10.09.2017

الرقابة القضائية قبل انطلاق عملية التحكيم. ذ الحسن الكاسم

الرقابة القضائية قبل انطلاق عملية التحكيم. ذ الحسن الكاسم










الرقابة القضائية قبل انطلاق عملية التحكيم. ذ الحسن الكاسم




الحسن الكاسم
الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف التجارية بالدار البيضاء


التحكيم وظيفة قضائية مستمدة من القانون ومصدرها إرادة               الأطراف، والمحكم عند قيامه بالمهمة المكلف بها من الطرفين يمارس وظيفة قضائية، والرقابة القضائية على العملية التحكيمية تتوزع إلى رقابة سابقة ورقابة مصاحبة للعملية التحكيمية ورقابة لاحقة لصدور الحكم التحكيمي.
والذي يهمنا في هذه المداخلة الرقابة السابقة لعملية التحكيم وتنصب على وجود اتفاق التحكيم وصحته وتعيين المحكم عند رفض أحد الأطراف القيام بهذا التعيين.
المبحث الأول
الرقابة من خلال وجود اتفاق التحكيم وصحته.
يجوز لصاحب المصلحة من أطراف التحكيم أن يرفع دعوى بطلان اتفاق التحكيم أمام القضاء تحسبا لتمسك الطرف الآخر به وذلك استنادا إلى القواعد العامة في الأحوال التي يكون فيها التحكيم باطلا لانعدام الأهلية اللازمة لعقد الاتفاق أو إذا كانت إرادة أحد الطرفين مشوبة بعيب من عيوب الرضا أو إذا كان محل اتفاق التحكيم مخالفا للنظام العام أو مما لا يجوز اللجوء بشأنه إلى التحكيم بنص القانون.
 ومن جهة أخرى فإنه إذا كان يجوز اللجوء إلى القضاء لإبطال اتفاق التحكيم وإخضاعه لرقابة القضاء من حيث وجوده وصحته, فإنه يمكن للقضاء أن يمارس هذه الرقابة أثناء نظر دعوى مرفوعة إليه بشأن المنازعات التي وردت في اتفاق التحكيم، بشرط أن يثير صاحب المصلحة الدفع بالتحكيم قبل إبداء أي دفاع في الجوهر لأن الدفع بالتحكيم يعتبر من االدفوع بعدم القبول يجب أن تثار قبل أي دفاع في الموضوع وليس دفعا بعدم الاختصاص وهو ما يؤكده المجلس الأعلى في قراره الصادر بتاريخ 02/10/2002 تحت عدد 1214 في الملف التجاري رقم 577/3/1/2001 وجاء في إحدى حيثياته أن الدفع باللجوء إلى شرط التحكيم هو من الدفوع التي يجب أن تثار قبل كل دفع أو دفاع في الجوهر وإلا كانت غير مقبولة ولا يمكن إثارتها لأول مرة أمام محكمة الاستئناف ما لم يتعلق الأمر بالنظام العام وما لم يكن الحكم صدر غيابيا في حق المتمسك بشرط التحكيم كدفع لا يخرج عن نطاق القاعدة المنظمة بمقتضى الفصل 49 من قانون المسطرة المدنية.
وإذا تم الدفع بوجود اتفاق التحكيم أمام المحكمة التي تنظر في النزاع فإنه يجوز لمن رفع الدعوى أن يطلب من المحكمة رفض الدفع بالتحكيم إذا أثبت أن اتفاق التحكيم باطل وإذا قضت المحكمة برفض الدفع واستمرت في نظر الموضوع فإنها تكون بذلك قد منعت اللجوء إلى التحكيم.
بمعنى أن المحكمة لها سلطة البت في الدفع والحكم بعدم قبول الدعوى إذا تبين لها قيام شرط التحكيم اللهم إذا تبين لها أن اتفاق التحكيم باطل أو أن النزاع المعروض عليها لا يشمله اتفاق التحكيم فإنها ترد الدفع بالتحكيم وتبت في النزاع.
غير أن مشروع مدونة التحكيم بالمغرب نحى منحى مخالفا عندما وسع صلاحية هيئة التحكيم ومنحها سلطة النظر في اختصاصها وفي الدفع ببطلان اتفاق التحكيم مسايرا بذلك الاتجاه الحديث في التحكيم الذي يتبنى مبدأ " اختصاص الاختصاص " عندما نصت المادة 22 منه على أنه إذا نازع أحد الأطراف في مبدأ أو نطاق سلطة الفصل لهيئة التحكيم أو دفع أحد الأطراف ببطلان اتفاقية التحكيم بتت الهيئة في صحة وحدود ولايتها بمقتضى أمر غير قابل لأي طعن إلا عند الطعن في الحكم التحكيمي وبنفس الشروط، ويتعين الدفع بعدم قبول الدعوى أو ببطلان اتفاق التحكيم قبل كل دفاع في الجوهر تحت طائلة عدم القبول.
ولم يجز المشروع للمحكمة أن تبت في صحة اتفاق التحكيم عندما نص في المادة 21 منه على أنه يتعين على المحكمة التصريح بعدم القبول, بناء على طلب أحد الأطراف, للنظر في نزاع موضوع اتفاق التحكيم سواء كان النزاع معروضا على هيئة التحكيم أم لم يعرض بعد عليها.
وبذلك يكون المشروع المذكورقد استبعد تدخل القضاء، في حالة اتفاق الأطراف على عرض النزاع على التحكيم، للنظر في اختصاص الهيئة التحكيمية ذاتها ولا يسوغ الطعن في قرارها إلا عند الطعن في الحكم التحكيمي وبذلك أصبحت مراقبة القضاء بعدية وليست قبلية.
ولتلطيف حدة مبدأ " اختصاص الاختصاص"  أقرت بعض التشريعات سلطة المحكمة بالنظر في النزاع ورد الدفع بالتحكيم إذا كان اتفاق التحكيم باطلا بصورة جلية كقانون المسطرة المدني الفرنسي في مادتيه 1458 و 1466. 
كما أن القضاء الفرنسي لا يستجيب للدفع بالتحكيم إذا تبين له أن اتفاق التحكيم باطل بصورة جلية ونذكر على سبيل المثال بعض القرارات الصادرة عن محكمة النقض الفرنسية.
* قرار صادر بتاريخ 14/05/1997 منشور بمجلة " لاكازيط دي بالي" سنة 2000.
* قرار صادر بتاريخ 24/02/1999 منشور بنفس المجلة لسنة 2001.
* قرار صادر بتاريخ 31/05/2001 منشور بنفس المجلة لسنة 2001.
غير أن مشروع القانون رقم 08.05 المحال على البرلمان قرر نسخ وتعويض الباب الثامن من القسم الخامس من قانون المسطرة المدنية والإبقاء على التحكيم ضمن قانون المسطرة المدنية وإن تبنى مشروع القانون المذكور عموم أحكام مشروع مدونة التحكيم فإنه لم يساير الاتجاه الحديث الذي يعتبر الدفع بالتحكيم دفعا بعدم القبول ليقرر أن على المحكمة أن تقضي بعدم اختصاصها للنظر في النزاع إلى حين استنفاد  مسطرة التحكيم أو إبطال اتفاق التحكيم ما لم يكن بطلان اتفاق التحكيم واضحا، وبذلك يكون مشروع قانون التحكيم قد تبنى الاتجاه المنصوص عليه في قانون المسطرة المدنية الفرنسي من حيث التصريح بعدم الاختصاص إلا إذا كان اتفاق التحكيم باطلا بصورة واضحة.

المبحث الثاني
الرقــابة من خــلال تعـيين المحـكمين.
تتضمن تشريعات التحكيم نصوصا تكرس سلطة القضاء في التدخل في تشكيل هيئة التحكيم وتبين حدود هذا التدخل, شروطه وآثاره.
ويصبح هذا التدخل ضروريا طبقا للفصل 309 من قانون المسطرة المدنية في حالة تعذر تعيين المحكمين أو لم يعينوا مقدما و رفض أحد الأطراف عند قيام منازعة إجراء هذا التعيين من جانبه أمكن للطرف الآخر أن يقدم مقالا إلى رئيس المحكمة الذي سيعطي لحكم المحكمين القوة التنفيذية لتعيين المحكمين بأمر غير قابل للطعن.
وقد أبقى مشروع مدونة التحكيم نفس الاختصاص لرئيس المحكمة بمقتضى المادتين 13 و 14 واسند إليه صلاحية البت في الصعوبات المتعلقة بتشكيل الهيئة التحكيمية وتلك الناتجة عن تجريح أو عزل المحكمين وذلك في المادة 18، وكذلك فعل مشروع القانون رقم 08.05.
وبالنسبة للتحكيم الدولي أسندت المادة 49 من المشروع الاختصاص لرئيس المحكمة الذي سيتولى فيما بعد منح الصيغة التنفيذية للبت في صعوبة تشكيل الهيئة التحكيمية بشرط أن يكون التحكيم رائجا بالمملكة وان لا يوجد شرط مخالف.
أما إذا كان التحكيم رائجا خارج المملكة فالاختصاص يرجع للبت في ذلك لرئيس المحكمة التجارية بالرباط بشرط أن يتفق الأطراف على تطبيق قانون المسطرة المدنية المغربي.
غير أن تبني مبدأ " اختصاص الاختصاص" الذي وسع من صلاحيات المحكمين يمنع على رئيس المحكمة تعيين المحكمين ولو تبين له بطلان اتفاق التحكيم مادام ذلك من صلاحية هيئة التحكيم وذلك عكس ما تتبناه بعض التشريعات كما أشير إلى ذلك سابقا.
وأختم مداخلتي هذه بأن الأخذ بمبدأ " اختصاص الاختصاص" على إطلاقه قد يضر بمصالح الأطراف في حالة ما إذا كان اتفاق التحكيم باطلا أو أن النزاع المطلوب عرضه على المحكمين لا يشمله اتفاق التحكيم وقررت الهيئة التحكيمية إعمال الاتفاق والبت في النزاع ليعرض الأمر بعد ذلك على القضاء في إطار الطعن في الحكم التحكيمي بالبطلان وفي ذلك ضياع للوقت وإهدار للمصالح وتحميل الطرفين مصاريف التحكيم.
وقد أحسن المشروع رقم 08.05 عندما لطف من حدة المبدأ المذكور عندما خول للمحكمة رد الدفع  بالتحكيم إذا تبين لها أن اتفاق التحكيم باطلا بصورة جلية.
ولم يحسن الاختيار عندما قرر أنه يترتب، عند الأخذ بالدفع بالتحكيم، التصريح بعدم الاختصاص بدل عدم القبول انسجاما مع الاتجاه الذي يتبناه المجلس الأعلى والحديث من تشريعات التحكيم في العديد من البلدان.