بقلم: د. عبد اللطيف القرني
محتويات المقال
مفهوم عقود البوت B.O.T ونشأتها
انطلقت المشاريع الخدمية التي تلبي طموحات المواطنين في ظل تزايد أعداد الناس، وخاصة في المجتمعات العربية والخليجية ومجتمعنا في مقدمتها. وللمجتمعات ضرورياتها وحاجياتها؛ إذ تتطلب الحياة المدنية الحديثة إيجاد مرافق عامة ذات كفاءة عالية تعجز عنها ميزانيات الدول، وخاصة الفقيرة منها.
تعد عقود البوت الحل الأمثل والتوسع المناسب للمشاريع، فهي بمثابة الخلاص للدول والحكومات لإيجاد البنية التحتية من شبكات المياه، والصرف الصحي، والطرق، والمستشفيات، والمطارات دون إرهاق الميزانية بالديون.
ما هو عقد البوت B.O.T؟
عقد البوت B.O.T هو اختصار لمسمى عقد البناء، والتشغيل، وإعادة الملكية (Contract B.O.T)، حيث تشير الحروف إلى الكلمات التالية:
- Build: تعني البناء وإقامة المشروع.
- Operate: تعني التشغيل والاستثمار.
- Transfer: تعني التحويل أو إعادة الملكية.
عادة ما يجري التعاقد في هذا النوع على مشاريع البنية التحتية، وبعد الانتهاء منه وإتمامه يُحوّل إلى الحكومات في نهاية العقد وتصبح ملكاً لها. ومن صلاحية الشركة المنفذة الاستفادة المالية عن طريق الإجارة ممن يستفيد من مرافق المشروع.
الدول والمشاريع المطبقة لعقود البوت
استطاعت بعض الدول النهوض بمرافقها العامة وتنفيذ مشاريع ضخمة دون إرهاق ميزانياتها. ومن الدول التي طبقت هذا العقد: الهند، كرواتيا، اليابان، تايوان، الصين، ماليزيا، الفلبين، وهونج كونج.
أما بعض الدول مثل كندا وأستراليا ونيوزيلندا فتستعمل مصطلح B.O.O.T وهي اختصار لـ (Build – Own – Operate – Transfer)، ويعني أن تتولى الدولة نفسها إدارة المشروع، حيث يكون شرط تحويل المشروع للحكومة في نهاية العقد محذوفاً من الاتفاقات منذ البداية.
ويمكن توصيف عقد B.O.T إجمالاً بأنه اتفاق بين طرفين، يتكفل فيه أحد المتعاقدين (القطاع الخاص للقطاع العام، أو لقطاع خاص) إقامة مشروع بمتطلباته كافة، ثم تشغيله لمدة محدودة يسترد خلالها مصاريف إقامة المشروع وأرباحه المفترضة من تأجير مرافق المشروع على العامة، ثم تسليمه لصاحبه كاملاً من دون مطالبة بعوض.
ومن أبرز الأمثلة التاريخية الشهيرة لهذا النوع من العقود:
- مشروع فتح قناة السويس: قامت به شركة إنجليزية وفرنسية على أساس فتح القناة وبناء مرافقها ثم تشغيلها، على أن تعود للحكومة المصرية بعد 99 عاماً.
- مشروع فتح قناة بنما.
الخطوات العملية والنمط الشكلي لعقد البوت
أصبح هذا النمط معتاداً بين الدول منذ عام 1950، ومنذ أواخر عام 1990 أصبح إسهام القطاع الخاص في البنية التحتية جزءاً من الإصلاحات الحكومية، مما سمح بتوجيه الأموال العامة لما هو أكثر إلحاحاً. ويتبع العقد الخطوات التالية:
- الاتفاق بين الحكومة وشركة خاصة لمنحها بناء مشروع معين (B) بعد تقدير تكاليفه كاملة.
- تشغيل المشروع (O) لمدة معينة، عادة من 5 سنوات إلى 30 عاماً.
- تسليم الشركة المشروع بعد انتهاء المدة وإعادة تمليكه للحكومة (T) من غير عوض.
- تحمل الشركة بموجب العقد كامل تكاليف إقامة المشروع وتملكه لفترة معينة قبل إعادته.
- استيفاء رأس المال والربح المقدر كلما كانت مدة التشغيل أطول.
- وضع حد أدنى لجودة أدوات المشروع عند انتهاء المدة وتسلمه؛ لضمان الجودة والسلامة المطلوبة.
- تحديد المخاطر بين أطراف العقد في مشاريع البنية التحتية التي تتطلب عقوداً متعددة.
- مناقشة الموضوعات المختلفة لدى مراجعة عقد المشروع والوثائق.
- نخلط إلى أن تعريف عقد البوت (B.O.T) الإجمالي المبسط هو: "عقد مالي يتكفل المتعاقد بإقامة مشروع، والإنفاق عليه، وتشغيله وصيانته لمدة محدودة يسترد خلالها مصروفاته وأرباحه، ثم تسليمه لأصحابه دون عوض".
وقد انتهجت المملكة العربية السعودية هذا العقد في مشاريع خدمة الحرمين الشريفين مثل أبراج وقف الملك عبد العزيز (رقم 1 ورقم 2)، وقطار الحرمين الشريفين، إضافة إلى مشروع شركة ساهر. ويُطلق على هذا العقد المركب مسمى "عقد التملك الزمني" كما قرر ذلك عضو هيئة كبار العلماء الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان.
أطراف العقد وأهدافه وخصائصه
الأطراف الرئيسة في عقد البوت
يتضمن عقد البوت عدة أطراف تربطهم علاقة بالمشروع، وأبرزهم:
- الحكومة أو من ينوب عنها (Government Agency): وهي الجهة التي تصدق على العقد، وتمنح راعي المشروع الموافقة على البناء والتشغيل والضرائب والإجارة وتضبط أعمال المشروع.
- راعي المشروع (Sponsor): المسؤول عن المشروع، وهم مجموعة الماليين الراغبين في المشاركة وإقامة المشروع وتمويله، وتأخذ شكل مؤسسة أو شركة أو مجموعة متضامنة، وتتحمل المسؤولية المادية خلال البناء والتشغيل.
- الممول (المستثمر): مجموعة من البنوك في المشاريع الضخمة تقدم قروضاً للراعين وتطلب ضمانات مالية.
- المقاول: شركة أو أحد أفراد مجموعة راعي المشروع، يتكفل ببناء المشروع وإكماله في الوقت المحدد وبحدود الميزانية والمواصفات، ويتحمل كامل مخاطر المشروع.
- مقاول التشغيل والصيانة: يوقع العقد مع راعي المشروع للتشغيل والصيانة طوال مدة العقد وتحديد الواجبات المطلوبة.
- إعادة تمليك المشروع (Offtake Agreement): يتضمن شرط شراء الدولة لناتج المشروع (كالماء، الكهرباء، أو الخدمات الطبية) بسعر وكمية متفق عليهما.
أهداف عقد البوت
يهدف عقد البوت إلى تحقيق مقاصد مالية واجتماعية متعددة، منها:
- إقامة البنية التحتية للمشاريع الضخمة التي تعجز عنها ميزانيات الدول.
- جذب القطاع الخاص للمشاركة في خطط التنمية برأس المال مقابل تعهد الحكومات بشراء الحد الأدنى من الناتج.
- تقديم الطريقة المثلى لإسهام المال الخاص في بناء المرافق العامة.
- تخفيض مخاطر السوق والإقراض كون الدولة هي العميل الوحيد.
الخصائص العامة لعقد البوت
يتميز عقد البوت بالخصائص التالية:
- إقامة المشاريع الكبيرة دون تكلفة على الدول: مثل السكك الحديدية، الطرق السريعة، شبكات المياه والكهرباء، والمطارات والمستشفيات.
- مشاركة الشركات الوطنية: منح فرصة لاستثمار أموال الشركات الوطنية في خدمة الوطن.
- استقطاب المهارات الفنية والكفاءات الإدارية الأجنبية: لإقامة المشروع وإدارته خلال مدة العقد.
- تقدير دخل المشروع مسبقاً: وضع نموذج لجمع الدخل واتخاذ ما يلزم.
- تسليم المشروع سليماً: التزام المنفذ بإعادة المشروع بكافة مرافقه بحالة سليمة وفي نهاية المدة.
وتجدر الإشارة إلى توصية موجهة لوزارة المالية (الإدارة العامة للعقود والشؤون القانونية) بالاهتمام بهذا العقد وتوفير كفاءات استشارية عالية في المجالات الشرعية والقانونية والاقتصادية.
التكييف الفقهي والمقاصد الشرعية لعقود البوت
التركيب العقدي والدراسة التحليلية
يعتمد التصور الفقهي لعقد البوت (B.O.T) على التحليل الموضوعي، حيث يشتمل العقد على أربعة عقود رئيسة:
- عقد البناء.
- عقد التشغيل.
- عقد الصيانة.
- عقد التحويل (إعادة الملك).
وتتفرع عن هذه العقود عقود أخرى من الباطن؛ فعقد البناء يتطلب عقود شراء وإجارة وكفالة وتأمين، وعقد التشغيل والصيانة يستلزم تحديد الأجور وأوصاف المشروع عند التسليم. ومن العناصر الواجب ضبطها مالياً وإدارياً: رأس المال، شروط البيع والشراء، صلاحيات الإدارة، إجراءات الفسخ والإلغاء، وحقوق وواجبات الطرفين.
المقاصد الشرعية لعقد البوت
يشترط لصحة أي عقد مطابقته للمقاصد الشرعية وخلوه من أسباب الفساد والبطلان. وقد نقل عن ابن القيم الجوزية قوله في أعلام الموقعين:
وتتلخص المقاصد الشرعية المحققة في عقد البوت في النقاط التالية:
- تلبية حاجة المجتمع الإنساني وتوفير سبل الراحة للفرد والجماعة.
- تنمية الأموال واستثمارها بطرق مشروعة في المشروعات المدنية.
- تخفيف الأعباء المالية عن الدول وبخاصة الفقيرة.
- صيانة الممتلكات والمحافظة عليها للاستفادة منها لوقت أطول.
- توفير الخبرات اللازمة وتأهيل المجتمعات النامية للاستقلال بأعمالها مستقبلاً.
- نزع فتيل الخلاف بدقة العقود وتفصيل الحقوق والواجبات يمنع الخصومة.
التخريج الفقهي لعقد البوت
يمكن تخريج عقد البوت فقهياً على عدة أوجه بشرط خلوه من المحظورات الشرعية:
- عقد جديد المبنى: من قبيل العقود المبتكرة المستحدثة.
- عقد استصناع تغليباً.
- القياس على إعمار الوقف.
- عقد كراء.
والرأي الراجح هو أنه عقد جديد مبتكر، وهو ما ترجيحه من قبل الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان، استناداً إلى القاعدة الشرعية العامة: "الأصل في المعاملات الحل".
المسائل القانونية والشرعية ذات الصلة
تصحيح مفسدات العقد الشائعة
نظراً لامتشار عقود البوت لسنوات طويلة، قد تتعرض الأسعار للأجور والمواد للتغير، مما يوجب وضع احتياطات شرعية لتصحيح ما قد يفسد العقد. ومن أبرز مفسدات العقد الأخذ بالقروض الربوية من البنوك أو الضمان البنكي المبني على الفائدة.
والعلاج الشرعي لضيق تمويل المشروع يكون عبر مشاركة بيوت المال في المشاريع ذات الجدوى الاقتصادية. وقد ذكر القاضي أبو الوليد بن رشد أسباب الفساد العامة في العقود:
- تحريم عين المبيع.
- الربا.
- الغرر.
- الشروط التي تؤول إلى الربا أو الغرر.
وفيما يخص الضمان البنكي، فإن كان مبنياً على المصاريف الإدارية أو أُخذ بغطاء فهو جائز شرعاً وفق تفصيل قرار مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي رقم: 12(12/2).
نظرية الظروف الطارئة
قد تطرأ ظروف غير متوقعة خارجة عن إرادة المتعاقدين مثل الحروب، الزلازل، الفيضانات، أو ارتفاع الأسعار المفاجئ. وتطبيقاً لـ نظرية الظروف الطارئة في الشريعة الإسلامية، يتم التوفيق بين مصالح أطراف العقد بروح العدل والإنصاف وتوزيع الخسائر دون إجحاف بطرف دون آخر لضمان استمرار المشروع.
استثمار الأوقاف عديمة الموارد عبر عقود البوت
تحتل الأوقاف في بلاد الحرمين الشريفين مواقع مركزية تجارية مهمة، إلا أن بعضها تعطلت منافعه أو خربت مبانيه ودخلها غير كافٍ لإعمارها. وتتخلص الحلول الفقهية التقليدية في:
- مذهب الشافعية: الإبقاء على الوقف كما هو وإن تعطلت منافعه.
- مذهب الحنفية والحنابلة: جواز إعمار الوقف أو استبداله إذا تعطلت منافعه.
وقد أثبت عقد البوت فعاليته في إنقاذ الأوقاف بمكة المكرمة والمدينة المنورة، وأبرز مثال على ذلك مشروع وقف الملك عبد العزيز رقم 1 ورقم 2 (مشروع الأبراج السبعة)، حيث قامت مؤسسة بن لادن ببناء الأبراج وتشغيلها لمدة 25 عاماً لاسترجاع التكاليف والأرباح قبل تسليمها للدولة، مما حافظ على عين الوقف وضمن استدامة منافعه.
أسئلة وأجوبة حول عقود البوت B.O.T
ما المقصود بعقد البوت B.O.T؟
هو عقد مالي يتكفل فيه المستثمر بإقامة مشروع وتملكه وتشغيله وصيانته لمدة محدودة لاسترداد مصاريفه وأرباحه من عوائد التشغيل، ثم إعادة تمليكه وتسليمه للحكومة أو صاحب المشروع دون مقابل في نهاية المدة.
ما الفرق بين عقود B.O.T وعقود B.O.O.T؟
عقود B.O.T تتضمن التزاماً بتحويل ملكية المشروع إلى الحكومة في نهاية المدة (Transfer)، بينما عقود B.O.O.T تحذف شرط نقل الملكية للحكومة حيث تتولى الدولة أو الجهة نفسها إدارة وتملك المشروع منذ البداية دون نقل للملكية.
ما هو التكييف الفقهي الراجح لعقد البوت؟
الرأي الفقهي الراجح هو أنه عقد مالي جديد مبتكر، يُبنى على قاعدة الأصل في المعاملات الحل، شريطة خلوه من المحظورات الشرعية كفوائد القروض الربوية والغرر.
كيف يساهم عقد البوت في استثمار الأوقاف الخربة؟
يتيح عقد البوت للمستثمرين بناء الأوقاف المتعطلة وتطويرها على نفقتهم الخاصة وتشغيلها لفترة زمنية محددة لاستعادة أرباحهم، ثم إعادة الوقف بحالة سليمة ومطورة للجهة الموقوفة، مما يحافظ على عين الوقف ويضمن استمرار منافعه.
- د. عبد اللطيف القرني
- الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان
- ابن القيم الجوزية
- القاضي أبو الوليد محمد بن أحمد بن أحمد بن رشد القرطبي
- قرار مجمع الفقه الإسلامي المنبثق من منظمة المؤتمر الإسلامي رقم: 12(12/2)

شكرا جزيلا
للاستفادة من موقعنا ابحثوا على الموضوع الذين تريدون، بمربع البحث. نسعى دائما لتطوير موقعنا، شكرا لكم