواعد الفقه المالكي في حالة عدم كفاية القواعد المنصوص عليها في المدونة.
وسأحاول في هذا الفصل التطرق الى مسألة الاشتراط بخصوص هاتين القضيتين والاشارة الى بعض الحالات العملية ذات الصلة بهما.
المطلب الأول: الشروط الاتفاقية والأموال المكتسبة أثناء قيام الزوجية:
ان الأصل في النظام المالي للزوج في الفقه الإسلامي هو استقلال ذمة كل زوج عن ذمة الزوج الآخر وهذا ما أقرته المادة 49 من مدونة الأسرة عندما نصت على ان "لكل واحد من الزوجين ذمة مالية مستقلة عن ذمة الآخر".
غير ان هذه المادة نفسها قد أعطت للزوجين إمكانية مخالفة هذا الأصل حينما أجازت لهما " في إطار تدبير الأموال التي ستكتسب أثناء قيام الزوجية الاتفاق على استثمارها وتوزيعها"، وأكدت على ضرورة ان "يضمن هذا الاتفاق في وثيقة مستقلة عن عقد الزواج".
لكن السؤال المطروح بهذا الصدد هو الى أي حذ يكفي هذا الاتفاق في حل ما قد يثار من نزاعات بين الزوجين بخصوص الأموال المكتسبة أثناء قيام الزوجية.
ان الإجابة عن هذا السؤال تتوقف على مضمون الاتفاق ومحتواه، فاذا كان قد حدد بدقة كيفية استثمار هذه الأموال وكيفية توزيعها فلا يطرح في الغالب أي إشكال.
واما اذا كان ذلك الاتفاق فيه نوع من الغموض والقصور. كأن أشار مثلا الى طريقة استثمار الأموال فقط دون إشارة الى طريقة توزيعها فانه لن يكون كافيا لحل ما من شأنه ان يحدث بين الزوجين او بين أحدهما وورثة الآخر في المستقبل من نزاع، الشيء الذي يتوجب معه الرجوع الى القواعد العامة للإثبات من اجل إعطاء كل ذي حق حقه.
الفقرة الأولى: حالة الاتفاق على كيفية استثمار الأموال المكتسبة أثناء
 قيام الزوجية وعلى كيفية توزيعها.
ان هذه الحالة لا تطرح أية اشكالات من الناحية العملية طالما انها حسمت في أمر استثمار الأموال المكتسبة أثناء قيام الزوجية وفي امر توزيعها.
وعليه، فانه اذا حدث ما يوجب إعمال مقتضيات الاتفاق المبرم بين الزوجين كالطلاق أو الوفاة مثلا، فانه يرجع إليه لتحديد نسبة كل واحد منهما في تلك الأموال فقد يتفقان على اقتسامها مناصفة او اعطاء الزوجة او الزوج اكثر من ذلك او اقل وحينئذ يعمل باتفاقهما ويلزمان ببنوده ومقتضياته.
وقد أشار الفقيه عبد العزيز الزياتي صاحب مخطوط "الجواهر المختارة فيما وقفت عليه من النوازل بجبال غمارة" الى هذه الحالة في فتوى لأبي عبد الله محمد القوري عندما سئل عما "يعمله نساء البوادي وغيرهن لأزواجهن من أنواع اللباس وسائر الخدمة اذا تشاحوا في ذلك وتشاجروا فيه، فهل تجبر على ذلك ام لا؟ وهل لها فيه نصيب ام لا ؟ وهل يجب عليها الاشتراط على الزوج... ام لا؟".
فاجاب لا يجب على المرأة من خدمة نفسها وخدمة زوجها شيء... وان صرحت بالامتناع من الخدمة الا على وجه الشركة في الغزل والنسج، وأباح لها زوجها ذلك فلا اشكال في اشتراكهما في ذلك المعمول... (47)
فهذه الفتوى تقرر انه في حالة اشتراط الزوجة على زوجها الا تعمل الا على وجه الشركة فلا اشكال في اشتراكهما في الشيء المصنوع هي بقيمة عملها وهو بقيمة أصله ورأسماله.
الفقرة الثانية: حالة عدم النص في الاتفاق على كيفية توزيع الأموال
 المكتسبة أثناء قيام الزوجية.
قد يحدث ان يبرم الزوجان اتفاقا يحدد طريقة تدبيرهما للأموال المكتسبة أثناء قيام الزوجية ويشيران فيه فقط الى كيفية استثمارها دون تحديد طريقة اقتسامها وتوزيعها.
والواقع ان هذه الحالة أشبه ما تكون بالحالة التي لا يوجد فيها الاتفاق أصلا، طالما ان هذا الأخير لم يحدد كيفية اقتسام هذه الأموال ولم يحسم في النزاعات الممكن وقوعها بين الزوجين في هذا الصدد.
واذا كان المشرع قد نص بمقتضى المادة 49 من مدونة الأسرة على أنه: "إذا لم يكن هناك اتفاق، فيرجع الى القواعد العامة للإثبات مع مراعاة عمل كل واحد من الزوجين وما قدمه من مجهودات وما تحمله من الأعباء لتنمية أموال الأسرة" فاننا نرى ان تطبق هذه المقتضيات أيضا على الحالة التي يغفل فيها الاتفاق التنصيص على كيفية توزيع واقتسام الثروات المكتسبة أثناء قيام الزوجية.
لكن الذي ينبغي الإشارة إليه بهذا الخصوص هو انه اذا كان تطبيق القواعد العامة للإثبات كافيا أحيانا في إثبات كون أحد الزوجين قد اسهم في تنمية أموال الأسرة وفي إثبات النسبة المستحقة له في تلك الأموال فان اعمال تلك القواعد في الغالب وان أدى الى إثبات واقعة عمل أحد الزوجين ومساهمته في تنمية أموال الأسرة فانه لا يؤدي الى إثبات نصيبه ونسبته فيها الشيء الذي يجعل النزاع بين الزوج والزوج الآخر او ورثته قائما بخصوص الحصة والنصيب في أموال الأسرة. وهنا أرى انه لحل مثل هذا الاشكال لا بد من الرجوع الى الأحكام الفقهية التي استقر عليها مالكية المغرب في إطار ما يسمى بالسعاية التي وان كانت قد قررت لفائدة الزوجة العاملة مع زوجها والمساهمة معه في تنمية أمواله فانه ليس هنالك ما يمنع من تطبيق أحكامها على الزوجين معا كلما توفرت شروط ذلك واسبابه.
وتجدر الإشارة بهذا الخصوص الى بعض الفتاوى التي أكدت على هذا الحق واجازت العمل به مع استخلاص ما حوته من أحكام يمكن ان تفيد كثيرا في حل ما يستجد من اشكالات واقضية في وقتنا هذا.
ومن تلك الفتاوى ما أورده الفقيه المغربي الراشدي المجاجي في تقييده المسمى "التعريج والتبريج في احكام المغارية والتصيير والوليج" ونصه: " وسئل ابو عبد الله سيدي محمد بن الحسن بن عرضون عمن تخدم من نساء البوادي خدمة الرجال من الحصاد والدراس وغير ذلك، فهل لهن حق في الزرع بعد وفاة الزوج لأجل خدمتهم او ليس لهم الا الميراث؟.
فاجاب: الذي أجاب به القوري مفتي الحضرة الفاسية... ان الزرع يقسم على رؤوس من نتج عن خدمتهم وزاد عليه مفتي البلاد الغمارية جدنا سيدي ابو القاسم بن خجو: على قدر خدمتهم وبحسبها من اتفاقهم او تفاوتهم وزدن انا – لله عبد - بعد مراعاة الأرض والبقر والآلة..."(48).
ان هذه الفتوى تضمنت عدة أحكام مهمة وقواعد أساسية بخصوص مسألة توزيع الأموال المكتسبة أثناء فترة العلاقة الزوجية ومن تلك الأحكام والقواعد نشير الى ما يلي:
أ‌- ان تلك الأموال والتي تتمثل في الزرع في هذه الحالة تقسم بين كل من نتجت عن خدمتهم وعملهم.
ب‌- يراعى في قسمة الأموال عمل ومجهود كل واحد من الزوجين ويقدر نصيبه فيها على اساس ذلك العمل والمجهود ولعل هذا المقتضى هو ما تم إقراره في الفقرة الأخيرة من المادة 49 من مدونة الأسرة عندما نصت على انه يراعى في تحديد النسبة والنصيب، "عمل كل واحد من الزوجين وما قدمه من مجهودات وما تحمله من أعباء لتنمية أموال الأسرة".
ج – يراعى أثناء تقدير نصيب كل واحد من الزوجين في هذه الأموال حصة الأرض والبقر والآلات أو ما يمكن ان يسمى بالتعبير الحالي رأس المال أو المواد الخام فيجعل لها نصيب يستأثر به مالكها وما تبقى يوزع بين الزوجين بحسب جهد وعمل كل واحد منهما.
ومن تلك الفتاوى أيضا، تلك التي أثبتها العلمي في نوازله ومن بين ما جاء فيها: "... فان سكتت الزوجة ولم تصرح لا بانها تطوعت بعملها لزوجها ولا بانها تعمل على ان تكون شريكة معه ثم طلبت حظها من العمل وانها لم تعمل الا على وجه الشركة او الرجوع بقيمة العمل وأنكر الزوج ذلك حلفت انها ما غزلت ولا نسجت ولا عملت إلا لتكون على حظها من المعمول، واذا حلفت قوم عملها في الكتان والصوف وقوم الكتان والصوف، فيكون الثوب بينهما على قدر ذلك وكذلك الغزل..."(49).
ويلاحظ الدكتور عبد الكبير العلوي المدغري، ان هذه الفتوى نظرت الى الزوجة بعطف واشفاق، "ولم تكلفها إقامة البينة لا سيما وان الأمر داخلي ويتعذر عليها في مثل هذه الأحوال الخاصة إقامة البينة كما انها لن تطلب منها أية حجة كتابية لتعذر ذلك عليها أيضا وصعوبته واكتفت منها باليمين تغلبا للأصل الذي هو قيام الشركة..."(50)
على ان ما تقرر في هذه الفتوى من إعفاء للزوجة من إقامة البينة واكتفائها باليمين في حقها نازع فيه بعض المالكية ولم يجيزوا العمل به في أنواع الأموال الأخرى التي لا يكون الأصل فيها هو تغليب قيام الشركة بين الزوجين من ذلك مثلا دعواها الحظ في الماشية وما في حكمها من الحيوانات فلا بد للزوجة هاهنا من إقامة البينة عملا بالقاعدة الفقهية: "البينة على المدعي واليمين على من أنكر"، والى هذه الحالة أشار صاحب النوازل الصغرى، فقال "وسئل – يقصد محمد بن ابي القاسم السجلماسي- ايضا عن رجل من اهل البادية طلق امرأته وله مال: غنم وبقر، فقامت تدعي ان لها الحظ في ذلك وقال هو المال كله له فلمن القول منهما؟ فأجاب بان القول في الماشية قول الرجل مع يمينه
أنه له، وعلى المرأة البينة فيما تدعي من الحظ، فان عجزت قضى للرجل
بالمال... "(51)
وفي هذا يقول الناظم:
ومن ادعى في المال كسبا وجبا إثباته ان عاتب من أبى (52)
ومعناه بحسب ناظمه: "ومن ادعى الكسب في المال، فأنكر خصمه فيه على المدعي إثباته"(53)
وبالرغم مما في تحميل الزوجة عبء الإثبات من إعنات في كثير من الحالات فانه الحق الذي لا مراء فيه ذلك انه لا يعقل ان كل من طالب بشيء قضى له به بل لا بد له من اثباته.
وفي هذا الإطار فان القضاء المغربي قد أكد في مجموعة من أحكامه وقراراته على ضرورة إثبات الزوجة للسعاية كي يقضى لها بنصيبها في المتحصل من الأموال أثناء قيام العلاقة الزوجية. ومن تلك الأحكام والقرارات نشير الى
ما يلي:
1 - قرار محكمة الاستئناف بالرباط رقم 2003 بتاريخ 08-04-1991 في الملف 8746/89. ومما جاء فيه، ان "الإشهاد للمدعية بحقها في الكد والسعاية يستوجب إثباتها بحجة "(54)
2 - حكم المحكمة المركزية بماسة أكادير، رقم 61/87 بتاريخ 28-07-1987 في الملف 62/87، وقد اكد هذا الحكم على ان "للمرأة التي تثبت انها تعمل سعايتها في المستفاد خلال فترة الحياة الزوجية بقدر عملها ولها الحق فيما اشترى الزوج ولو باسمه الخاص وحده "(55)
3 - قرار المجلس الأعلى رقم 44 بتاريخ 28-11-1987 في الملف رقم 46767 ومما جاء فيه ان " الاستفادة التي تحصل للزوجين اذا ثبت ان ما استفاداه ناتج عن عملهما المشترك تجعل الكد والسعاية ثابتين للزوجة وتستحق بذلك نسبة من الثروة المنشأة خلال فترة الحياة الزوجية"(56)
بهذه الأمثلة وما تقرر فيها من قواعد ومبادئ قضائية تتضح لنا مركزية الإثبات وأهميته في موضوع استحقاق مقابل السعاية وانه الوسيلة الحاسمة في كسب الدعوى القضائية بهذا الشأن.
والملاحظ انه رغم كون عمل الزوجة وسعايتها في تنمية أموال زوجها من الوقائع المادية التي يجوز إثباتها "بكل وسائل الإثبات"(57) فان الغالب الذي جرى به العمل هو "إثباتها بشهادة الشهود بحيث يتم تضمين تصريحاتهم في شهادات لفيفية عدلية او يتم الاستماع إليهم من طرف القضاء"(58).
على ان شيوع الإثبات غالبا بواسطة شهادة الشهود لا يعني انها تفيد دوما في إثبات وجود السعاية واستحقاق المقابل عنها بالتبع، كما لا يعني ان هذه الوسيلة لا تواجه في إعمالها جملة من الصعوبات والعراقيل بسبب ما قد يعتريها من نقص او خلل.
ومن أبرز أوجه الخلل التي قد تعتري هذه الشهادة وتجعلها عرضة للدحض وعدم الاعتبار أمام القضاء نقصان علم الشهود بأحوال المتنازعين لاختلاف المكان او تباين الزمان بين الشهود والمشهود له، ولعل هذا ما ذهبت إليه المحكمة الابتدائية بأكادير في الحكم رقم 55/94 الصادر بتاريخ 15-02-1994 في الملف رقم 429/93، عندما صرحت بان "زواج المدعي قبل 15 سنة من ازدياد بعض شهود السعاية وعدم علم هؤلاء بالوضعية المادية للزوج ولا بذمته المالية قبل زواجه بالمدعية يجعل هذه الوثيقة غير مقبولة"(59).
وتجدر الإشارة بهذا الخصوص إلى ان شهادة الشهود كما قد تتمسك بها الزوجة مدعية السعاية لإثبات كونها قد أسهمت فيما تحصل لزوجها أثناء زواجها قد يتمسك بها الزوج آيضا للدفع بكون ما بحوزته انما هو بكد يده او بطريق شرعي آخر من طرق الكسب والتملك ولا يد للزوجة المدعية في تكوينه وتنميته.
وقد يحدث ان يتمسك طرفا الدعوى معا بشهادة الشهود وفي هذه الحالة نكون أمام ما يسمى فقها وقضاء بتعارض البينات والحجج، وهنا فان للمحكمة الصلاحية الكاملة للنظر في تلك الحجج والتقرير في الأمر على ضوء ما يتبين لها من خلال وقائع النازلة وأحوال المتنازعين.
المطلب الثاني: الشروط الاتفاقية وقضايا النفقة.
النفقة هي "ما يطالب به الزوج شرعا نحو زوجته من طعام وشراب ومسكن وملبس وفراش وخدمة وتوابع ذلك بحسب العرف والحال"(60)، وهي واجبة بالكتاب والسنة والاجماع(61).
قال الناظم:
ويجب الانفاق للزوجات في كل حالة من الحالات(63)
وقيل في شرح ذلك: "يعني ان نفقة الزوجة واجبة على الزوج بقدر وسعه وحالها، غنية كانت أو فقيرة، حرة أو أمة، بوئت أو ل، وتجب بالدخول أو الدعوة إليه..."(64).
وقد كرست مدونة الأسرة أيضا هذا الوجوب معتبرة في المادة 98 منها ان نفقة الزوجة واجبة على زوجها بمجرد البناء او الدعوة إليه بعد العقد.
وبالرغم من الوضوح الشرعي والتشريعي للأحكام بالتقييد أو التعليق عن طريق الاتفاقات والشروط مجال واسع بسبب التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي مست المركز القانوني للمرأة عموما، وأثرت بالتبع على مركزها المالي في الأسرة سواء فيما يتعلق بحقوقها او واجباتها.
وجدير بالذكر ان الشروط الاتفاقية المتعلقة بالنفقة يمكن ان تكون لصالح الزوجة (الفقرة الأولى) كما يمكن ان تكون لصالح الزوج (الفقرة الثانية) بحسب الأسباب الداعية إليها والظروف التي أملتها.
الفقرة الأولى: الشروط الموضوعة لفائدة الزوجة.
وسنقتصر بهذا الخصوص على إيراد حالة وحيدة تتمثل في اشتراط الزوجة على زوجها النفقة على أولادها من رجل آخر.
ويبدو ان الدافع لهذا الشرط بالأساس هو دافع اجتماعي يراعي مصلحة ربائب الزوج ذلك انه قد يحدث ان تتزوج المرأة من زوج سابق وتنحل عصمتها منه اما بوفاة او طلاق ويكون لها منه ولد او أولاد فيتقدم إليها بقصد الزواج شخص ما فتشترط عليه ان ينفق على أولادها من الزوج السابق ويقبل منها ذلك ويرضى به ويصبح لازما له الى ان يكبر الولد - او الأولاد - ويصير قادرا على الكسب(65).
ويرى بعض الفقهاء ان هذا الشرط لا يجوز ان يدرج في صلب العقد لما يؤدي اليه من الجهالة في الصداق، وقال ابن تيمية بجوازه في الفتوى. ورد على من قال بعدم الجواز للجهالة في الصداق بكون هذا الأخير يحتمل من الجهالة فيه... ما لا يحتمل في الثمن والأجرة، ورغم ذلك أجيزت الجهالة فيهما نزولا عند أعراف الناس ومعاملاتهم، فالجهالة اليسيرة حتى على فرض وجودها في المهر تجوز بطريق الأولى(66).
وتثار بهذا الخصوص مسألة مهمة وتتعلق بحق الزوج المنفق في الرجوع على مال الولد بما أنفق.
الذي عليه الفقهاء، انه لا رجوع له في مال الولد بما أنفق سواء كان المال معلوما للولد وقد الالتزام او طرأ بعد التطوع وسواء كان المتطوع يعلمه او لا يعلمه وسواء في حياة الولد او بعد وفاته(67).
الفقرة الثانية: الشروط الموضوعة لفائدة الزوج.
رغم كون نفقة الزوجة وأولادها من الحقوق الواجبة على الزوج شرعا وقانونا فان ارادة الزوجين يمكن ان تنصرف الى إعفاء الزوج من هذا الحق وتتنازل الزوجة عنه كليا او جزئيا بشروط يتفقان عليها او يشترطها أحدهما ويرضى بها الآخر.
ومن حالات الإعفاء الكلي للزوج من النفقة ما أراده الوزاني في النوازل الصغرى ومضمونه ان الفقيه ابو زيد الحائك سئل عمن التزمت نفقة نفسها وولديها وحمل ان ظهر بها ان سامحها في الوطء الا برضاها فقبل منها ذلك فأجاب بان هذا الالتزام لازم لها...(68).
فالزوجة في هذه النازلة قد تنازلت عن حقها في نفقة المستقبل بشرط تنازل الزوج عن بعض حقوقه الواجبة له عليها.
وفيما يتعلق بحالات الإعفاء الجزئي للزوج من النفقة نشير الى مسألة مساهمة الزوجة العاملة في نفقات البيت فاذا كان الراجح فقها ان نفقة الزوجة على زوجها تكون جزاء احتباسها وافتقادها بسبب ذلك لفرصة الكسب(69)، فان عدم الاحتباس الناتج عن عمل الزوجة خارج البيت يمكن ان يكون سببا لمساهمة الزوجة في النفقة سواء كان عملها واحترافها موجودا منذ لحظة الزواج او كان طارئا بعده وسواء كانت هذه المساهمة نتيجة لاشتراطها من قبل الزوج ورضى الزوجة بذلك او كانت نتيجة اتفاقهما على ذلك دون شرط او نتيجة تطوع الزوجة بها عن طيب خاطر. وليس في ذلك كله أي تحليل لحرام او تحريم لحلال(70)، طالما ان كلا من الزوجين تنازل عن بعض حقوقه لفائدة الزوج الآخر عن رضى واختيار تحقيقا لخيرهما وخير الأسرة ككل.
هكذا اذا يتبين ان مجال التراضي والاشتراط بخصوص النفقة وقضاياها المستجدة مجال واسع، وان ذلك التراضي والاشتراط اذا كان من شانه ان يسد الذرائع والطرق لكل نزاع محتمل فان من شانه أيضا ان يرفع من مستوى الأسرى الاقتصادي كما هو الأمر في حالة الزوجة العاملة التي تساهم بجزء من راتبها لتحقيق مصالح البيت وحاجياته.
خاتـمة:
تجدر بنا الإشارة في ختام هذا العمل المتواضع الى مجموعة من النقط أهمها:
1 - ان الكثير من الأحكام المؤطرة لموضوع الشروط الاتفاقية بين الزوجين هي أحكام اجتهادية وهذا يفيد كثيرا في فتح الباب للاجتهاد الفقهي المعاصر من اجل إعادة تنظيم هذا الموضوع وترتيب أحكامه في ضوء مستجدات العصر وقضاياه، وباستحضار روح الشريعة الإسلامية ومقاصدها العامة الرامية الى جلب الصلاح للناس ورفع الحرج عنهم وتحقيق العدل بينهم.
2 - ان على القاضي عند النظر في أي نزاع بخصوص الشروط الاتفاقية بين الزوجين ان يستحضر أمامه معطيين أساسيين قبل الفصل في هذا النزاع.
أما المعطى الأول فيتمثل في ضرورة حماية الشرط تحقيقا لمصلحة مشترطه واما المعطى الثاني فيتمثل في ضرورة حماية العقد تحقيقا لمصلحة الأسرة ككل لأن صاحب الشرط قد يلجأ أحيانا للقضاء من اجل إنهاء العلاقة الزوجية بسبب إخلال الملتزم بالشرط.
والأنسب في مثل هذه الأحوال الا يلجأ القضاء الى إنهاء العلاقة الزوجية إلا في أضيق الحدود، خاصة إذا كانت مدتها طويلة ونتج عنها أولاد إذ حماية العقد ورعاية مصلحة الأسرة والأولاد أولى من حماية الشرط في أحيان كثيرة.
3 - إن الاعتراف بأهمية الشروط الاتفاقية في حماية الأسرة وتعزيز المركز القانوني لأطراف العلاقة الزوجية، خاصة في عصرنا الحالي لا يلغي أهمية القول بأن اللجوء الى إعمال هذه الشروط ينبغي ان يبقى استثناء. لأن من شأن الإفراط فيه ان يخرج الزواج عن طبيعته الخاصة المنية على المكارمة والإحسان ويدخله في زمرة العقود المدنية المبنية على المكايسة والمشاحة.