9.19.2017

الخبرة كدليل إثبات في المادة الجنائية

الخبرة كدليل إثبات في المادة الجنائية











الخبرة كدليل إثبات في المادة الجنائية
للأستاذ عبد الناصر عصامي
المحامي بهيئة الدار البيضاء
والأستاذة عائشة العروسي




مقدمة:
ان الفلسفة العامة التي تسود الإثبات الجنائي تختصر في الحرية، وذلك ان الإثبات ينصب على  واقعة  طواها  الزمن ،  ويتعين إعادة تركيب صورتها كما وقعت حتى تنطبق الحقيقة القانونية مع الحقيقة الواقعية، وصعوبة ذلك تبرر اعتماد كل وسائل الإثبات المتاحة دون تقييد، خصوصا وان محل الإثبات يتسع ليشمل كل العناصر التكوينية للجريمة وما يلابسها من ظروف نفسية  ويواكبها من أسباب الإعفاء او التبرير وما الى ذلك.

ومن تم كان على القاضي ان يقوم بدور إيجابي فليس دوره فقط الموازنة بين الأدلة المقدمة  من  هذا  الفريق او ذاك، المثبتة او النافية، وانما عله اتخاذ كل المبادرات الضرورية والتحقق من صدق أية وسيلة تثار في سبيل الكشف عن الحقيقة وتكوين اقتناعه الصميم.

ولما كان الحكم على الشيء فرع من تصوره كما يقال المناطقة، فلا بد قبل تقدير أي واقعة  معينة  في  مظهرها القانوني  ان  يعرف عنه القاضي جميع الظروف الواقعية التي أحاطت بها، واذا كان هذا التقدير الأولي قد يكون سهلا على ضوء العناصر التي قد تتوفر في الملف واستجمعت خلال مراحل البحث، فان هناك حالات تستوجب اللجوء الى رجل الفن للكشف عن بعض العناصر المادية المكونة للجريمة حتى يتسنى تقديرها التقدير الصحيح، فمهما بلغت قدرة القاضي فانه يستعصي عليه تحليل جميع الحالات التي يتعرض لها خصوصا فيما يتعلق بتخصصات دقيقة ومعقدة تخرج عن إطار تكوينه وثقافته.

وقد كان اللجوء الى الخبرة في الماضي استثنائيا غيران أمرها  تعاظم نتيجة الطفرة التي عرفتها مختلف العلوم،  واطراد توسع دائرة التقنية خلال القرن الحالي، الأمر الذي نتج عنه تزايد  الأفعال الممنوعة قانونا بكيفية لم تكن متوقعة، وظهور عصابات الإجرام المنظم التي تضم المثقفين  ورجال العلم ليخلع الإجرام عنه طابعه العرضي وقد اصبح مجالا للتخصص يستخدم احدث  ما توصلت اليه التكنولوجيا ويعدد أساليبه كفن من الفنون الحديثة، مما تعجز عن مقاومته الوسائل التقليدية، وظهر نتيجة ذلك تناسب طردي بين تطور تقنيات ضبط الجناة والكشف عن الجريمة، وبين تقنيات الإجرام والإفلات من العدالة.

ومن تم اصبح الخبرة تكتسي طابعا من الأهمية بمكان بالنسبة للدعوى الجنائية،  اذ كثيرا ما يكون الحل القانوني متوقفا على الكشف عن نقطة واقعية معينة لا يمكن ان يتم الا بواسطة أخصائي.
ولا يعنينا في هذا البحث امر الخبرة في إطار الاستدلال او جمع الأدلة، علما انها في مرحلة البحث التمهيدي لا تدخل في إطار الخبرة بالمفهوم القانوني للمصطلح، اذ الخبرة كوسيلة من وسائل التحقيق القضائي لا تمارسه الا السلطة القضائية بعد تحريك المتابعة، والصلاحية المنصوص عليها في الفصل66 من ق. م.ج التي تتعرض بسرعة للاندثار، بحيث قد يتعذر تداركها فيما بعد،  ويقتصر دور الخبير على إبداء رأيه الفني المستخلص من المشاهدة دون ان يتعدى ذلك الى ما قد يخوله له الانتداب القضائي مما سنشير اليه في هذا العرض، ومن ثم لا يكون ضابط الشرطة القضائية مقيدا بالشكليات التي يفرضها القانون في حالة الانتداب فلا حاجة لان يكون الشخص الملتجأ اليه مسجلا في لائحة الخبراء المحلفين بل يكفي ان يكون مؤهلا لما يطلب منه، ونفس الأمر بالنسبة للفصل79 من م. ج المتعلق بالعثور على جثة شخص أسباب وفاته مجهولة او مرتاب فيها، اذ ان الأشخاص الذين يصحبون وكيل الملك قد يكونون أطباء او حتى أخصائيين في علم الكيمياء او علم الأسلحة النارية غيران مقتضيات القانون المتعلقة بالخبرة لا تطبق عليهم عدا اداء اليمين في جميع الأحوال التي تختلف صيغتها عن صيغة اليمين التي يؤديها الخبراء.

اما في إطار التحقيق الإعدادي فان الأمر يتعلق بانتداب الخبراء بكل ما في الكلمة من معنى ويخضع للضوابط والمقتضيات الواردة سواء في الفصل89 من ق. م.ج او في الفصول من181 الى 188 من ق. م.ج وقد أحال الفصل296 من ق. م.ج الذي جاء في إطار الفرع المتعلق بوسائل الإثبات على مقتضيات بعض هذه الفصول حيث نص على انه" يتعين على القاضي الذي يأمر بإجراء أعمال أهل الخبرة ان يراعي في ذلك مقتضيات الفصل171 وما يليه الى غاية الفصل175، والفصل 179 وما يليه الى غاية الفصل188 من هذا القانون".

القسم الاول:
ماهية الخبرة وبعض خصائصها
كوسيلة إثبات في المادة الجنائية

الفرع الاول: ماهية الخبرة وتمييزها عن باقي وسائل الإثبات
يعرف البعض الخبرة بأنها " مسطرة تستهدف استعمال معارف أخصائي لتسليط الأضواء على مسالة يتوقف حلها على  تقنية لا يتوفر عليها القاضي"  وأنها "إجراء يتعلق بموضوع يتطلب إلماما بمعلومات فنية لإمكان استخلاص الدليل منه" او إنها " الاستشارة الفنية التي يستعين بها القاضي او المحقق في مجال الإثبات لمساعدته في تقرير المسائل الفنية التي يحتاج تقديرها الى معرفة فنية او دراية علمية لا تتوافر لدى القضاة بحكم العمل والثقافة".

فالخبرة تفترض وجود واقعة مادية او شيء يصدر الخبير رأيه فيه بناء على ما استظهره منه، وتفترض استجماع معلومات لا يمكن التوفر عليها الا بمساعدة شخص مختص يطلب منه مد المحكمة بجواب في شكل رأي شخصي ومعلل، فلا تتصف بطابع الخبرة، مجرد المعاينة او كل  عملية اخرى لها طبيعة مادية، فالخبرة تقوم على رأي الخبير اكثر مما تقوم على جمع الأدلة هذا الرأي الذي يستأنس به القضاء في مسائل يصعب عليه تفسيرها دون الرجوع الى الأخصائي  باعتبارها مسائل تقنية بحتة لا علاقة لها إطلاقا بالمسائل القانونية التي هي من محض وظيفته وتخصصه.

وتتميز الخبرة بذلك عن باقي وسائل الإثبات فهذه كشهادة الشهود ونتائج التفتيش والمعاينة وغيرها، تعد بمثابة عناصر مكونة للإثبات الذي ينفرد القاضي بتقديره، اما الخبرة فتنصب على الإدلاء بقاعدة فنية او علمية فهي إجراء مساعد للقاضي في تقدير الأدلة المختلفة بغر ض الوصول الى الحكم وهو نتيجة الإثبات.

غيران الخبرة ينظر إليها في كثير من الاحيان كشهادة، بل انها والى الان تعتبر في القانون الإنجليزي نوعا من الشهادة حيث تسود التفرقة بين الشاهد العادي والشاهد الخبير، والمسطرة الجنائية المغربية في التعامل مع الخبراء لم تميزهم عن الشهود أثناء الاستماع اليهم فقد نص الفصل332 م ج على الاستماع في الجلسة الى أقوال الخبراء وفق نفس الكيفيات المقررة بخصوص الشهود بعد ان نص في الفصل189 ق . م.ج على جواز الاستماع الى الخبراء المنتدبين من طرف قاضي التحقيق بصفتهم شهودا في الجلسة مع ما يستتبعه ذلك من اداء الشهادة شفاهيا دون إمكانية الاستعانة بمذكرات كتابية الا بصفة استثنائية وبإذن من الرئيس، وأداء اليمين القانونية علما ان الخبير يختار من لائحة الخبراء المحلفين او يكون قد أدى اليمين سلفا قبل مباشرة مهامه طبقا للفصل 172 ق . م.ج وما يليه مما يطرح ضرورة تمييز الخبرة عن الشهادة.

ان الخبرة وكما سبق التعريف وسيلة لمساعدة القاضي من الوجهة الفنية في تقدير دليل قائم في الدعوى، ودليل الإثبات فيها ينصرف الى رأي الخبير المثبت في تقريره اما الشهادة فهي إدلاء  الشاهد بمعلومات معينة عن الغير او عن واقعة توصل إليها بإحدى حواسه أي هي تعبير عن مضمون الإدراك  الحسي للشاهد بالنسبة لتلك الواقعة وهي وسيلة إثبات تهدف الى جمع او استكمال الأدلة اللازمة في الدعوى.

فالشاهد يدلي بأقواله كما حدثت في ماديتها، أما الخبير فتنصرف أقواله الى تقييمه الفني للواقعة محل الخبرة وفق اصول متبعة ويترتب على ذلك انه لا يجوز سماع الخبير ذا كان إجراء الخبرة وقع باطلا.
وكذلك فالشاهد تخلقه الجريمة، اما الخبير فتختاره المحكمة، فيكون ممثلا لها ويكون عمله جزءا من عملها او متمما له بوصفه من مساعدي القضاء.

فالأول - أي الشاهد -  شاءت ظروفه ان يكون متواجدا في مسرح الأحداث او له علاقة بشخوصها، بينما الثاني شخص دخل الدعوى بتكليف رسمي من السلطة القضائية لما له من دراية في مجال تخصصه، فتكون إفادته لها صبغة فنية وليست حكائية، ومن تم لا يتأتى استبدال الشهود في حين يجوز استبدال الخبراء.

والخبير إضافة الى  كل ذلك يقوم بنشاط إيجابي يتعلق بإجراء أبحاث واختبارات مختلفة حتى يتمكن من تكوين  وجهة نظره في المسالة المطلوبة فحصها بما في ذلك الاطلاع على أوراق الملف والاستعانة بغيره من التقنيين وتسلم الأشياء المحجوزة، والاستماع الى الأشخاص الذين قد تساعد تصريحاتهم على إنجاز مهمته، بل واستنطاق المتهم بمحضر القاضي، وفي غيبته بالنسبة للأطباء المكلفين بفحص المتهم ( الفصول 181-182-183 ق م ج ) ويصدر تقريرا يصف فيه كل العمليات التي قام بها شخصيا ونتائجها ( الفصل185 ق م ج).

كل هذه الخصوصيات وغيرها تنأى بإجراء الخبرة عن اعتباره من قبيل الشهادة. وتجعل من الخبير مساعدا للقضاء يضع إمكاناته الفنية والتقنية رهن إشارته كلما احتاج إليها وقام بندبه، لا شاهدا جعلته الظروف على علاقة ما بالجريمة يفضي بما أدركه منها عن طريق حواسه.

الفرع الثاني: بعض خصائص الخبرة كوسيلة إثبات:
المبحث الاول: جوازية اللجوء الى الخبرة:

الخبرة في الأساس تعتبر جوازية بمعنى  ان القاضي ليس ملزما بالقضاء بالخبرة، كما انه لا يسوغ لأي طرف إلزامه بذلك وهذا ما اكد عليه الفصل171 من ق م ج.
فأمر اللجوء الى الخبرة موكول الى السلطة التقديرية للقاضي، وهي سلطة لا تخضع لرقابة المجلس الاعلى، كما ان الطلب الصادر من النيابة العامة او المترافعين  لا ينتج " اثر أتوماتيكيا"  فالقاضي يجوز له اما الاستجابة للطلب واما صرف النظر عنه، وانه فقط في الحالة الثانية - أي عندما  لا يأمر بإجراء الخبرة المطلوبة -  يكون ملزما عملا بالفقرة الثالثة من نفس الفصل171 م ج بان " يصدر … أمرا معللا باسباب".

وهذا المبدأ يتلاءم مع اعتبار ان الاصل هو قدرة القاضي على حل جميع المشاكل التي تعرض عليه، فهو خبير  في مهنته، وهو خبيرالخبراء، ولذلك اهله القانون  لإصدار الحكم في جميع القضايا التي تقدم إليه.
ومع ذلك،  فلا منازعة في تعذر الإحاطة الشاملة بجميع المعارف الإنسانية بما يتطلبه الأمر من دقة و تخصص، ومن ناحية فان طلب المترافعين للخبرة يعتبر من الوجهة القانونية من وسائل الدفاع التي يحرص القانون على ضمانها لهم، كما ان المشرع  قد يقرر في قانون خاص إلزامية الأمر بإجراء خبرة اذا تقدم المترافعون بطلبها وينزع سلطة القاضي التقديرية بهذا الخصوص.

فالمحكمة ليست ملزمة بالاستجابة لطلب ندب الخبير مادامت قد رأت عدم جدوى ذلك الإجراء إزاء وضوح الواقعة موضوع طلب الخبرة الذي استظهرته من مستندات الملف او باعتبار انه غير منتج في الدعوى فللمحكمة كامل السلطة في تقدير القوة التدليلية لعناصر الدعوى المطروحة، وهي الخبير الاعلى في كل ما تستطيع ان تفصل فيه بنفسه.

غير انه إذا اعترضت المحكمة واقعة فنية وان كان لها ان تتخذ ما تراه بشأنها من وسائل بحثها او فهما مستعينة في ذلك بالحقائق العلمية الثابتة حيث يكون استنادها الى تلك الحقائق مبنيا على اساس علمية سلمية ثابتة بمصادر المعرفة المتعلقة بالمسالة موضوع البحث ثبوتا لا يحتمل تفسيرا او تاويلا، فانها تكون ملزمة بندب خبير في جميع المسائل الفنية البحتة التي يتوقف عليها تكوين اقتناعها، ويتعذر عليها ان تشق طريقها فيها، وهذا أمر تفرضه قواعد العدالة والمنطق فليس للمحكمة ان تحل نفسه في مثل هذه المسائل الفنية البحتة محل الخبير، او ان تدحضها مستندة الى معلومات شخصية، وقد أكد هذا الثابت الاجتهاد القضائي نفسه فساق في أحد القرارات  بان :
" الكشف عن كنه المادة المضبوطة والقطع بحقيقتها إنما هي مسالة فنية لا يصلح معه غير التحليل، ولا يكتفي فيه بالرائحة ولا يجدي في ذلك التدليل على العلم من ناحية الواقع  فإذا خلا الحكم من الدليل الفني الذي يستقيم به قضاؤه، فانه  يكون معيبا متعينا نقضه"
(14-3-60 أحكام النقض س11 ق48 ص231 المرصفاوي في ق أ ج)
وفي جميع الأحوال فعلى المحكمة ان تعلل عدم استجابتها لطلب ندب الخبير لأنه رفض لوسيلة من وسائل الدفاع، وقد يكفي في التعليل تصريح المحكمة بانتفاء الحاجة الى الخبرة غير انه انسجاما مع ما أثبتناه، فان المحكمة في حالة عدم الاستجابة ان تعلق الأمر بالمسائل الفنية البحثة ان تعلل ذلك في أسباب حكمها استنادا الى مصدر علمي قاطع في المسألة الفنية والا كان حكمها معيبا بالقصور وبالإخلال بحق الدفاع.

ورفض طلب الخبرة الصادرة من المحكمة أضاف الى وجوب ان يكون معللا، فتتقيد سلطة القاضي بإلزامه بالتعليل، فانه قابل للطعن بالاستئناف لكن بعد صدور الحكم في الموضوع وفي نفس الوقت الذي يطلب فيه استئناف هذا الحكم طبقا للفصل386 ق م ج.

وقد يعمد المشرع في بعض الأحيان الى وضع حد للسلطة التقديرية للمحكمة بهذا الخصوص بموجب نص خاص كما في النص المتعلق بميدان زجر الغش ظهير5/10/84 الفصل36 منه فيكون القاضي ملزما بإجراء الخبرة ولا سبيل الى رفضها ولو علل رفضه اذ جاء فيه " اذ تمت المنازعة في مستنتجات تقرير او تقارير التحليل في جلسة واذا طلب المتهم إخضاعها لخبرة جديدة فان على المحكمة ان تأمر بها" وهذا الفصل هو نفسه الفصل23 من القرار الوزاري الصادر في6 دجنبر1928 المعدل بالقرار المؤرخ في 2 مارس1931 الذي اكد بخصوصه المجلس الاعلى الطابع الوجوبي للخبرة  كما يلي: " يتجلى من الفصل23 من القرار الوزاري الصادر في 6 دجنبر1928 انه اذا وقع نزاع حول نتائج وتقارير المختبر الرسمي، وطلب الظنين اجراء خبرة على البضاعة فانه يؤمر بها لزوما من طرف المحكمة.
وانه يستوجب النقض القرار الذي يدين الظنين دون ان تأمر محكمة الاستئناف  قبل ذلك بإجراء الخبرة طلبت منها"
( قرار رقم1127 بتاريخ31 يناير85 منشور في المجلة المغربية للقانون)
فالمبدأ العام اذن هو جوازية تعيين الخبير وعدم إلزامية الاستجابة لطلب الخبرة، والمحكمة بسبب ما تستلزمه الخبرة من نفقات وما تستهلكه من فترات زمنية، وما للقاضي من  حرية في تكوين اقتناعه لا تسلك سبيل الخبرة، إلا اذا كانت المسالة الموجبة لها مستعصيا الحل، ولا يغني عنها تدقيق الوثائق وإجراء المقابلات، وكما ان لكل قاعدة استثناء اما عن طريق  نص خاص يسبق على القاعدة العام واما عن طريق التكريس بواسطة الاجتهاد القضائي فقد أشرنا الى حدود هذا الاستثناء.

المبحث الثاني: انتداب الخبراء واختيارهم مقصور على المحكمة:
اختار المشرع المغربي طريقة إسناد اختيار الخبراء وعددهم الى المحكمة، فلا يحق للمترافعين تعيين خبراء لمؤازرة خبير المحكمة او مراقبة، فالمحكمة تنفرد بالاختيار من لائحة الخبراء او من خارجها بصفة استثنائية بموجب مقرر معلل باسباب ( طبق لظهير30/3/60 المتعلق بوضع جداول الخبراء وقرار27/5/75) كما لها ان تعين اكثر من خبير حسب أهمية  الواقعة المراد إنجاز الخبرة بشأنها، ولم يخول المشرع إمكانية اختيار الخبير للمهتم او لمحاميه امام جلسة الحكم كما  خول لهما ذلك عندما يصدر قاضي التحقيق مقررا بإجراء أعمال الخبرة في الفصل177 من ق. م. ج الذي يشكل في الحقيقة استثناء الغاية منه الاحتياط لحقوق المتهم لان الإمارات او المواد القابلة للتغيير، اذا تغيرت او اندثرت تعذر عليه الطعن في تقرير الخبير عن طريق طلب الخبرة المضادة وذلك في إطار الاستدلال او جمع الآجلة.

وقصر انتداب الخبراء واختيارهم على المحكمة ينسجم في الحقيقة مع اعتبار الخبراء من مساعدي القضاء فالخبير المنتدب  من قبل المحكمة يعتبر ممثلا لها فيكون عمله جزءا من عملها او متمما له، ويثور بشان ذلك تساؤل حول ما إذا كان للخبير ان يفشي ما يعتبر من قبيل الأسرار المهنية فإذا لم يكن مثلا للطبيب ان يشهد شفاهة امام القضاء عن وقائع تعتبر من أسرار المهنة، فان الاجتهاد القضائي الفرنسي قد سلم بان الخبير الطبيب مثلا ان يضمن تقريره هذه الأسرار إذا انتدبته المحكمة  لعمل من أعمال الخبرة دون ان يستهدف لمتابعة او عقوبة، فاذا ضمن تقريره ما وصل الى علمه من أسرار بمقتضى مهنته فلا يكون قد أفضى بهذا السر الى الغير، على ان  يقدم تقريره للمحكمة وحدها في الحدود التي حددتها  له محكمة كرينوبل في 29/1/1990 دالوز1909-2-121 وكانت المحكمة قد عينت طبيبا خبيرا لفحص الحالة النفسية او المرضية لشخص معين، وقدم تقريرا للمحكمة  متضمنا بعض الأسرار التي حصل عليها بمقتضى وظيفته نتيجة فحصه، وأضافت المحكمة ان الطبيب هنا بوصفه وكيلا عن العدالة ملزم بان يقدم كل المعلومات التي لاحظها، الا ان المعلومات الاخرى التي لاحظها ولكنها خارج حدود تنفيذ الوكالة يظل خاضعا لالتزام السرية بالنسبة لها، وانه لا يمكن رفع دعوى على خبير بسبب مخالفته القانون فيما يتعلق بإفشاء السر المهني مادام  يعمل في حدود اختصاصه وقدم تقريره الى المحكمة ذاتها التي أمرته بإنجاز الخبرة).

ومن متتبعات الاختيار الموكول للمحكمة ان على الخبير المعين ان يلتزم بتنفيذ هذا الاختيار ويحترمه فيقوم هو شخصيا بالعمليات المسندة اليه ويشير الى ذلك في تقريره، فالمحكمة باختياره باسمه وضعت ثقتها فيه لا في غيره بالنسبة للقيام بالمهمة المحددة، لكن ليس معنى  هذا انه يجب الا  يستعين بالغير من معاونيه ومساعديه، كما ان هذا الخبير قد يجد نفسه هو الآخر ملزما باللجوء الى أخصائي في مادة معينة تتجاوز اختصاصه وتعترض إتمام القيام بمهمته، انه في هذه الحالة ينبغي التفصيل:

1- إذا اقتضى الأمر الاستعانة بأخصائي اخر  للقيام بعمل مادي دون تدخل منه في إبداء الرأي فله ذلك مثل ان يطلب الطبيب المنتدب  لفحص المصاب مثلا  صورة بالأشعة لمكان الإصابة من طبيب الأشعة، وكذلك ان يستعين الخبير المنتدب لفحص اثار معينة بشخص فني في رفعها ونقلها بحالتها الى حيث يمكن فحصه.
2- ان تتعدى طبيعة الاستعانة ذلك الى قيام الخبراء الاخرين  - الذين لهم اختصاص مخالف بطبيعة الحال - بإبداء الرأي، ففي هذه الحالة لا يجوز  له ذلك الا بتصريح وإذن من المحكمة طبقا للفصل181 ق. م.ج ويعين هؤلاء التقنيون المستعان بهم بأسمائهم ويكونون على الخصوص مختارين لكفاءتهم ويؤدون اليمين ويضاف تقريرهم بكامله الى تقرير الخبير المنتدب الذي  يستنتج منه ما هو صالح لخبرته.

وإذا كان اختيار الخبراء مقصورا على المحكمة فهل للمترافعين دور في ذلك وهل يملكون من وسائل للتدخل؟
ان الفصل176 من ق. م.ج خول للمترافعين في مرحلة التحقيق خلال ثلاثة أيام من تبليغهم قرار الانتداب إبداء ملاحظاتهم  حول اختيار الخبير او المأمورية المسندة اليه في  صيغة غير نزاعية، أي ان قاضي التحقيق لا يكون ملزما بالجواب عن هذه الملاحظات وإصدار قرار في موضوعها، وانما له ان  يؤاخذها في الاعتبار او يتركها، كما خول للمتهم او محاميه ان يختار خبيرا مساعدا إذا كان الشيء الذي ستنصب عليه أعمال الخبرة قابلا للتغيير أو التلاشي،  ويكون لزاما على قاضي التحقيق  تعيين  ذلك الخبير المساعد لمؤازرة الخبير المعين لتعلق الأمر بحقوق الدفاع، فيطلع الخبير  المساعد على كل الاوراق التي يطلع عليها الخبير المنتدب ويقدم  الاقتراحات المفيدة و يضمن تحفظاته مذكرة تصحب بتقرير الخبرة (185 ق. م.ج) ويجد ذلك تبريره في تعذر المطالبة بخبرة تكميلية او مضادة في حالة تغير الأشياء موضوع الخبرة او تلاشيها.

غير ان هذه المقتضيات خاصة بمرحلة التحقيق لان الفصل 296 ق. م.ج لم يحل على الفصول176 و177 و178 ق. م.ج المتعلقة بما سلف بيانه.
فهل معنى ذلك ان  المترافعين ليس لهم دور إيجابي فيما يتعلق بصلاحية انتداب واختيار الخبراء المقصورة على المحكمة؟
مبدئيا فان مأمورية الخبراء ليس الغرض منها سوى إمعان النظر في مسائل تقنية، وعندما يأمر بها القاضي فإنما لمساعدته على تقرير الدليل او الأدلة التي ستنصب  عليها الخبرة ، بخلاف الأمر في إطار البحث الإعدادي حيث يتعلق الأمر بجمع الأدلة، وعلى ذلك فان المسطرة الجنائية لم تتطرق الى ما يتعلق بالمقتضيات المتعلقة بتجريح الخبراء، وبيد وان هذه الإمكانية متاحة للمترافعين ولو ان الموضوع الذي تنصب عليه الخبرة التقنية في الميدان الجنائي موضوعي محض، للحد من أي تجاوز يتسبب فيه خبير مغرض، قد يغلب أهواءه  على ما تقتضيه الصرامة العلمية من حياد،  ومن التزام أصول العلم الموضوعي المنزه عن التأثيرات الشخصية، سيما  وانه لا مبرر لاستثناء الخبراء من إمكانية تستهدف حتى القضاة ( أخذا في الاعتبار ان الخبير لما كان يحوز معرفة فنية تضفي عليه نفوذا معينا في مجالها قد تجعل له تأثيرا على عقيدة القاضي )، كما ان عدم التجريح لعدم توفر موجباته لا يمنع المترافعين من إبداء الملاحظات التي يرونها مفيدة بعد وضع التقرير بالاضافة الى إبداء  ملاحظاتهم حول استنتاجات الخبراء، وتقديم الطلبات الرامية الى إجراء خبرة تكميلية  او مضادة.

المبحث الثالث: إنجازه الخبرة تحت إشراف ورقابة القضاء:
ان إنجاز الخبرة يتم تحت إشراف ومراقبة القاضي الذي تعهد له المحكمة بذلك كلما أمكن وعلى الخبير ان يخبر القاضي بتطور عملياته المنجزة ويمكنه من كل ما يجعله في أي وقت وحين قادرا على اتخاذ كل الإجراءات المفيدة ( الفصل 180 ق. م.ج).

فالخبير أثناء قيامه مهمته يبقى دائما على اتصال مع القاضي، وعليه ان يطلعه على سير أعماله، وان يرجع إليه عند كل صعوبة تعترضه، او قد تحول دون أدائه مهمته على الوجه الأكمل، حتى يكون على بينة من جميع الإجراءات المتخذة ومتطلبات إنجاز الخبرة، مع ما يقتضيه ذلك من تعديل او توسيع المهمة المسندة الى الخبير، وان اقتضى الامر ان يستبدل به خبراء  آخرين، وفي حالة استبدال الخبير فعلى المستبدل ان يخبر القاضي بما قد يكون أنجزه من أبحاث، كما ان الاستعانة بخبراء آخرين يكون بإذن من القاضي، وكذا استنطاق المتهم ان اقتضته مأمورية الخبير يجب ان يكون بمحضر القاضي باستثناء ما اذا تعلق الأمر بالأطباء المكلفين بفحص المتهم ( الفقرة الأخيرة من الفصل183 ق. م. ج)


كما لم يستلزم ضرورة حضور الخصم إجراءات الخبرة غير انه يجوز للمترافعين ان يطلبوا من المحكمة خلال إنجاز أعمال الخبرة ان تأمر الخبير بإجراء بعض الأبحاث  والاستماع الى كل شخص  يعين باسمه قد يكون قادرا على  تزويد بمعلومات تقنية.

ويتقيد الخبير بالأجل المحدد له في قرار الانتداب، وان تعذر ذلك وطلب الخبير التمديد بملتمس معلل فللقاضي تمديد الاجل، ويقدم الخبير تقريره الى المحكمة كتابة في الميعاد المحدد.

ويمكن ملاحظة ان الرقابة القضائية ليست  رخصة للقاضي، بل هي التزام عليه، وهي رقابة من طبيعة إجرائية محضة، اذ لا يتدخل القاضي في المسائل الفنية التي هي من اختصاص الخبير، كما ان هذه الرقابة بالنظر الى طبيعة الخبرة في المادة الجنائية بديهية، اذ ليست الخبرة مقصودة في حد ذاتها، وانما هي وسيلة تلتجئ إليها المحكمة عند الضرورة، ولهذا فان المحكمة باتخاذها لهذا الإجراء لم تتنازل عن سلطتها ولا عن اختصاصاتها.

ويترتب من ذلك عدم الاعتداد بالخبرة التي تنجز بمبادرة من أحد المترافعين دون ان تأمر بها المحكمة، وتكون عديمة المفعول، فلا مجال لما يصطلح عليه بالخبرة الودية، اذ الخبرة المعول عليها هي التي تنجز بناء على أمر المحكمة وتحت إشرافها.

المبحث الرابع: محدودية نطاق مهمة الخبير:
ان استعانة المحكمة بالخبير تكون في حالة ما اذا أريد تعرف رأيه في مسالة معينة ومن تم كان منطقيا ان تحدد له ما هو مطلوب تعرف الرأي فيه، وقد أشرنا الى الطابع الخاص للخبرة التي يجب ان تنحصر في دراسة المشاكل التقنية التي لا إلمام للقاضي بها، ولا يتوفر على المعارف الكافية لحلها، وعلى ذلك يجب ان تكون المهمة المسندة الى الخبير محددة تحديدا دقيقا من لدن القاضي في نطاق دراسة نقطة فنية دون أي تفويض يهم أبحاثا أخرى يعود على القاضي القيام بها بنفسه، ويقتضي الأمر ان يتحرى القاضي تحديد المهمة بتفصيل وتدقيق فيضمن قراره بيان أنواع التحقيقات وما يراد إثبات حالته من الوجهة التقنية، يتجنب تكليف الخبير بأي مشكلة قانونية كإبداء رايه في المسؤولية الجنائية او البحث عن العناصر المكونة للجريمة، او غيرها من النقط القانونية، غير انه ان بدا ان هذه القاعدة سهلة في صيغتها فإنها مع ذلك تثير صعوبات فعلية فمن الصعب أحيانا تحديد مهمة الخبير في الميدان الفني خصوصا اذا تعلق الأمر ببعض الجرائم التي تكون عناصرها مبينة على  كيان  قانوني كبعض جرائم الأموال، كما ان الأطباء المكلفين بخبرة نفسانية مثلا قد يضطرون الى الاستناد على عنصر قانوني عندما يؤكدون ان المتهم الذي اجري عليه الفحص مسؤول او غيرها مسؤول عما يصدر عنه من أفعال.

ومهمة القاضي تنتهي عند هذا الحد فليس له ان يلزم الخبير باتباع وسائل معينة في بحثها أو يباشر إجراء ما على وجه معين، فكل ما هو مطلوب من الخبير هو تعرف رايه في مسالة فنية، اما كيفية الوصول إليه فهو امر متروك  لتقديره، والا  لم يكن هناك أي محل للاستعانة به، فله إذن كامل الحرية في ما يتطلبه اداء المأمورية، وحسب الأساليب والطريقة التي يعتبرها لائقة مادامت متماشية مع القواعد التقنية والعلمية، وان كان للقاضي ان يستوضح الخبير، عن بعض الأمور التي تستلفت انتباهه بهذا الخصوص .

ولاشك ان الصعوبة تثار بتنوع القضايا،  إذ على القاضي في كل الأحوال ان يحدد الغاية التي يتوخاها من تعيين الخبير، وعلى ضوئها يتأتى له ان يحدد بصفة دقيقة وواضحة مهمته، وفي جميع الأحوال ينحصر تكليف الخبير في التقدير المادي للوقائع وليس من اجل تنوير القاضي بشان معطيات قانونية.

وعلى الخبير بدوره ما دام يستقل بتطبيق الأسلوب الذي يرتئيه في البحث، ان يلتزم أصول الفن، وألا يختار الوسائل المهجورة او التي ثبت عقمها من الناحية العملية والفنية، بل يلزم ان يكون متابعا لأحدث  ما وصل اليه العلم،  كما يجب عليه الا يقبل المهمة المسندة اليه في حين أنها تتجاوز اختصاصاته، او متابعة الخبرة بعدما ثبت له ان بعض جوانبها يتطلب الاستعانة بتقنين.

وعلى الخبير ان ينصرف في تقريره فقط الى الوقائع اللازمة لإصدار رأيه الفني، فلا يجوز له ان يتجاوز ذلك الى وقائع  أخرى ويعطي رأيه فيها طالما انه لم يطلب منه ذلك، كما يجب الا يضمن تقريره أي رأي حاسم بخصوص وجود جريمة ما بل عليه فقط ان يلتزم حدود السؤال، وان كان ذلك لا يمنع من ان يورد ملاحظاته الشخصية على الواقعة موضوع الخبرة فضلا عن رأيه الفني فيها.

ونشير بالرغم من ذلك الى ان تتجاوز الخبير حدود المهمة المسندة إليه لا يستوجب أي جزاء ولا مانع ان تستأنس المحكمة بالآراء التي جاءت في هذا الإطار، وان كان إبداؤها غير جائز باعتبار انها تتعدى حدود المهمة المحددة من القضاء  نفسه.


القسم الثاني:
القيمة الإثباتية للخبرة
رأينا ان انتداب الخبراء إنما يتوخى منه القاضي الزجري توضيح بعض الوقائع التي يرى ان التثبت منها يساعد في الوصول الى الحقيقة يعني ان اجراء الخبرة في أساسه مرتبط بتقديره الشخصي الذي يستند على دراسة مجموع أوراق الملف سواء بالنسبة لمدى ثبوت الواقعة ذاتها او بالنسبة لعلاقتها بالكشف عن الحقيقة.

واذا انتدب القاضي احد الخبراء  فان سلطته التقديرية تتدخل في تحديد مهمته في نقطة بعينها او جانب معين دون نقط او جوانب أخرى، وتنجز الخبرة تحت رقابة القاضي وإشرافه.

وهكذا  فمنطلق الأمر بإجراء  خبرة هو السلطة التقديرية للقضاء واذا كان هذا شأن الخبرة  في مبدئها، فان نتائجها كذلك غير ملزمة للجهة التي أمرت بها بل تبقى مجرد وصف لمسائل علمية او فنية عاينها الخبير وليس لها بالتالي سوى قيمة البيانات.

ولعله قد يثور التساؤل حول دواعي إخضاع الخبرة للسلطة التقديرية ومبررات ذلك وسنحاول ان نجيب عنه بعد ان نتحدث عن مظاهر ربط الخبرة باقتناع القاضي في إطار السلطة التقديرية المخولة له وقيود هذه السلطة .
الفرع الاول: مظاهر سلطة المحكمة في  تقدير الخبرة
ان سلطة المحكمة التقديرية مطلقة في تقدير قيمة التقرير الذي قدم من الخبير وفي مدى دلالته على الحقيقة ولا معقب عليه مادام أنها لم تخالف في ما ذهبت إليه مقتضى المنطق والقانون.
فلها ان تطرحه وتستبعده، ولها ان تأخذ  به وتعتمده، ولها ان تجزئه فتأخذ ببعض ما ورد فيه وتطرح البعض الاخر، وللمحكمة الجزم في المسائل التي تتسق ووقائع الدعوى حتى ولم لم يجزم فيها التقرير براي، ويجوز لها ان تعتمد تقارير الخبراء المقدمة في التحقيقات الأولية، وتستند إليها في حكمها،  كما انه لا مانع يمنع من الأخذ بالطرق الفنية للتحري التي قامت بها الضابطة القضائية ما دامت مشروعة دون  ما ورد في تقرير الخبير المنتدب من طرفها.

كما ان المحكمة عند أخذها بتقرير خبرة واطراحها لباقي التقارير تكون غير ملزمة بمناقشة التقارير الاخرى طالما لم تر لها محلا ولم يطلب الخصوم منها شيئا من ذلك.
وإذا اختلف خبيران في الرأي فليست المحكمة ملزمة بمواجهتهما، وانما تملك  ترجيح أحدهما على الآخر تبعا لاقتناعها، ولكن هل تلزم ببيان أسباب الترجيح؟
قد يرى بان المحكمة غير ملزمة بتعليل اقتناعها، وبالتالي فهي غير ملزمة بذلك، غيران ترجيح رأي خبير على رأي آخر لا يمكن فقط ان يبني على مجرد الرأي التحكمي وانما يستند الى ما تراه المحكمة مؤيدا بوقائع الدعوى.
واذا ورد في التقرير رأي على سبيل الترجيح فان المحكمة وفقا لظروف الدعوى المعروضة امامها كذلك ان تجزم بصحة هذا الرأي لأنه يتفق وباقي الأدلة المعروضة ولا يقال ان المحكمة بنت حكمها على الاحتمال والظن.
ذلك انه ان لم يكن للقضاء ان يؤسس قضاءه بالإدانة على ترجيح ثبوت التهمة او على دليل ظني مبني على مجرد الاحتمال، فان له ان يؤسس قضاءه بالإدانة على ترجيح فرض على آخر، ولا حاجة لبيان اوجه الترجيح متى كانت الوقائع والأدلة التي سردها تساعد عليه من غير حاجة الى بيان  جديد.

الفرع الثاني: مبررات إخضاع الخبرة للسلطة التقديرية
ان الخبرة في أساسها مجرد استنتاج  لحقائق ونتائج معينة من احدى الوقائع المعروضة على المحكمة، ويقوم بها خبير غير معصوم من الخطأ، ودورها ودور الخبير الذي أنجزها انتهاء لا يزيد على دور الإرشاد والمساعدة على اجلاء الغموض عن واقعة مادية من وقائع الملف التي قد لا تشكل الا جزءا من كل.

اما تقدير كل وقائع الملف والفصل فيه فموكول الى القاضي بما يقتضيه ذلك من تقدير القوة التدليلية  لعناصر الدعوى، وتقدير كل الأدلة المتوفرة بما فيها الخبرة وتكوين الاقتناع على ضوئها، ولذلك تبقى للقاضي السلطة الكاملة لتقدير مدى سلامة الاستنتاج الذي انتهت إليه الخبرة في اطار كل ملابسات القضية ونعرض لهذه المبررات على التوالي:

المبحث الاول: تعلق الخبرة بنقطة تقنية دون باقي عناصر الدعوى:
ان القاضي لا يمكنه ان يستند الى الخبير او الخبراء القيام بالفصل في كل النقط بالنيابة عنه، فذلك لا يعقل منطقا ولا قانونا، فهو لا يلتجئ الى الخبير الا بخصوص مسالة محددة  معينة تستوجب ابداء رأي فني، فالخبرة في أساسها انما تنصب على جانب محدد في القضية المنظورة وتتجه الى مساعدة القاضي من الوجهة الفنية في تقرير دليل قائم في الدعوى.

فتقرير الخبرة من هذا المنظور يبقى قاصرا على الجانب الذي اسند الى الخبير مهمة إبداء الرأي بشأنه، وكذا محتويات الملف فقط التي تساعد على انجاز هذه الخبرة، ويشكل دليلا بجانب باقي الادلة الاخرى، ونظر القاضي انما يكون الى كل هذه الادلة في مجموعها، بل ويتعين ان يكون شموليا في سبيل تكوين الاقتناع الصميم 
نعم، قد تكون النقط التي أسندت للخبير لإبداء رأيه الفني فهيا حاسمة فيما يتعلق بثبوت وقوع الجريمة او نسبتها، وبالتالي تشكل الحد الفاصل بين موقفين قد يتقرر مصير المتهم بناء على الأخذ بأحدهما دون الاخر من طرف القاضي.
غير انه حتى في هذه الحالة فان المرجع الاول والأخير الى اقتناع القاضي الذي له ان لم يطمئن الى رأي الخبير المضمن في تقريره ان يستبعد هذا التقرير، او ان يأمر باجراء خبرة ثانية او غير ذلك مما يراه مناسبا، وان وجد تعارضا بين التقريرين فليس هناك أي قيد في ان يندب خبيرا ثالثا للترجيح بين الرأيين، أو إبداء رأيه هو شخصيا في الواقعة ذلك ان مبدأ الإثبات الوجداني يجعل للخبرة  بالرغم من أهميتها في هذه الحالة دورا ثانويا امام الاقتناع  الصميم.

المبحث الثاني: إنسانية الخبرة 
ان عمل الخبير عمل بشري، وهو ليس معصوم بل انه كسائر البشر معرض للخطأ والغلط والتوهم والهوى وما الى  ذلك من العوارض، كما ان الزمن يبرهن يوما بعد يوم ان المعرفة البشرية ينقصها التأكيد واليقين، وكما ان للشاهد عيوبه التي تنال من صدق شهادته وقيمتها ولو على غير إحساس منه بذلك، الأمر الذي يتصدى للتعمق في دراسته علم النفس القضائي، فان الخبير كذلك تعتريه وجوه نقص او عيب تؤثر في حسن أدائه لدوره ولو كان لا يفطن اليها، ويعني كذلك علم النفس القضائي باستظهارها.

ومن تم كان من الضروري إخضاع عمل الخبير الى النقد والى التمحيص والى إعادة النظر وكل الوسائل التي تدخل في إطار السلطة التقديرية للقضاء .
كما ان كفاءات الخبراء وقدراتهم العلمية والمهنية تختلف وتتفاوت، ومن هذا الجانب أيضا فان اراء الخبراء تقترب من الشهادة فيؤخذ بالاعتبار مدى كفاية الخبير المهنية الى جانب ما لقدراته الذكائية وحالته النفسية من اثر في مدى سلامة ارائه واستنتاجاته.

بالاضافة الى ان وجهات النظر قد تختلف في المسالة الفنية الواحدة وقد نجد تقارير تتضارب في استنتاجاتها بخصوص معالجة موضوع  واحد، ومن تم يتبين مدى العبء والجهد الذي على القاضي تحمله لتكوين اقتناعه.
هذا، ودون ان نضيف حالات نقص التكوين  والتطفل على الميدان التي تنتج عن عدم اعتماد مقاييس صارمة في إضفاء صفة الخبير على بعض الأشخاص، واعداد لائحة الخبراء استنادا على ضوابط غير ثابتة إضافة الى حالات انعدام الضمير المهني، وهي مسائل تتبدى على صعيد الواقع العملي، ويشهد بها الخبراء النزيهون انفسهم، ويسجل لنا التاريخ ان الخبراء لعبوا الدور الأساسي في اكبر اخطاء قامت به العدالة.
فيكون هذا العامل بالمزيد اكثر، وادعى للاحتياط، واكبر دافع لإخضاع الخبرة كلية لضمير القاضي ووجدانه واقتناعه الصميم.

المبحث الثالث: الدور المساعد للخبرة 
ان إقرارنا بان الخبرة دورا مساعدا فقط، لهو مدعاة الى إبقاء هذه الخبرة في إطارها الحقيقي دون ان نتجاوز بها الحدود التي قررت من اجلها، خصوصا وان الأحكام الجنائية تبنى في الأصل على التحقيقات الشفوية التي تجريها المحكمة بالجلسة في مواجهة المتهم، وان الأصل في القاضي ان تكون له القدرة للفصل في كل ما يعترضه ولا يأمر بإجراء خبرة الا حين يحتاج الى رأي فني بخصوص نقطة محددة، وبالتالي فان هذه الخاصية تنسحب على تقرير الخبرة، فلا تشكل بالنسبة للقاضي أو ينبغي الا تشكل سوى هذه الاستشارة التي تساعد  على تمحيص الدليل الذي انصبت عليه، دون ان تلزمه بشيء.

الفرع الثالث: قيود السلطة التقديرية للقاضي
المبحث الاول: طلب إجراء الخبرة وحقوق الدفاع
رأينا بان المحكمة غير ملزمة بالاستجابة الى طلب ندب خبير الذي يتقدم  به المترافعون كما انها في حالة ندبها لخبير وكان استنادها الى رأيه لا يجافي المنطق والقانون فإنها تكون غير ملزمة بإجابة الخصم الى طلبه في تعيين خبير آخر، او في إعادة المهمة الى ذات الخبير، كما لا تكون ملزمة بالرد على ذلك في أسباب  حكمها.
غيران مثل هذا الطلب قد يكون مما يتصل بحق الخصوم في إثبات التهمة او نفيها أي ان الأمر قد يتصل بحقوق الدفاع المقررة  لأطراف الدعوى.
وبهذا الخصوص قد تثور الإشكالية متى سيرتبط  مثل هذا الطلب بحقوق الدفاع، ومتى يعتبر مثل هذا الطلب من وسائل الدفاع يؤدي خرقها الى المس بحقوق الدفاع تطبيقا للمبدأ العام الوارد في الفصل192 من ق. م.ج الذي ينص على انه " يترتب البطلان عن خرق المقتضيات الجوهرية…  اذا ترتب عن خرقها المس بها لكل فريق في القضية من حق الدفاع".

إننا لا نجد في الاجتهاد القضائي المتوفر بين أيدينا ما يشفي الغليل في حسم هذه المسالة، ولذلك نكتفي ان نقرر بإجمال وتطبيقا للمبادئ العامة انه كلما كان طلب ندب خبير يرمي الى تحقيق دفاع جوهري، ويتعلق بتحقيق الدعوى لإظهار وجه الحق فيها، فانه على المحكمة ان تستجيب له، وان رفضت الاستجابة فيجب ان يكون الرفض مبنيا على أسباب مبررة، والا كان حكمها مخلا  بحقوق الدفاع بالاضافة الى انه يكون مشوبا بعيب القصور في التعليل.

المبحث الثاني:  المشروعية في اعتماد تقرير الخبرة
ان اعتماد  تقرير الخبرة من طرف القاضي يجب ان يتقيد بنقطتين اثنتين:

النقطة الاولى: مراعاة الفصل289 من ق. م.ج
فحرية اقتناع القاضي لا يجب ان تتعارض مع حق المتهم في الدفاع، ولذلك يجب ان يكون استناد القاضي على دليل استمد من إجراء بوشر في حضور المتهم، او اطلع عليه المتهم، وعدم طرح الدليل في الجلسة يترتب عنه بطلان اقتناع القاضي المستمد منه، لأنه استمد من أشياء خارجة عن محتويات الملف التي نوقشت بالجلسة أو من معلومات شخصية.


ولذلك لا يجوز الأخذ بتقرير أحد الخبراء الذي لم يطرح للمناقشة، ودون تمكين صاحب المصلحة من الاطلاع عليه، ومن الرد على ما جاء فيه ، ووجوب طرح تقرير الخبير للمناقشة طبقا للفصل289 من ق. م.ج لا يعني وجوب ان تتلى التقارير بالجلسة، فتلاوة التقرير غير لازمة طالما انه كان موضوعا  في الملف  للمناقشة، حتى يمكن للمترافعين الاطلاع عليه وإبداء الدفوعات التي تقتضيها مصالحهم.

النقطة الثانية: الا تكون إجراءات الخبرة باطلة 
ان هذه النقطة تستند الى وجوب ان يكون اقتناع القاضي مستمدا من إجراء صحيح، فاذا كان القاضي ينشد الحقيقة من أي موطن يراه، فان ذلك يتقيد بصحة الدليل وعلى ذلك لا يجوز اعتماد الخبرة الباطلة.

ويترتب البطلان طبقا للفصل 192 ق. م. ج على خرق المقتضيات الجوهرية، كما ان البطلان  قد يكون هو الجزاء في حالة مخالفة الخبرة لبعض القواعد  الإجرائية إذا اثار الأطراف ذلك، ومن ذلك عدم اداء الخبير الخارج عن اللائحة لليمين قبل البدء في مباشرة أعمال الخبرة، وكل إجراء يأمر به القانون ولم يثبت إنجازه على الوجه القانوني يعد كأن لم ينجز طبقا للفصل765 ق. م.ج

وإذا اتخذ القاضي تقرير الخبير الباطل اساسا لاقتناعه فان ذلك يترتب عليه بطلان الحكم بل حتى ولو استند القاضي الى أدلة أخرى بجانب تقرير الخبرة الباطل، عملا بقاعدة ان الأدلة في المواد الجنائية متساندة ومتماسكة يكمل بعضها البعض مادام ان عقيدة القاضي استمدت منها مجتمعة، فيتعذر التعرف على مبلغ الاثر الذي كان للدليل الباطل في الرأي الذي انتهت اليه المحكمة او الوقوف على ما كانت ستنتهي إليه من نتيجة لو انها استبعدت الدليل الباطل.

المبحث الثالث: التعليل ورقابة المجلس الاعلى 
للقاضي الجنائي ان يوجه تحقيقه في الجلسة بالشكل الذي يراه مناسبا وملائما للوصول الى الحقيقة وللكشف عنها دون ان يتقيد في ذلك باتباع وسائل معينة، كما سبق ان قررنا ان له كقاضي الموضوع كامل السلطة في تفسير القوة التدليلية لعناصر الدعوى المعروضة على بساط البحث فهو غير ملزم بإجابة طلب ندب خبير مادامت الواقعة قد وضحت لديه، او ان ظروف القضية تشير الى الرأي الواجب الأخذ به، كما انه غير ملزم برأي الخبيران نذبه، وغير ملزم بإجراء خبرة مضادة ويكون فصله في ذلك فصلا في امر موضوعي لا إشراف ولا رقابة للمجلس الاعلى عليه.

وقد اكد المجلس الاعلى هذا الثابت في عدة قرارات صادرة عنه من هذه القرارات ( القرار4963 الصادر بتاريخ29 ماي84 ملف جنائي عدد9381/84 قضاء المجلس الاعلى العددان37/38) الذي نص على انه:
" الخبرة وسيلة إثبات  تملك معها المحكمة سلطة تقديرية لا تخضع فيها لرقابة المجلس الاعلى، وان عدم الاستجابة لطلب إجراء خبرة لا يؤثر في قرار المحكمة وان السكوت عنه يعد جوابا ضمنيا  برفضه"

والقرار8260 الصادر بتاريخ 8/12/87 ملف جنحي عدد 19455/86 ( م قضاء المجلس الاعلى العدد41) جاء فيه:
" لقضاة الموضوع سلطة تقديرية ملاءمة الأمر بإجراء خبرة مضادة وان سكوت المحكمة عن هذا الطلب  يتطلب جوابا ضمنيا بالرفض".
غيران ذلك لا يعني ان سلطة محكمة الموضوع بهذا الشان مطلقة، ذلك ان كل حكم يجب ان يكون معللا تعليلا كافيا وسليما من الناحيتين القانونية والواقعية، وان هناك مسائل فنية محضة لا يمكن تجاوز أمر البت فيها والذي يتطلب تكوينا خاصا وعلى المحكمة ان تبرز في حكمها كيف استخلصت مكونات اقتناعها بشأنها.

ان القاضي في استخلاصه للأدلة وتكوين اقتناعه يجوز له ان يبني عقيدته على الثقافة العامة السائدة والتي يفترض علمها في كل شخص يتواجد  في ذات الزمان والمكان، دون ان يكون ذلك قضاء بعلم القاضي الشخصي، غيران هذه المسالة الفنية المحضة تتجاوز نطاق الثقافة العامة، ولا يمكن الاعتماد  فيها على مجرد الانطباعات العادية، فيتعين على المحكمة في هذه الحالة الاستجابة لطلب انتداب الخبير او التعرض لهذا الدفع الجوهري ومناقشة ادعاءات الخصوم والرد عليها.

وقد نقض المجلس الاعلى الحكم الذي اغفل الجواب عن طلب إحالة الضحية على الخبرة الطبية في الامراض العقلية والعصبية لتحديد العجز اللاحق به كما نقض حكما اخر لعدم مناقشته طلب المتهمة عرضها على خبرة طبية في الأمراض العقلية والعصبية،( قراران عدد707 بتاريخ 8/7/1971 قضية7/27904 وعدد679 بتاريخ 15/5/1975 قضية17 279- منشوران الدكتور الخمليشي شرح  ق.م.ج II)

كما ان نفس الامر يصدق على حالة استبعاد الخبرة او رفض ما ورد فيها، فاذا كان تقرير الخبرة يتضمن الأساليب والأسس العلمية والمقاييس الفنية التي اسس عليها الخبير استخلاصه واستنتاجه - وهو ما يجب ان يتوفر في كل تقرير- وانتهت به الى النتيجة التي  قررها، فيتعين بيان الاسباب التي حملت على استبعاد التقرير ولاشك انه مادام ان الأمر يتعلق بمسائل فنية فلا يجوز تنفيذها الا بأسانيد فنية، اما اذا كان التقرير خاليا مما ذكر فاستبعاده لا يتطلب تعليلا خاصا، اذ يكفي الاستناد في هذا الاستبعاد على ذات هذا الإجمال والغموض.

فالأخذ  بالادلة او طرحها يجب ان يستند الى تقديم القاضي، وليس الى سلطة تحكيمية وفي كثير من الحالات تتوقف مناقشة نتائج الخبرة على معلومات فنية لا تتوفر لدى القاضي، مثل نتائج الخبرة الطبية او التحليلات الكيماوية، فتتعذر عليه هذه المناقشة.

فالقاضي يملك امام ذلك عدة وسائل في حالة عدم اطمئنانه الى تقرير الخبرة اذ لا مانع من الأمر بإجراء خبرة  تكميلية او مضادة، لتسهل عليه دراسة الخبرتين ومناقشة نتائجهما عن طريق المقارنة، بل وبإمكانه الامر بخبرة ثالثة، واستدعاء الخبراء ومناقشتهم في الجلسة لاستيضاح النقط المبهمة- واقوال الخبراء في هذه الحالة لا نرى انها تعتبر شهادة للاسباب التي أسلفنا عند المقارنة بين الخبرة والشهادة وان  نصت المسطرة على الاستماع الى الخبراء كشهود - ويستنتج من كل ذلك مدى اتفاق ما توصل اليه الخبراء مع قواعد المنطق السليم، ومدى اتساع نتائج  الخبرات مع باقي الأدلة في الدعوى.

وبطبيعة الحال فان خطا المحكمة في فهم التقرير يعيب حكمها، فاذا اعتمدت المحكمة مضمون تقرير خبرة وتبين في حكمها انها أخطأت  فهم التقرير، اذ عباراته لا تفيد المعنى الذي ذهبت اليه فانه يكون مشوبا بعيب فساد الاستدلال على إدانة المتهمين اذ يجب ان يكون استناده الى الرأي الذي انتهت اليه استنادا سليما لا يشوبه خطا.

كما انه لا يسوغ للمحكمة ان تعتمد على نتيجة الخبرة في ادانة المتهم دون  مناقشة مكونات الجريمة وما يتعلق بها، فالخبرة لا تفيها من وجوب ان يكون التعليل كاملا، والجانب القانوني لا يعتمد على مجرد الخبرة فلا يرتكز على اساس قانوني الحكم الذي قضى بالإدانة  بمجرد الاعتماد على تقرير الخبير دون بيان الافعال المكونة للجريمة، والمنصوص المطبقة عليها، ودون التصريح بان اقتناع القاضي كان مبنيا على دراسة الملف.

ونستنتج من كل ذلك ان الامر او البث في طلب اجراء خبرة والأخذ بنتيجتها من عدمه هو أمور الواقع الذي لا يخضع لرقابة المجلس الاعلى، غير انه يخضع لرقابة المجلس الاعلى بطريق غير مباشر الا وهو مراقبة تعليل الحكم، فيتأتى للمجلس الاعلى نقض الحكم بخصوص ما يتعلق بإجراء الخبرة في اطار عدم كفاية التعليل، ذلك انه يصعب عمليا وضع حدود فاصلة بين ما يعتبر قانونا - وهو مجموع الوسائل التي تمتد اليها رقابة المجلس الاعلى قصد المحافظة على حسن تطبيق القانون وتفسيره - وما يعتبر واقعا- أي ما ثبت في الأحكام، وخضع لتقدير القضاة باعتبار انه من امور الواقع التي تدخل في اختصاص محاكم الموضوع دون رقابة عليها - ذلك ان ما يعتبره واقعا يتحول احيانا الى مسالة قانون خاضعة للرقابة، والرقابة المتصلة بالسبيب مثال حي على ذلك، فالمجلس الاعلى يمدد رقابته الى العناصر الواقعية للحكم المطعون فيه عن طريق مراقبة التعليل المتعلق بالوقائع وطريقة استخلاص الدليل من لدن محكمة الموضوع، اذا كان ذلك سيؤدي في نظر المجلس الى التأكد من سلامة تطبيق  قاعدة قانونية معينة، او يعين على معرفة مدى صواب الأساس القانوني الذي بني عليه الحكم.

خاتمة:
من المفيد ان نشير اخيرا ان السلطة التقديرية الكاملة للقضاء، والتي لا ينقض منها ومن أهميتها ما ناقشناه في هذا العرض من مسائل خاصة، هي لفائدة العدالة.
وانه لكارثة ان نتصور دور القاضي وقد تحول الى مجرد التصديق على تقارير الخبراء، فهذا الامر لابد  وان يفقد القاضي الجنائي اهم مميزاته، وهي الحرية في تكوين اقتناعه، ويشكل إهدار لذلك الحدس الذي يميز القاضي الجنائي المتمرس، والذي في كثير من الأحيان، يستهدي به فيسفر له عن وجه الحق ويقضي بالعدل.

فتقارير الخبراء لا تعدو ان تكون احد الادلة المقدمة في الدعوى، قد تكون في مصلحة احد أطرافها، وتقدير الأدلة من أخص خصائص قاضي الموضوع،  وله ان يستند الى كل وسيلة إثبات لتكوين اقتناعه دون قيد.

المراجع المعتمد عليها في إنجاز واعداد العرض:
الدكتور احمد الخمليشي: شرح قانون المسطرة الجنائية ج II  طII سنة83
الدكتور ابو المعاطي حافظ ابو الفتوح: شرح قانون المسطرة الجنائية الطبعة1- 1982
الدكتور: رؤوف عبيد:  مبادئ الإجراءات الجنائية في القانون المصري ط 15 القاهرة 1983
الدكتور: مأمون محمد سلامة:  قانون الإجراءات الجنائية ط1 القاهرة 1980
الدكتور: عبد الحميد الشواربي: الاثبات الجنائي في ضوء القضاء والفقه/ الإسكندرية - الإثبات في المواد الجنائية .
الدكتور: محمد زكي ابو عامر: الإثبات في المواد الجنائية
الدكتور: حسن صادق المرصفاوي: المرصفاوي في قانون الاجراءات الجنائية.
الاستاذ  محمد العربي المجبود:  اهمية الخبرة الطبية في الميدانين المدني والزجري مجلة المحامي عدد5 س74-84.
السيد  حسن العراقي مستشار في ( فحص الكتابة) : مدخل الى الاستدلال الجنائي شعبة تحقيق الخطوط مجلة المحامي عدد8 س6-86.
فرانسوا- بول بولان: حقوق الدفاع في ميدان زجر الغش في البضائع المجلة المغربية للقانون عدد11 س87

*مجلة المحاكم المغربية، عدد 62، ص61.