القائمة الرئيسية

الصفحات

 


عقود البوت B.O.T

د. عبد اللطيف القرني

انطلقت المشاريع الخدمية التي تلبي طموحات المواطنين في ظل تزايد أعداد الناس، وخاصة في المجتمعات العربية والخليجية، ومجتمعنا في مقدمة تلك المجتمعات. ولا جرم أن للمجتمعات في الوقت الحاضر ضرورياتها، وحاجياتها، خاصة أن الحياة المدنية في العصر الحديث تتطلب إيجاد مرافق عامة ذات كفاءة عالية تعجز عنها ميزانيات الدول ـــــــــ وخاصة الفقيرة ـــــــــ والحل الأمثل هو التوسع في المشاريع عن طريق هذا النوع من العقود الذي يعد نافذة للدخول إلى الحياة المدنية بمتطلباتها العصرية كافة، بل إنه بمثابة الخلاص للدول والحكومات لتحقيق ما تتطلبه الحياة المدنية لإيجاد البنية التحتية من شبكات المياه، والصرف الصحي، والطرق، وغيرها كالمستشفيات، والمطارات، دون أن ترهق ميزانيتها بالديون.

وعقد البوت B.O.T هو اختصار للمسمى

عقد البناء، والتشغيل، وإعادة الملكية يرمز إليه بـ:

contract .b. o. t، مشيراً إلى الكلمات الآتية:

build

operate

transfer

تشير الكلمة الأولى إلى (بناء)، والثانية إلى (تشغيل)، والثالثة إلى (تحويل) أو إعادة الملكية، هذا النوع من العقود عادة ما يجري فيه التعاقد على مشاريع البنية التحتية، وبعد الانتهاء منه، وإتمامه يحول إلى الحكومات في نهاية العقد، ويصبح ملكاً لها.

ومن صلاحية الشركة المنفذة الاستفادة المالية من المشروع حسب الاتفاق متمثلاً فيما تأخذه من كل من يستفيد من مرافق المشروع، وذلك عن طريق الإجارة.

هذا الأسلوب يعطي الفرصة للمستثمر أن يغطي تكاليف إقامة المشروع، وأجور تشغيله، وصيانته، ومن ثم الحصول على العائد الربحي المطلوب.

من الطبيعي ـــــــــــ أثناء مدة العقد الطويلة ـــــــــــ أن تتغير أسعار إجارة استخدام المرافق التابعة للمشروع لارتباطها بتغير الأسعار في الداخل والخارج، وبهذا يستطيع المقاول للمشروع أن يتوصل إلى نسبة ربحية مرضية لاستثمار ماله؛ ومن ثم يؤخذ كل هذا في الحسبان.

استطاعت بعض الدول في العصر الحديث أن تنهض بمرافقها العامة، وتكفل لمواطنيها حياة مريحة، وذلك بتنفيذها مشاريع كبيرة ضخمة دون أن ترهق ميزانيتها. من الدول التي أجرت هذا العقد في إنجاز مشاريعها: الهند، كرواتيا، اليابان، تايوان، الصين، ماليزيا، الفلبين، وهونج كونج.

بعض الدول مثل كندا، أستراليا، نيوزيلندا يستعملون مصطلح: b.o.o.t يعني هذا النوع من العقود أن تتولى الدولة نفسها إدارة المشروع، وهي اختصار: build – own – operate –transfer لهذا فإن شرط تحويل المشروع إلى الحكومة في نهاية العقد محذوف من الاتفاقات منذ البداية.

توصيف العقد:

يمكن توصيفه بشكل إجمالي بأنه

اتفاق بين طرفين، يتكفل أحد المتعاقدين (القطاع الخاص للقطاع العام، أو لقطاع خاص) إقامة مشروع بمتطلباته كافة، ثم تشغيله لمدة محدودة، يسترد خلالها مصاريف إقامة المشروع، وأرباحه المفترضة من تأجير مرافق المشروع على العامة، ثم تسليمه لصاحبه كاملاً من دون مطالبة بعوض(1).

كانت الحكومات تضطلع بالمشاريع وتمويلها كافة، الأمر الذي يرهق كاهلها، فهي المصدر الوحيد لتقديم المشاريع والخدمات العامة وتمويلها. جاء هذا العقد بديلاً عما كانت تعانيه الدول، وتضعف عن تنفيذه.

وهو صيغة تمويلية، غالباً ما تكون مدة التشغيل 20، أو 30 عاماً، وبعد انتهاء المدة المتفق عليها تعود الملكية لصاحب المشروع سواء من القطاع الخاص، أو القطاع العام من دون عوض(2).

مثالان واضحان مشهوران لهذا النوع من العقود:

1. فتح قناة السويس.

2. فتح قناة بنما.

هذان المشروعان اللذان شيدا وأصبحا مثالاَ مشاهداً لهذا النوع من العقود: bot.

أصبح هذا النمط من العقود معتاداً بين الدول منذ عام 1950.

مشروع قناة السويس؛ قامت به شركة إنجليزية وفرنسية على أساس فتح القناة، وبناء مرافقها، ومن ثم تشغيلها، على أن تعود للحكومة المصرية بعد 99 عاماً.

هذه الفكرة الأساس، والصورة الإجمالية لهذا العقد.

منذ آخر عام 1990 أصبح جزءاً من الإصلاحات الحكومية السماح للقطاع الخاص أن يسهم في مشروعات البنية التحتية.

هذا التوجه الحكومي جعل الدول تصرف الأموال لما هو أكثر إلحاحاً وحاجة.

بعد ذلك أخذ هذا العقد نمطاً وطابعاً معيناً يتمثل في الخطوات التالية:

(1) يتم الاتفاق بين الحكومة وشركة خاصة أن تمنح هذه الشركة بناء مشروع معين (b)، بعد تقدير تكاليفه كاملة.

(2) تشغيل المشروع (o) لمدة معينة، عادة من خمس سنوات إلى 30 عاماً.

(3) تسليم الشركة المشروع بعد انتهاء المدة، وإعادة تمليكه إلى الحكومة (t) من غير عوض.

(4) تتحمل الشركة بموجب هذا العقد كل تكاليف إقامة المشروع، وتمتلكه لفترة معينة قبل إعادته للحكومة كاملاً.

(5) من الحقائق الثابتة أنه كلما كانت مدة تشغيل العقد طويلة فإنها تمكن المستثمر من استيفاء رأسمال المشروع، والحصول على الربح المقدر له.

(6) وضع حد أدنى لجودة أدوات المشروع لدى انتهاء المدة وتسلمه من المقاول؛ إذ الحقيقة أن مرافق المشروع ستضعف كلما طالت مدة العقد، ولكن ذلك الشرط يوجد إمكانية تحقق السلامة والجودة المطلوبة (3).

(7) بعض المشاريع ذات العلاقة بالبنية التحتية تتطلب عقوداً عديدة، كل عقد منها في حاجة إلى تحديد المخاطر بينه وبين بقية أطراف العقد.

(8) ستظهر عدة موضوعات لدى مناقشة عقد المشروع وبقية الوثائق.

(9) هذه هي الفكرة الأساس، والصورة الإجمالية لهذا العقد.

ونخلص إلى أن تعريف عقد البوت: b. o. t البناء والتشغيل والتحويل بشكل إجمالي ومبسط أنه:

(عقد مالي يتكفل المتعاقد بإقامة مشروع، والإنفاق عليه، وتشغيله وصيانته لمدة محدودة يسترد خلالها مصروفاته، وأرباحه، ثم تسليمه لأصحابه دون عوض).

من خلال العرض السابق يتضح للقارئ الكريم المعنى العام لهذا العقد الذي انتهجته الدولة أخيرا في مشاريعها وخاصة المشاريع المتعلقة بخدمة الحرمين الشريفين مثل أبراج وقف الملك عبد العزيز رقم 1 ورقم2، وقطار الحرمين الشريفين وغيرها، وهذا العقد المركب يمكن تسميته بـ (عقد التملك الزمني) كما قرر ذلك عضو هيئة كبار العلماء الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان ـــ حفظه الله ـــ وفي المقالات القادمة ـــ بإذن الله ـــ سنتناول أهم أطراف العقد والتوصيف الفقهي والقانوني له وفق رؤية شاملة لمعالم هذا العقد المهم في هذه المرحلة التي كثرت فيه احتياجات الناس للخدمات العامة وفق نمط حضاري راق مستمر.

عقد البوت B.O.T م (2 من 4)

د. عبد اللطيف القرني

أطراف العقد ـــ أهدافه ـــ خصائصه

كنا تحدثنا في المقال السابق عن تعريف العقد ومفهومه العام والتطبيقات الحياتية له، وقد راسلني بعض القراء الكرام أن عقد شركة ساهر حديث الناس اليوم على هذا المنوال. وإكمالاً لما بدأناه عن عقد البوت B.O.T نقول أولاً: أطراف العقد: يوجد عدد من الأطراف في هذا العقد الذين لهم علاقة بالمشروع.

الأطراف الرئيسة هم:

1 ــ الحكومة أو من ينوب عنها: government agency فهو الذي يقوم أو الترخيص له بالتصديق على العقد، إضافة إلى أنه:

يقوم بمنح الطرف الثاني المتعاقد (راعي المشروع) الموافقة على البناء، والتشغيل، وعقد الإجارة للمدة المطلوبة، وضبط كل أعمال المشروع، وخدماته.

2 ــ راعي المشروع: sponsor المسؤول عن المشروع:

وهم عبارة عن مجموعة الماليين الراغبين في المشاركة في إقامة المشروع، والممولين له.

راعي المشروع sponsor ربما يأخذ شكل مؤسسة، أو شركة، أو شركة محدودة، أو مجموعة متضامنة.

تكون مسؤولية راعي المشروع sponsor المادية خلال مرحلة إقامة المشروع وتشغيله.

3 ــ الممول (المستثمر):

في المشاريع الكبيرة الضخمة غالباً ما يكون مجموعة من البنوك يقدمون قروضاً لمجموعة الراعين للمشروع sponsor، البنوك غالباً ما تتطلب ضماناً مالياً للمشروع، بل إن بعض البنوك تقدم استعدادها للإقراض لأي تكاليف زائدة لم تغطها الاتفاقية.

لا بد من تحديد القروض المالية المتوقعة للمشروع في جميع المراحل لتقدير المخاطر وتحديدها، وآثار ذلك في تلك القروض.

4 ــ المقاول: قد يكون شركة، وقد يكون أحد أفراد مجموعة (راعي المشروع):

يقوم ببناء المشروع، وإكماله في الوقت المحدد في حدود ميزانية المشروع حسب المواصفات المتفق عليها، وهو الذي يتحمل كامل مخاطر المشروع.

5 ــ مقاول التشغيل والصيانة: هو الذي يوقع العقد مع راعي المشروع على التشغيل والصيانة للمدة الطويلة للعقد، وربما يضم إليه أحد أعضاء هيئة المشروع sponsor.

الأمر الجوهري في عقد التشغيل هو قيام المتعهد بالتشغيل، والصيانة، وتنفيذ المطلوب حسب الاتفاقية.

اتفاقية التشغيل والصيانة بحاجة إلى تحديد الواجبات المطلوبة من المتعاقد خلال مدة العقد.

6 ــ إعادة تمليك المشروع: transfer: من شروط إعادة تمليك المشروع للدولة offtake agreement الموقعة على العقد أن تشتري ناتج المشروع من الماء، أو الخدمات الطبية، أو الكهرباء بسعر يتفق عليه، على كمية معينة.

ثانياً: أهداف عقد البوت:

يهدف عقد (البوت) إلى أمور مالية واجتماعية عديدة أهمها:

(1) إقامة البنية التحتية مما يحتاج إلى تمويل مالي كبير لمشاريع ضخمة تعجز عنها ميزانيات الدول.

(2) جذب القطاع الخاص للمشاركة في خطط التنمية، وتنفيذ مشاريع البنية التحتية؛ إذ يتم بموجب هذا العقد تقديم القطاع الخاص رأسمال المشروع على أن يتعهد القطاع الحكومي العام بشراء الحد الأدنى من ناتج المشروع، بما يضمن لمنفذ المشروع تغطية تكاليفه أثناء التشغيل، والحصول على الربح المقدر.

(3) يعد عقد (البوت) الطريقة المثلى لإسهام المال الخاص للمشاركة في بناء المرافق العامة.

(4) تخفيض مخاطر السوق والإقراض؛ ذلك لأن الدولة هي العميل الوحيد.

ثالثاُ: خصائص عقد البوت العامة:

يتميز هذا العقد الحديث بخصائص من أهمها:

1 ــ إقامة المشاريع الكبيرة من دون تكلفة على الدول. يلجأ إلى هذا النوع من العقود غالباً الحكومات والدول لإقامة مشاريعها الكبيرة ذات التكلفة العالية التي تعجز ميزانيتها عن تمويلها، أمثال الخطوط السريعة الطويلة، والسكك الحديدية، وشبكات المياه، والصرف الصحي للمدن، والكهرباء، والموانئ، وشبكات الاتصال، وتطوير الإسكان، والمستشفيات، والمدارس، والمطارات، وأماكن السياحة، والمدن الجديدة، ومحطات توليد الكهرباء، والسدود، والمصانع، وغيرها من المشاريع المدنية.

هذا النوع من العقود يعفي الدولة من التكاليف العالية الباهظة.

2 ــ مشاركة الشركات الوطنية في خطط التنمية: يعطي الفرصة للشركات الوطنية للمشاركة في تنمية البلاد، وتقدم لهم الدولة فرصة ثمينة لاستثمار أموالهم مسخرة في خدمة الوطن والمواطن.

3 ــ استقطاب المهارات الفنية والكفاءات الإدارية الأجنبية: ويستوجب هذا إحضار المهارات الفنية الأجنبية لإقامة المشروع. والاستعانة بالكفاءات الإدارية لإدارة المشروع لدى الانتهاء منه؛ حيث يمنح الاتفاق على إقامة المشروع العاقد المنفذ لأن يكون صاحب الحق في إدارة المشروع لدى تمامه لمدة يتم الاتفاق عليها، وسيكون المسؤول عن جميع التكاليف التي يتطلبها المشروع.

4 ــ تقدير دخل المشروع مسبقاً: من مهمات العقد بين الطرفين وضع الأنموذج لجمع دخل المشروع، وما ينبغي اتخاذه لذلك.

5 ــ تسليم المشروع سليماً في نهاية العقد، على العاقد المنفذ للعقد بعد تمام مدة استثمار المشروع حسب العقد إعادته كاملاً، سليماً بجميع مرافقه للطرف الثاني، سواء كان هذا حكومة، أو أشخاصاً لهم شخصياتهم القانونية الاعتبارية، أو ذاتيتهم المستقلة حسب شروط العقد.

ومن خلال ما تقدم يتضح لنا أطراف العقد وخصائصه الإيجابية التي تميزه عن جميع العقود المشابهة له مثل عقود الامتياز و الأشغال العامة، ونكون بذلك قد أكملنا الصورة الذهنية للقارئ الكريم عن النمط الشكلي لهذا العقد، وفي المقال القادم ــ بإذن الله ــ سيكون الحديث عن التكييف الفقهي لهذا العقد، وأهم المسائل الفقهية المتعلقة بهذا العقد. وأتمنى من وزارة المالية ممثلة في الإدارة العامة للعقود والشؤون القانونية، الاهتمام بهذا العقد وأحواله والسعي إلى إيجاد كفاءات استشارية عالية موازية لمثل هذا النوع من العقود سواء في المجال الشرعي أو المجال القانوني أو الاقتصادي.

أسأل الله لي ولكم الصفاء والنقاء في الظاهر والباطن، وأن يصرفنا عن المتاعب والأحقاد وسوء الظن والإضرار بالغير، وأن يكفينا وإياكم شر الأشرار وكيد الفجار وشر طوارق الليل والنهار.

عقود البوت.. التكييف الفقهي (3 من 4)

الدراسة التحليلية والمقاصدية للعقد والتخريج الفقهي

د. عبد اللطيف القرني

إتماما لما بدأناه من الحديث عن عقود البوت وأثرها الفعال في المجتمعات يأتي الحديث الآن عن التكييف الفقهي للعقد والتوصيف الشرعي له، والحقيقة التي نؤسس لها في هذا المقال لا تعني أن الموضوع يقبل النقاش والطرح العلمي من قبل القراء الكرام وخاصة المتخصصين منهم، وأرحب بجميع الآراء المشاركة في هذا الموضوع أو غيره، وأما ما يتعلق بموضوعنا اليوم فنشرع في القسم الأول منه:

الدراسة التحليلية

يعتمد البحث أولاً على التحليل الموضوعي للخروج بتصور فقهي مناسب.

يشتمل عقد (البناء، والتشغيل، وإعادة الملك) على أربعة عقود:

1 ـــ عقد البناء.

2 ـــ عقد التشغيل.

3 ـــ عقد الصيانة.

4 ـــ عقد التحويل (إعادة الملك) بإعادة المشروع لأصحابه.

هذه العقود الرئيسة، ولكل واحد منها مواصفاته، وشروطه، المواصفات الدقيقة التي يتفق عليها المتعاقدون لإبرام العقد، وهو الأمر الذي لا تفرط فيه جهات التعاقد بحال، بل إنها تدون في الاتفاقات كل التفاصيل بشكل دقيق لكل ما له تعلق بالمشروع.

بشيء من الدقة والتأمل نجد أن كل واحد من هذه العقود الأربعة يشتمل على عقود متعددة من الباطن، متنوعة مثلاُ:

عقد البناء، كلمة ''البناء'' ليس المقصود منها المعنى الحرفي بل المقصود إقامة مشروع حسب طبيعته سواء كان بناءً، أو شق قناة، أو إقامة جسر، أو إنشاء طريق سريع، أو غير ذلك، وإن يكن البناء أساس العقد فتشييد المشروع يحتاج إلى متطلبات عينية في حاجة إلى إبرام عقود شراء، كما أن المشروع في حاجة إلى مهارات وحرف متعددة حسب متطلباته من الأعمال الفنية فيستدعي هذا إبرام عقود شراء، وإجارة، وكفالة، وتأمين إلى غير ذلك من العقود الأخرى.

كل هذه الأعمال تتطلب عقوداً يجريها القائم بالمشروع، تختلف حسب طبيعة العمل المتعاقد عليه.

كذلك عقد التشغيل والصيانة له شروطه ومواصفاته الخاصة التي لا بد من وصفها، وضبطها في الاتفاقية، وتحديد قيمة الأجور لاستخدام الجمهور للمشروع، وتحديد أوصاف المشروع بكل دقة عند تسليمه للعاقد المحلي.

من الأمور التي تهتم بها أمثال هذه العقود، ومن أجل ضبط الجوانب المالية والإدارية لا بد من التركيز على العناصر التالية وتوضيحها:

1 ـــ رأس المال.

2 ـــ وصف رأس المال، والاستثمار.

3 ـــ الشروط المتعلقة بالبيع والشراء، وما له علاقة برأس المال.

4 ـــ تنظيم وإدارة الشركة المنفذة للعقد.

5 ـــ صلاحيات الإدارة، ومسؤولياتها، والهيئة المنظمة.

6 ـــ الإجراءات، والاجتماعات للهيئة الإدارية.

7 ـــ حالات وإجراءات الفسخ والإلغاء ذات العلاقة بالشركة.

8 ـــ حقوق وواجبات الشركة المنفذة للمشروع والمستثمر التي لا بد منها في العقد.

9 ـــ الإجراءات التي تتخذ لتعديل بعض نقاط وفقرات الاتفاقية (1).

ثانياً: المقاصد الشرعية من عقد البناء والتشغيل وإعادة الملك (b.o.t.):

لا بد لصحة أي عقد قديم أو حديث أن يتطابق مع المقاصد الشرعية، والمصالح الشخصية التي لا تتعارض مع مبدأ من مبادئ الشريعة. هذه قاعدة مهمة في صحة العقود قديمها وحديثها؛ لهذا فإنه من الضروري البحث عن هذا المعيار الشرعي بعد صحة العقد من ناحية الشروط، والأركان، وخلوه من أسباب الفساد والبطلان:

يشتمل هذا العقد على مجموعة من المقاصد الشرعية المعتبرة في العقود؛ والمصالح المحققة للمكلفين؛ إذ إن مصلحة المكلفين لها اعتبار كبير في الشرع كما نص على ذلك ابن القيم الجوزية ـــ رحمه الله تعالى ـــ في كتابه الفريد أعلام الموقعين بقوله:

''فإن الشريعة مبناها، وأساسها على الحكم، ومصالح العباد في المعاش، والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها ـــ وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، ومن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة، وإن أدخلت فيها بالتأويل؛ فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته الدالة عليه، وعلى صدق رسوله ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ أتم دلالة وأصدقها، وهي نوره الذي أبصر به المبصرون، وهداه الذي به اهتدى به المهتدون، وشفاؤه التام الذي فيه دواء كل عليل...''، وقد جمع هذا العقد من مقاصد الشريعة ما لم يجتمع في عقد آخر من حيث شمول مقاصده الشرعية للمجتمع، والأفراد، ونمو الأموال ما لم يجتمع في كثير من العقود الحديثة من أهم هذه المقاصد الشرعية:

1 ـــ تلبية حاجة المجتمع الإنساني، وإسهامه في توفير سبل الراحة للفرد والجماعة بأسلوب علمي، عملي محكم.

2 ـــ تنمية الأموال واستثمارها بطرق مشروعة فيما يفيد المجتمع الإنساني من المشروعات المدنية.

3 ـــ تخفيف الأعباء المالية عن الدول وبخاصة الفقيرة.

4 ـــ صيانة الممتلكات، والمحافظة عليها للاستفادة منها لوقت أطول.

5 ـــ توفير الخبرات اللازمة، وتأهيل المجتمعات النامية لأعمال الإنشاء، وخدمات الصيانة للاستقلال بأعمالهم مستقبلاً.

6 ـــ نزع فتيل الخلاف: وذلك بدقة العقد وتفصيل الحقوق والواجبات لجميع الأطراف بما يمنع الخصومة، وهو المعتاد في مثل هذه العقود؛ إذ كلما كانت بنود الاتفاق دقيقة، مفصلة، محكمة توضح حقوق كل طرف في العقد، يكون هذا أدعى إلى منع الخصومة، فإذا صحت أركان العقد وشروطه، وخلا من المحظور في فقه المعاملات، وحقق العقد المقاصد الشرعية، والمصالح الشخصية التي لا تتعارض والمبادئ الشرعية، وخلا من المحظورات الشرعية كلاً وجزءاً فإنه ينتج عن هذا صحة العقد وما يترتب عليه من آثار.

ثالثاً: التخريج الفقهي للعقد

ويمكن تخريج هذا العقد من الناحية الفقهية عدة تخريجات بشرط أن يكون خالياً من أي محظور شرعي تتمثل في واحد من العقود التالية:

1) عقد جديد المبنى ويعد من قبيل العقود المبتكرة، وليس من العقود التي تطرق لها الفقهاء قديماً وحديثاً حتى يمكن التخريج عليه.

2) عقد استصناع تغليباً.

3) القياس على إعمار الوقف.

4) عقد كراء.

والرأي الراجح هو الأول وهو ما رجحه الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان ــــ حفظه الله.

وبعد العرض السابق يتضح لنا أن البناء الفقهي لهذا العقد مكتمل الجوانب مما يجعله وسيلة تنموية شرعية تسهم في عملية البناء الحضاري الذي ينشده المواطن سواء ما يتعلق بالبنية التحتية أو مشاريع الإسكان أو الخدمات المرفقة، ويجب على علماء الشريعة أن يواكبوا هذه العقود المبتكرة ويصححوا ما تحتاج إليه من تصحيح أو تعديل بما يتوافق مع القاعدة الشرعية العامة ''الأصل في المعاملات الحل''.

نسأل الله لنا ولكم التوفيق والسداد واليسر والعون وأن يعصمنا من كل مكروه أو سوء والسلام مسك الختام.

عقود البوت.. مسائل ذات صلة (4 من 4)

د. عبد اللطيف القرني

من المعلوم أن هذا العقد يمتد غالبا سنين عديدة تستمر إلى عقد أو عقدين، تتأثر فيها الأجور وتتعرض أسعار المواد علوا وهبوطا في الثابت والمنقول من البضائع بالغلاء والرخص، وتمنى أحيانا بأسباب الفساد والبطلان، وتؤثر سلبا على استمرار العقد وسلامته ويكون لها تأثير سلبي على المتعاقدين، أو أحدهما بخاصة، أو على المجتمع بعامة.

من أجل ضمان استمرار العقد على وجه صحيح، وفي مواجهة بعض ما يطرأ من شؤون ليس للمتعاقدين يد فيها وجدت احتياطات وحلول شرعية عملية عديدة تعالج ما قد يطرأ على هذا العقد كله أو جزئه، ويهدد سلامته واستمراره، يلجأ فيها إلى الوسائل الفقهية التالية لمعالجة صحته، والعمل على استمراريته من دون انقطاع حتى تمامه، من أهمها ما يأتي:

أولا: تصحيح مفسدات العقد شرعا:

اختلال ركن، أو شرط من شروط العقد، أو عدم الأخذ بقاعدة شرعية يؤثر على صحته بالفساد، والبطلان، ومن ثم على استمراره. استمرارية المشروعات الضخمة التي تقوم على أساس هذا العقد غالبا ما تحتاج إلى رأسمال كبير تعجز عن تمويلها الشركات والمؤسسات العامة وحدها، وغالبا ما تلجأ إلى الاقتراض من البنوك، أو البيوت التجارية الكبيرة، وهذه عادة لا تسمح بالإقراض إلا بعد فرض نسبة ربوية على مبلغ القرض، وهو مبطل للعقد في الفقه الإسلامي.

خلو أمثال هذا العقد من الربا نادر جدا، وكذلك بالنسبة لما يسمى بالضمان البنكي المبني على الفائدة بالنسبة لمقدار رأس المال، هذه بعض الأسباب الظاهرة المؤثرة في صحة مثل هذا العقد.

والعلاج لمشكلة ضيق رأس المال لتمويل المشروع الضخم هو إسهام بيوت المال في مثل هذه المشاريع عن طريق المشاركة، فقد تعظم أرباح المشروع، خصوصا إذا كان هذا النوع من العقود المحكمة التي تدرس جدواها بدقة متناهية، ووضعت في أيد أمينة تحقق مصالحها ومصالح المجتمع بطريقة شرعية سليمة.

إذ حكم لبعض العقود الحديثة بالصحة ابتداءً، ومنها عقد (نظام البناء والتشغيل وإعادة الملك) الذي يرمز إليه b.o.t فلا بد فيه من مراعاة المقاصد الشرعية والقواعد العامة في الشريعة الإسلامية التي يجب عدم الإخلال بها لصحة العقد:

منها: ما ذكره القاضي أبو الوليد محمد بن أحمد بن أحمد بن رشد القرطبي بقوله: ''وإذا اعتبرت الأسباب التي من قبلها ورد النهي الشرعي في البيوع، وهي أسباب الفساد العامة، وجدت أربعة:

أحدها: تحريم عين المبيع.

والثاني: الربا.

والثالث: الغرر.

والرابع: الشروط التي تؤول إلى أحد هذين، أو لمجموعهما.

وهذه الأربعة هي في الحقيقة أصول الفساد؛ وذلك أن النهي إنما تعلق فيها بالبيع من جهة ما هو بيع، لا لأمر من خارج.

ومن المسائل المتعلقة بذلك الضمان البنكي إن كان مبنيا على تقدير المصاريف الإدارية فحسب فلا غبار عليه شرعا، أو كان للشركة رصيد موجود بالبنك (غطاء) يكون البنك حينئذ وكيلا عن الشركة، ويكون للبنك حكم الوكالة في أخذ الأجر على الوكالة، أو كان بغير (غطاء) فإن ما زاد على أجر المصاريف الإدارية غير مقبول شرعا، وقد فصل القول في هذا الموضوع، وأوجد له الحلول الشرعية بالتفصيل قرار مجمع الفقه الإسلامي المنبثق من منظمة المؤتمر الإسلامي رقم: 12(12/2).

ثانيا: الظروف الطارئة:

قد يبرز إلى الواقع حدث طارئ عصيب غير متوقع خلال إقامة المشروع، وهي التي تكون خارجة عن إرادة أطراف العقد مثل: الحرب، الزلازل، الفيضانات، الحريق، العواصف، غلاء الأسعار بصورة مفاجئة، وما ماثل ذلك، غالبا ما تنشأ خلال العقود الطويلة، هذا بلا شك يزيد من تكاليف المشروع، وقد يؤدي إلى التوقف إذا لم يعالج بالسرعة المطلوبة.

لهذه الظروف التي لم تكن في حسبان المتعاقدين اعتبار في الشريعة الإسلامية، تحفظ التوازن بين مصالح المتعاقدين بما يخفف وقع الخسائر، والأضرار التي تنشأ عما لم يكن في الحسبان من أحداث تؤثر على إقامة المشروع واستمراره، ومن ثم على أطراف العقد، حينئذ يلجأ إلى ما يسمى (بنظرية الظروف الطارئة)، حيث يتم النظر بين العقد في صيغته، وبين واقع المشكلة، ويجري التوفيق بين مصالح أطراف العقد بروح العدل والإنصاف، دون إجحاف، أو تحيز لطرف دون آخر.

رابعا: الحل الصحيح للأوقاف عديمة الموارد:

تحتل معظم الأوقاف في البلاد الإسلامية، خاصة في بلاد الحرمين الشريفين مواقع مهمة جدا أصبحت تمثل المنطقة المركزية الأهم في هذه البلاد، وهي الأقرب للأماكن المقدسة، حيث يتركز حولها النشاط التجاري، ومع مرور الزمان قد ضعف دخلها، أو خربت حتى أصبحت غير قابلة للسكنى، ولا تدر دخلا مجزئا يكفل إصلاحها، واستثمارها ولا يمكن كمال الاستفادة منه، خصوصا وقد تضاعف عدد المسلمين، وفي السنوات الأخيرة اشتدت الرغبة في زيارة الأماكن المقدسة أداءً لفريضتي الحج والعمرة، وزيارة المسجد النبوي الشريف، وأصبح الوصول إلى البلاد المقدسة سهل المنال حتى للفقراء، وقد ضرب الأمن أطنابه في ربوعهما بفضل من الله جل وعلا، ثم بفضل جهود رجال الأمن في الحكومة السعودية، تتمثل مشكلة هذا الموضوع في أمرين:

أولا: الكثير من الأوقاف يحتل أكبر جزء في وسط البلد؛ حيث الكثافة السكانية، ولا يستفاد منها الاستفادة القصوى المطلوبة.

ثانيا: الأوقاف - كما هو معلوم - المقصود منها تحبيس العين وديمومة المنفعة، وأي تصرف فيها ينبغي أن يحافظ على أصولها، واستدامة الانتفاع بها، بل إن بعض المذاهب الفقهية لا يوافق على الاستبدال فضلا عن البيع حفاظا عليها، وتظل بحالها خرابا دون الاستفادة منها؛ خوفا على ضياعها، برغم غلاء موقعها، حيث النشاط التجاري.

الحل التقليدي لمثل هذه الأوقاف:

1. الإبقاء عليها كما هي، حتى لو انعدم الانتفاع بها، وهو مذهب الشافعية.

2. إعمارها، أو استبدالها إذا خربت، وتعطلت منافعها، كما هو مذهب الحنفية والحنابلة. على تفصيل في المذاهب الأخرى.

الحلول التقليدية لاستثمار الأوقاف يكون بتأجيرها، أو استبدالها، أو توظيف أموالها.

هذه الحلول سليمة، حيث لا يوجد بديل سواها، أما وقد ظهر في العصر الحديث من أنواع المعاملات المالية ما يحقق المقصود من الأوقاف (تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة) من غير أن يناقض مبدأ، أو قاعدة شرعية فإنه يكون الأخذ به أولى.

(عقد البناء والتشغيل وإعادة الملك) بصيغته، وتفاصيله الشرعية الصحيحة يحقق المقصد من الوقف دون مساس بقاعدة شرعية؛ إذ يمكن إعادة بناء الوقف، وتشغيله لمدة محدودة يسترجع فيها المستثمر حقوقه، وأرباحه، ثم يعيده بحال سليمة جيدة إلى الموقوف عليهم، بهذا يتحقق التعريف والمقصد الشرعي من الوقف دون مساس بجوهره، بل إنه في بعض الأحيان يقرر المستثمر مبلغا مقطوعا من المال يدفعه إلى الموقوف عليه كل عام طيلة مدة استثماره الوقف.

وفي خاتمة المقالات نصل إلى حقيقة علمية، أن هذا العقد أثبت جدواه، وفعاليته في إنقاذ الكثير من الأوقاف الخراب في مكة المكرمة دون التفريط فيها، بل ساعد هذا النوع من العقود على المحافظة عليها، وإعادة إعمارها ، وضمان الدخل الجيد للموقوف عليهم.

ويؤكد هذه الحقيقة العقود العديدة التي يبرمها المستثمرون للأوقاف في مكة المكرمة والمدينة المنورة في الوقت الحاضر، وأبرزها مشروع الأبراج السبعة في جنوب الحرم المكي الشريف ذات الأدوار المرتفعة إلى ما يزيد على الـ 30 دورا، كما هو الحال فيما يسمى (وقف الملك عبد العزيز رقم واحد) على الحرمين الشريفين، فقد اضطلعت مؤسسة بن لادن ببناء الأبراج وتشغيلها لمدة 25 عاما، واستثمارها لهذه المدة بما يكفل لها استرجاع رأسمالها وأرباحها ثم تسليمها إلى الدولة، وعلى مثل هذا العقد أبرم عقد وقف الملك عبد العزيز رقم 2 في الجهة الشرقية للحرم الشريف. بمثل هذا العقد يحافظ على عين الأوقاف من الضياع، وضمان استمرار الاستفادة منها لتوزيع دخلها على الموقوف عليهم. والله أعلم.

 



تعليقات