القائمة الرئيسية

الصفحات

مدى مشروعية حوالة الدَّين

مدى مشروعية حوالة الدَّين

مدى مشروعية حوالة الدَّين



العنوان : مدى مشروعية حوالة الدَّين
المؤلف : فتحي عثمان الفقي



مدى مشروعية حوالة الدَّين
(دراسة فقهية مقارنة)
إعداد
أ.د/ فتحي عثمان الفقي
أستاذ الفقه المساعد بكلية الشريعة والقانون
بالقاهرة
 
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
إن الحمد لله رب العالمين، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له وليًّا مرشدًا، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا بن عبد الله عبده ورسوله بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، صلاةً وسلامًا دائمين متلازمين إلى يوم الدين، أما بعد.
فإن من أسباب خلود الشريعة الإسلامية، صلاحيتها لكل زمان ومكان؛ لأنها من لدن حكيم خبير، أودع فيها كل ما يَعِنّ للبشر من حلول لمشاكلهم، ومنهاج قويم تنتظم به حياتهم إن هم التزموا ذلك وطبقوها كما أراد الله لشريعته أن تطبق.
ولا يخلو بيت من بيوت المسلمين ولا فرد من أفراد المسلمين، بل ولا دولة إلا وكان للدين نصيب في كيانها، وهناك وسائل عدة للتصرف في الدين كبيعه وحوالته والإبراء منه.
ونظرًا لخطورة الدين على حياة الأمم والأفراد أردت في هذا البحث المتواضع أن أتلمس مدى مشروعية حوالة الدين وهل هذه الحوالة من قبيل بيع الدين بالدين، أم هي عقد مستقل بنفسه قصد به الإرفاق بالمدين والتيسير عليه؟ واضعًا بين يدي القارئ الكريم الحلول التي وضعها الفقهاء لهذه المسألة راجيًا من الله سبحانه وتعالى أن يجعله في ميزان حسناتنا وأن ينفع به إنه نعم المولى ونعم النصير.

الباحث
أ.د/ فتحي عثمان الفقي
أستاذ الفقه المساعد بكلية الشريعة والقانون
بالقاهرة

 

الفصل التمهيدي في المباحث الآتية:

المبحث الأول: 
تعريف الحوالة لغة وشرعًا، ودليل مشروعيتها, وحكمها.
وتعريف الدَّين، لغة واصطلاحًا.
المبحث الثاني:
طبيعة الحوالة, وتكييفها الشرعي.
المبحث الأول في النقاط الآتية:
1) تعريف الحوالة لغةً وشرعًا.
2) دليل مشروعيتها، وحكمها.
3) تعريف الدَّين لغة واصطلاحًا.
 
النقطة الأولى
تعريف الحوالة لغةً وشرعًا

الحوالة لغة: بفتح الحاء أفصح من كسرها، وهي اسم، من «حوَّل الشيء» : غيره، أو نقله من مكان إلى آخر, و«حوَّل فلان الشيء إلى غيره»: أحال، والحوالة: اسم من أحال القريم: إذا دفعه عنه إلى غريم آخر, أو صك يحول به المال من جهة إلى أخرى( ).
فـ«الحوالة» مأخوذة من «التحويل», وهو: النقل من مكان إلى مكان، فهو نقل الدَّين من ذمة إلى ذمة، فيقتضي فراغ الأولى عنه, وثبوته في الثانية( ).
والفرق بينها, وبين الكفالة: أن «الكفالة» ضم ذمة إلى ذمة أخرى لا تبرأ بها الأولى، وهذا يقتضي بقاء الدَّين في الذمة الأولى, وبذلك يتحقق معنى الضم، فـ«الحوالة» مبرئة، و«الكفالة» غير مبرئة( ).
الحوالة اصطلاحًا (شرعًا):
‌أ- الحنفية:
 عرَّفها صاحب «تنوير الأبصار»( ) بأنها: "نقل الدَّين من ذمة المحيل إلى ذمة المحتال عليه".
وقال ابن الهمام( ): «الحوالة» تناسب الكفالة؛ لأن كلا منهما عقد التزام ما على الأصل للتوثق إلا أن «الحوالة» تتضمن براءة الأصيل براءة مقيدة بخلاف «الكفالة» لا تتضمنه, فكانت كالمركب مع المفرد, وعرَّفها ابن الهمام بقوله «الحوالة»: "نقل المطالبة من ذمة المديون إلى ذمة الملتزم" بخلاف «الكفالة»، فإنها: "ضم في المطالبة لا نقل", وعرفها «صاحب العناية» بأنها: "تحويل الدَّين من ذمة الأصيل إلى ذمة المحتال عليه على سبيل التوثق به"( ).
قال البسطامي: "وأصل التركيب دال على الزوال والنقل, ومنه التحويل, وهو: نقل الشيء من محل إلى محل آخر".
وفي المغرب: وإنما سمي هذا العقد حوالة؛ لأن فيه نقل المطالبة أو نقل الدَّين من ذمة إلى ذمة أخرى، بخلاف «الكفالة», فإنها: ضم ذمة إلى ذمة( ).
‌ب- المالكية:
 عرَّفها الشيخ الدردير( )بقوله، هي: "نقل الدَّين من ذمة بمثله إلى أخرى تبرأ بها الأولى" أو: "تحول الدَّين من ذمة تبرأ بها الأولى".
فقوله «بمثله»: جار ومجرور متعلق بـ«نقل»، وكذلك قوله: «إلى أخرى»، أي: نقل الدَّين من ذمة لأخرى بسبب وجود مثله في الأخرى, وقوله: «تبرأ بها الأولى»، أي: تبرأ بها, ـ أي: بالنقل ـ، وأنث الضمير «بها»؛ مراعاة لمعنى النقل؛ لأن معنى «النقل»: «الحوالة», وهي: مؤنثة, ولفظ «النقل»: مذكر.
وعقب على هذا التعريف بالآتي: 
1) كلمة «نقل», والنقل يكون حقيقة في الأجسام.
2) جملة: «تبرأ بها الأولى» هذا من قبيل الحشو والزيادة؛ لعدم إفادته مدخلاً أو مخرجًا.
وعقب على الثاني بالآتي:
 أي بأنها: «تحوَّل» بأنه قد عرَّف الشيء بنفسه.
ولذلك عرَّفها ابن عرفة بأنها: "طرح الدَّين عن ذمة بمثله في أخرى"( ), وسميت بذلك؛ لأن الطالب تحوَّل من طلبه لغريمه إلى غريم غريمه( ).
‌ج- الشافعية:
 عرفوها( ) بأنها: "عقد يقتضي نقل الدَّين من ذمة إلى ذمة".
وهي من العقود اللازمة, ولو فسخت لا تنفسخ( ).
‌د- الحنابلة:
 عرَّفوها( ) بأنها: "انتقال مال من ذمة إلى ذمة بلفظها أو بمعناها الخاص".
و«الحوالة» عند الحنابلة عقد إرفاق منفرد بنفسه ليس محولاً على غيره لا خيار فيها، وليست الحوالة بيعًا؛ لأنها لو كانت بيعًا لكانت بيع دين بدين, ولما جاز التفرق بين المتعاقدين قبل القبض؛ لأنها بيع مال الرِّبا بجنسه، ولجازت بلفظ البيع، فلما لم يتوافر فيها كل هذا إذن فليست بيعًا... ولأن لفظها يشعر بالتحول، وليست أيضًا في معنى البيع؛ لعدم العين فيها بل الحوالة تنقل المال المحال به من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه لما سبق من أنها مشتقة من «التحول»، أو «التحويل»، وفيها شبه بالمعاوضة من حيث إنها دين بدين, وشبه بالاستيفاء من حيث براءة المحيل بها، ولترددها بينهما ألحقها بعض الأصحاب بالمعاوضة, وبعضهم بالاستيفاء، وتلزم بمجرد العقد( ).
وسواء عرَّفها الفقهاء بأنها: نقل أو طرح أو عقد يقتضي النقل, فإن جميع التعريفات السابقة تلتقي عند معنًى واحد, وهو: أنه بالحوالة ينتقل الحق من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه, ويبرأ المحيل من دين المحال إلا من شذَّ عن ذلك من الفقهاء 
-حسبما سنرى إن شاء الله-.
***

 النقطة الثانيةدليل مشروعية الحوالة وحكمها

أولاً: دليل مشروعية الحوالة:
دلَّ على مشروعيتها الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس.
 أمَّا الكتاب, فقوله تعالى: ((وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى))( ), و«الحوالة» من قبيل البرِّ، وقوله تعالى: ((وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ))( ), وهي أيضًا من قبيل الخير، ونحو ذلك من النصوص الدَّالة على المعروف.
أمَّا السنة، فما الصحاح( ) من حديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه وأرضاه- عن النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- قال: «مطل الغني ظلم، وإذا أتبع أحدكم على مليء, فليتبع», وفي لفظ أحمد: «من أحيل بحقه على مليء, فليحتل» الحديث( ).
قال القاضي عياض, وغيره: «المطل»: منع قضاء ما استحق أداؤه.
فمطل الغني ظلم وحرام، ومطل غير الغني ليس بظلم ولا حرام؛ لمفهوم الحديث؛ ولأنه معذور، ولو كان غنيًّا, ولكنه ليس متمكنا من الأداء؛ لغيبة المال أو لغير ذلك جاز له التأخير إلى الإمكان, وهذا مخصوص من مطل الغني أو يقال: المراد بـ«الغني»: المتمكن من الأداء, فلا يدخل غير المتمكن فيه.
وقال بعضهم: في الحديث دلالة لمذهب مالك, والشافعي, والجمهور: أن المعسر لا يحلُّ حبسه, ولا ملازمته, ولا مطالبته حتى يوسر.
* هل يفسق المسلم بسبب المماطلة؟
اشترط الشَّافعية لفسقه بسبب المماطلة: أن تتكرر منه المماطلة, وجاء في الحديث الآخر الذي لم يخرجه مسلم: «لي الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته»( ) الحديث.
والـ«لي» هو: المطل، «الواجد»: الموسر.
 قال العلماء: يحلُّ عرضه، بأن يقول: ظلمني، ومطلني.
 وعقوبته: الحبس والتعزير( ) .
أمَّا الإجماع:
 فقد أجمعت الأمة على مشروعيتها في الجملة.
أمَّا القياس:
 فبالقياس على الكفالة – الضمان بجامع المعروف في كل( )،وقد قال ابن القيم( ): "الحوالة توافق القياس", ونقل عن ابن تيمية: أن الحوالة من جنس إيفاء الحق لا من جنس البيع، فإن صاحب الحق إذا استوفى من المدين ماله كان هذا استيفاء، فإذا أحاله على غيره كان قد استوفى ذلك الدَّين عن الدَّين الذي في ذمة المحيل، ولهذا ذكر النَّبيُّ  -صلى الله عليه وسلم- الحوالة في معرض الوفاء, فقال في الحديث الصحيح: «مطل الغني ظلم, وإذا أتبع أحدكم على مليء, فليتبع», فأمر المدين بالوفاء, ونهاه عن المطل, وبيَّن أنه ظالم إذا مطل، وأمر القريم بقبول الوفاء إذا أحيل على مليء.
**** 
ثانيًا: حكم الحوالة

اختلف الفقهاء في حكم الحوالة على رأيين:
الرأي الأول: 
وهو جمهور الفقهاء، ومضمونه: أن الحوالة مستحبة، ومندوب إليها جوزت؛ لحاجة الناس على خلاف القياس، وقال بذلك الحنفية, والمالكية, والشَّافعية, والحنابلة في رواية.
وإن كان الأصل الذي بني عليه هذا الحكم عند هؤلاء مختلف, وذلك على النحو التَّالي:
‌أ- الحنفية: يقول الكمال بن الهمام( ): "أكثر أهل العلم على أنها مستحبة؛ لأن هذا مأخوذ من حديث النَّبيِّ  -صلى الله عليه وسلم- الذي رواه أبو هريرة  -رضي الله تعالى عنه وأرضاه-: «مطل الغني ظلم, وإذا أتبع أحدكم على مليء, فليتبع».( ) 
ووجه الاستدلال: يكمن في قوله  -صلى الله عليه وسلم- : «فليتبع» أمر بالاتباع, والإتباع بسبب ليس بمشروع, ولا يكون مأمورًا به من الشارع, فدلّ على جوازها استحبابها.
ويضيف ابن الهمام: "والحق الظاهر أنه أمر إباحة, فهو دليل على جواز نقل الدَّين شرعًا أو المطالبة, فإن بعض الأملياء عند من اللد والخصومة، والتعسير ما تكثر به الخصومة والمضارة، فمن علم من حاله هذا لا يطلب الشارع اتباعه بل عدم الأمر أولى لما في الاتباع من تكثير الخصومات والظلم، وأمَّا من علم من الملاءة, وحسن القضاء, فلا شك في أن إتباعه مستحب؛ لما فيه من التخفيف على المديون, والتيسير عليه, ومن لا يعلم حاله, فمباح إتباعه", وهذا تفصيل جيد ومقبول.
ثم قال: "لكن لا يمكن إضافة هذا التفصيل إلى النص؛ لأنه جمع بين معنيين مجازيين للفظ الأمر في إطلاق واحد، فإن جعل للأقرب أضمر معه القيد، وإلا فهو دليل الجواز للإجماع على جوازها دفعًا للحاجة". 
‌ب- المالكية:
 قال القاضي عياض: "هي: مندوبة، وقيل: مباحة( ), والذي قال بأنها «مندوبة»: هم أكثر شيوخ المالكية، وقال البعض هي: مباحة, ووجه الأول: أنها عقد إرفاق منفرد بنفسه ليس محمولاً على غيره, ولهذا ندب الشارع إليه.
ووجه الثاني: أنها مستثناة من بيع الدَّين بالدَّين، فهي في الحقيقة بيع دين بدين؛ لأن المحيل باع الدَّين الذي له على المحال عليه من غريمه بدينه الذي كان عليه, فلما كانت هكذا, فهي بيع دين بدين استثنى من النهي, والأمر بعد الخطر إباحة، وجاز تأخير القبض رخصة من الشارع".
‌ج- الشافعية:
 بناء على أنها بيع دين بدين في الأصح جوّزت على خلاف القياس للحاجة، والحاجة مُنَزَّلة مَنْزِلة الضرورة، إذن هي مباحة, واستثنيت من منع بيع الدَّين بالدَّين كـ«القرض».
وعلى مقابل الأصح: من أنها استيفاء حق، وضعت للإرفاق, وكأن المحتال استوفى ما كان له على المحيل, وأقرضه المحال عليه، ولهذا يشترط رضا المحال عليه بناء على أنها استيفاء؛ لأن إقراض الغير لابد فيه من رضاه به، والأصح عدم اشتراط رضاه, وإذا كان الأمر كذلك, فـ«حكمها»: أنها مندوبة؛ لأن عقود الإرفاق مندوب إليها, وكذلك القرض( ).
‌د- الحنابلة:
 يقول ابن قدامة, وغيره( ): "أجمع أهل العلم على جوازها في الجملة", وهذا بناء على الصحيح من مذهب الحنابلة من أنها: عقد إرفاق منفرد بنفسه ليس بمحمولٍ على غيره، فتكون مندوبًا إليها.
أقول: من خلال استعراضنا لآراء جمهور الفقهاء عُلِمَ منها أدلتهم على عدم الوجوب أضف إلى ذلك: أن الحوالة معروف, ومكارمة من الطالب كـ«الكفالة» و«القرض» و«العرايا»( ), فبذلك تعين صرف الأمر في الحديث: «فليتبع» عن الوجوب إلى الندب( ).
الرأي الثاني: وبه قال الإمام أحمد بن حنبل بشروط الإحالة على مليء, وابن حزم الظاهري, ومن وافقهما, وهو: أن الحوالة واجبة( ).
وحجة هؤلاء في هذا: اتباع ظاهر النص في قوله -صلى الله عليه وسلم-: «إذا أتبع أحدكم على مليء, فليتبع» الحديث.
وستأتي مسألة: هل يجبر المحال على قبول الحوالة أم لا؟.
قال الشوكاني( ): "والحديثان يدلان على أنه يجب على من أحيل بحقه على مليء أن يحتال, وإلى هذا ذهب أهل الظاهر, وأكثر الحنابلة, وأبو ثور, وابن جرير, وقال بهذا المعنى الصنعاني"( ). وقال: "لا أدري ما الحامل على صرفه عن ظاهره".
وقد أجيب على ذلك بالآتي: 
القول بالوجوب مخالف للقواعد؛ لأنه قد يحيله على من يؤذيه، أو لا يقدر عليه، أو يحيلك الذي أحلت عليه على غريمه كذلك إلى غير نهاية.( )
وقال ابن شداد في «دلائل الأحكام»( ): الفائدة الثانية (من الحديث) أن قوله  -صلى الله عليه وسلم- : «فليتبع» ليس على وجه الوجوب بل على وجه الإباحة إن شاء احتال, وإن شاء لا يقبل.
وقال الكمال بن الهمام( ): والحق الظاهر أنه أمر إباحة, وهذا دليل جواز نقل الدَّين شرعًا، أو المطالبة، فإن بعض الأملياء لديهم من اللدد في الخصومة, والتعسير ما تكثر به الخصومة مما تخرج معه الحوالة عن غايتها وهدفها, فمن علم من هذا حاله لا يطلب الشارع اتباعه بل عدمه لما في اتباعه من تكثير الخصومات والظلم.
***

 النقطة الثالثةتعريف الدين

«الدين» لغة: بفتح الدال، يطلق على ما له أجل، وأمَّا الذي لا أجل له, فيسمى بـ«القرض», وقد يطلق عليهما أيضًا, وهو من «دان ـ دينًا ـ وديانة»: خضع, وذلَّ, وأطاع، و«دان فلان دينًا»: اقترض, فهو «دائن» بمعنى «مدين»، ويقال: «دنته» و «أدنته»: أعطيته إلى أجل, و«أقرضته, وداينته»: أقرضته، وجمعه: «ديون، وأدين»، واسم فاعله: «دائن», واسم مفعوله: «مدين»، وأصل اشتقاقه ينبئ, ويشعر بالذلِّ والخضوع، فهو كما ذكرت من «دان» بمعنى: خضع, واستكان, وذلّ( ).
و«الدين» اصطلاحًا: يستعمل الفقهاء كلمة الدَّين بمعنيين:
عام: وهو مطلق الحق اللازم في الذِّمة، أو هو: كل ما يجب في ذمة الإنسان بأي سبب من الأسباب، سواء كان من حقوق الله ـ تعالى ـ، أو من حقوق العباد.
وخاص: وهو كل ما يثبت في الذِّمة من مال بسبب يقتضي بثبوته في نظير معاوضة أو إتلاف أو قرض، أو أرش جناية، أو قرابة، أو مصاهرة( ). وقيل( ): هو كل معاملة كان أحد العوضين فيها نقدًا, والآخر نسيئة، فإن العين عند العرب ما كان حاضرًا، والدَّين ما كان غائبًا, قال الشاعر:
وَعَدَتنا بِدِرهَمَينِ نَبيذاً
أَو طِلاءً مُعَجَّلاً غَيرَ دَينِ

وقال آخر:
إذا ما أوقدوا حطبًا ونارًا
فذاك الموت نقدًا غير دين

ويلاحظ أن الذي يثبت في الذِّمة من الديون, وتقبله هو «المثليات», وهي: الأموال التي تتماثل آحادها, وتتساوى في القيمة, ولها نظير ومثيل في الأسواق كـ«المكيلات» و«الموزونات» و«المعدودات» و«المذروعات», أمَّا الفيميات, فلا تثبت في الذمة بل تثبت فيمتها كثمن المبيع إذا كان غير مثلي.
***

 


الفصل الأولأركان الحوالة


«الركن» في اللغة هو: أحد الجوانب التي يستند إليها الشيء, ويقوم بها, ويطلق ويراد به: الجزء من أجزاء حقيقة الشيء.( )
و«الركن» اصطلاحًا: «ركن الشيء»: ما يتم به الشيء, وهو داخل فيه بخلاف شرطه, فهو خارج عنه( ), أو هو: ما تتوقف عليه حقيقة الشيء كـ«تكبيرة الإحرام في الصلاة», أمَّا الطهارة للصلاة, فهي شرط لصحتها.
وينقسم هذا الفصل إلى المباحث الآتية:
المبحث الأول: آراء الفقهاء في أركان الحوالة.
المبحث الثاني: الرضا بالحوالة.
المبحث الثالث: صيغة الحوالة.
 

 المبحث الأولآراء الفقهاء في أركان الحوالة

لم تتفق كلمة الفقهاء على أركان الحوالة, ويمكن إجمالها في الآتي:
الرأي الأول: 
يرى الحنفية: أن ركني الحوالة هو: «الإيجاب», و«القبول» فقط، و«الإيجاب» من المحيل, و«القبول» من المحال عليه والمحال، إذًا لابد لوجودها من الثلاثة المحيل, والمحال عليه, والمحال, وهذا هو ما يراه الحنابلة، وإن كانوا قد اختلفوا في «الرضا» من هؤلاء الثلاثة, وهذا ما سوف نتناوله في مبحث مستقل ـ إن شاء الله ـ. 
والإيجاب: أن يقول المحيل للطالب ـ المحال ـ: أحلتك على فلان, والقبول: من المحال, والمحال عليه أن يقول كل واحد منهما: قبلت أو رضيت، أو نحو ذلك مما يدل على الرضا والقبول( ).
ويشترط في «المحيل» عند الحنفية: «العقل» و «الرضا», فلا تصح حوالة مجنون, وصبي لا يعقل، ولا تصح حوالة المكره؛ لأن الحوالة إبراء فيها معنى التمليك, فتفسد بالإكراه، وأمَّا «البلوغ», فشرط نفاذ, فصحة حوالة الصبي العاقل موقوفة على إجازة وليه، وليس من شروط «المحيل»: «الحرية»، فتصح حوالة العبد مطلقًا غير أن المأذون يطالب في الحال, والمحجور عليه ـ غير المأذون ـ بعد العتق.
وليس كذلك من شرطها: «الصحة», فتصح من مريض؛ لأنها من قبل المحيل ليست بتبرع.
ويشترط في «المحتال»: «العقل» و «الرضا»، وأمَّا «البلوغ», فشرط نفاذ أيضًا، فينعقد احتيال الصبي موقوفًا على إجازة وليه إن كان الثاني ـ المحال عليه ـ أملأ من الأول ـ المحيل ـ كـ«احتيال الوصي بمال اليتيم» لا تصح إلا بهذا الشرط؛ لأنه منهي عن قربان ماله إلا على الوجه الأحسن؛ للآية الكريمة: ((وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ))( ) الآية.
ومما يشترط في «المحتال»: «الرضا»، حتى لو احتال مكرهًا لا تصح؛ لأن الحوالة إبراء فيها معنى التمليك, فتفسد بالإكراه كسائر التمليكات.
ومن شروطها عند الحنفية أيضًا: مجلس الحوالة، وهو شرط الانعقاد( ) عند أبي حنيفة, ومحمد, وعند أبي يوسف شرط نفاذ( ), وبناء عليه لو كان المحتال غائبًا عن مجلس العقد, فبلغه الخبر, فأجاز لا ينفذ عندهما, وعند أبي يوسف ينفذ.
والصحيح: قولهما؛ لأن قبوله من أحد الأركان الثلاثة, فكان كلا منهما بدون شرط العقد, فلا يقف على غائب عن المجلس كما في البيع.
ويشترط في «المحال عليه»:
1) العقل: فلا يصح من المجنون, ولا من الصبي الذي لا يعقل قبول الحوالة أصلاً لما ذكرنا.
2) البلوغ: وهو شرط الانعقاد أيضًا, فلا يصح من الصبي قبول الحوالة أصلاً لما ذكرنا، وإن كان عاقلاً سواء كان محجورًا عليه أو مأذونًا له في التجارة.
3) الرضا: فلو أكره على قبول الحوالة لا يصح.
4) المجلس: وهو شرط الانعقاد عندهما لما ذكر في جانب المحيل( ).
الرأي الثاني: وهو المالكية, والشافعية, ويتفقون مع الرأي الأول في أنه لوجود الحوالة لابد من محيل, ومحال, ومحال عليه, ولكن زاد المالكية والشافعية «المحال به», وهو دين المحال, ويشترط فيه ثلاثة شروط أذكرها مجملة, وسنفصلها بعد ذلك -إن شاء الله.
الشرط الأول: أن يكون دين المحال حالاً؛ لأنه إذا لم يكن حالاً كان بيع ذمة بذمة, فيدخل فيما نهى عنه النبي  -صلى الله عليه وسلم- , وهو النهي عن بيع الدَّين بالدَّين، وكذلك ما نهى عنه من بيع الذهب بالذهب أو الورق بالورق يدًا بيد إذا كان الدَّينان ذهبًا أو ورقًا إلا أن يكون الدَّين المحال عليه ـ الذي على المحال عليه ـ حالاً, ويقبض ذلك المحال مكانه قبل أن يفترقا مثل الصرف, فيجوز ذلك.
الشرط الثاني: أن يكون الدين الذي يحيله به مثل الدَّين الذي يحال عليه في القدر, والصفة لا أقل, ولا أكثر, ولا أدنى, ولا أفضل؛ لأنه إذا كان أقل أو أكثر، أو مخالفًا له في الجنس والصفة لم تكن حوالة, وكان بيعًا على وجه المكايسة, فدخلها ما نهى عنه من بيع الدَّين بالدَّين. 
الشرط الثالث: أن لا يكون الدينان طعامًا من سلم، أو أحدهما, ولم يحل الدَّين المحال به على مذهب ابن القاسم من المالكية( ), وزاد الشافعية: دين المحيل، والصيغة( ).
وخلاصة ما سبق: أن الفقهاء قد اتفقوا على أنه لابد من وجود ثلاثة أركان لوجود الحوالة بالإضافة إلى الصيغة, وهي «الإيجاب», و«القبول»: 
1) المحيل. 
2) المحال. 
3) المحال عليه.
4) الصيغة: الإيجاب, والقبول.
ولكن التساؤل الذي يطرح نفسه هنا هو: ما هو موقف الثلاثة الأول من الرضا؟ بمعنى مَن مِن هؤلاء الثلاثة يشترط رضاه بالحوالة؛ لتصح, ومَن منهم لا يشترط رضاه؟, وسنجيب ـ بإذن الله تعالى ـ على هذا في المبحث التالي.
***
 

المبحث الثانيالرِّضا بالحوالة


«الرِّضا» لغة: من رَضِيَّ، ورضيه، ورضي به, وعنه, وعليه، رضًا, ورضاءً, ورضوانًا, ومرضاة: اختار وقبله( )، و«الرِّضا» مقصور ضد «السخط»، إذن «الرِّضا»: هو الاختيار والقبول.
أمَّا عن موقف المحيل, والمحال, والمحال عليه من الرِّضا, فأقول ـ وبالله التوفيق ـ:
اتفق جمهور الفقهاء على أنه لابد من رضا المحيل, واختياره للحوالة, وقبوله لها؛ لكي تصح الحوالة( ), وهذا في غير المختار عند الحنفية؛ حيث قال صاحب «الدر المختار»: "والمحيل لا يشترط رضاه على المختار", ووضح ذلك, فقال: "إنما اشترط القدوري رضا المحيل للرجوع عليه"، وعلى هذا لا اختلاف في الرواية. 
وإذا اعتبرنا هذا اختلاف رواية, ولا يشترط في المختار رضا المحيل، فيكون الحنفية بذلك قد خالفوا الجميع؛ لأنهم خالفوا حتى قواعدهم العامة في اشتراط الرضا في كل العقود بل اعتبروا ذلك من أركان العقد عندهم الأوحد هو «الصيغة»، وهي: الإيجاب والقبول( ), فكيف يوجب من لا رضي له, ولا اختيار؟
 ووجه اشتراط رضا المحيل يتمثل في الآتي: 
1) أن ذوا المروءات قد يأنفون من تحميل غيرهم ـ المحال عليه ـ ما عليهم من الدَّين, فلابد من رضاه.
2) ولأن للمحيل إيفاء ما عليه من أي جهة شاء, فلا يتعين عليه بعض الجهات قهرًا( ).
3) ثم إن قلنا: إنها مستثناة من بيع الدَّين بالدَّين، أي: أنها بيع دين بدين جوز على خلاف القياس نظرًا لحاجة الناس، فالمحيل, والمحال عليه عاقداها، والعاقدان لابد من رضاهما بالعقد.
أمَّا عن: هل يشترط رضا المحال «المحتال» أولاً؟, فقد اختلف فيه على النحو التالي:
الرأي الأول: وهو لجمهور الفقهاء الحنفية, والمالكية, والشافعية, وما يفهم من مذهب الحنابلة: "إن أحيل على غير مليء, وغير قادر بماله, وببدنه, وقوله"، وذهب هؤلاء جميعًا إلى أنه لابد من رضا المحال, وقبوله للحوالة( ).
واحتج هؤلاء بالآتي: 
1) إنَّ الدَّين حق المحال, والدَّين الذي له على المحيل ينتقل بالحوالة, والذِّمم متفاوتة في حسن القضاء, والمطل, واللدد, فلابد من رضاه, وإلا لزم الضرر إذا ألزم اتباع من قد لا يوافيه( ).
2) ولأن حق المحال في ذمة المحيل, وقد رضي بذمته, فلا ينتقل عنها لغيرها بغير رضاه؛ لتفاوت الذِّمم( ).
3) ولأن حق المحال قد تعلق بذمة المحيل, فلا يجبر على نقله إلى شيء آخر كما لا يجبر على نقله إلى شيء آخر في الإجازة, ونحوها( ).
الرأي الثاني: وقال به الحنابلة في منطوق نصوصهم: إنه لا يشترط رضا المحال إذا أحيل على مليء قادر على بماله, وبدنه, وقوله( ) بل ذهبوا إلى ما هو أكثر من ذلك؛ حيث قالوا: ويجبر المحال في هذه الحالة على قبول الحوالة, وإتباع المحال عليه نصًا لظاهر الأمر في الحديث: «.... فليتبع» الحديث.
ووجه قولهم هذا: أن من حق المحيل أن يوفي الحق الذي عليه بنفسه أو بوكيله، وقد أقام المحيل المحال عليه مقام نفسه في التقبيض, فلزم المحال القبول كما لو وكَّل رجلاً في إيفائه( ).
والمختار من الرأيين: والذي أميل إليه هو رأي الجمهور الفقهاء من أنه لابد من رضا المحال, وقبوله الحوالة حتى لو كان المحال عليه مليئًا موسرًا؛ لأن العبرة ليست بالملاءة, ولكن بالقضاء وحسنه, وكثير من الأملياء, والموسرين عندهم من اللدد, والمماطلة ما تكثر معه الخصومات.
هل يجيز المحال على قبول الحوالة؟
إذا كنا قد اخترنا, وملنا إلى اشتراط رضا المحال بالحوالة, وقبوله لها، فما هو الحكم إن أبى, وامتنع من قبول الحوالة, فهل يجبر على ذلك أم لا؟
اختلف الفقهاء في ذلك على ثلاثة أقوال, وهي:
القول الأول: وهو لجمهور الفقهاء الحنفية, والمالكية, وفي قول عند الشَّافعية، والحنابلة في رواية، يرى هؤلاء جميعًا أنه إذا أحيل على مليء استحب له قبول الحوالة, وندب إلى ذلك( ).
القول الثاني: وذهب بعض الفقهاء إلى أن قبول الحوالة في هذه الحالة من المحتال مباح له لا مندوب، وقال بهذا بعض الحنفية, وبعض المالكية, وفي قول عند الشَّافعية( ).
القول الثالث: وهو رواية عن الإمام أحمد، هي المذهب, والظاهرية أن المحال يجبر على قبول الحوالة إذا أحيل على مليء, فأبى, وامتنع( ).
الأدلة:
أدلة جمهور الفقهاء على الاستحباب, استدلوا على ذلك بالآتي:
1) ما أخرجه أصحاب السنن عن أبي هريرة  -رضي الله تعالى عنه وأرضاه- قال رسول الله  -صلى الله عليه وسلم- : «مطل الغني ظلم, وإذا أتبع أحدكم على مليء, فليتبع». متفق عليه.
ووجه الاستدلال: أنهم حملوا الأمر في قوله  -صلى الله عليه وسلم- : «فليتبع»، على الندب، حيث قال السيوطي( ): "وليس الأمر في الحديث على الوجوب, وإنما هو على الرفق والأدب، وكلاهما مندوب إليه شرعًا، والصارف للأمر عن الوجوب إلى الندب هو القياس على سائر المعاوضات، وبقوله  -صلى الله عليه وسلم- : «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه» الحديث( ).
2) ثم إن الحوالة من قبيل المعروف, والمكارمة من الطالب كـ«الكفالة» و«القرض» و«العرايا», فبذلك تعين صرف الأمر في الحديث عن الوجوب إلى الندب( ).
حجة من قال بالإباحة:
 قال ابن الهمام في «فتح القدير»: والحق الظاهر أنه أمر إباحة ـ أي: قوله  -صلى الله عليه وسلم- : «فليتبع»ـ، وهو دليل جواز نقل الدَّين شرعًا، أو المطالبة، فإن بعض الأملياء عنده من اللدد في الخصومة, والتعسير ما تكثر به الخصومة والمضارة، فمن عُلِمَ من حاله هذا لا يطلب الشارع إتباعه بل عدم إتباعه لما في اتباعه من تكثير الخصومات والظلم، أما من عُلِمَ منه الملاءة, وحسن القضاء, فلا شك في أن إتباعه مستحب؛ لما فيه من التخفيف على المديون, والتيسير عليه، ومن لا يعلم حاله، فمباح إتباعه، لكن لا يمكن إضافة هذا التفصيل إلى النَّص ـ الحديث ـ؛ لأنه جمع بين معنيين مجازيين للفظ الأمر في إطلاق واحد, فإن جعل للأقرب، أضمر معه القيد، وإلا فهو دليل الجواز للإجماع على جوازها دفعًا للحاجة( ).
ويضيف القرافي( ) مستدلاً لمن قال بالإباحة: إن الحوالة من قبيل بيع الدَّين بالدَّين, وهو ممنوع, ولكنها جوزت استثناءً من الحظر، والأمر بعد الحظر للإباحة.
ويمكن مناقشة أدلة, وحجة من قال بـ«الإباحة» بالآتي:
أولاً: فيما يتعلق بما ذكره الكمال بن الهمام, ففي التفصيل الذي ذكره، عندما نعلم لدد, وخصومة, وصعوبة اقتضاء الدَّين من المحال عليه, فمَن الذي يقول بأن يجبر المحال على قبول الحوالة؟ لا يقول بذلك عاقل إلا إذا خاطر المحال, وغامر, وقبل ذلك على هذا الحال, فهذا شأنه.
وفي الحالة الثانية: عندما نعلم من حال المحال عليه الملاءة, وحسن القضاء, فهذا مستحب في حق المحال أن يقبل الحوالة؛ للتعليل الذي ذكره.
وفي الحالة الثالثة: عندما نجهل حال المحال عليه، أليس يحمل أمر المسلم على الأحسن من حسن القضاء, وعدم المماطلة, وعدم الظلم, وأكل مال الناس بالباطل, والتي هي خصال على خلاف الأصل، فيكون قبول الحوالة مستحبًا كما في الحالة الثانية.
ثانيًا: فيما يتعلق بما ذكره الإمام القرافي من حجة لأصحاب هذا الرأي: 
فأقول: كون الحوالة مستثناة من بيع الدَّين بالدَّين، هذا رأي, وهذا احتمال، وهناك احتمال آخر من أنها عقد مستقل بنفسه ليس بمحمول على غيره، ولا مستثنى منه، والأول ليس بأولى منه في الاعتبار, والثاني مترجح؛ لأنها من باب المعروف.
أدلة من قال بوجوب قبول الحوالة, وبالتالي يجبر المحال إن أبى:
استدلوا على ذلك بالآتي:
1) الحديث الذي روي عن رسول الله  -صلى الله عليه وسلم- : «وإذا أتبع أحدكم على مليء, فليتبع». 
ووجه الاستدلال: أن هذا أمر, والأمر في ظاهره للوجوب.
2) أن للمحيل توفية الحق الذي عليه بنفسه, وبوكيله، وقد أقام المحيل المحال عليه مقام نفسه في التقبيض, فلزم المحال القبول قياسًا على ما لو وكَّل رجلاً في إيفائه( ).
ويمكن الرد على ذلك بالآتي:
3) قال الإمام القرافي( ): إن قولهم هذا مخالف للقواعد؛ لأنه قد يحيله على من يؤذيه، أو لا يقدر عليه, وقد يحيلك الذي أحلت عليه على غريمه كذلك إلا ما لا نهاية، وهذا هو الذي صرف الأمر عن الوجوب إلى الندب.
4) ما ذكره ابن العربي في «العارضة»( ) ـ وسوف أنقله بنصه ـ: "زعم بعض العوام أن قول النَّبيِّ  -صلى الله عليه وسلم- : «وإذا أحيل أحدكم على مليء, فليتبع» أن هذا لازم الغريم إذا عرض عليه الإحالة؛ لأنه جاء بصيغة الأمر التي تقضي الوجوب, والحتم. قلنا له: كذبت، التخصيص بعلم الصيغة لا يقتضي كونها أفعل حتمًا, ولا وجوبًا, ولا يكون من دليل آخر, فلا يتعلق بحبل مخدود, وما كفاه هذا الذي ألحقه بالعوام حتى دخل في جملة الأنعام ـ هذا كلام ابن العربي ـ, فقال: يعتبر رضا من يحال عليه، وهذا ما لا أثر فيه, ولا نظر, وقد كان هذا البائس مسبوقًا بإجماع القرون الثلاثة المختارة السابقة إلى الخيرات, فلا تعجب من ضلاله, وإنما أعجب من ضلال من تبعه, وغفر الله لمن تبع قوله, وذكره في كتب العلم, وتكلف الرَّد عليه بالقول، وإنما هو بوضع الرَّد بالفعل".
والمختار من الأقوال الثلاثة, وبناء على ما أجيب به على أدلة, وحجة القولين الثاني والثالث, فإن الذي أميل إلى الأخذ به هو ما ذهب جمهور الفقهاء من الندب, والاستحباب في قبول الحوالة, ولا يجبر صاحب الحق على الرضا بالحوالة؛ لأن حقه تعلق بذمة معينة رضيها مستقرًا لدينه, فلا يجبر على نقله إلى ذمة أخرى, ونجد أصل ذلك في المنافع, فيمن استأجر أو اكترى دابة إلى بلد, فليس للمؤجر أن يحيله على غيره؛ ليستوفي منه.
أمَّا عن رضا المحال عليه, هل يشترط ذلك أم لا؟
فأقول: لقد اختلف الفقهاء في ذلك على النحو التالي: 
الرأي الأول: يرى من يقول به أنه لابد لصحة الحوالة من رضا المحال عليه، وقال بذلك: الحنفية, والمالكية في مقابل المشهور, والشافعية في مقابل الأصح, وهو ما قال به داود الظاهري( ).
ومن الأهمية بمكان أن نلاحظ أن المالكية في قولهم هذا قد قيدوه في صورتين:
الأول: فيما إذا كان بين المحال, والمحال عليه عداوة سابقة على الحوالة إذًا فلابد من رضا المحال عليه, وإلا لم تصح الحوالة على المشهور من قول الإمام مالك، فإن حدثت العداوة بعد الحوالة منع المحال من اقتضاء الدَّين من المحال عليه بنفسه, ووكَّل من يقتضيه منه؛ لئلا يبالغ في إيذائه بعنف مطالبته( ) أو يتعرض له بالمطالبة في أمكنة له فيها وضع خاص كـ«مكان عمل أو مسجد أو بين جيرانه, ونحو ذلك».
 الثانية: عندما لا يكون للمحيل دين في ذمة المحال عليه ـ فهي إذن: حمالة أو كفالة وزعامة ـ, فلابد من رضا المحال عليه( ) (مجازًا) إن صحت التسمية.
الرأي الثاني: يرى من يقول به: إنه لا يشترط لصحة الحوالة رضا المحال عليه، وقال بذلك: المالكية في المشهور عندهم( ), والشَّافعية في الأصح, والمذهب عندهم, والحنابلة( ).
وحجة أصحاب الرأي الأول على ما ذهبوا إليه:
1) أن المحال عليه هو الذي يلزمه الدَّين، ولا لزوم إلا بالتزامه، ولو كان مديونًا للمحيل؛ لأن الناس يتفاوتون في الاقتضاء من بين سهل ميسر، وصعب معسر( ).
2) ثم إن المحال عليه أحد من تتم بهم الحوالة، فأشبه المحيل، فلابد من رضاه، قياسًا عليه( ).
3) ولأن الحوالة مبنية على أنها استيفاء حق ـ في رأي البعض ـ، فكأن المحال استوفى ما كان له من حق قبل المحيل, وأقرضه للمحال عليه، ومن المتعذر إقراض المحال عليه من غير رضاه وقبوله( ).
4) ولعلَّ المحيل يكون ألطف, وألين به في المطالبة, والإنظار من المحال( ).
وحجة أصحاب الرأي الثاني على ما ذهبوا إليه:
1) قوله -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الذي رواه أبو هريرة  -رضي الله تعالى عنه وأرضاه-: «من أحيل على مليء, فليتبع» الحديث.
ووجه الاستدلال منه: أن النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- لم يشترط رضا المحال عليه لا صراحة, ولا ضمنًا.
2) ولأن الحق للمالك، فله أن يملكه من شاء كسائر الحقوق( ).
3) ثم إن المحال عليه محل استيفاء الحق, فلصاحب الحق أن يستوفيه بغيره( ).
4) ولأن الحوالة تفويض قبض, فلا يعتبر فيها أو في القبض رضا من عليه، قياسًا على التوكيل في قبضه، ويخالف المحتال -أي: يوجد فرق بين المحال الذي لابد من رضاه, وبين المحال عليه الذي لا يشترك رضاه-؛ لأن الحق للمحال, فلا ينتقل بغير رضاه كالبائع, وهاهنا الحق على المحال عليه, فلا يعتبر رضاه كالعبد في البيع( ).
والمختار هو الرأي الثاني, وبالقيد الذي ذكره المالكية, أي: أنه لا يشترط رضا المحال عليه إلا إذا كانت هناك عداوة سابقة على الحوالة, ففي هذه الحالة لابد من رضا المحال عليه خوف العنف, وتجاوز المعروف في المطالبة انتقامًا, ومضارة, وهذا غير مقبول شرعًا بين المسلمين أو غير المسلمين, وغيرهم. والله أعلى, وأعلم بالصواب.
***
 






المبحث الثالثصيغة الحوالة

الصيغة: هي كل ما يدل على الرضا من طرفي العقد بما تفرضه, وتستلزمه طبيعة العقد من التزامات.
وينقسم هذا المبحث إلى مطلبين:
المطلب الأول: الصيغة المطلوب توافرها؛ لتتم الحوالة.
المطلب الثاني: الاختلاف في الصيغة, وأثر ذلك على الحوالة.

****
 
المطلب الأول
الصيغة المطلوب توافرها؛ لتتم الحوالة

«الصيغة» ركن من أركان الحوالة, وهي: عبارة عن «الإيجاب» و«القبول» إيجاب من المحيل, وقبول من المحال، أو المحال عليه حسب اختلاف الفقهاء في اشتراط رضاه وقبوله، فيما تقدم. لكن التساؤل الذي يطرح نفسه هنا. هل يشترط في الإيجاب والقبول لفظ معين؟, أو بمعنى آخر: هل هي من العقود الشكلية أم تنعقد بكل لفظ يدل على المقصود منها؟
وللإجابة على هذا التساؤل أقول: يمكن رد أقوال الفقهاء في هذا الأمر إلى الآتي:
الرأي الأول: الحنفية، في الذي اطلعت عليه عندهم وجدت أنه في «الإيجاب» لابد من لفظ الحوالة، بأن يقول المحيل للطالب: «أحلتك على فلان»، أما «القبول» من المحال والمحال عليه, فيكون بأي لفظ يدل على القبول والرضا، نحو: قبلت، ورضيت( ).
الرأي الثاني: أن الحوالة لا تنعقد إلا بلفظها الخاص بها المشتق منها لا غير، وهذا ما قاله أبو الحسن من المالكية, واللخمي, وهو مذهب المدونة. ووجه هذا: مبني على أصل آخر, وهو أن الحوالة قد خرجت عن أصلها من أنها بيع دين بدين استثنيت؛ لحاجة الناس, والرفق بهم, فأبيح لهم، وكل عقد خرج عن أصله, ورخص فيه الشارع يشترط في عقده التصريح كالمساقاة( ).
 الرأي الثالث: ومضمون هذا الرأي: أن الحوالة تنعقد بلفظها المشتق منها كلفظ: «أحلتك بدينك على فلان»، أو بمعناها كلفظ: «أتبعتك بدينك على فلان» أو «خذ حقك منه»، أو «أنا بريء من دينك» أو «نقلت حقك إلى فلان»، أو «ملكتك الدَّين الذي عليه بحقك»، وغير ذلك من كل ما يدل على ترك المحال دينه في ذمة المحيل بمثله في ذمة المحال عليه.
ومذهب ابن رشد: أن ما ينوب مناب ذلك كالتصريح بلفظ الحوالة, وهو دليل كلام ابن عرفة (ومقتضى كلام ابن عرفة أنه ماش على كلام البيان في قوله: لفظ الحوالة أو ما ينوب منابه؛ حيث قال «الصيغة»: ما دلَّ على ترك المحال دينه في ذمة المحيل بمثله في ذمة المحال عليه), ويدل عليه كلام ابن العطار؛ حيث قال: ويجري في الأسواق أن يقول الغريم للطالب: أنزلك بما لك على فلان, فإن لي عليه مثله أو أكثر فهذه بمنزلة الحوالة( ).
 وبناء عليه: فالتحول بالدَّين, والانتقال به يتحقق ولو بالإشارة أو الكتابة, وظاهر كلام المالكية: أن الإشارة أو الكتابة تكفي ولو من غير الأخرس، وقال بعض الفقهاء: لا يكفيان إلا من الأخرس( ).
هل تنعقد الحوالة بلفظ البيع؟
وضح فقهاء الشافعية هذه النقطة, فقالوا: 
الأصح: أنها لا تنعقد بلفظ البيع، وإن نواها، وهذا بناء على أن الاعتبار في العقود باللفظ لا بالمعنى، فلفظ البيع ليس صريحًا, ولا كناية في الحوالة.
ومقابل الأصح: تنعقد الحوالة بلفظ البيع قطعًا؛ لأن مبناها على المسامحة, والرِّفق.
وقال البلقيني: إذا استعمل في الحوالة لفظ البيع, فهي كناية, فلا تكون حوالة إلا بالنية( ).
***
 
المطلب الثاني
الاختلاف في لفظ الحوالة, وأثر ذلك عليها

على الرغم من تشعب أقوال الفقهاء في هذه المسألة إلا أنه يمكن استبيان آرائهم في إطار الحالات الآتية:
الحالة الأولى: 
أن يدعي المحيل الوكالة, وينكر ذلك المحال، ويقول: بل أحلتني, فلمن يكون القول؟, وما أثر ذلك على الحوالة؟. 
اختلف في ذلك على النحو التالي:
الرأي الأول: يرى جمهور الفقهاء الحنفية, والمالكية, والشافعية, والحنابلة أن القول قول المحيل بيمينه( ).
وحجة الجمهور على هذا: 
1) لأن المحال بادعائه الحوالة يدعي الدَّين, والمحيل ينكر، والحال أن لا بينة، فالقول قول المنكر عند ذلك بيمينه، ثم إن لفظ الحوالة تستعمل في الوكالة.
2) ولأن المحيل أعرف بقصده، والأصل بقاء الحقين( ).
اعتراض: اعتراض على هذا الرأي بأنه كيف صح صرف, وتحويل اللفظ الصريح ـ الحوالة ـ إلى لفظ مخالف, وهو الوكالة؟, وهو مخالف لقاعدة: ما كان صريحًا في بابه لا يكون كناية في غيره( ).
والجواب: أن المحيل أعرف بقصده، ثم إن الأصل بقاء الحقين, واحتجنا إلى المسامحة هنا بصرف الصريح( ).
ولأحل المسامحة, والمعروف المستندة إليهما الحوالة خرج هذا الفرع من القاعدة، وقبل قول المحيل إذا قال: أردت التوكيل عند الأكثر( ).
الرأي الثاني: 
ومضمونه: أن القول قول المحال, وهو الأصح عند المالكية نقله ابن الحاجب عن ابن الماجشون, ومشى عليه الدردير تغليبًا لجانب الحوالة, وذلك بشرطين: 
الشرط الأول: أن تكون الحوالة قد تمت بلفظها.
الشرط الثاني: وأن تشبه دعوى المحال ـ أي: تقبل عقلاً، أي: أن العقل يقول: إن مثل المحال يداين المحيل، وإلا كان القول قول المحيل بيمينه( ).
أثر الخلاف في هذه الحالة: 
بناء على القول الأول: لا يقبض المحال من المحال عليه؛ لأنه انعزل بإنكاره الوكالة، وإن كان قبض شيئًا ننظر فيه:
‌أ- أن يكون موجودًا لم يتلف: فللمحيل في هذه الحالة أخذه من المحال؛ لأنه قبضه بطريق النيابة عن المحيل.
‌ب- أن لا يكون موجودًا, أي: تلف أو أتلف في يد المحال ننظر في ذلك أن يتلف بدون تفريط, ولا تعد, فيكون من مال المحيل؛ لاتفاقهما على صحة قبضه من المحال عليه، وفي هذه الحالة للمحال أن يطالب المحيل بدينه الذي له عليه؛ لاعترافه ببقائه في ذمته عندما أنكر الحوالة، وهذا وجه عند الحنابلة.
وفي وجه آخر: لا يطالب المحيل بدينه؛ لأن دعوى المحال الحوالة هي براءة للمحيل من دين المحال.
وقيل: يصدق المحال, فيأخذ من المحال عليه.
وعلى كلا الوجهين: إذا كان المحال قد قبض الدَّين من المحال عليه, وتلف بيده بتفريط أو بدون تفريط، فقد بريء كل من المحيل والمحال قبل صاحبه؛ لأنه إن تلف بتفريط, وكان المحال محقًا، فقد أتلف ماله, وإن كان مبطلاً ثبت لكل واحد منهما في ذمة الآخر مثل ما في ذمته له, فيتساقطان بالمقاصة( ).
 أن يتلف بغير تفريط، فـ«المحال» يقول: قد قبضت حقي, وتلف في يدي، وبريء منه المحيل بالحوالة، وبريء منه المحال عليه بتسليمه إليّ, والمحيل يقول: قد تلف المال في يد وكيلي بغير تفريط, فلا ضمان عليه( ).
الحالة الثانية
أن يدعي المحيل الحوالة, ويقول المحال: بل وكَّلني في قبضه بلفظ الحوالة، والحال أن لا بينة لواحد منهما, فلمن يكون القول؟ ونلاحظ هنا أنهما متفقان على لفظ الحوالة، وهنا يرى الشافعية أن يصدق المحال بيمينه( ), والحنابلة يتفقون معهم في هذا الأمر( ).
وتظهر صورة هذا الخلاف عندما يفلس المحال عليه ونحوه, ومحل هذه الصورة: أن يكون اللفظ الجاري بينهما: «أحلتك بمائة على عمرو», فأما إذا قال: «أحلتك بالمائة التي لك عليَّ على بكر المحال عليه, فهذا لا يحتمل إلا حقيقة الحوالة, فالقول قول المحال قطعًا( ).
الأثر المترتب على الأخذ بقول المحال في هذه الحالة:
يرى الحنابلة: أن للمحال بناء على هذا القبض من المحال عليه؛ لأن حاله لا يخلو من إحدى حالتين: إمَّا وكيل, وإمَّا محال.
فإن قبض من المحال عليه بقدر ما له على المحيل, فأقل قبل أخذه من المحيل, فله أخذ ما قبضه لنفسه؛ لأن «المحيل» يقول: «هو لك», و«المحال» يقول: «هو أمانة في يدي, ولي مثله على المحيل»، فإذا أخذه لنفسه, فقد حصل له غرضه, ولم يأخذ من المحيل شيئًا, وإن استوفى المحال من المحيل دون المحال عليه رجع المحيل على المحال عليه في أحد الوجهين. قال القاضي من الحنابلة: "وهو أصح؛ لأنه قد ثبتت الوكالة بيمين المحال, وبقي الحق في ذمة المحال عليه للمحيل.
وفي الوجه الآخر: لا يرجع المحيل على المحال عليه؛ لاعترافه أنه قد بريء من حقه، وأن المحال قد ظلمه بأن ما كان على المحال عليه, وقيل: يصدق المحيل.
وعلى كلا الوجهين: إن كان المحال قبض المال من المحال عليه وأتلفه، أو تلف في يده بتفريط سقط حقه؛ لأنه إن كان محقًا, فقد أتلف حقه، وإن كان مبطلاً, فقد أتلف مثل دينه, فيثبت في ذمته, فيتساقطان, وإن تلف في يده بلا تفريط, فالتالف من مال المحيل, وللمحال أن يطالبه بحقه، وليس للمحيل الرجوع على المحال عليه؛ لاعترافه ببراءته, وقيل: يسقط حق المحال( ).
ويرى الشافعية في هذه الحالة: أنه إذا كان القول قول المحال, وحلف على ذلك، فإن لم يكن قبض المال من المحال عليه، فليس له قبضة؛ لأن قول المحيل: «ما وكلتك» يتضمن عزله إن كان وكيلا, وللمحال مطالبة المحيل بحقه، وهل للمحيل الرجوع على المحال عليه؟
وجهان في هذا: لأن المحيل اعترف بتحويل ما عليه إلى المحال.
 والثاني: له الرجوع، وهو اختيار البعض أن المحال إن كان وكيلاً, فلم يقبض, فبقي حق المحيل، وإن كان محتالاً, فقد ظلمك بأخذه منك, وما على المحيل حقه, فلك أخذه عوضًا عما ظلمك.
الحالة الثالثة:
عندما يطالب المحال عليه المحيل بمثل مال الحوالة، فيقول المحيل: «أحلت بدين لي عليك»، فلمن يكون القول؟
وضح الحنفية حكم هذه الحالة, فقالوا: لا يقبل قول المحيل إلا ببينة, وإلا كان عليه مثل الدَّين للمحال عليه؛ لإنكاره، وقبول المحال عليه الحوالة ليس إقرارًا بالدَّين لصحة الحوالة بدون دين على المحال عليه( ).
وإن كان هذه يعتبرها المالكية كفالة وضمانًا من المحال عليه للمحيل في رأي من ثلاثة آراء عندهم( ),وهما يتفقان في الغاية, وهو: غرم المدين(المحيل) مثل ما أدى المحال عليه عنه.
ولأن سبب الرجوع قد تحقق, وهو قضاء دينه بأمره إلا أن المحيل يدعي على المحال عليه دينًا, والمحال عليه ينكر، والقول قول المنكر، ولا تكون الحوالة إقرارًا منه بالدَّين عليه, أي: ولا يقال: إن قبول الحوالة من المحال عليه إقرارًا منه بالدَّين عليه للمحيل، لأنا نقول: ليس من ضرورة قبول الحوالة ذلك بل قد تكون بما عليه وهي المقيدة، وقد تكون مطلقة، والمطلقة هي حقيقة الحوالة، أمَّا المقيدة, فوكالة بالأداء من وجه والقبض( ).
***
 



الفصل الثانيشروط صحة الحوالة

تمهيد في تعريف الشرط لغة, واصطلاحًا:
«الشرط»في اللغة هو: «العلامة»، جمعة: «أشراط»، ومنه أشراط الساعة, أي: علامات القيامة، وهو مأخوذ من: «شرط له أمرًا»: التزمه، و«شرط عليه أمرًا»: ألزمه إياه.
«الشرط»: بفتح الراء في اللغة كذلك, وهو: العلامة كما ذكرت، و«اشترط القوم كذا»: جعلوا بينهم علامة.
و«الشرط»: ما يوضع؛ ليلتزم في بيع ونحوه، وفي الفقه: مالا يتم الشيء إلا به, ولا يكون داخلاً في حقيقته، وهو كذلك إلزام الشيء, والتزامه في البيع ونحوه، والجمع: «شروط»، وفي المثل: «الشرط أملك عليك أم لك»( ).
و«الشرط» في الاصطلاح:
عرَّفه القرافي( ) بأنه: الذي يتوقف عليه تأثير المؤثر, ويلزم من عدمه العدم, ولا يلزم من وجوده وجود, ولا عدم.
و«الشرط»: قد لا يوجد إلا متدرجًا كدوران الحول، وقراءة السورة, وقد يوجد دفعة: كالنية، وقد يقبل الأمرين كالسترة, فيعتبر من الأول آخر جزء منه، ومن الثاني جملته، وكذلك الثالث لإمكان تحققه. 
وسوف أتناول ـ بإذن الله تعالى ـ شروط صحة الحوالة شرطًا شرطًا, وفي آخر كل شرط سوف نرى إن كان متفقًا عليه أم مختلفًا فيه، ثم بعد ذلك نفرد لكل منها مبحثًا مستقلاً.
 
الشرط الأول
حضور المحال عليه، وإقراره
اختلف الفقهاء في ذلك على قولين:
القول الأول, ومضمونه: أنه لا يشترط حضور المحال عليه, ولا إقراره بالدَّين الذي عليه للمحيل، وهذا هو الذي يستفاد من نصوص الحنفية( ), والمشهور عند المالكية( ), والظاهر من نصوص الشافعية( ), وكذا الحنابلة( ).
القول الثاني, ومضمونه: اشتراط حضور المحال عليه, وإقراره بما عليه من الدَّين، وإن كان رضاه بالحوالة لا يشترط؛ لأنه ربما يرى أن المحيل ألطف, وألين في المطالبة من المحال، وهذا قول ابن القاسم من المالكية( ),والمرجوح عند الشافعية( ).
وبناء على قول ابن القاسم: لا تجوز الحوالة على الغائب ونحوه, وإن وقع ذلك فسخ حتى يحضر، وقول ابن القاسم هو المعتمد.
ووجه هذا القول: هو احتمال أن يكون للمحال عليه مطعنًا في البينة التي ثبت بها دين المحال إذا حضر أو يثبت براءته من الدَّين ببينة على الدفع ـ السداد ـ أو على إقراره بالدفع أو إبرائه منه, ونحو ذلك( ),وهذا هو ما أميل إليه, وأختاره من القولين.
سبب الخلاف:
يرجع سبب الخلاف إلى: هل الحوالة من قبيل بيع الدَّين بالدَّين؟ أم هي أصل مستقل بنفسه قصد من ورائها الرفق والمعونة؟
فالقول الأول: الذي لم يشترط حضور المحال عليه, ولا إقراره بما عليه من الدَّين بني هذا على أن الحوالة أصل مستقل بنفسه, فلا يسلك بها مسلك بيع الدَّين بالدَّين من اشتراط حضور المحال عليه ـ المدين ـ وإقراره بما عليه.
والقول الثاني: والذي اشترط حضور المحال عليه, وإقراره. يرى أنها من قبيل بيع الدَّين بالدَّين استثناء منه, فيشترط فيها شروطه, ومن شروطه:حضور الدين ـ وهو هنا المحال عليه ـ وإقراره بما عليه من الدين, غاية الأمر: أنه رخص في جواز بيعه بدين آخر على سبيل الإباحة من الأصل الممنوع رفعًا للحرج عن الناس, وتيسيرًا لهم في معاملاتهم, ونظائره كثيرة في الشريعة الغراء.
***
 
الشرط الثاني
ثبوت دين المحيل، والمحال
 وهذا الشرط ذو شقين: 
الأول: ثبوت دين المحيل في ذمة المحال عليه.
 الثاني: ثبوت دين المحال في ذمة المحيل.
الشق الأول: ثبوت دين المحيل في ذمة المحال عليه.
يرى بعض الفقهاء أن المقصود بـ«ثبوت الدين» هو: وجوده لا خصوص الثبوت ببينة أو إقرار من المحال عليه أو المحيل في الحالة الثانية.
وبناء على رأي هؤلاء يكفي في هذا الثبوت تصديق المحال بثبوته, أي: بقول المحيل مع تصديق المحال حقيقة، أو حكمًا بأن يسكت عند الإحالة( ).
ويرى البعض الآخر: أن «ثبوت الدَّين» معناه: أن يثبت ببينة بأن عليه دين المحيل، أو إقرار المحال بحيث يعلم وجوده حال حوالته, وإن أنكر بعد ذلك( ).
وبناء على ما سبق: فإذا لم يكن للمحيل دين في ذمة المحال عليه, هل تجوز الحوالة؟
اختلف في هذا على النحو التالي: 
الرأي الأول: يرى جمهور الفقهاء ـ الحنفية, والمالكية, والشافعية في وجه, والحنابلة ـ جواز هذه المعاملة بهذه الكيفية, ولكن البعض من أصحاب هذا الرأي اشترط صراحة رضا المحال عليه في هذه الحالة، من لم يشترط ذلك صراحة نظر إلى أن هذا الأمر لا يحتاج إلى النص عليه( ).
ويترتب على الأخذ بهذا الرأي التساؤلات الآتية:
1) هل هذه المعاملة ضمان, وكفالة من المحال عليه اسمًا؟ أم ماذا؟
2) وهل لو أفلس المحال عليه في هذه الحالة أو كان معدمًا ـ الكفيل ـ يرجع المحال على المحيل؟
3) وإذا أدى المحال عليه، فهل من حقه أن يطالب المحيل بما أدى عنه؟
الإجابة على هذه التساؤلات:
ذهب المالكية والشافعية في الأصح, وما يفهم من نصوص الحنفية إلى أن هذه المعاملة تكون حمالة, وكفالة, وزعامة، فكأن المحال عليه الذي ليس في ذمته دين للمحيل تحمل ما على المحيل للمحال إن رضي بذلك.
وبناء عليه: إذا طالب المحال عليه المحيل بمثل مال الحوالة، فقال المحيل: «أحلت بدين لي عليك» لم يقبل قوله، وكان عليه مثل الدَّين, وذلك؛ لأن سبب رجوع المحال عليه على المحيل قد وجد وتحقق, وهو قضاء دينه بأمره( ) إلا أن المحيل يدعي على المحال عليه دينًا, وهو ينكر, والقول ـ عند عدم البينة ـ قول المنكر مع يمينه( ).
ولكن ألا يعتبر قبول المحال عليه الحوالة, ورضاه بها إقرارًا منه بالدَّين الذي يدعيه المحيل؟ 
لا يعتبر إقرارًا؛ لأن الحوالة قد تكون بدون دين على المحال عليه, وهذه هي الحوالة المطلقة عند الحنفية, وهي الأصل( ).
واعتبر الحنابلة هذه المعاملة وكالة بالافتراض, فلا يصارفه ـ أي: لا يأخذ من غير جنس الدَّين ـ، فإن كان الدَّين جنيهات مصرية أخذه كذلك ـ أي: لا يأخذ من غير جنسها بدلاً عنها ـ؛ لأنه لم يأذن له في المصارفة، فإن قبض المحال عليه الذي لا دين عليه للمحيل رجع المحال عليه إذن على المحيل بما دفعه عنه للمحتال؛ لأنه قرض حيث لم يتبرع( ).
التساؤل الثاني: 
وما الحكم لو أعدم المحال عليه ـ الكفيل ـ في هذه الحالة, فهل يرجع المحال على المحيل أم لا؟
بيَّن المالكية والشافعية في وجه, والحنابلة حكم هذه الحالة؛ حيث قالوا: لو أعدم المحال عليه ـ الكفيل ـ, فإنه في هذه الحالة يرجع المحال على المحيل في الأصل.
 ولا يرجع عليه بشرطين: 
الأول: أن يعلم المحال أنه ليس للمحيل شيء في ذمة المحال عليه.
الثاني: وأن يشترط المحيل براءته من الدَّين، ففي هذه الحالة لا رجوع للمحال على المحيل, ولو فلَّس المحال عليه, وإن كان ذلك حمالة؛ لأن المحال ترك حقه حيث رضي بالتحول على هذا الوجه( ).
التساؤل الثالث:
إذا أدى المحال عليه ـ الذي ليس عليه دين للمحيل ـ, فهل يطالب بعد ذلك المحيل بما أدى عنه أم لا؟
بناء على ما ذهب إليه جمهور الفقهاء ـ المالكية, والشافعية, وما يفهم من نصوص الحنفية ـ في الإجابة على التساؤل الأول من أن هذه المعاملة حمالة, وكفالة لا يبرأ بها المحيل, وفي هذه أقوال ثلاثة عند المالكية( ), ويفرق الشَّافعية بين أمرين:
الأول: أن يقضي عنه دينه بإذنه، فإنه يرجع عليه في هذه الحالة.
الثاني: أو أن يقضي عنه دينه بغير إذنه, فإنه لا يرجع عليه في هذه الحالة؛ لأنه متبرع( ).
ويفسرها الحنابلة تفسيرًا آخرًا: إنه إذا قبض المحال من المحال عليه الذي ليس عليه دين للمحيل رجع المحال عليه على المحيل بما دفعه عنه للمحتال؛ لأنه قرض حيث لم يتبرع( ).
الرأي الثاني: أن الحوالة لا تجوز إلا على من له عليه دين، وهذا بناء على أن الحوالة بيع ما في الذِّمة بما في الذِّمة, فإذا أحال على من لا دين له عليه كان ذلك بيع معدوم, وبيع المعدوم لا يصح، وقال بهذا الشافعية في وجه ثان عندهم( ).
الشق الثاني
ثبوت دين المحال في ذمة المحيل
الرأي الأول: يرى جمهور الفقهاء أنه إذا لم يكن هناك دين للمحال في ذمة المحيل كان العقد في هذه الحالة «وكالة بالقبض»، فكأن المحيل الذي له دين على المحال عليه وكَّل المحال ـ الذي ليس له دين على المحيل ـ في أن يقبض له دينه من المحال عليه, وتخليصه له منه, وقال بذلك الحنفية, والمالكية, والشافعية في وجه, والحنابلة( ).
وبناء على هذا الرأي: لو طالب المحيل المحتال بما أحاله به, وقال: «إنما أحلتك؛ لتقبضه لي», وقال المحال: «لا, بل أحلتني بدين كان لي عليك», فالقول قول المحيل بيمينه؛ لأن المحال يدعي عليه الدَّين, وهو ينكر، والقول قول المنكر عند عدم البينة؛ لأن الأصل فراغ الذِّمة, وعدم شغلها إلا بدليل, وهو البينة ونحوها، ثم إن لفظة «الحوالة» مستعملة في الوكالة، وهذا في قول.
وفي قول آخر: إن القول قول الطالب ـ المحال ـ عندما يدعي الحوالة, وليس الوكالة؛ لأن الحوالة بالدَّين ظاهرًا، فما قاله المحيل توكيل, فهو خلاف الظاهر, وهذا في وجه عند الشافعية, وهو قول الإمام أحمد( ).
ووجهة نظر من قال: بعدم اشتراط ذلك, وتكون وكالة لا حوالة, وهو جمهور الفقهاء: 
إن الوكالة جازت بلفظ الحوالة؛ لاشتراكهما في المعنى, وهو: استحقاق الوكيل مطالبة من عليه الدَّين كاستحقاق المحال مطالبة المحال عليه، وتحول ذلك إلى الوكيل كتحوله إلى المحيل( ).
وانعقدت وكالة اعتبارًا بالمعنى, فهي وكالة جرت, وتمت بلفظ الحوالة؛ إذ ليس فيها تحويل حق من ذمة إلى ذمة( ).
وبناء عليه: ذهب الحنابلة إلى ثبوت أحكام الوكالة فيها, مثل: عزل الوكيل بموت الموكل، وعزل الوكيل بعزل الموكل له, ونحو ذلك( ).
الرأي الثاني: لا تنعقد وكالة بلفظ الحوالة؛ اعتبارًا باللفظ ـ أي: لفظ الحوالة التي عقدت به؛ لأن الغالب أنهم يرجحون الحوالة اعتبارًا للفظ، وهذا في وجه عند الشَّافعية( ).
الشرط الثالث
لزوم الدَّين
أولاً: يكون الدَّين لازمًا إذا كان ناتجًا عن تصرف شخص يتمتع بالأهلية الكاملة -البلوغ, والعقل, والرشد, والحرية-سواء كانت ولاية إصدار هذا التصرف ولاية أصلية أو نيابية.
ثانيًا: اتفق جمهور الفقهاء على أنه يشترط في الدَّين المحال به أن يكون لازمًا، ورغم هذا, فقد اختلف الفقهاء في أمثلة هذا الدَّين اللازم، وهل يشترط كذلك اللزوم في الدَّين المحال عليه, وإزاء هذا سوف أقوم ـ بإذن الله تعالى ـ باستعراض أقوال فقهاء مذاهب أهل السنة في هذه المسألة على النحو التالي:
 أولاً: الحنفية: يشترط الحنفية -كما ذكرت- في الدَّين المحال به أن يكون لازمًا، وبناء عليه فلا تصح الحوالة بدين غير لازم كـ«دين الصبي»، وما يجري مجراه( )؛ لأن ذلك دين تسميته غير حقيقية؛ ولأنه دين لا تصح به الكفالة به, وكل دين لا تصح الكفالة به لا تصح الحوالة به.
ثانيًا: المالكية: ويشترط المالكية في الدَّين المحال به على المحال عليه أن يكون لازمًا، وذلك احترازًا عن الدَّين غير اللازم, مثل: «دين الصبي» و«السفيه»( ), ونحوهما؛ إذ استدانوا بغير إذن من ولوا عليهم ,وبناء على هذا لا تصح الحوالة عليهم به؛ لعدم اللزوم؛ لأن لأولياء هؤلاء طرح الدَّين عنهم, وإسقاطه, وكذلك ـ من الدَّين غير اللازم ـ ثمن المبيع في زمن الخيار؛ لأن البيع في زمن الخيار صحيح غير لازم( ).
ثالثًا: الشافعية: ويرى كذلك الشَّافعية لزوم الدَّين المحال عليه، أو صيرورته إلى اللزوم, والقاعدة عندهم: أن كل ما يجوز بيعه تجوز الإحالة عليه, ومالا يجوز بيعه لا تجوز الإحالة عليه كـ«دين السَّلم» ( ), فلا تجوز الحوالة به؛ لأن الحوالة بيع في الحقيقة؛ لأن المحتال يبيع ماله في ذمة المحيل بما له المحال عليه، والمحيل يبيع ماله في ذمة المحال عليه بما عليه من الدَّين( ).
إلا أن الشافعية يرون جواز الحوالة بالثمن, وعليه في زمن الخيار في الأصح، وبناء عليه لو فسخ البيع بطلت الحوالة؛ لأنها إنما صحت بالثمن, وعليه لإفضاء بيع الخيار إلى اللزوم, فإذا لم يفض لم تصح. 
ومنقول الشيخ أبي علي واختياره: بطلان الخيار؛ لأن مقتضى الحوالة اللزوم، فلو بقي الخيار فات مقتضاها، فإن أبطلنا, فأحال البائع المشتري على ثالث بطل خيارهما؛ لتراضيهما، وإذا أحال البائع رجلاً على المشتري لا يبطل خيار المشتري إلا إذا فرض منه قول, ورضي.
أمَّا الحوالة بالثمن بعد انقضاء مدة الخيار, وقبل قبض المبيع, فالمذهب الذي عليه الجمهور: القطع بجوازها، وللمسعودي إشارة إلى منعها؛ لكونه غير مستقر, وقد اشتهر في كتب الأصحاب استقرار ما يحال به, وعليه( ).
وقد حكي في «الحاوي» و«التتمة» وجهًا: بجواز الحوالة بدين السَّلم بناءً على أنها استيفاء( ).
رابعًا: الحنابلة: يشترط كذلك الحنابلة لصحة الحوالة: أن يحيل على دين مستقر في ذمة المحال عليه؛ لأن ما ليس بمستقر عرضة للسقوط, ومقتضى الحوالة إلزام المحال عليه بالدَّين مطلقًا, فلا تثبت فيما هذا صفته( ).
ولا تصح الحوالة كذلك لو أحال البائع بثمن المبيع على المشتري في مدة الخيار مجلس أو شرط أو أحال على ناظر الوقف أو أحال على ولي بيت المال أو أحال ناظر الوقف بعض المستحقين على جهته, ونحوه لم يصح كل ذلك حوالة؛ لأنها انتقال مال من ذمة إلى ذمة, والحق هنا ليس كذلك لكن يكون ذلك وكالة كـ«الحوالة على ماله في الديوان»( ).
ولا يشترط عند الحنابلة في الحوالة استقرار المحال به؛ لأنه يجوز أداء غير المستقر، وفي قول آخر قال به أبو الخطاب في «الهداية»: "يشترط استقرار المحال به قياسًا على المحال عليه"( ).
أمَّا عن الحوالة بالمسلم فيه أو برأس مال المسلم بعد العقد, فلا تصح؛ لأنه تصرف في السلم أو رأس ماله قبل القبض, وذلك غير صحيح, ولا تصح الحوالة بجزية؛ لفوات الصَّفا, ولا على الجزية؛ لذلك, ولعدم استقرارها( ).
ويضيف ابن قدامة( ): إلا أن السَّلم لا تصبح الحوالة به, ولا عليه؛ لأن دين السَّلم ليس بمستقر بكونه بعرض الفسخ؛ لانقطاع المسلم فيه, ولا تصح الحوالة به؛ لأنها لم تصح إلا فيما يجوز أخذ العوض عنه, والسَّلم لا يجوز أخذ العوض عنه؛ لقول النَّبيّ -صلى الله عليه وسلم- : «من أسلم في شيء, فلا يصرفه إلى غيره».( ) الحديث.
الشرط الرَّابع
حلول الدَّين المحال به
وهو دين المحال الذي له في ذمة المحيل، وبعد استقرائي لآراء الفقهاء من خلال ما نصوا عليه في كتبهم وجدت في ذلك اتجاهين, وهما:
الاتجاه الأول: ويمثله جمهور الفقهاء ـ الحنفية, والشافعية في وجه, والحنابلة, والظاهرية( ), ومضمونه: أنه يجب في الحوالة تماثل الحقين في بعض الأمور منها: الصفة من التأجيل والحلول, وهذا أمر محل اعتبار عندهم, فلو كان أحد الدينين حالاً, والآخر مؤجلاً لم تصح الحوالة, ولو كان أحدهما مؤجلاً إلى شهر, والآخر إلى شهرين لم تصح الحوالة.
وعللوا ذلك: بأن الحوالة عقد إرفاق كالقرض، فلو جوزت مع الاختلاف لكان المطلوب منها الفضل، فتخرج بذلك عن موضوعها, وكذلك قياسًا على المقاصة؛ حيث إنها في معناها.
الاتجاه الثاني: ويمثل هذا الاتجاه المالكية، ومضمونه طبقًا لما جاء في النصوص عندهم: أنه يشترط حلول الدَّين المحال به -أي: الدَّين الذي للمحال على المحيل-؛ لأنه إذا لم يكن حالاً أدى ذلك إلى تعمير ذمة بذمة, فيؤدي ذلك إلى بيع الدَّين بالدَّين، والذَّهب بالذَّهب، أو الورق بالورق، أو أحدهما بالآخر لا يدًا بيد إذا كان الدينان عينًا. إلا أن يكون الدَّين المحال عليه, وهو: دين المحيل الذي له في ذمة المحال عليه حالاً, ويقبضه المحال قبل أن يتفرقا, مثل: الصَّرف, فيجوز.
ولقد قال المالكية في علة هذا الشرط -وهو حلول الدَّين المحال به-: أن الأصل في الحوالة المنع؛ لأنها بيع دين بدين، ولكن رخص بها عند حلول المحال به, والرخصة لا تتعدى موردها، إلا إذا كان المحال عليه حالاً, فتجوز في هذه الحالة إذا قبضه المحال في المجلس قبل التفرق قياسًا على الصَّرف، ولذلك قال الرماصي من المالكية: "إن خرجت الحوالة عن محل الرخصة بعدم حلول المحال به, ففي هذه الحالة تطبق عليها القواعد العامة -أي: أنها إن أدت إلى تعمير ذمة المحيل, والمحال عليه, فتكون من بيع الدَّين بالدَّين-, ويمنع هذا؛ لنهي النَّبيّ  -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك في الحديث الذي رواه ابن عمر  -رضي الله تعالى عنه وأرضاه-ما: «نهى النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- عن بيع الكالئ بالكالئ», وهو: النسيئة بالنسيئة( ).
ويزيد المالكية هذا الشرط توضيحًا, فيقولون: إذا كان الدَّين الذي على المحيل للمحال ذهبًا, وكذلك إذا كان الدَّين الذي للمحيل على المحال عليه ذهبًا, فإذا لم يحل المحال به أدى ذلك إلى بيع الذهب بالذهب لا يدًا بيد أو إذا كانا ورقًا, فكذلك, وهذا منهي عنه للآتي:
1) ما رواه أبو سعيد الخدري( ) أن النَّبيَّ  -صلى الله عليه وسلم- قال: «الذهب بالذهب, والفضة بالفضة, والبر بالبر, والشَّعير بالشَّعير, والتَّمر بالتَّمر, والملح بالملح مثلاً بمثل يدًا بيد, فمن زاد أو ازداد, فقد أربى الآخذ, والمعطي فيه سواء».
2) ما رواه عمر بن الخطاب  -رضي الله تعالى عنه وأرضاه- أن رسول الله  -صلى الله عليه وسلم- قال: «الذَّهب بالورق ربًا إلا هاء وهاء( ), والبر بالبر ربًا إلا هاء وهاء, والشَّعير بالشَّعير ربًا إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر ربًا إلا هاء وهاء». متفق عليه( ).
قال النووي: فيه اشتراط التقابض في بيع الربوي بالربوي إذا اتفقا في علة الرِّبا سواء اتفق جنسهما كذهب بذهب أم اختلف كذهب بفضة، ونبَّه  -صلى الله عليه وسلم- في هذا الحديث بمختلف الجنس على متفقه( ) ـ أي: إنه إذا كان الربا يجري في مختلف الجنس إذًا لم يكن يدًا بيد ـ, فمن باب أولى متفق الجنس.
ففي كل ما سبق تمنع الحوالة؛ لأنها سوف تؤدي إلى ممنوع إلا إذا كان الدَّين المحال به حالاً، أو المحال عليه, ويقبضه المحال في الحال قبل أن يتفرقا مثل الصرف( ).
وسواء كانت الديون من بيع أو قرض، أو تعد إلا أن يكونا جميعًا طعامًا من سلم, فلا تجوز الحوالة بأحدهما على الآخر حلت الآجال أو لم تحل، أو حل أحدهما ولم يحل الآخر؛ لأنه يدخله بيع الطعام قبل قبضه استوت رءوس أموالهما أو لم تستو خلافًا لأشهب في قوله: "إذا استوت رءوس أموالهما جازت الحوالة, وكانت تولية, وهي: بيع المشتري بثمنه بلا فضل.
الشرط الخامس 
تساوي الدينين
بادئ ذي بدء أقول: إن المراد بالتساوي بين الدينين قدرًا هو أن لا يكون المأخوذ أو ما يؤخذ من المحال عليه أكثر من الدَّين المحال به, ولا أقل, فلا يحيله بخمسة على أن يأخذها من المحال عليه عشرة, ولا العكس؛ لأنه في الأول: ربا, وفي الثانية: منفعة في التحول إلى الأقل, وهذا إذا كان الدَّين من قرض، أمَّا إن كان الدَّين المحال به من بيع، فيجوز قضاؤه بأزيد عدد، وإن كان الأولى في التعليل أن يقال: لأنه بيع دين بدين في غير مورد الرخصة( ).
ثم أمَّا بعد: فقد اتفق جمهور الفقهاء على أن من شروط صحة الحوالة تساوي الدينين المحال به ـ وهو ما للمحال في ذمة المحيل ـ, والمحال عليه ـ وهو ما للمحيل في ذمة المحال عليه ـ, وذلك في الآتي:
‌أ- التساوي في الجنس: ويقصد به اتحاد الجنس بأن يحيل من عليه ذهب بذهب، ومن عليه فضة بفضة, وبناء عليه: فلو أحال من عليه ذهب بفضة أو العكس لم تصح, وإلا تحقق الربا, وهو ما يسميه المالكية بـ«الصرف المؤخر»، و«الصرف المؤخر» لا يجوز؛ لقوله  -صلى الله عليه وسلم- : «... فإذا اختلفت هذه الأجناس, فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد...» الحديث. 
ومن اتحاد الجنس أيضًا أن لا يحيل بذهب أو فضة أو عرض على منافع له قبل المحال عليه؛ لأن قبض الأوائل من المنافع ليس قبضًا للأواخر, ولا بالأدنى صفة على الأعلى( )؛ لأن الحوالة إنما تجوز إذا كانت على وجه المعروف، فإن دخلها وجه من وجوه المكايسة والمغالبة رجعت إلى الأصل, فلم تجز. 
‌ب- التساوي في الصفة: فلابد من التماثل بين الدينين في الصفة, فلا يحيل بخمسة دنانير «سكة» محمدية على مثلها«سكة» يزيدية ولا عكسة؛ لأن ربا, فهو سلف بزيادة، ولا يحيل من عليه صحاح بمكسرة، أو من مصرية بأميرية. 
‌ج- التساوي في الحلول والتأجيل: فيعتبر اتفاق أجل المؤجلين، فإن كان أحدهما حالاً, والآخر مؤجلاً، أو أجل أحدهما إلى شهر, والآخر إلى شهرين لم تصح الحوالة؛ لأن الحال لا يتأجل. 
فإن اختلف الدينان في شيء مما تقدم لم تصح الحوالة؛ لأن الحوالة معونة, وإرفاق كالقرض, فلو جوَّزت مع الاختلاف صار المطلوب منها طلب الفضل، فتخرج بذلك عن موضوعها، وإذا خرجت عن موضوعها ردت إلى أصلها, وهو بيع الدَّين بالدَّين, فاشتراط التساوي بين الدينين فيما ذكر؛ لخروجها عن حقيقة المعاوضات, وصحتها, وهي مستثناة( ).
ولكن هل يجوز التحول بالأعلى صفة على الأدنى؟ أو العكس؟ 
الصورة الأولى: وهي التحول بالأعلى على الأدنى، وهذه الصورة تردد فيها فقهاء المالكية ما بين مجيز ومانع, 
فقال بـ«الجواز» اللخمي, والمازي, والمتيطي, وفي وجه عند الشافعية, ووجه قول هؤلاء: إنها زيادة معروف, وتبرع بالزيادة( ).
وذهب ابن رشد, وعياض من المالكية في الراجح, وهو الصحيح عند الشافعية إلى «المنع», ووجه قول هؤلاء: أنه يؤدي إلى التفاضل ـ المنهي عنه شرعًا ـ بين العينين.
فإذا وقعت الحوالة على هذه الصفة, وقلنا بـ«المنع», فما الحكم؟
إذا وقعت الحوالة على هذه الصفة, وجرت عليها, فهي حوالة على من لا دين عليه, فتأخذ حكم الكفالة إن قبلها المحال عليه.
والصورة الثانية, وهي التحول بالأدنى على الأعلى: فهذه جائزة في وجه عند الشافعية، فكأن المحال عليه تبرع بالزائد, وهو الفرق بين الأدنى والأعلى، والصحيح: المنع( ), وكما قال المالكية.
الشرط السادس: ألا يكون الدَّين المحال به, وعليه طعامًا من بيع أو أحدهما.
 فصلَّ المالكية القول في هذا الشرط, وذلك على النحو التالي:
يجب أن لا يكون كل من الدَّين المحال به, ـ وهو ما للمحال في ذمة المحيل ـ، والدَّين المحال عليه ـ وهو ما للمحيل في ذمة المحال عليه ـ طعامًا من بيع أي سلم( )؛ لأنه لو كان كذلك, فسوف تدخله العلة المحرَّمة, وهي: النهي عن بيع طعام المعاوضة قبل قبضه؛ لأن المحال باع ماله عند المحيل بما للمحيل عند المحال عليه، وذلك قبل قبضه من المحال عليه, وهذا منهي عنه، ودليل ذلك:
1) ما رواه مسلم, وغيره( ) عن جابر قال: قال رسول الله  -صلى الله عليه وسلم- : «إذا ابتعت طعامًا, فلا تبعه حتى تستوفيه» الحديث.
2) ما رواه أبو هريرة( )  -رضي الله تعالى عنه وأرضاه- عن رسول الله  -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «من اشترى طعامًا, فلا يبعه حتى يكتاله» الحديث.
3) ما رواه أصحاب السنن( ) عن ابن عباس أن النبي  -صلى الله عليه وسلم- قال: «من ابتاع طعامًا, فلا يبعه حتى يستوفيه» قال ابن عباس: "ولا أحسب كل شيء إلا مثله" متفق عليه.
ولقد عنَّون الإمام مسلم للحديث الأول بقوله: "باب بطلان بيع المبيع قبل القبض".
ففي هذه الأحاديث النهي عن بيع المبيع حتى يقبضه المشتري, ولقد أجمع أهل العلم ـ إلا من شذ ـ ( ) على أنَّ الطعام لا يجوز بيعه قبل القبض, وإنما اختلفوا فيما عداه( ).
فيرى الإمام أبوحنيفة: أن المبيعات التي لا تنقل, ولا تحول, وهي: الدور, والعقار يجوز فيها البيع قبل القبض( ).
وعن الإمام مالك روايتان:
الأولى أشهرهما: اشتراط القبض في الطعام بإطلاق, فيمتنع بيعه قبل قبضه.
الثانية: اشتراط القبض في الربوي فقط، فيجوز بيع بيع غير الربوي من الطعام قبل قبضه( ).
وعند الشافعية: ومعهم الثوري, وهو ما روي عن جابر بن عبد الله, وابن عباس: أنه يشترط القبض في كل شيء, ولو كان مما لا ينقل( ).
وعند الإمام أحمد, وأبي ثور: أنه يشترط القبض؛ لبيع الطعام المكيل, والموزون( ).
ولأبي عبيد, وإسحاق: اشتراط القبض في المكيل والموزون, فكل شيء لا يكال ولا يوزن, فلا بأس ببيعه قبل قبضه.
ولابن حبيب, وعبد العزيز بن أبي سلمة, وربيعة: يشترط القبض في المكيل, والموزون, والمعدود( ).
وخلاصة ما تقدم: أن الإجماع منعقد على منع بيع الطعام قبل قبضه إلا ما حكي عن عثمان البتي, وهو خلاف شاذ متروك.
 وما علة النهي؟ 
قيل: منع هذا تعبدًا ـ أي: لا يعلل المنع ـ, وقيل: معلل بأن غرض الشارع الوصول إلى الطعام؛ ليتوصل القوي والضعيف, ولو جاز بيعه قبل قبضه؛ لربما أخفي بإمكان شرائه من مالكه, وبيعه خفية, فلا يتوصل إليه الفقير؛ ولأجل نفع الكيَّال, والحمَّال، وصاحب الدَّابة( ).
وما الحكم لو كان أحدهما طعامًا من بيع, والآخر طعامًا من قرض من حيث صحة الحوالة, وعدم صحتها؟
وصورة هذا التساؤل: أن يكون للمحال عند المحيل 100مائة أردب من قمح من سلم، ويكون للمحيل عند المحال عليه 100مائة أردب قمح سلف ـ قرض ـ، فما الحكم لو أحال المحيل المحال على المحال عليه بها؟
اختلف فيها فقهاء المالكية على النحو التالي:
الرأي الأول, وبه قال جميع أصحاب الإمام مالك: تجوز الحوالة في هذه الصورة بشرط أن يحل المحال به فقط، وهذا هو ما حكاه ابن حبيب عن الإمام مالك, وأصحابه إلا ابن القاسم.
 الرأي الثاني, وبه قال ابن القاسم: إنه لابد من حلول المحال عليه أيضًا.
الرأي الثالث, وهو لابن رشد: أن هذا ممنوع مطلقًا, أي: سواء كان المحال به, والمحال عليه كلاً منهما من بيع أو أحدهما من بيع, والآخر من قرض.
اعتراض على الرأي الأول: اعتراض ابن عاشر على قول الأصحاب, فقال: علة المنع السابقة, وهي: النهي عن بيع طعام المعاوضة قبل قبضه موجودة هنا حتى لو كان المحال به حالاً, فما وجه الجواز؟
وأجيب عن هذا: بأن قضاء القرض بطعام المعاوضة جائز, وصورتها: أن المحيل مدين بمائة من الجنيهات على سبيل القرض، والمحال عليه مدين للمحيل بمائة من الجنيهات ثمن بيع طعام باعه له المحيل، فتصح الحوالة بالقرض إذا حلَّ على ثمن المبيع الذي لم يحل بعد.
توضيح الاعتراض: هذه الإجابة ظاهرة, وواضحة فيما إذا كان المحال به طعام القرض, والمحال عليه ثمن طعام من البيع، ولكن توقف ابن عاشر, واعتراضه ليس في هذا, وليس فيه بيع المبيع قبل قبضه, وإنما توقف ابن عاشر, واعتراضه في عكس هذا بأن يكون المحال به ثمن الطعام من بيع, والمحال عليه طعام القرض، كأن يكون لزيد من الناس عندي عشرة أرادب قمح من سلم, ولي على عمرو من الناس عشرة أرادب قمح كان قد تسلفها مني, فإن عليه منع الحوالة هنا, وهي بيع طعام المعاوضة قبل قبضه موجودة هنا تحقيقًا( ).
وصوب البعض الرأي الأول.
وقال الدردير: "كلا الرأيين ضعيف".
 مبنى الرأي الثالث: (ابن رشد) أن الدردير ذكر سابقًا في باب البيع: وجاز لمشتر, وموهوب شيئًا البيع قبل القبض من البائع, والواهب إلا مطلق طعام المعاوضة ـ أي: الذي في مقابلة شيء, وأراد بمطلقه ربويا كقمح أو لا كتفاح ـ, فلا يجوز بيعه قبل قبضه, ولو كان طعام المعاوضة كرزق قاض, وإمام مسجد, ومؤذن, وجندي, وكاتب مما جعل لهم في بيت المال   كعالم جعل له في نظير التعليم.
ومحل المنع حيث اشترى من هؤلاء بكيل أو وزن أو عدد لا جزافا( ), وإلا فيجوز بيعه قبل قبضه؛ لدخوله في ضمان المشتري بمجرد العقد, فهو مقبوض حكمًا, فليس فيه توالي عقدتي بيع لم يتخللهما قبض( ).
***
 








الفصل الثالث
أحكام الحوالة
ويحتوي هذا الفصل على مبحثين:
 المبحث الأول: الغرر, والحوالة.
المبحث الثاني: انتقال المحال به بمجرد الحوالة.
 

المبحث الأول
الغرر والحوالة

تمهيد في تعريف «الغرر» لغة, واصطلاحًا:
«الغرر» في اللغة: الخطر, وبيع الغرر: بيع ما يجهله المتبايعان أو مالا يوثق بتسلمه كـ«بيع السمك في الماء»( ) .
وغرَّه غرًا وغرورًا وغِرة بالكسر، فهو: مغرور, وغرير كـ«أمير خدعة» و«أطمعه بالباطل»( ), والإسم منه: الغرر.
وقيل: بيع المنهي عنه ما كان له ظاهر يغر المشتري, وباطن مجهول يقال: «إياك وبيع الغرر»، وقيل: بيع الغرر: أن يكون على غير عهدة ولاثقة، قال الأزهري: ويدخل في بيع الغرر البيوع المجهولة التي لا يحيط بكنهها المتبايعان حتى تكون معلومة( ). 
وقال القاضي عياض رحمه الله: «الغرر» هو: ما له ظاهر محبوب, وباطن مكروه؛ ولذلك سميت «الدنيا»: متاع الغرور، قال: ويكون من الغرارة, وهي الخديعة، ومنه: «الرجل الغر» بكسر الغين: للخدَّاع، ويقال للمخدوع أيضًا, ومنه قوله  -صلى الله عليه وسلم- : «المؤمن غِرٌّ كريم»( ).
و«الغرر» اصطلاحًا: ما يكون مجهول العاقبة لا يدرى أيكون أم لا( ).
وقال الخطابي( ) «الغرر»: ما طوي عنك علمه, وخفي عليك باطنه, وهو مأخوذ من قولهم: «طويت الثوب على غِرة»، وكل بيع كان المقصود منه مجهولاً غير معلوم، أو معجوزًا عنه غير مقدور عليه, فهو: غرر.
وقال القرافي( ): وأصل «الغرر»: هو الذي لا يدري هل يحصل أم لا؟ كالطير في الهواء, والسمك في الماء، وأما ما علم حصوله, وجهلت صفته, فهو المجهول كبيعه ما في كمه، فهو يحصل قطعًا لكن لا يدري أي شيء هو، فـ«الغرر» والمجهول كل واحد منهما أعم من الآخر من وجه, وأخص من وجه, فيوجد كل واحد منهما مع الآخر, وبدونه.
أما وجود الغرر بدون الجهالة, فكشراء السيارة المسروقة المعلومة قبل السرقة لا جهالة فيها, وهي غرر؟؛ لأنه لا يدري هل يحصل عليها أم لا؟.
وأمَّا وجود الجهالة بدون الغرر, فكشراء حجر يراه، لا يدري أزجاج هو أم ياقوت، مشاهدته تقتضي القطع بحصوله إذن, فلا غرر, وعدم معرفته حقيقته تقتضي الجهالة.
 وأما اجتماع الغرر والجهالة, فكشراء السيار المسروقة المجهولة الصفة قبل السرقة أو الجمل الشارد, ونحو ذلك.
أما عن حكم الغرر والجهالة, وأثرهما:
فأقول: الغرر والجهالة ثلاثة أقسام:
القسم الأول: كثير ممتنع إجماعًا كـ«الطير في الهواء».
القسم الثاني: قليل جائز إجماعًا كـ«أساس الدار» و«قطن الحبُيَّة».
القسم الثالث: ومتوسط، وهذا اختلف فيه: هل يلحق بالأول والثاني، فلارتفاعه عن القليل ألحق بالكثير، ولانحطاطه عن الكثير ألحق بالقليل, وهذا هو سبب اختلاف العلماء في فروع الغرر, والجهالة.ا.ه.
أمَّا عن الغرر, وأثره في الحوالة:
فقد ذكرت أن البعض اعتبر الحوالة مستثناة من النهي عن بيع الدَّين بالدَّين؛ نظرًا لحاجة الناس, وبيع الدَّين بالدَّين منهي عنه للغرر, فكذلك الحوالة فيها نوع غرر, ولكنه من النوع القليل الجائز لاغتفار الشارع له, ومسامحته فيه، ولذلك كان من أثر هذا كما قال المازري: شروط بيع الدَّين علم حال ذمة المدين( ), وإلا كان غررًا بخلاف الحوالة.
فاغتفر فيها الغرر، ولهذا اشترط حضور المدين في بيع الدَّين؛ ليعلم حاله من فقر أو غنًى؛ إذ لابد من علم ذلك؛ لاختلاف مقدار عوض الدَّين باختلاف حال المدين من فقر أو غنًى, وفي هذا نوع مخاطرة, ولا يصح أن يكون مجهولاً ثم إن الغرر فيها نادر, والغرر النادر مغتفر في البياعات؛ إذ لو اعتبر الغرر النادر فيها, وأثرَّ ما جاز بيع بحال؛ إذ ما من بيع إلا وقد يجوز استحقاقه أو ظهور عيب به, فلا يدري هل يتم فيه أم لا؟( ).
***
 
المبحث الثاني
انتقال الدَّين المحال به بمجرد الحوالة

اتفق معظم الفقهاء على أنه إذا تمت الحوالة مستوفية للشروط التي ذكروها, والأركان التي نصوا عليها بريء المحيل من دين المحال, وبريء المحال عليه من دين المحيل؛ لأن الحوالة تنقل الحق من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه, فلا يملك المحال الرجوع على المحيل بحال من الأحوال إذا صحت الحوالة, وهذا هو قول عامة أهل العلم كما ذكرت.
واستند الجمهور فيما ذهبوا إليه إلى:
أن الأحكام الشرعية تثبت على وفق المعاني اللغوية، فمعنى «الحوالة»: النقل والتحويل, وهو لا يتحقق إلا بفراغ ذمة الأصيل؛ لأن الدَّين متى انتقل من ذمة لا يبقى فيها، بخلاف الكفالة ـ هذا لمن قاس الحوالة على الكفالة ـ, فإن معناها: الضم, وهو يستلزم, ويقتضي أن يكون موجب الكفالة ضم الذِّمة إلى الذِّمة, ولا يتحقق ذلك مع براءة الأصيل, والاستيثاق فيها بالضم، وفي الحوالة باختيار من هو الأملأ من المحيل, وأحسن من المحيل في القضاء( ).
إلا أن الحسن وزفر, ومن وافقهما كان لهم رأي آخر:
فإن الحسن: لا يرى الحوالة براءة من الدَّين إلا أن يبرئه المحال, ولم أعثر له على دليل على هذا.
أما زفر: فإنه لا يرى الحوالة براءة من دين المحال بالسنبة للمحيل, وإنما ضمت بها ذمة إلى ذمة أخرى, وهي ذمة المحال عليه إلى ذمة المحيل؛ وذلك قياسًا على الكفالة؛ إذ إن كل عقد منهما عقد توثق, وليس من الوثيقة براءة الأول ـ المحيل ـ بل الوثيقة في مطالبة الثاني مع بقاء الدَّين على حاله في ذمة الأول من غير تغيير كما في الكفالة( )؛ ولأن المقصود بها: التوثق, وهو: بازدياد المطالبة كـ«الكفالة» لا تؤثر في سقوط ما كان له من المطالبة( ).
وأجاب الجمهور على ذلك بالآتي:
إن «الحوالة» لغة: النقل, ومنه حوالة الغراس, والدَّين متى انتقل عن الذِّمة لا يبقى فيها ضرورة، أما «الكفالة», فللضم, والأحكام الشرعية تأتي على وفق, ونسق المعاني اللغوية، أما «التوثق», فعن طريق اختيار الأملأ, والأحسن في القضاء( ).
ثم إنه من المحال بقاء الشيء الواحد في محلين في زمان واحد( ).
ولكن التساؤل الذي يطرح نفسه بناء على ما قاله جمهور الفقهاء: هل براءة المحيل من الدَّين, والمطالبة جميعًا؟ أم براءة من المطالبة دون الدَّين؟ إذن الخلاف في كيفية النقل -أي: نقل الدين.
كان لفقهاء الحنفية في هذا اتجاهين:
الاتجاه الأول: وهو لأبي يوسف أن الحوالة توجب نقل الحق, والمطالبة جميعًا، وبناء عليه لو أبرأ المحال المحيل صحَّ إبراؤه, ودلَّ على ذلك الإجماع, والمعقول: 
أما الإجماع: فقد قال الكاساني: فلأنا أجمعنا على أنه لو أبرأ المحال عليه من الدَّين أو وهب منه صحت البراءة والهبة، ولو أبرأ المحيل من الدَّين أو وهب منه لا يصح, ولو أن الدَّين انتقل إلى ذمة المحال عليه, وفرغت ذمة المحيل عن الدَّين لما صحَّ الأول؛ لأن الإبراء عن الدَّين, والحال أن لا دين هذا محال، ولكان صحَّ الثاني؛ لأن الإبراء عن دين ثابت وهبته منه صحيح, وإن تأخرت المطالبة كالإبراء عن الدَّين المؤجل.
وأما المعقول: فلأن الحوالة توجب النقل؛ لأنها مشتقة من التحويل, وهو النقل, فيقتضي نقل ما أضيف إليه, وقد أضيفت إلى الدَّين لا إلى المطالبة؛ لأنه إذا قال: «أحلتك بالدين»، أو أحلت فلانًا بدينه, فهذا يوجب انتقال الدَّين إلى المحال عليه إلا أنه إذا انتقل أصل الدَّين إليه تنتقل المطالبة؛ لأنها تابعة( ).
الاتجاه الثاني: وهو لمحمد، وهو أن الحوالة توجب نقل المطالبة فقط دون الدَّين، ودلَّ على هذا الإجماع, والمعقول أيضًا. 
أمَّا الإجماع: فإن المحيل إذا قضى دين المحال بعد الحوالة قبل أن يؤدي المحال عليه لا يكون بذلك متطوعًا بل ويجبر المحال على القبول, ولو لم يكن على المحيل دين لكان متطوعًا, فينبغي أن لا يجبر على القبول، كما إذا تطوع أجنبي بقضاء دين إنسان على غيره، وكذلك المحال لو أبرأ المحال عليه عن دين الحوالة لا يرتد برده, ولو وهبه منه يرتد برده كما إذا أبرأ المحال -الطالب الكفيل أو وهبه منه-، ولو انتقل الدَّين إلى ذمة المحال عليه لما اختلف حكم الإبراء, والهبة, ولا ارتد جميعًا بالرد كما لو أبرأ الأصيل أو وهب منه, وكذلك المحال لو أبرأ المحال عليه عن دين الحوالة لا يرجع على المحيل, وإن كانت الحوالة بأمره كما في الكفالة.
ولو وهب الدَّين منه له أن يرجع عليه إذا لم يكن للمحال عليه دين كما في «الكفالة», ولو كان عليه دين يلتقيان قصاصًا كالكفالة, فدلت هذه الأحكام على التسوية بين الكفالة والحوالة، ثم إن الدَّين في باب الكفالة ثابت في ذمة الأصيل, فكذا في الحوالة( ).
وأمَّا المعقول: فهو أن الحوالة شرعت وثيقة للدَّين بمنزلة الكفالة, وليس من الوثيقة إبراء الأول بل الوثيقة في نقل المطالبة مع قيام أصل الدَّين في ذمة المحيل( ).
وما هي ثمرة الخلاف؟
تظهر ثمرة الخلاف في موضوعين:
الأول: إذا أبرأ المحتال المحيل من الدَّين, قال أبو يوسف: لا يصح، وقال محمد: يصح.
   الثاني: أن الراهن إذا أحال المرتهن بالدَّين على إنسان كان للراهن أن يسترد الرهن عند أبي يوسف كما لو أبرأه من الدَّين.
 وعن محمد: ليس له ذلك كما لو أجل الدَّين( ).
وبعد هذه المقدمة الضرورية لهذا المبحث, فإنه ينقسم إلى المطالب الآتية:
المطلب الأول: ما الحكم لو جحد المحال عليه أو أنكر الحق الذي للمحال قبله؟.
المطلب الثاني: ما الحكم إذا أفلس المحال عليه؟.
المطلب الثالث: حكم ما إذا اشترط المحال يسار المحال عليه.
   المطلب الرابع: حكم ما إذا أحال البائع لسلعة ما بثمنها دائنًا له على مشتريها فردت بعيب ونحوه، وعكس ذلك بأن يحيل المشتري.
المطلب الخامس: حكم ما إذا وهب بائع لسلعة ما ثمنها لشخص أو تصدق به عليه, وأحاله به على المشتري ثم ردت بعيب, ونحوه (حكم الهبة في هذه الحالة).
المطلب السادس: السُّفْتجَة، وحكمها.
***
 
المطلب الأول
ما الحكم لو جحد المحال عليه أو أنكر الحق الذي للمحيل قبله؟

اختلف في ذلك على رأيين:
 الرأي الأول, وهو للحنفية: أنه إذا جحد المحال عليه الحق الذي للمحيل عليه في ذمته, وحلف على ذلك, والحال أن لا بينة للمحال, فإنه يرجع على المحيل.
واستدلوا على ذلك بالآتي: 
1) ما روي عن سيدنا عثمان  -رضي الله تعالى عنه وأرضاه- أنه قال في المحال عليه إذا مات مفلسًا عاد الدَّين إلى ذمة المحيل، وقال: "لا توي( ) على مال امرىء مسلم", وعن شريح مثل ذلك، ولم ينقل عن أحد من الصحابة خلافه, فكان إجماعًا( ).
2) ولأن الدَّين كان ثابتًا في ذمة المحيل قبل الحوالة.
3) ولأن الأصل أن الدَّين لا يسقط إلا بالقضاء؛ لأن النَّبيَّ  -صلى الله عليه وسلم- قال: «الدين مقضيٌّ..» الحديث( ).
إلا أنه ألحق الإبراء بالقضاء في السقوط, والحوالة ليست بقضاء, ولا إبراء, فبقي الدَّين في ذمته على ما كان قبل الحوالة، إلا أنه بالحوالة انتقلت المطالبة إلى المحال عليه إلى غاية «التوي»؛ لأن حياة الدَّين بالمطالبة, فإذا توي لم تبق وسيلة إلى الإحياء, فعادت إلى محلها الأصلي. 
ثم ردوا على الإمام الشافعي ـ الذي يرى عدم الرجوع مستدلاً بحديث ذكر في أول الحوالة ـ، فقالوا: إن النَّبيَّ  -صلىالله عليه وسلم - علَّق الحكم على شرط الملاءة, وقد ذهبت الملاءة بالجحد عند أبي حنيفة( ).
***
الثاني: وهو لجمهور الفقهاء ـ المالكية, والشافعية, والحنابلة, والظاهرية ـ: وهؤلاء يرون أنه إذا تمت الحوالة, فجحد المحال عليه الحق الذي عليه للمحيل, فلا رجوع للمحال على المحيل، وهذا هو القدر المشترك عند هؤلاء, ولكن للمالكية والشافعية قيودًا أرى أنه من اللازم ذكرها، وذلك على النحو التالي:
فالمالكية: يقيدون عدم رجوع المحال على المحيل في هذه الحالة:
بأن يكون الجحد, والإنكار بعد عقد الحوالة، أما لو جحد المحال عليه الحق الذي للمحيل قبله, وكان ذلك الجحد والإنكار قبل عقد الحوالة، والحال ألا بينة للمحيل بحقه, فلا تصح الحوالة في هذه الحالة؛ لفقد شرط من شروطها, وهو ثبوت الدَّين( ).
أما الشافعية: فيرون كذلك عدم رجوع المحال على المحيل إذا جحد المحال عليه الحق, وحلف على ذلك؛ لأنه انتقل حقه إلى مال يملك بيعه, فسقط حقه من الرجوع، كما لو أخذ بالدَّين سلعة ثم تلفت بعد القبض( ).
واستدل الجمهور على ما ذهبوا إليه بالآتي:
1) ما روي من أن حَزنا ـ جد سعيد بن المسيِّب ـ كان له على علي  -رضي الله تعالى عنه وأرضاه- دين فأحاله به, فمات المحال عليه, فأخبره, فقال: اخترت علينا أبعدك الله, فأبعده بمجرد احتياله, ولم يخبره أن له الرجوع( ).
2) ولأن الحوالة براءة من دين ليس فيها قبض ممن عليه, ولا ممن يدفع عنه, فلم يكن فيها رجوع كما لو أبرأه من الدَّين( ).
3) وقال ابن حزم( ): إن الحوالة إذا صحَّ أمرها سقط الحق عن المحيل, وإذا سقط, فمن الباطل رجوع حق قد سقط بغير نص يوجب رجوعه, ولا إجماع يوجب رجوعه.
وقد أجاب ابن قدامة, وابن حزم على الحنفية، فقالا:
إن حديث عثمان لم يصح؛ لأنه يرويه خالد بن جعفر عن معاوية بن قرة عن عثمان, ولم يصح سماعه منه، وقد روي أنه قال في حوالة أو كفالة: وهذا الشك يوجب التوقف, ولا يصح, ولو صح كان قول عليّ مخالفًا له( ).
ويضيف ابن حزم في الرد: لا حجة في أحد دون رسول الله  -صلى الله عليه وسلم- فكيف, وقد روينا من طريق حماد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن عليّ بن عبيد عن سعيد بن المسيب أنه كان لأبيه المسيب دين على إنسان ألفا درهم, ولرجل آخر على عليّ بن أبي طالب ألفا درهم, فقال ذلك الرجل للمسيب: أنا أحيلك على عليّ, وأحلني أنت على فلان، ففعلا، فانتصف المسيِّب من عليّ, وتلف مال الذي أحاله المسيِّب عليه, فأخبر المسيب بذلك علي بن أبي طالب, فقال له علي: أبعده الله, فهذا خلاف الرواية عن عثمان، والذي ذكرنا عن عليّ, وهذه موافقة لنا( ).
وبناء على هذا: فإنني أختار ما ذهبت إليه جمهور الفقهاء من أنه إذا تمت الحوالة مستوفية أركانها, وشروطها المنصوص عليها, فلا رجوع للمحال على المحيل, وبما ذكره المالكية من قيود؛ وذلك؛ لأنه كما ذكر الحوالة براءة, ومع الرجوع لا براءة، ثم إن استقرار العقود يستلزم ذلك, والحوالة من العقود اللازمة لطرفيها.
***
 
المطلب الثاني
ما الحكم إذا أفلس المحال عليه؟
 إذا تمت الحوالة على النحو الذي وضحناه, فإن المحال عليه مفلسًا, فهل للمحال الرجوع على المحيل أم لا؟
قبل الإجابة على هذا التساؤل من اللازم أن نمهد له بتعريف «الفلس» لغة, واصطلاحًا.
تعريف «الفلس» لغة: من «أفلس الرجل»: إذا لم يبق له مال، يراد به: أنه صار إلى حال يقال فيها: «ليس معه فِلْسٌ»، و«الفلس»: عملة يتعامل بها مضروبة من غير الذهب والفضة, وكانت تقدر بسدس 1/6 درهم, وهي تساوي اليوم جزءًا من ألف من الدِّينار في العراق وغيره، وجمعه: «فلوس»، وهو من الفضة يساوي 0.03 من الجرام، ويقال «أفلس الرجل»: صار ذا فلوس بعد أن كان ذا دراهم، و«قد فَلَََّسه الحاكم تفليسًا»: نادى عليه أنه أفلس( ).
تعريف «الفلس» اصطلاحًا: 
«الفلس» له معنيان:
«الفلس» بمعناه العام, وهو: قيام الغرماء على ذي دين حلَّ ليس له ما يفي به.
«الفلس» بمعناه الخاص, وهو: خلع ماله لغرمائه بالفعل، وله ثلاث حالات:
الأولى: أحكام من أحاط الدَّين بماله: 
1) منعه من التبرع.
2) منعه من السفر.
3) منعه من إعطاء غير الدائن من الغرماء شيئًا بيده.
4) منعه من الإقرار لمن يتهم على الإقرار له.
الثانية: حالة قيام الغرماء عليه, وأحكام هذه الحالة:
1) لهم سجنه.
2) أو إذا لم يجدوه يحولون بينه, وبين ماله, ويمنعونه من التصرفات المالية بالبيع, والشراء, والأخذ, والعطاء, ولو بغير محاباة, ومن التزوج, ولهم قسمة ماله بالمحاصة( ).
الحالة الثالثة: حكم الحاكم بخلع ماله لغرمائه، ولها ثلاث شروط:
1) أن يطلب الغرماء أو بعضهم تفليس المدين.
2) أن يحل أجل الدِّيون.
3) أن يزيد الدَّين الحال الذي عليه على ماله الذي بيده.
أمَّا عن نقطة البحث, فأقول: اختلف العلماء فيها على قولين:
القول الأول: يرى الإمامان أبو يوسف, ومحمد: أن المحال يرجع على المحيل إذا أفلس المحال عليه حال حياته, وقضى القاضي بإفلاسه، وعند أبي حنيفة: إذا مات مفلسًا( ).
ووجه قول هؤلاء مجملاً: أنه إذا حكم القاضي بتفليسه حال حياته عندهما أو مات مفلسًا عند أبي حنيفة, فلم تبق ذمة يتعلق بها الحق, فسقط عن المحال عليه، وثبت للمحتال الرجوع على المحيل؛ لأن براءة المحيل كانت براءة نقل, واستيفاء لا براءة إسقاط, فلما تعذر الاستيفاء وجب الرجوع( ).
فالحنفية, ومن وافقهم: يرون أن البراءة من الدَّين عن طريق الحوالة ليست مطلقة بل هي مقيدة مغني بشرط السلامة, وإن كانت مطلقة, وهذا القيد ثبت بدلالة الحال, وهو أن المقصود من شرع الحوالة ليس مجرد الوجوب على الثاني؛ لأن الذِّمم باعتبار هذا القدر متساوية، وإنما تتفاوت في إحسان القضاء وعدمه، فالمقصود التوصل إلى الاستيفاء من المحل الثاني ـ المحال عليه ـ على الوجه الأحسن, والألم ينتقل عن الأول، فصارت السلامة من المحل الثاني كالمشروط في العقد الأول، فإذا لم يحصل المشروط عاد حقه إلى الأصيل، فصار كما لو صالح( ) على عين, فهلكت قبل التسليم يعود الدَّين؛ لأن البراءة ما ثبتت مطلقة بل بعوض, فإذا لم يسلم يعود يؤيده ما روي عن عثمان  -رضي الله تعالى عنه وأرضاه- موقوفًا, ومرفوعًا في المحال عليه إذا مات مفلسًا, قال: "يعود الدَّين إلى ذمة المحيل"، وقال: "لا توي على مال امرئ مسلم"( ).
ويتفق معهم المالكية في حالتين استثنائيتين, وهما:
1) أن يعلم المحيل فقط بإفلاس المحال عليه، أو يظن ذلك ظنًا قويًا, والحال والشأن أن المحال لا يعلم بذلك, فله حينئذ الرجوع على المحيل؛ لأنه غرَّه, ودلس عليه، وكيف يثبت المحال عِلمَ المحيل بذلك؟.
 يثبت المحال ذلك إمَّا ببينة أو إقرار، ويشترط أن لا يكتب الموثق في عقد الحوالة, نحو هذه العبارة: «وتمت الحوالة بعد معرفة المحال ملاء المحال عليه, وموضعه», أمَّا إذا كتب ذلك, فلا رجوع للمحال بأي وجه على المحيل( ).
2) أن يعلم المحيل فقط أيضًا بلَدَد( ) المحال عليه أو عُدْمِه أو أنه سيء القضاء على أحد القولين, والآخر لا يضر.
ولكن ما الحكم لو عَلِمَ المحيل بإفلاس المحال عليه، وفي الوقت نفسه شك المحال في إفلاس المحال عليه؟
اختلف فقهاء المالكية في ذلك على رأيين:
الأول: قال به اللخمي, وابن عرفة: أن للمحال الرجوع على المحيل؛ تقديمًا لما أثبته العلم على الشك, فالعلم -وهو علم المحيل- يفيد اليقين, واليقين لا يزال بالشك, وهذا هو المعتمد.
الثاني: وقال به العدوي: إنه لا رجوع للمحال على المحيل( ).
فإن جهلا فلسه معًا؟, قيل: لا رجوع على المحيل؛ لأنه ليس من المحيل شيء, والمحال هو المقصِّرُ بعدم الشرط، أو بالفحص عن ذمة المحال عليه.
تساؤل آخر: ما الحكم إذا ادعى المحال على المحيل أنه كان يعلم بإفلاس المحال عليه؟.
في هذه الحالة يحلف المحيل على نفي العلم بإفلاس المحال عليه, وبريء بذلك في المطالبة, ولكن بشرط:
إن كان مثله يظن به أنه يتهم بالعلم بإفلاس المحال عليه كأن يكون تاجرًا معه في السوق, والشأن أن لا يخفى ذلك على التجار، أو ينشر ذلك في صحيفة, والمحيل من المتعودين قراءة هذه الصحيفة، ونحو ذلك, فإذا لم يظن به ذلك لم يحلف المحيل, وإن اتهمه المحال( ).
ولكن ما نوع هذه اليمين؟
 هذه اليمين التي يحلفها المحيل (المدعي عليه بالعلم بإفلاس المحال عليه) يمين اتهام، ويمين الاتهام يبرأ بها الحالف بمجرد الحلف, ولا ترد على المدعي, أي: إنه إذا نكل المحيل ـ المدعي عليه ـ، فلا ترد على المحل ـ المدعي ـ بل يرجع المحال على المحيل بمجرد نكوله، بعكس يمين التحقيق.
وهذا بخلاف ما قاله الخرشي: من حلف المحال بعد نكول المحيل, وامتناعه؛ حيث قال: ".. وإن نكل حلف المحتال, ويرجع بدينه على المحيل"( ).
واعترض عليه العدوي: بما ذكرنا من أنها يمين اتهام لا تحقيق( ).
القول الثاني: وهو لجمهور الفقهاء: أن المحال لا يرجع على المحيل إذا أفلس المحال عليه, وقال بذلك المالكية فيما إذا كان المحال عليه مفلسًا حال عقد الحوالة, ورضي بذلك المحتال, فيتحول حقه, ولا رجوع له على المحيل، أو إذا علما معًا بذلك ـ أي: بإفلاس المحال عليه ـ؛ لأن علم المحال بذلك استغرق علم المحيل, فيكون المحال بذلك قد رضي بتحوله, وهو عالم بإفلاس المحال عليه( ), وقال بذلك أيضًا الشافعية مطلقًا( ), وقال كذلك الحنابلة, والليث بن سعد, وأبو عبيد, وابن المنذر, وهو ظاهر كلام الخرقي من الحنابلة( ).
واحتج الجمهور على ذلك بالآتي:
1) ما روي عن أبي هريرة  -رضي الله تعالى عنه وأرضاه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-, قال: «مطل الغني ظلم، وإذا أتبع أحدكم على مليء, فليتبع» الحديث.
ووجه الاستدلال: أنه لو أحيل على مفلس, وكان حقه نائيًا عن المحيل ـ أي: أن المحيل مفلس ـ هل كان يزداد إلا خيرًا إن أيسر المفلس, وإلا فحقه حيث كان( ).
2) ولأن حق المحال انتقل إلى مال يملك بيعه, فسقط حقه من الرجوع، كما لو أخذ بالدَّين سلعة ثم تلفت بعد القبض( ).
3) ولأن الحوالة براءة من دين ليس فيها قبض ممن عليه, ولا ممن يدفع عنه، فلم يكن فيها رجوع، كما لو أبرأه من الدَّين( ).
وعلى ما يبدو من النصوص كما قال الكمال ابن الهمام من الحنفية: إن البراءة الحاصلة بالانتقال حصلت مطلقة, فلا تعود إلا بسبب جديد, ولا سبب هنا فلا عود، ويؤيده ما روي عن ابن المسيِّب أنه كان له على عليّ رضي الله تعالى عنهما – دين, فأحاله به على آخر، فمات المحال عليه، فقال ابن المسيِّب: "اخترت علينا، فقال له: "أبعدك الله", فمنع رجوعه( ).
وهل الخلاف يعود إلى أساس آخر ألا, وهو: هل الحوالة بيع دين أم استيفاء دين؟ 
فكما قال المالكية, وغيرهم: هي مستثناة من النهي عن بيع الدَّين بالدَّين, ولذلك اشترط في بيع الدَّين بالدَّين حضور المدين ـ المحال عليه ـ وإقراره, وأن يكون ممن تأخذه الأحكام حسبما ذكرنا.
ومن قال هي: استيفاء, وهم الحنفية, ومن وافقهم، قالوا: بالرجوع عند الفلس ونحوه؛ لأن استيفاء الحق مشروط بسلامة أداء هذا الحق, وإذا لم يسلم الحق من حيث الأداء عاد إلى الأول.
ولذلك قال السيوطي من الشافعية( ): الحوالة هل هي بيع دين أم استيفاء؟ خلاف.ا.هـ.
 

المطلب الثالث
حكم ما إذا اشترط المحال يسار المحال عليه, فبان بخلاف شرطه؟

 اختلف في ذلك على قولين:
القول الأول: ومضمونه: أنه إذا اشترط المحال على المحيل أنه إن أفلس المحال عليه رجع على المحيل, فله شرطه.
وقال بهذا من المالكية: سحنون نقلاً عن المغيرة, ونقله الباجي كأنه المذهب, وقال ابن رشد: هذا صحيح لا أعلم فيه خلافًا؛ وهذا عند الشافعية في وجه, وقال بذلك الحنابلة( ).
واستدل هؤلاء على ما ذهبوا إليه بالآتي:
1 ما أخرجه الترمذي, وغيره( ) أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا حرَّم حلالاً، أو أحلَّ حرامًا, والمسلمون على شروطهم إلا شرطاً حرَّم حلالاً أو أحلَّ حرامًا».
ووجه الاستدلال منه: أن النبي  -صلى الله عليه وسلم- فوَّض الأمر للمسلمين في اشتراط ما شاءوا من الشروط ما دامت لم تحرم حلالاً ,ولم تحل حرامًا.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، وقال الإمام الحافظ: قد روى من طرق عديدة، مقتضى القرآن, وإجماع الأمة على لفظه ومعناه( ).
2 من المعقول: أن هذا شرط فيه مصلحة العقد, وهو في عقد معاوضة, فكان كشرط صفة في المبيع، فإن بان معسرًا, فله الرجوع على المحيل؛ لفوات شرطه, وتخلفه, وقد ثبت بالشرط مالا يثبت بإطلاق العقد بدليل اشتراط صفة في المبيع( ).
القول الثاني: ومضمونه: أن هذا الشرط لا يعمل به، بل ويفسد العقد عند المالكية، وقيل: يبطل الشرط, ويصح العقد, ـ وأصل المذهب أن الشرط المناقض للعقد يفسده كالبيع على أن لا جائحة ـ وعند الشافعية: أن هذا الشرط غير معتبر، وبالتالي ليس له الرجوع؛ لأنه مقصر بترك الفحص, والتحري عن حال المحال عليه, وقبوله الحوالة على هذا الحال، وهذا هو الصحيح المنصوص عليه, والذي عليه جمهور الأصحاب عند الشافعية، أنه لا خيار للمحتال مطلقًا، اشترط اليسار أم لا يشترط( ).
وحجة هؤلاء فيما ذهبوا إليه:
1) أن الحوالة لا ترد بالإعسار إذا لم يشترط الملاءة, فلا ترد به وإن شرط، كما لو شرط كونه مسلمًا، وتفارق البيع, فإن الفسخ يثبت بالإعسار فيه من غير شرط بخلاف الحوالة.
2) ولأن الإعسار نقص, فلو ثبت به الخيار؛ لثبت من غير شرط كالعيب في المبيع, ويخالف الكتابة -في اشتراطها في العبد- فإن عدم الكتابة ليس بنقص, وإنما هو عدم فضيلة, فاختلف الأمر فيه بين أن يشترط, وألا يشترط( ).
والمختار من القولين هو الأول, وذلك؛ لأن وجهة نظر القول الثاني غير مسلمة؛ لأن تسليم سحنون, والعتبي قول المغيرة, وإتيان الباجي به, واللخمي كأنه المذهب من غير أن يذكروا فيه خلافًا, ولا شاذا مع قول ابن رشد (هذا صحيح لا أعرف فيه خلافًا).
 كل هذا كاف في وجوب اعتماده، ثم إن ابن عرفة أجاب عليهم: بأن تأثير الشرط المناقض محله المعاوضات -البحتة -الحقيقية لبنائها على المكايسة لا التبرعات, فإن ذلك فيها غير مؤثر, ولذلك عمل بشرط المحبس أن من احتاج من المحبس عليهم باع, وشرط الواهب، أو المتصدق على محجوره أن لا يحجر عليه فيما وهب له أو تصدق به عليه على المشهور في هذا, وهو الصواب؛ لقوله تعالى: ((مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ))( )الآية, والحوالة من المعروف بلا نزاع، وابن عرفة نفسه لا ينازع في ذلك( ).
وجواب آخر: أنها مع الشرط المذكور ليست حوالة بل هي توكيل, فلا يرد حينئذ هذا الاعتراض( ).
***
 
المطلب الرابع
حكم ما إذا أحال البائع لسلعة ما بثمنها دائنا له على المشتري أو العكس بأن يحيل
 المشتري البائع على مدين له فردت بعيب ونحوه، فما حكم الحوالة؟
ويحتوي هذا المطلب على فرعين: 
الفرع الأول: فيما إذا أحال بائع لسلعة ما بثمنها شخصًا دائنًا له على المشتري ثم ردت السلعة بعيب أو استحقت, فما حكم الحوالة هنا؟
الفرع الثاني: فيما إذا أحال المشتري بثمن سلعة اشتراها البائع على شخص مدين للمشتري ثم ردَّ المشتري المبيع بعيب، ونحوه, هل تبطل الحوالة؟
الفرع الأول
فيما إذا أحال بائع لسلعة ما شخصًا دائنًا له على المشتري ثم ردت السلعة بعيب أو استحقاق( ), فما حكم الحوالة؟
ونظرًا لتباين كلمة الفقهاء في هذه المسألة, فإنني سوف أستعرضها على النحو التالي: 
‌أ- الحنفية: يفرق الحنفية بين الرد بالعيب, والاستحقاق, فيقول ابن عابدين: "وكذا تبطل ـ أي: الحوالة ـ لو أحال البائع على المشتري بالثمن ثم استحق المبيع لا لو رُدَّ بعيب, ولو بقضاء ـ أي: لا تبطل الحوالة ـ" خلافًا لزفر( ).
لأنه باستحقاق المبيع من يد المشتري ظهرت براءة المشتري من الثمن, فلا دين إذن( ).
وقد يعلل؛ لعدم البطلان في الرد بالعيب باعتبار أن الرد بالعيب حق للمشتري, فله أن يرد إذن, فيبرأ من الثمن, وله أن لا يرد, ويأخذ الفرق بين القيمتين معيبًا وسليمًا, فيبقى الثمن دينًا في ذمته.
‌ب- جمهور الفقهاء: فالمالكية بالرغم من أنهم يسوون بين الرد بالعيب والاستحقاق أو فساد في البيع إلا أنهم اختلفوا في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: وقال به ابن القاسم, وهو: أن الحوالة لا تنفسخ, وبناء عليه: يلزم المشتري دفع الثمن للمحال، ثم يرجع المشتري على المحيل( ).
ووجه هذا: أن الحوالة من قبيل المعروف, والدَّين لازم للمشتري حين الحوالة، وكأن العيب ابتداء بيع، ولتعلق الحق بشخص ثالث, وهو الذي انتقل إليه الثمن المحال، فلم يبطل حقه بفسخ المتعاقدين كما لو تصرف البائع في الثمن ثم ردَّ المشتري ما اشتراه بعيب, فإن تصرفه لا يبطل.
القول الثاني: وهو ما اختاره ابن المواز, وهو قول أشهب, وعليه أكثر الفقهاء: أن الحوالة تنفسخ, وهذا هو المعتمد عند المالكية, وهذا هو الطريق الأول من طرق ثلاثة عند الشافعية, وهو أظهر القولين في الطريق الثالث، وهذا هو ما ذهب إليه الحنابلة, فيما عدا فسخ العقد بأي وجه كان, وهذا هو القدر المتفق عليه فيما بينهم( ).
وحجة هؤلاء فيما ذهبوا إليه: أنه لما رُدَّ المبيع بالمعيب أو الفساد انفسخ البيع, فصار كأن لم يكن إذن فلا ثمن في هذه الحالة على المشتري، والحوالة فرع عن البيع, فإذا بطل الأصل بطل الفرع المترتب عليه.

الفرع الثاني
فيما إذا أحال المشتري بثمن سلعة اشتراها البائع على شخص مدين للمشتري ثم ردَّ المشتري
المبيع بعيب ونحوه، فهل تبطل الحوالة؟

اختلف في هذه المسألة على النحو التالي:
 الرأي الأول: فيما إذا أحال المشتري لسلعة ما بثمنها الذي عليه البائع على مدين للمشتري ثم حصل رد للمبيع بعيب أو فساد أو حصل استحقاق أو تقايل, وكان ذلك قبل قبض المحال ـ البائع ـ الثمن من المحال عليه, فإن الحوالة تبطل في هذه الحالة قطعًا.
وقال بذلك المالكية في الراجح عندهم, والشافعية في الأظهر عندهم, والقاضي عند الحنابلة( ).
وحجة هؤلاء فيما ذهبوا إليه:
أن البيع بانفساخه هكذا بطل حق البائع ـ المحال ـ وارتفع الثمن, أي: لا وجود له؛ لأن الحوالة بالثمن, وقد سقط بالفسخ, فوجب أن تبطل الحوالة؛ لذهاب حق البائع ـ المحال ـ، من المال المحال به. 
ويترتب على هذا الرأي الآتي:
1) يعود المشتري إلى ذمة المحال عليه, ويبرأ البائع, فلا يبقى له دين, ولا عليه؛ لأن الحوالة بالثمن, وقد سقط بالفسخ, فوجب أن تبطل الحوالة؛ لذهاب حقه من المحال به( ).
2) لا يجوز للبائع ـ المحال ـ مطالبة المحال عليه بدين المشتري؛ لأن الحوالة بنيت على الثمن، فإذا فسخ البيع بأحد الأمور التي ذكرها أصحاب هذا الرأي, ونحوها خرج المحال به ـ الثمن ـ عن أن يكون ثمنًا, وإذا خرج عن أن يكون ثمنًا, ولم يتعلق به حق لغيرهما وجب أن تبطل الحوالة.
3) يجب على البائع ـ المحال ـ أن يرد ما قبضه من المحال عليه المشتري أو بدله إن تلف ما قبضه؛ لإذنه في قبضه، فإن لم يكن قبضه امتنع عليه قبضه( ).
الرأي الثاني: أن الحوالة في الحالة المذكورة لا تبطل، وقد جزم بهذا الخرشي من المالكية, وأبو علي الطبري من الشافعية, وقال أبو الخطاب من الحنابلة في أحد الوجهين عندهم( ).
وحجة هؤلاء فيما ذهبوا إليه:
1) أن العبرة بحال الحوالة، فحال إجراء عقد الحوالة, أي: وقتها الذي تمت فيه كان الثمن لازمًا للبائع, والمشتري, وهذا هو المستفاد من كلامهم, ومن تعبيرهم بـ«ثم», أي: ثم حصل الرد بعيب, ونحوه.
2) ولأن المشتري عوَّض البائع عما في ذمته ماله في ذمة المحال عليه, ونقله حقه إليه نقلاً صحيحًا, وبريء من الثمن المحال عليه من دين المشتري, فلم يبطل ذلك بفسخ العقد الأول، وهذا قياسًا على ما لو أعطاه بالثمن ثوبًا, وسلَّمه إليه ثم فسخ العقد لم يرجع بالثوب, فكذلك الأمر في مسألتنا.
3) ثم إن عقد الحوالة لم يرتفع هنا, فالثمن لم يسقط, فلم تبطل الحوالة؛ لانتفاء المبطل.
4) ولأن المشتري دفع إلى البائع بدل ماله في ذمته, وعاوضه عنه بما في ذمة المحال عليه.
ويترتب على هذا الرأي: 
إن من حق المشتري الرجوع على البائع؛ لأنه لما ردَّ المعوض ـ المبيع بالعيب, ونحوه ـ استحق الرجوع بالعوض ـ الثمن -لكن الرجوع بعينه- أي: ذاته -متعذر؛ للزوم الحوالة، فوجب الرجوع في بدله، وإذا لزم البدل وجب على البائع؛ لأنه هو الذي انتفع بمبدله( ).
 وسبب الخلاف بين الرأيين يرجع إلى هل الحوالة استيفاء حق( ) أم بيع دين( )؟ .
والواقع كما يقول العلامة قليوبي( ): إن الفقهاء لم يجعلوها استيفاء مطلقًا, ولا بيعًا مطلقًا, فتارة يغلبون فيها جانب الاستيفاء, وتارة يغلبون فيها جانب المعاوضة -البيع.
والمختار من الرأيين هو: الأول, وذلك للآتي:
1) أن الدردير من المالكية( ) رد على الخرشي في جزمه بعدم البطلان, قائلا: هذا غير ظاهر، بل ينبغي الجزم بالبطلان, أي: بطلان الحوالة؛ لبطلان حق المحال –البائع- بنحو الاستحقاق.
2) ثم إن من قال من الشافعية بعدم البطلان قاس ذلك على ما لو اشترى عبدًا بثوب, وقبضه, وباعه ثم وجد البائع بالثوب عيبًا فرده, ويجاب على هذا بأن هذا قياس مع الفارق, فلا يصلح دليلاً وحجة؛ لأن العبد هنا تعلق به حق غير المتبايعين, وهو المشتري الثاني, فلم يكن في الإمكان إبطاله، وفي حال الحوالة لم يتعلق بها حق غيرهما, فوجب إبطالها؛ ولهذا أميل إلى اختيار هذا الرأي.        
والله أعلى, وأعلم بالصواب
***
 

المطلب الخامس
فيما إذا وهب بائع السلعة ماثمنها لشخص أو تصدق به 
عليه, وأحاله به على المشتري ثم ردت السلعة؛ لنحو عيب, فما حكم الهبة أو الصدقة؟

اختلف الفقهاء في حكم هذه المسألة على رأيين: 
الأول: فرَّق بين قبض الموهوب له أو المتصدق عليه, وعدم قبضه، فقال: تبطل الهبة أو الصدقة إذا لم يقبضها الموهوب له أو المتصدق عليه, وإن قبضها أيٌّ منهما لم يُتَّبع بها لا الموهوب له, ولا الواهب, ويضيع ذلك على المشتري، وقال ابن القاسم بذلك نقله عنه اللخمي في التوضيح( ).
ولعل حجة هذا الرأي: أن الموهوب له لا يتَّبع بها؛ لأن الهبة تمت صحيحة بقبضها؛ لأن الهبة عندنا تتم بالقبض، ولا يتبع الواهب؛ لأنه لحظة الهبة أحال بها, والعقد صحيح.
والثاني: تبطل الحوالة هنا إذا رُدَّ المبيع أو استحق، وبناء على هذا: إن كان الموهوب له قد قبض الثمن الموهوب له أخذه منه المشتري, أي: استرده, وهذا ما قاله أشهب( ).
وحجة هذا: أن الغيب كشف, وأظهر أنه وهب أو تصدق بما لم يكن يملك, وهذا لا يجوز.
***
 

المطلب السادس
السُّفتَجة، وحكمها

«السُّفتَجة» أصلها: «سفتة»، وهي الشيء المحكم، سمي هذا القرض به؛ لإحكام أمره، وتُسمى: «البوليصة»، أو «البالوصة»، وهي بضم السين, وقيل: بفتحها، وسكون الفاء فيهما, وفتح التاء والجيم، وهي: رقعة يكتبها إلى من يقضى عنه عوض القرض في المكان الذي اشترطه, وسماع أهل تهامة: «سفتجة» بالضم، وذكر المطرزي في «شرح مقامات الحريري»: «السفتجة»، بضم السين, وفتح التاء، وهذا عند الأخفش، وبضم السين والتاء «سفتجة» عند سيبويه, وهي كلمة فارسية معرَّبة, وذكرت أصلها، ومثالها: أن يكون للرجل مال مثلاً, وهو يريد أن يذهب به إلى بلد, ويخاف عليه قطاع الطريق, فيدفعه إلى بائع مثلاً أو رجل له بذلك البلد دين على آخر، ويقول: اكتب خطًّا «سفتجة» على ذلك الرجل بما لك عليه؛ لآخذه منه.
وجاء في المعجم الوجيز: «السفتجة» ـ في الاقتصاد ـ: حوالة صادرة من دائن يكلف مدينه دفع مبلغ معين في تاريخ معين لإذن شخص ثالث، أو لإذن الدائن نفسه، أو لإذن الحامل لهذه الحوالة, والجمع: «سفاتج»( ).
وهي نوع من أنواع التصرف في الدَّين من المدين الثابت في ذمته( ), فهي علاقة مالية بين ثلاثة أطراف، يدفع فيها الطرف الأول للطرف الثاني مبلغًا من المال، ويرسل الطرف الثاني للطرف الثالث ـ وكيله أو مدينه ـ في مكان آخر كتابًا؛ ليدفع للطرف الأول نظير ما أخذه منه, وهذه العلاقة قد تكون على وجه القرض ـ الحوالة ـ أو الوكالة( ).
تعريف الفقهاء للسفتجة:
1) «السفتجة»: قرض استفاد به المقرض سقوط خطر الطريق( ).
2) وقيل هي: إقراض؛ لسقوط خطر الطريق, فكأنه أحال الخطر المتوقع على المستقرض, فكان ذلك في معنى الحوالة.
اعتراض: يعترض على التعريف الثاني بأن لم يحل الخطر المتوقع على المستقرض؛ لأنه غير متصور إلا إذا كان المستقرض سيسافر به معه.
3) وقيل هي: كتاب صاحب المال لوكيله في بلد آخر؛ ليدفع لحامله بدل ما قبضه منه( ).
ومعناها عند الحنفية: أن يدفع إلى تاجر ـ بنك مثلاً ـ قرضًا؛ ليدفعه إلى صديقه( ), وقال صاحب «مجمع الأنهر»: وهي الإقراض, أي: أن يقرض إلى تاجر مثلاً قرضًا؛ ليدفعه إلى صديقه في بلد آخر؛ لسقوط خطر الطريق( ).
ومعناها عند المالكية: البطاقة التي يكتب فيها الإحالة بالدين, وذلك أن يسلف الرجل مالاً في غير بلده لبعض أهله, ويكتب القابض لنائبه أو يذهب معه بنفسه؛ ليدفع عوضه في بلد المسلف( ).
وتطبقها الآن البنوك في صورة الحوالة البريدية كأن يكون لبنك مصر مثلاً دين ـ حساب ـ لدى شركة الراجحي المصرفية السعودية, وأريد أن أذهب إلى السعودية في حج, ونحوه بمبلغ من المال, وأخاف عليه من الضياع في الطريق مثلاً, فأقوم بعمل حوالة بريدية بأن أعطي بنك مصر مبلغًا من المال الذي أريد السفر به كقرض, فيصدر البنك أمرًا إلى شركة الراجحي الذي له لديها حساب دائن أن يعطيني هذا المبلغ أو إلى أي شخص يحدد بوكالة أو نيابة عنه.
أما عن الحكم الشرعي لها, فأقول:
 اختلف الفقهاء في ذلك على النحو التالي:
الرأي الأول: ومضمونه: أن «السفتجة» بهذه الكيفية ممنوعة, ولا تجوز شرعًا ـ أي: محرمة ـ, وممن قال بهذا «صاحب الفتاوى الصغرى» عند الحنفية( ) والمالكية في مشهور المذهب عندهم ـ بشرط ألا يعم الخوف ـ ( ) والشافعية( ) وهو ما نص عليه في مذهب الإمام أحمد بن حنبل( ).
واستدل أصحاب هذا الرأي على ما ذهبوا إليه بالآتي:
1) أن النبي  -صلى الله عليه وسلم- قال: «نهي عن قرض جرَّ نفعًا» الحديث( ).
ووجه الاستدلال: أن المقرض ما دفع ذلك, وما أقرض إلا ليستفيد بذلك أمن الطريق, ويتجنب مخاطره, ويسلم له ماله, فكأن المقرض أحال الخطر المتوقع على المستقرض ـ البنك ـ فاستفاد هو بذلك, فكان قرضًا جرَّ نفعًا.
ويجاب عن الاستدلال بالحديث المذكور بالآتي: الحديث ضعيف بسبب سور بن مصعب، قال فيه عبد الحق: متروك، وكذا قال غيره, ورواه أبو الجهم في جزئه المعروف عن سور أيضًا، وأخرج ابن عدي في الكامل عن جابر بن سمرة, قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : «السفتجات حرام», وأعله بعمرو بن موسى بن وجيه, فقد ضعفه البخاري والنسائي وابن معين وذكره ابن الجوزي في الموضوعات( ).
قال الكمال بن الهمام: وأحسن ما هنا ما ورد عن الصحابة, والسلف, ورواه ابن أبي شيبة في «مصنفه»: حدثنا خالد الأحمر عن حجاج عن عطاء, قال: "كانوا يكرهون كل قرض جرَّ منفعة"( ).
2) عدَّ ابن حجر( ): القرض الذي يجر نفعًا للمقرض قائلاً: لأن ذلك في الحقيقة ربًا, فجميع ما مرَّ في الربا من الوعيد يشمل فاعل ذلك, فاعلمه.
الرأي الثاني: ومضمون هذا الرأي: أن السفتجة بالمعنى والتصوير المذكور مكروهة، ومن قال بهذا الحنفية: ومقابل المشهور عن الإمام مالك رواه عنه ابن الجلاب( ) .
ووجه الكراهة عند هؤلاء أن هذا قرض جرَّ نفعًا للمقرض, وهو أمن الطريق سواء كان مشروطًا أم لا؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- قال: «نهي عن قرض جرَّ نفعًا», وأطلق.
ووجه الاستدلال منه لهؤلاء: أنه إذا كان النهي بحسب الأصل في وضعه يفيد التحريم إلا أن أصحاب الرأي هذا حملوه على الكراهة مراعاة لمن خالف ذلك, وحرَّم أو أجاز, فكان هذا الرأي وسطًا بين الرأيين.
الرأي الثالث: ومضمون ما يقول به أنصار هذا الرأي: 
جواز السفتجة مطلقًا عند المالكية عمَّ الخوف أم لا، أو إذا قامت قرينة على أن القصد نفع المقترض فقط، والحنفية كما قال الزيلعي: بشرط أن لا تكون المنفعة مشروطة, وهي رواية عند الحنابلة، وقال بذلك ابن سيرين والنخعي( ).
واستدل هؤلاء على ما ذهبوا إليه بالآتي: 
1) قال عطاء: كان ابن الزبير بمكة يأخذ بمكة دراهم ثم يكتب لهم بها السفتجة إلى مصعب بن الزبير في العراق, فيأخذونها منه، فسئل عن ذلك ابن عباس, فلم ير به بأسا. وروي ذلك عن على  -رضي الله تعالى عنه وأرضاه- أنه سئل عن مثل ذلك, فلم ير به بأسًا. رواه كله سعيد.
2) أن الصحيح جواز هذه الصورة من الحوالة أو قضاء القرض ببلد يحدده المقرض؛ لأن مصلحة لهما من غير ضرر بواحد منهما، والشرع لم يرد بتحريم المصالح التي لا مضرة فيها بل ورد فيه مشروعيتها, ولأن هذا ليس بمنصوص على تحريمه, ولا في معنى المنصوص, فوجب إبقاؤه على الإباحة( ).
وقال التاودي من المالكية: وينبغي التمسك به, أي: الجواز نظرًا لحاجة المقترض( ).
والمختار من الآراء الثلاثة: هو الرأي الثالث القائل بالجواز, وخاصة بناء على ما قيل فيما استدل به أصحاب الرأي الأول, وهو نفسه ما استدل به أصحاب الرأي الثاني.
وكذلك نظرا لحاجة الناس إلى ذلك والتي تنزل منزلة الضرورة, وهي تبيح المحظور إن كان محظورا هنا، حيث إنه من وجهة نظري لا أرى محظورًا؛ لأن كثيرًا ما يقع لكثير من الناس مثل هذه الحاجة الشديدة إلى إجراء هذه المعاملة.
ويؤيدني في ذلك التاودي حيث يقول( ): وهذه المسألة تقع اليوم كثيرًا( ) في مناقلة الطعام, فيكون للرجل وسق من طعام مثلاً في بلد, فيسلفه لمن يدفع له في بلده أو قريب منه, فتجري فيها الأقوال المذكورة إن كان ذلك على وجه السلف لا على وجه المبادلة والبيع, وهذا بناء على أن الحوالة عقد مستقل بنفسه قصد به المعونة والإرفاق والتيسير على الناس إذا لا يشوش على الناس بالمشهور عند المالكية؛ إذ لهم مستند في جواز ذلك, ولا ينكر على الإنسان في فعل مختلف فيه كما هو معلوم فقها.
والله أعلى, وأعلم بالصواب.
***
 

خاتمة البحث

وبعد فهذه خلاصة ما توصلت إليه من خلال هذا البحث, وهي عبارة عن النقاط التي اختلف فيها الفقهاء, واخترت من بينها رأيًا ـ والله يعصمنا من الزلل إنه على ما يشاء قديرـ:
1) رغم اختلاف الفقهاء في تعريف الحوالة, وتباين ألفاظهم فيها فإنها تلتقي عند معنًى واحد: أن بالحوالة ينتقل الحق من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه، ويبرأ المحيل من دين المحال.
2) الحوالة مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع نظرًا لحاجة الناس, وهي على غيرها مما في معناها تقاس, فهي توافق القياس.
3) الحوالة طبقا للرأي الراجح مندوب إليها؛ لأنها معروف ومعاونة ومكارمة من الطالب ـ المحال ـ كالكفالة, والقرض, والعرايا.
4) اتفق جمهور الفقهاء على أنه لابد من رضا المحيل, واختياره للحوالة كطريق لأداء ما عليه من الدَّين، أما عن رضا المحال, فالراجح أنه لابد من رضاه, وقبوله الحوالة حتى ولو كان المحال عليه مليئا موسرًا؛ لأن العبرة ليست بالملاءة واليسار, ولكن بحسن القضاء، وبناء عليه: لا يجبر على الحوالة؛ لأن حقه تعلق بذمة معينة رضيها مستقرًا لدينه -وهي ذمة المحيل- فلا يجبر على نقله إلى ذمة أخرى.
أما عن رضا المحال عليه, فالراجح أنه لا يشترط رضاه إلا إذا كانت هناك عداوة سابقة على الحوالة, ففي هذه الحالة لابد من رضاه خوف العنت في المطالبة ومجاوزة الحد الإتباع بالمعروف الذي أمر الله ـ سبحانه ـ به.
5) التحول بالدين والانتقال به يتحقق بأي لفظ كان يدل على المراد, ولو بالإشارة المفهمة أو الكتابة, ولو من غير الأخرس؛ لأنها من المعروف, وهو يتسامح فيه.
6) يشترط -طبقًا لما رجح في نظري- حضور المحال عليه, وإقراره بما عليه من الدَّين؛ لأنه ربما يكون له مطعنًا على البينة التي يثبت بها حق المحيل قبله أو عنده دليل على الوفاء, وفي هذا تقليل للخصومات.
7) إذا لم يكن للمحيل دين في ذمة المحال عليه, ورضي المحال عليه بالحوالة على هذه الكيفية, فيرى جمهور الفقهاء جواز هذه المعاملة على أنها كفالة.
8) يشترط لصحة الحوالة أن تكون على دين مستقر لازم في ذمة المحال عليه؛ لأن مقتضى الحوالة إلزام المحال عليه بالدَّين مطلقًا.
9) يتفق الفقهاء على أنه لابد من حلول الدَّين المحال به؛ لأنه إذا لم يكن حالاً أدى ذلك إلى شغل ذمة بذمة, ويؤدي إلى بيع دين بدين، والذهب بالذهب أو الورق ليس يدًا بيد, فيقع المحظور.
10) اتفق جمهور الفقهاء على أن من شروط صحة الحوالة تساوي الدينين المحال به والمحال عليه في الجنس والصفة والحلول والتأجيل, وإلا تحققت العلة المانعة.
11) اتفق جمهور الفقهاء على أن لا يكون الدَّين المحال به وعليه طعامًا من بيع أو أحدهما؛ لأنه يؤدي إلى بيع طعام المعاوضة قبل قبضه, وهذا منهي عنه شرعًا.
12) أما عن الغرر والحوالة, فعلى رأي من قال: إنها مستثناة من بيع الدَّين بالدَّين, فيدخلها الغرر, ولكنه من النوع القليل المغتفر؛ نظرا لحاجة الناس إلى الحوالة, فتسومح فيه.
13) طبقا لما ذهب إليه جمهور الفقهاء من أنه إذا تمت الحوالة مستوفية لشروطها, وأركانها بريء المحيل من دين المحال, وبريء المحال عليه من دين المحيل إذا أدى للمحال، وبناء عليه, فلا يملك المحال الرجوع على المحيل للزومها له.
14) إذا اشترط المحال على المحيل يسار المحال عليه, فبان بخلاف شرطه رجع عليه.
15) إذا أحال المشتري لسلعة ما بثمنها البائع على مدين له ثم حصل رد للمبيع بأي سبب كان، فإن الحوالة تبطل في هذه الحالة.
16) أما عن حكم السفتجة, فهي جائزة، نظرًا لحاجة الناس إليها, فهي تنزل منزلة الضرورة, وهذا بناء على أن الحوالة عقد إرفاق, ومعونة مستقل بنفسه, وليس محمولاً على غيره.
والله أعلى, وأعلم بالصواب
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
5 من شهر رجب 1425هـ
21 من أغسطس 2004م
د/ فتحي عثمان الفقي

تعليقات