5.09.2019

مفهوم العدالة الدولية في فكر المحكمة الجنائية الدولية

مفهوم العدالة الدولية في فكر المحكمة الجنائية الدولية







مفهوم العدالة الدولية في فكر المحكمة الجنائية الدولية





مفهوم العدالة الدولية في فكر المحكمة الجنائية الدولية
العدالة الجنائية من متطلبات القانون الدولي لحقوق الإنسان

في إطار القانون الدولي لحقوق الإنسان وعلاقته بالعدالة الجنائية يظل الهدف دائما أن يتمتع الإنسان بضمانات معينة سواء في مرحلة ماقبل المحاكمة أو أثناء المحاكمة أو بعد المحاكمة، ومن هنا فإن التشريع الجنائي الوطني لأية دولة يجب أن يحترم ويضع ويدخل هذه المعايير في حسابه ومن هنا جاز القول بأن المحاكمة العادلة التي تحترم المعايير الدولية التي نص عليها قانون حقوق الإنسان هي دليل على صحة النظام القضائي الجنائي في بلد ما ودليل على مستوى احترام حقوق الإنسان، وعدم تطبيق تلك المعايير هو دليل على ظلم النظام القضائي الجنائي في بلد ما ودليل على انتهاك صارخ لحقوق الإنسان. وهناك جملة من النصوص الدولية الإلزامية سواء كانت اتفاقية أم عرفية أم مبادئ عامة للقانون ترسخت في الضمير الإنساني تتضمن مقاييساً ومعاييراً وعناصر لضمان المحاكمة العادلة. وتهدف جملة تلك المعايير الى حماية الإنسان المتهم من تاريخ إيقافه ومرورا بمرحلة احتجازه قبل المحاكمة والاحتفاظ به وأثناء محكامته إلى نهاية استفاء وسائل الطعن الممكنة قانونا في الحكم الصادر ضده. هذه المعايير وضعت لأجل الإنسان ومن ثم فهي تدخل في إطار قانون حقوق الإنسان في علاقته بالعدالة الجنائية. خلاصة الموقف ان العدالة الجنائية تعتمد في تقييمها على مراعاتها لتلك المعايير التي هي معايير يتمسك بها ويعتمد عليها القانون الدولي لحقوق الإنسان.




ثانياً: مفهوم المحاكمة العادلة دوليا:
إذا كان القانون الدولي لحقوق الإنسان( جملة الاتفاقيات والأعراف والمبادئ الدولية) هو المصدر الذي تعتمد عليه في قياس وتقييم عدالة أو عدم عدالة القضاء الجنائي وذلك من حيث مراعاته للمعايير الدولية، فإن تحديد شروط المحاكمة العادلة كمفهوم تبقى مسألة ضرورية.
ومن هنا فإن المحاكمة الجنائية لكي تكون عادلة ( من وجهة النظر الدولية) لابد من توافر شرطين أساسيين:
الشرط الأول: أن تخضع اجراءات المحاكمة للمعايير الدولية سواء كانت اتفاقية أم عرفية أم مبادئ عامة للقانون فيما يتعلق بالقانون الدولي لحقوق الإنسان.
الشرط الثاني: أن تقوم بالمحاكمة الجنائية وتنفيذ المواثيق الدولية جهة قضائية تتصف بالاستقلالية والحيادية ومخولة بموجب القانون بإجراء المحاكمة.
ثالثاً: تعريف المحاكمة العادلة في المواثيق الدولية:
من خلال استقراء نصوص القانون الدولي المتعلق بالموضوع، فإن المادتين العاشرة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948، والمادة الرابعة عشرة (الفقرة الأولى) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية 1966 تلقى الضوء على ايجاد تعريف وعناصر التعريف للمحاكمة التي تعتبر عادلة بمفهوم القانون الدولي لحقوق الإنسان.
نصت م 10 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على مايلي:-
(لكل إنسان على قدم المساواة التامة مع الآخرين الحق في أن تنظر قضية محكمة مستقلة ومحايدة نظراً منصفا وعلنياً للفصل في حقوقه والتزاماته وفي أية تهمة جزائية توجه إليه).
نصت المادة 14/ 1من العهد الدولي المذكور على ما يلي : " من حق كل فرد أن تكون قضتيه محل نظر منصف وعلني من قبل محكمة مختصة وحيادية منشأة بحكم القانون " . نلاحظ من خلال هاتين المادتين بأن المحكمة العادلة وفقا للقانون الدولي لحقوق الإنسان أن تكون مستقلة ومحايدة ومنشأة بموجب القانون . هذا من حيث العناصر الموضوعية ، أما من حيث الشكلية فيجب أن تكون علنية وغير تمييزته . المبحث الأول : مصادر المعايير الدولية للمحاكمة الجنائية العادلة :




من خلال هذه المبحث نريد أن نعرف من أين تستمد المعايير الدولية شرعيتها القانونية لكي تكون مقياسا للعدلة الجنائية ؟ وما هي الطبيعة القانونية لتلك المعايير ؟ في محاولة للإجابة على هذا السؤال نتعرض إلى المعايير ذات الطابع التعاهدي (الاتفاقي ) وقد تكون عالمية أو اقليمية وذلك في مطلب أول ، من هذا المبحث . أما المطلب الثاني متخصص للحديث عن المعايير التي ليس لها الطابع التعاهدي وإنما تظل ملزمة لأنها جزء من القانون العرفي الدولي أو من المبادئ العامة للقانون نتناول الموضوع كما يلي :
المطلب الأول / المعايير الدولية ذات الطابع التعاهدي . إذا تحدثنا عن موضوع المحاكمة العادلة فهو مختلف عن موضوع العدالة الجنائية وبما أن البحث في المعايير الدولية للمحاكمة العادلة وليس في معايير الدولية للعدلة الجنائية بالمعنى الواسع ، فإن المعايير الدولية التي لها صفة المعاهدة فإنها تنقسم إلى معايير دولية (تعاهدية ) عالمية وأخرى اقليمية . نتناول ذلك فيما يلي : أولا المعايير الدولية (التعاهدية ) العالمية . أهم هذه الاتفاقيات التي تعتبر الجماهيرية طرفا فيها ما يلي :
1. العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية 1966 ف .
2. اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية وغيرالإنسانية 1984ف .
3. اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة 1981 ف
4. اتفاقيات جنيف الأربع الخاصة بالنزاع المسلح 1949 ف (القانون الدولي الإنساني ) وبرتوكوليها الإضافيين .
5. اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري 1966 ف .
6. اتفاقية حقوق الطفل عام 1990 ف . كل هذه المعاهدات نصت على التزامات محددة يجب أن تتقيد بها الدول الأطراف في قضائها الجنائي وذلك فيما يخص حق المحاكمة العادلة كحق من حقوق الإنسان . وفيما يخص العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية 1966ف والذي دخل حيز النفاذ في عام 1976ف ، فقد جاء النص في المادة الرابعة عشرة مواد أخرى النص على الحق في المحاكمة وكيف تكون المحاكمة عادلة (الأنصاف / الحيادية / الاستقلالية / القانونية ) هي شروط أساسية كما رأينا في المقدمة إضافة إلى ذلك فإن حق الحصول على محاكمة عادلة هو شرط يدخل ضمن حقوق الإنسان الأساسية . والدول الأطراف في هذا العهد ملزمة دوليا بمراعاة بنود وملزمة دوليا أيضا بأن تحترم تعهداتها الخاصة بالبروتوكول الاختياري الملحق الذي يعطي للجنة حقوق الإنسان حق التفتيش والرقابة على مدى احترام شروط العهد الأساسية وتعتبر الجماهيرية من الدول القليلة في العالم التي صادقت على البرتوكول الاختياري وقبلت به . أما عن اتفاقية مناهضة التعذيب 1984 ف فإنها تفرض التزامات محددة على الدول الأطراف (ومنها الجماهيرية ) فيما يتعلق بتنفيذ بنودها . فيما يخص المحاكمة العادلة ، فإن اتفاقية مناهضة التعذيب تستبعد جميع الأدلة التي يتم انتزاعها عن طريق التعذيب البدني أو المعنوي بارتكاب جرائم جنائية . ومن ثم فإن المحاكمة لن تكون عادلة إذا ما أجريت واعتمدت في الإدانة على دليل تم انتزاعه بطريق التعذيب . تقوم لجنة مناهضة التعذيب بموجب البرتوكول الاختياري الملحق في الاتفاقية برصد كل انتهاكات بنود الاتفاقية
فيما يخص اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة1981 ، فإنها تنص على المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة في ممارسة حق الحصول على محاكمة عادلة أمام القانون.
أما اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري 1969 فإنها تحظر أي تمييز من أي نوع سواء كان بسبب الجنس أو اللون أو العرق أو الدين أو الأصل الاجتماعي إلخ، وعليه فإن المحاكمة الجنائية لكي تكون عادلة ومتفقة مع هذه الاتفاقية كما هو الأمر في اتفاقية حظر التمييز ضد المرأة، يجب أن لا تكون محكمة تمييزية (تصدر أحكامها أو تشكل هيئتها أو تعتمد أى معيار يقود إلى وصفها بالتمييز).
اتفاقية حقوق الطفل عام 1990 هي الأخرى تدرج ضمن المصادر الاتفاقية العالمية لمعايير المحاكمة الجنائية العادلة وقد اشتملت هذه الاتفاقية على ضمانات للمحاكمة العادلة فيما يخص الأطفال المتهمين بمخالفة أحكام قانون العقوبات.




أما فيما يتعلق باتفاقيات جنيف 1949 المشار إليها، فإنها قد احتوت على ضمانات في موضوع الحق في المحاكمة العادلة، وفي موضوع شرط المحاكمة العادلة، وذلك بالنسبة للأشخاص الذين تنطبق عليهم وخاصة الأسرى (بموجب الاتفاقية الثالثة) والمدنيين (بموجب الاتفاقية الرابعة).
إضافة إلى ذلك فإن البروتوكولين الاضافيين لعام 1977 لتلك الاتفاقيات قد وسعا من نطاق المحاكمة بالنسبة للمادتين وغيرهم من ضحايا النزاع المسلح الدولي وغير الدولي حسب الأحوال، ومن الحماية المقررة (ضمانات المحاكمة العادلة) لمن يقع تحت طائلة القانون سواء كان أسيراً أم مدنياً أم (جريحاً أو مريضاً غريقاً) إذا اعتبر قانوناً أسيراً للحرب وفق مقتضيات ومحددات القانون الدولي الإنساني.
ومن النقاط المهمة فإننا نلفت الانتباه إلى العلاقة المشتركة بين القانون الدولي لحقوق الإنسان من وجه والقانون الدولي الإنساني وخاصة فيما يتعلق بالمادة الثالثة المشتركة في اتفاقيات جنيف الأربع 1949 والمادة الثانية (الفقرة الرابعة) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية 1966 فيما يخص موضوع المحاكمة العادلة كحق من حقوق الإنسان سواء في زمن السلم أو الحرب.
ثانيـاً : المعاييـر الدوليـة الاقليميـة :
من مصادر المعايير الدولية ذات الطابع التعاهدي هناك المعاهدات الاقليمية التي ليس لها صفة العالمية وإنما إطار اقليمي محدد كتلك الواردة في الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان وتلك التي وردت في الميثاق الافريقي لحقوق الإنسان والشعوب أو تلك الواردة في اتفاقية الدول الامريكية.
حرصاً على الوقت وعلى موضوع الندوة فإننا نركز الحديث عن الميثاق الافريقي لحقوق الإنسان والشعوب 1981 والذي تعتبر الجماهيرية طرفاً فيه.
هذا الميثاق هو معاهدة دولية اقليمية، وقد نص على ضمانات المحاكمة العادلة في إطار حق الإنسان في التقاضي وحقه في الحصول على محاكمة عادلة.
ولذا الميثاق لجنة افريقية لحقوق الإنسان ترصد تنفيذ الميثاق وتتلقى الشكاوى من الأفراد المعنيين وتراقب تنفيذ الميثاق ومنه (المحاكمة العادلة) من خلال الدول الأطراف والتطور الأهم في القارة الافريقية هو استحداث المحكمة الافريقية لحقوق الإنسان والشعوب بموجب برتوكول اختياري عام 1998 وتعتبر الجماهيرية طرفاً فيه وهذه المحكمة هي نصر مكمل ومهم لفاعلية منظومة حقوق الإنسان الافريقية.
بما أن الجماهيرية طرف في الميثاق الافريقي لحقوق الإنسان والشعوب فهي ملزمة بتوفير عدالة القضاء الجنائي بالشروط التي نص عليها الميثاق " الانصاف والعلنية والحيادية والاستقلال والقانونية" إضافة إلى ذلك فهي معنية بعمل لجنة حقوق الإنسان الافريقية وكذلك المحكمة الافريقية لحقوق الإنسان فيما يتعلق بمراعاتها لحق المحاكمة العادلة كحق من حقوق الإنسان.
المطلب الثاني : المعايير الدولية التي ليس لها صفة المعاهدة :
هناك مصادر أخرى للمعايير الدولية للمحاكمة العادلة وليس لها صفة المعاهدة ولكنها ملزمة إما بحكم أنها جزء من القانون الدولي العرفي أو أنها جزء من المبادئ العامة للقانون.
لن يتركز الحديث هنا عن مواضيع فقهية طويلة ولكن المهم أن نلاحظ بأن ما سيرد ذكره تحت هذا المطلب فقد احتوى على معايير دولية للمحاكمة العادلة، وأغلب هذه المعايير هي جزء من القانوني العرفي ومعظمها مستمد من اتفاقيات دولية أما بعضها الآخر فإنه يشكل مبادئ عامة للقانون ومن هنا يجد إلزاميته ( راجع نص المادة 38 من النظام الأساسي لمحكمة ع الدولية)
من المصادر الدولية التي نصت على معايير ليس لها صفة المعاهدة هي :
 - 1الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1949 (المادة العاشرة والمادة الحادية عشرة).
 - 2مبادئ الأمم المتحدة الأساسية الخاصة باستقلال القضاء 1985.
 - 3مجموعة مبادئ الأمم المتحدة لحماية الأشخاص الذين يتعرضون لأي من أشكال الاحتجاز أو السجن (قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بالإجماع عام 1988)
 - 4المبادئ الأساسية الخاصة بدور المحامين 1990، تم اعتمادها بالاجماع من قبل مؤتمر الأمم المتحدة الثامن لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين عام 1990 ورحبت به الجمعية العامة للأمم المتحدة.
وأوضح المؤتمر فيما يخص موضوع المعايير الدولية للمحاكمة العادلة بأن " توفير الحماية الكافية لحقوق الإنسان والحريات الأساسية ( بما فيها حق المحاكمة العادلة) يستلزم فتح الأبواب أمام جميع البشر للانتفاع بطريقة فعالة من الخدمات القانونية التي يوفرها محامون مستقلون).
 - 5المبادئ التوجيهية الخاصة بدور أعضاء النيابة العامة 1990.
هذه المبادئ تم اعتمادها بالإجماع في مؤتمر الأمم المتحدة الثامن لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين عام 1990، ومن المقررات الأساسية ( إكساب نشاط ممثلي أعضاء النيابة العامة في القضايا الجنائية سمات الكفاءة والنزاهة والجدية والنهوض بتلك السمات،) وهذا معيار مهم من معايير المحاكمة العادلة.
 - 6ضمانات أقرتها الأمم المتحدة تكفل حماية حقوق الأشخاص الذين يواجهون عقوبة الإعدام 1984 تم اعتماد هذه الضمانات من قبل المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة واعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة بقرار عام 1984، وأهم ما جاء في هذه الضمانات فيما يخص المعايير الدولية للمحاكمة العادلة أنه " لا يجوز تنفيذ عقوبة الإعدام إلا بعد محاكمة توفر للمتهم فيها جميع الضمانات القضائية الممكنة والتي تكفل له محاكمة عادلة"، وعلى أقل تقديم " تلك الضمانات القضائية الواردة في المادة الرابعة عشرة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية عام 1966" بما في ذلك حق المتهم بارتكاب جريمة عقوبتها الإعدام أن ينال " مساعدة قضائية وقانونية كافية خلال جميع مراحل نظر الدعوى".
هذه المعايير التي ليس لها صفة المعاهدة والتي تتعلق بالمحاكمة العادلة كحق من حقوق الإنسان، لاتكسب الزاميتها بالنظر إلى الشكل وإنما بالنظر إلى الموضوع حيث أنها تشكل دون أدنى شك جزءا من القانون الدولي العرفي والمبادئ العامة للقانون ومن ثم فهي ملزمة بمفهوم نص 38 من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية الخاصة بمصادر القانون الدولي.



- 1حق المتهم في إعلامه بحقوقه:
هذا الحق هو من الحقوق الأساسية للمتهم نصت عليه مصادر المعايير الدولية التي تم تناولها في المبحث الأول، وهذا الحق يثبت للمتهم كإنسان سواء في مرحلة الاستجواب أو أمام المحكمة. "لكل متهم الحق في الإطلاع والعلم بما به من حقوق باللغة التي يفهمها"حق نص عليه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي الخاص بالحقوق السياسية والمدنية وكذلك مجموعة مبادئ الأمم المتحدة المتعلقة بحماية الأشخاص الذين يتعرضون لأي شكل من اشكال السجن أو الاحتجاز" (المبدأ 12- بند رقم 21).
- 2الحق في إعلام المتهم بسبب الإيقاف :
من الحقوق الأساسية للإنسان وفقاً للقانون الدولي أن يُعلم المتهم بسبب القبض عليه تمهيداً لمحاكمته، ولن تكون المحاكمة الجنائية عادلة بالمعيار الدولي إذا لم يتم تنفيذ هذا الشرط الوارد في المادة التاسعة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية 1966 والتي جاء فيها :" يجب إبلاغ كل شخص يُقبض عليه بأسباب القبض عليه لدى وقوعه، ويجب إبلاغه على وجه السرعة بأية تهمة تُوجه إليه".
 - 3الحق في اختيار محام:
من الحقوق الأساسية للمتهم الذي يُشكل معياراً أساسياً لعدالة المحكمة الجنائية من الناحية الدولية، هو حق المتهم في اختيار محام للدفاع عنه، وفي حالة حرمان المتهم من هذا الحق فإن المحاكمة لن تكون عادلة من زاوية القانون الدولي لحقوق الإنسان، هذا العنصر أو المعيار تم النص عليه في المبدأ العاشر، والمبدأ السابع عشر من مجموعة المبادئ، والمبدأ السابع من المبادئ الأساسية المتعلقة بدور المحامين.
وقبل كل ذلك في المصادر الاتفاقية تم النص في المادة الرابعة عشرة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية 1966 بصورة واضحة على حق "كل محتجز بأن يُحاكم حضورياً وأن يدافع عن نفسه بشخصه أو بواسطة محام من اختياره، وأن يُخطر بحقه في وجود من يدافع عنه".
إضافة إلى ذلك فمن حق المتهم الموقوف أن يتشاور مع محاميه دون أن يكون ذلك على مسمع من أحد وفقاً للمبدأ (18) من مجموعة المبادئ والقاعدة (93) من القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء.

وتسري هذه الحقوق منذ لحظة الإيقاف وأثناء فترة الإيقاف قبل المحاكمة وأثناء التحقيق وأثناء المحاكمة وأثناء إجراءات الاستئناف والنقض(مبدأ رقم1 ، ورقم 7 من المبادئ الأساسية المتعلقة بدور المحامين).
 - 4الحق في عدم التعرض للتعذيب:
وهذا الحق يعني حق السلامة البدنية في قانون حقوق الإنسان، وقد نصت عليه المادة الخامسة من الإعلان العالمي 1948، بحيث لا يجوز إخضاع أحد للتعذيب أو المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، وهذا المبدأ قد تعزز في القانون الدولي الاتفاقي لحقوق الإنسان بموجب المادة السابعة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية 1966 واتفاقية مناهضة التعذيب 1984 على سبيل المثال.
وربما هذا الحق (الحق في السلامة البدنية) يبدو للبعض بأن ليس له علاقة بالمعايير الدولية للمحاكمة الجنائية العادلة، ولكن من زاوية أخرى يكون من الصواب إذا تم الطعن في المحاكمة بأنها غير عادلة إذا اعتمدت في إدانتها على دليل منتزع بواسطة التعذيب، وهنا يبقى القول بأنه ليس من حق المتهم فقط عدم إخضاعه للتعذيب، وإنما أيضاً من حقه عدم اعتماد تصريحاته وأقواله المنتزعة بفعل التعذيب كدليل لإدانته ومن حقه التمتع بمحاكمة عادلة.
- 5الحق في عدم اعتماد أقوال وتصريحات واعترافات المتهم المنتزعة بفعل التعذيب:
يعتبر هذا العنصر من أهم المعايير بالنسبة إلى المحاكمة الجنائية العامة من الناحية الدولية، وهو كذلك لأنه يقابل عبارة"الاعتراف سيد الأدلة" التي طالما يستند عليها أعضاء الأدعاء والنيابة العامة وتعتمدها المحاكم الجنائية كدليل للإدانة دون مرعاة للشرط أو المعيار الدولي الذي يقول "عدم الاعتداد بالاعتراف إذا كان بفعل التعذيب".الحق الذي نتحدث عنه تم تبنيه بصورة واضحة في القانون الدولي الاتفاقي لحقوق الإنسان وهو من النواة الصلبة التي لا يجوز تجاوزه حتى في أصعب الظروف التي تمر بها دولة ما. المادة الخامسة عشرة من اتفاقية مناهضة التعذيب 1984 نصت على ما يلي :" تضمن كل دولة طرف عدم الاستشهاد بأية أقوال يثبت أنه تم الادلاء بها نتيجة التعذيب كدليل في أي إجراءاتـ، إلا إذا كان ذلك ضد شخص متهم بارتكاب التعذيب كدليل على الإدلاء بهذه الأقوال".أما المادة الثانية عشرة من ذات الاتفاقية فقد نصت بصورة واضحة على أنه :" إذا ثبت أن الإدلاء ببيان ما كان نتيجة للتعذيب أو غيره من ظروف المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة لا يجوز اتخاذ ذلك البيان ضد أي شخص آخر في أية دعوى".ونصت المادة الرابعة عشرة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية 1966 على ذات الحق، وذلك بمنعها إرغام المتهم على الاعتراف بالذنب، وذلك حتى لا يُؤخذ ذلك الاعتراف كدليل للإدانة ومن ثم تتصف المحاكمة بغير العادلة. وفي تعليق للجنة الأمم المتحدة الخاصة بحقوق الإنسان على المادة السابعة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية 1966 ذكرت وبوضوح بأنه :" من المهم حتى لا يقع العدول على الانتهاكات أن يمنع القانون اللجوء أثناء إجراءات التقاضي إلى استعمال أو الاستشهاد بالأقوال أو الاعتراف المنتزعة عن طريق التعذيب أو أي معاملة أخرى محظورة".
 - 6تطبيق مبدأ الشرعية :
لأجل محاكمة جنائية عادلة يتطلب القانون الدولي لحقوق الإنسان مراعاة مبدأ الشرعية(لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص) وكذلك مبدأ عدم رجعية القانون الجنائي وتطبيق العقوبة الأصلح للمتهم، هذا المعيار أو العنصر المتعلق بمبدأ الشرعية وعدم رجعية القانون الجنائي تم التأكيد عليه بوضوح في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية 1966 كمصدر اتفاقي بل ويعتبر أحد حقوق النواة الصلبة غير القابلة للانتهاك بموجب المادة الثانية الفقرة الرابعة، كما أنه قد سبق أن أُعتبر أحد الركائز الاساسية لحقوق الإنسان في الإعلان العالمي .
فالمحكمة التي لا تراعي هذا العنصر وهذا المعيار يمكن وصفها غير عادلة وفقاً للقانون الدولي.
- 7الحق في افتراض أصل البراءة (معيار أصل البراءة) :
هذا الميعار أو العنصر أحد أهم المعايير الدولية المتعلقة بالمتهم حيث أن وصف المجرم يجب أن ينصرف فقط بعد إدانة قضائية نهائية وفقاً للمعايير الدولية المشكلة والموضوعية. وقد نص الإعلان العالمي على ذلك في المادة الحادية عشرة بقوله :"كل شخص متهم بجريمة يعتبر بريئاً إلى أن يثبت ارتكابه لها قانوناً في محاكمة علنية تكون قد وفرت له فيها جميع الضمانات اللازمة للدفاع عن نفسه".كما ورد في المادة الرابعة عشرة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التأكيد على معيار "أصل البراءة" بحيث يجب أن يُفترض من البراءة منذ بداية الايقاف حتى يتم تأكيد الإدانة بحكم نهائي غير قابل للطعن بأي وجه، وهكذا فإن عبء إثبات التهمة على المتهم عند المحاكمة يقع على عاتق الإدعاء (النيابة العامة). وقد جاء في تعليق للجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان على هذا العنصر أو المعيار الخاص بأصل البراءة ما يلي : "معنى افتراض البراءة هو أن عبء إثبات التهمة يقع على كاهل الإدعاء، وأن الشك يفسر في صالح المتهم، ولايمكن افتراض أن المتهم مذنب حتى يتم إثبات التهمة بما لا يدع مجالاً لأي درجة معقولة من الشك".تلك هي أهم العناصر أو المعايير المتعلقة بالمحاكمة الجنائية العادلة من الناحية الدولية والتي تتعلق بالمتهم، أما العناصر أو المعايير الدولية التي تتعلق بالمحكمة فسيكون موضوعها المطلب الثاني كما يلي :
المطلب الثاني : معايير (عناصر) تتعلق بالمحكمة :
لكي تتصف المحاكمة الجنائية بالعدالة ومراعاتها للمعايير الدولية، فإنه إضافة إلى مراعاتها العناصر التي تتعلق بالمتهم فإن المحكمة يجب أن تتوافر فيها العناصر التالية :
 - 1الاختصاص :
وهو معيار يحدده القانون الداخلي للدولة، وهو ضمانة أساسية للتمتع بمحاكمة عادلة كحق من حقوق الإنسان وقد ورد ونص عليه في المادة الرابعة عشرة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية وفي الإعلان العالمي وفي المبادئ الأساسية للأمم المتحدة بشأن استقلال القضاء.
 - 2الاستقلال :
معيار وعنصر دولي يجب توافره في المحاكمة لكي تتصف بالعدالة، وهو يعني في أبسط معانيه عدم تحيز المحكمة وعدم تبعيتها من الناحية العضوية، ويعني أيضاً عدم ممارستها لوظيفتها بشكل يخل بطابع الاستقلال من الناحية الإجرائية والموضوعية.
- 3 الحياد :
وهذا العنصر أو المعيار ينصرف بشكل كبير إلى الحياد العضوي للمحكمة عن أية جهة أخرى وعدم تبعيتها لسلطة غير القضاء، ولا شك فإن عدم مراعاة هذا الشرط يطعن في عدالة المحكمة.
 - 4القانونية والديمومة:
عنصر يُقصد به أن تكون المحكمة منشأة بموجب القانون، وليست اعتباطية، وعادة يرتبط بهذا العنصر أو المعيار عنصر الديمومة، حيث أنه بمفهوم قانون حقوق الإنسان تظل المحاكم المؤقتة والطارئة والاستثنائية محاكم غير عادلة بالرغم من أنها منشأة بموجب القانون، وذلك يرجع إلى أن معظم تلك المحاكم لا تتوافر فيها الضمانات والمعايير الخاصة بحقوق الإنسان








ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق