القائمة الرئيسية

الصفحات

مدى جواز فسخ العقد في إطار المجموعة العقدية وضوابطها

 


مدى جواز فسخ العقد في إطار المجموعة
العقدية وضوابطها

تمهيد وتقسيم:

         بعد الانتهاء من الكلام حول طبيعة العلاقة بين أطراف المجموعة العقدية، وتوصلنا إلى أن موقف الفقه الحديث هو إقرار العلاقة المباشرة بين أطراف المجموعة العقدية، يأتي الكلام هنا حول فكرة فسخ العقد في إطار المجموعة العقدية، وسنذكر ذلك بمعرفة مدى جواز فسخ العقد في إطار المجموعة العقدية،وضوابطها، ، وسنقسم هذا الفصل إلى مطلبين كالآتي:

 

المطلب الأول : مدى جواز الفسخ في إطار المجموعة العقدية.

المطلب الثاني   : ضوابط الفسخ في إطار المجموعة العقدية.

 

 


المطلب الأول
مدى جواز فسخ العقد في إطار
المجموعة العقدية

تمهيد وتقسيم

في هذا المطلب سنناقش الفرضية الآتية هو أن (أ) مثلا اشترى من (ب) سيارة بمبلغ 100 ألف جنيه، ثم تبين بعد قيام (ب) ببيع تلك السيارة لـ(ج) بمبلغ 80 ألف جنيه أو 120 ألف جنيه وجود عيب خفي، فإذا توفي (ب) وليس له خلف عام، أو كان معسرا، أو كان غير موجود،  فإنه وفقًا لفكرة المجموعة العقدية السابقة يحق لـ(ج) الرجوع مباشرة على (أ) بالتعويض على أساس المسئولية العقدية، وتكمن صورة المشكلة هنا في أن تتم المجموعة العقدية بوجود عدة عقود تعاقبت على مال واحد أو ترابطت بقصد تحقيق هدف واحد، ثم يقوم أحد الأطرف بإخلال جسيم بالتزامه العقدي، وكان الدائن المستفيد من تنفيذ هذا الالتزام هو الطرف الآخر غير المتعاقد معه، أي المتعاقد مع الوسيط المتعاقد مع هذا المدين الذي أخل بالتزامه العقدي، وكان هذا الإخلال مما يستوجب الفسخ، فهل يحق لهذا الدائن بالاشتراك مع المتعاقد معه المطالبة بفسخ العقد، و    باسترداد ما دفعه هذا ؟ وللإجابة على هذا التساؤل سنتعرض للمسألة في الفقه التقليدي، ثم في الفقه الحديث كالآتي في الفروع الآتية.

الفرع الأول   : موقف الفقه التقليدي.

الفرع الثاني   : الفقه الحديث المعارض لدعوى الفسخ في إطار المجموعة العقدية

الفرع الثالث   : الفقه الحديث المؤيد لدعوى الفسخ في إطار المجموعة العقدية

الفرع الرابع : موقف القانون اليمني.

الفرع الأول

موقف الفقه التقليدي المنكر

للعلاقة العقدية المباشرة       

         أما بالنسبة لموقف الفقه التقليدي المنكر للعلاقة العقدية المباشرة بين أطراف المجموعة العقدية كما سبق، فإن هذا المشكلة، لا يكون لها محل لديهم، حيث أنهم أساسًا ينكرون وجود علاقة عقدية مباشرة بين أطراف المجموعة، ولا يجيزون الرجوع المباشر بين أطراف المجموعة العقدية إلا في إطار قواعد المسئولية التقصيرية لا العقدية، وبالتالي فلا يكون هنا محل لدعوى الفسخ مباشرة بين أطراف المجموعة العقدية؛ لأن في هذه الدعوى تكون مؤسسة طبقًا للمسئولية العقدية لا التقصيرية، ولذا لا يكون الرجوع بدعوى الفسخ عندهم إلا بطريقتين كما سبق إما الطريق المتوالي غير المباشر برفع دعوى فسخ مع المتعاقد معه على اعتبار أنه المدين بإخلاله بالتزام عقدي، مع وجود الإخلال وبالتالي فإن المسئولية العقدية هنا تنعقد([1])، فإذا ما حكم القاضي بفسخ العقد فإن الرابطة العقدية بين الدائن والطرف المتعاقد معه تنحل وينتج عنها عودة المتعاقدين إلى ما قبل التعاقد، ويلتزم كل منهم برد ما يكون قد دفعه للمتعاقد الآخر([2]).

         وتختلف آثار الفسخ بالنسبة للطرف الثالث المدين في الإخلال بالالتزام فيما إذا كان على المدين الالتزام برد العين أو الدين، فإذا كان التزام المدين هو التزام برد العين فإن آثار الفسخ هنا تسري عليه ما لم يثبت حسن النية([3])، وإلا كان للطرف الوسيط المتعاقد معه الرجوع عليه بدعوى الفسخ على اعتبار أنه أخل بالتزامه العقدي نحوه، فإذا ما حكم له بالفسخ فإن العقد بينهما ينفسخ، وتعود له تلك العين، وبالتالي تعود إلى مالكها الأول الطرف الثالث الدائن الأخير، وهنا تظهر الصعوبات التي يثيرها تعدد دعاوى الفسخ من زيادة في الإجراءات والمصاريف، فضلا عما تثيره من خطورة استحالة الرد إذا ما قام المدين الأول المتسبب في الإخلال بالالتزام بالتصرف بتلك العين إلى شخص آخر حسن النية يمكن الاحتجاج عليه بأثر الفسخ([4]).

         إما إذا كان التزام المدين هو التزام برد الدين، فإن الخطورة تكمن هنا في حالة ما إذا كان هذا المدين في حالة إعسار أو إفلاس، حيث يضيع حق الدائن في هذه الحالة([5]).

         أما الطريق الثاني للرجوع بدعوى الفسخ في حالة إنكار العلاقة العقدية المباشرة أن يرجع الدائن الطرف الثالث بدعوى فسخ العقد على المدين الطرف الأول والمتسبب بالإخلال بالالتزام، ولكنه هنا يرجع بسبب كونه دائنًا لمدينه – الطرف الوسيط – والذي هو دائن للطرف الأول فيما يعرف قانونًا بالدعوى غير المباشرة،      حيث يجوز هنا لدائن المدين أن يطالب باسم مدينه بكافة الحقوق الدعاوى التي لمدينه، فيكون الدائن هنا نائبًا لمدينه([6])، وهنا تنصرف آثار الفسخ باسم هذا المدين، وفي حالة رد الطرف الأول ما دفعه من التزام، فإنه يدخل في ملك الطرف الوسيط مدين الطرف الثالث، ثم بعد ذلك يقوم الدائن الطرف الثالث برفع دعوى فسخ ضد مدنية – الطرف الثالث – من أجل استرداد ما دفعه من التزامات.

         وهذه الطريقة بالرغم من أنها طويلة إلا أنها أيضًا تكتنفها صعوبة متى كان المدين معسرا وهو الغالب في رفع تلك الدعوى، فهنا تدخل الحقوق التي استعادها هذا المدين الطرف الوسيط في المجموعة العقدية في الضمان العام للدائنين، وبالتالي يكون هذا الدائن أسوة الغرماء يقتسم تلك الحقوق مع بقية الدائنين، وسواء أكانت تلك الحقوق عينًا أم دينًا([7])، إلا أنه في القانون اليمني يكون لهذا الدائن حق أولوية وامتياز على هذه العين باعتبارها عين ماله والتي كان الفسخ بسبب الإخلال بتسليم ثمنها، بل إن حق الامتياز يتعدى إلى ثمنها فلا يكون أسوة الغرماء، فقد نصت المادة  من القانون المدني اليمني80 على أنه: "من له عين ماله تعطى له أو ثمنها إن كانت قد بيعت من قبل المحكمة دون علم صاحبها".

فالعقبة أمام الفقه التقليدي تكمن في الآتي:

1-   الرجوع المتعاقب يؤدي على زيادة المصاريف، إضافة إلى ضياع الوقت.

2-   قد يتوفى المتعاقد الوسيط ولم يترك خلفا عاما، مما يؤدي إلى ضياع حقه.

الفرع الثاني
الفقه الحديث المعارض لدعوى الفسخ
في إطار المجموعة العقدية

         أما موقف الفقه الحديث، فإنه يرى بخلاف الفقه التقليدي إقرار العلاقة العقدية المباشرة بين أطراف المجموعة العقدية، بمعنى أن أطراف المجموعة العقدية يعتبرون كأنهم في عقد واحد، وتعتبر المجموعة العقدية عقدًا واحدًا، وبالتالي فإنه يمكن الرجوع بين الطرف المضرور المسئول على أساس المسئولية العقدية المباشرة لا المسئولية التقصيرية([8])، وهنا يثور التساؤل حول مدى جواز دعوى الفسخ في إطار المجموعة العقدية من خلال موقف الفقه الحديث المقر لعلاقة عقدية مباشرة بين أطراف المجموعة العقدية.

فذهب فريق من الفقه الحديث إلى أن العلاقة العقدية المباشرة بين أطراف المجموعة العقدية، إنما تكون مقصورة على دعوى التعويض فقط دون دعوى الفسخ وكذا دعوى التنفيذ العيني، وينتج عن هذا القول أنه إذا أخل البائع الأولى بالتزامه بضمان العيب الخفي، فإنه لا يكون أمام المشتري الأخير لهذه العين إلا الرجوع عليه بدعوى التعويض فحسب، ولا يجوز له الرجوع عليه بدعوى الفسخ، وهم بهذا لا يعترفون بالعلاقة العقدية المباشرة كاملة بين أطراف المجموعة العقدية([9])، فحقه في ممارسة دعوى الفسخ يقتصر على الطرف المتعاقد معه مباشرة، ولا يكون أمامه بالتالي إلا الرجوع بدعوى الفسخ غير المباشر.

واستدل أنصار هذا الاتجاه في منع دعوى الفسخ بين أطراف المجموعة العقدية بالآتي:

أولا: أن الطرف المتضرر وهو هنا لم يساهم في تكوين العلاقة التعاقدية التي كان المسئول طرفًا مباشرًا فيها، وبالتالي لا يوجد مبرر قانوني لدعوى الفسخ([10])، وبالتالي فإن إقرار الفسخ في إطار المجموعة العقدية يؤدي إلى فسخ اكثر من عقد لم يكن هذا المتعاقد طرفًا فيه([11]).

ثانيًا: ويستدل أيضًا أنصار هذا الاتجاه برفض دعوى الفسخ في إطار المجموعة العقدية بالصعوبات العملية التي تثيرها دعوى الفسخ، بخلاف دعوى التعويض، حيث أن الفسخ في المجموعة العقدية يقتضي زوال كافة عقود المجموعة العقدية([12]) وهذا يقتضي عودة كل من المتعاقدين إلى الحالة قبل العقدية، وهذا يقتضي رد كل متعاقد إلى ما كان قد دفعه، فيلتزم البائع مثلا برد الثمن والمشتري برد المبيع، وفي حالة رد الثمن تكمن الصعوبة فيما هو الثمن الذي سيتم رده هل هو الثمن الذي دفعه المشتري الأول أم الثمن الذي دفعه المشتري الأخير، حيث الغالب هنا اختلاف الثمن في عقود المجموعة العقدية زيادة أو نقصًا فلا يمكن إلزام البائع الأول برد كامل الثمن الذي دفعه المشتري الأخير من المشتري الأول (الطرف الوسيط)([13]).

وذهب إلى هذا الاتجاه بعض أحكام القضاء الفرنسي، حيث رفضت من سماع دعوى الفسخ في إطار المجموعة العقدية، فقد قضت الدائرة التجارية لمحكمة النقض الفرنسية بأن المتملك لا يمكنه ممارسة دعوى الضمان المقررة لسلفة إلا من أجل التعويض فقط، ولا يجوز له فسخ العلاقة التعاقدية إلا عن طريق الدعوى غير المباشرة"([14]) وقضت محكمة باريس أيضًا بأن: "المشتري لمركب تجارية من أجل استخدامها في النزهة لا يمكنه طلب فسخ عقد البيع على أساس المادة 1184 إلا ضد المتعاقد معه مباشرة"([15]).

كما يرى أنصار هذا الاتجاه بأن القضاء قد حصر نطاق الدعوى المباشرة في المجموعة العقدية في إطار دعاوى التعاويض فقط وحتى عند اعترافه بدعوى ضمان العيب الخفي فإنه اقتصر في التعويض عن المسئولية العقدية للإخلال بالضمان العيوب الخفية بالتعويض بانقاص الثمن لا رد المبيع([16]).

وهكذا فإن أنصار هذا الاتجاه يرون عدم جواز رفع دعوى مباشرة بفسخ العقد في إطار المجموعة العقدية وإنما تكون دعوى غير مباشرة، ويقصرون العلاقة العقدية المباشرة على طلب التعويض فحسب.

 

الفرع الثالث
الفقه الحديث المؤيد لدعوى الفسخ
في إطار المجموعة العقدية

بينما ذهب الفريق الثاني من الفقه الحديث المقر لعلاقة عقدية مباشرة بين أطراف المجموعة العقدية إلى أن العلاقة العقدية المباشرة بين أطراف المجموعة العقدية تشمل كافة الدعاوى الممنوحة للأطراف كما لو أنهم مشتركون في عقد واحد، كدعاوى التعويض والتنفيذ العيني ومنها أيضًا دعاوى فسخ العقد، عند إخلال المدين بالتزامه، فإذا أخل الطرف المدين بالتزامه في المجموعة العقدية، فإنه يحق للدائن لذلك الالتزام، رفع دعوى فسخ ضد ذلك المدين يطالبه فيه بفسخ العقد ولو لم يكن مرتبطًا معه بعقد مباشر([17])، واستدل أنصار هذا الاتجاه بالآتي:

أولا  : أن إنكار دعوى الفسخ في المجموعة العقدية يؤدي إلى حرمان الدائن (المتضرر) من الحماية القانونية ويتمثل ذلك في أنه سوف يتضرر من انكار دعوى الفسخ، حيث سوف يجبر على الاحتفاظ بالشيء، دون أن تتوافر لديه الرغبة في ذلك خاصة إذا كان هذا الشيء به عيب خفي أو كان غير مطابق لما تم الاتفاق عليه([18])

ثانيًا: أن إقرار العلاقة العقدية المباشرة يقتضي عدم التفريق بين الدعاوى الناشئة عن دعوى التعويض ودعوى الفسخ، حيث أنهما تعتبر من حقوق الدائن في العقد فلا يجوز تجزئة تلك الحقوق التي يتمتع بها الدائن، وأن هذا يؤدي إلى تشتيت حقوق هذا الدائن([19]) بين الطرف المسئول بدعوى التعويض، وبين الطرف المتعاقد معه بدعوى الفسخ، وفي هذا ما يكتنفه من خطورة تتمثل في هدم مبدأ تصنيف المسئولية المدنية([20]).

        ويقولون: إذا كان القضاء قد قبل الخروج على مبدأ نسبية العقد في شأن طلب التعويض، فإنه يصبح من غير المقبول رفض إعمال ذات المنطق بالنسبة لدعوى الفسخ([21])، ثم أن دعوى التعويض غالبًا ما تكون تابعة لدعوى الفسخ، وبالتالي فلا يجوز أن يخضع الملحق أو التابع لنظام مختلف عن المطلب الأصلي([22]) كما أن إقرار القضاء، لطلب التعويض في دعوى ضمان العيب الخفي، وما تقتضيه من رد الثمن، يتساوي في حقيقة الأمر مع النتائج المترتبة على دعوى الفسخ([23]).

ثالثًا: أما بالنسبة للصعوبات العملية التي آثارها أنصار الاتجاه الأول، والمتمثلة في آثار الفسخ وما تثيره من مشكلة الرد في إطار المجموعة العقدية، حيث جعلوا ذلك حجة لهم في منع دعوى الفسخ بين أطراف المجموعة العقدية؛ حيث بين أنصار الفسخ أنه إذا وجد فرق في الثمن بين العقدين، فإن للدائن أن يرجع على المدين المتعاقد معه بباقي الثمن([24]).

      وذهب إلى هذا الاتجاه بعض أحكام القضاء الفرنسي حيث حكمت بالفسخ في إطار المجموعة العقدية، فقد طرح نزاع بشأن قيام شخص بشراء سيارة من أجل استخدامها في نقل البضائع، وبعد استلامه لهذه الأخيرة اكتشف وجود عيب خفي في صناعتها، فقام برفع دعوى مسئولية عقدية مباشرة ضد المستورد، طالب فيها بفسخه عقد البيع، ودفع هذا الأخير برفض الدعوى على أساس أن المستهلك لا يمكنه ممارسة دعوى الفسخ ضد البائع الأصلي الذي لم يكن مرتبطًا معه بعلاقة تعاقدية غير أن الدائرة التجارية لمحكمة النقض الفرنسية رفضت هذا الطعن وأيدت قاضي الموضوع فيما انتهي إليه من النتائج([25])، وكما جاء الفسخ لعيب خفي أيضًا في حكم في الغرفة المدينة الأولي في محكمة النقض في حكمها الصادر بتاريخ 27يناير1993([26]).

         كان ذلك موقف الفقه المؤيد لجواز دعوى الفسخ في إطار المجموعة العقدية في حالة العقود المتجانسة بمعنى أن تكون في مجموعة عقود بيع متوالية على مال واحد، أو عقود إجارة متوالية على عين واحدة، أو عقود مقاولة مترابطة بقصد تحقيق هدف مشترك.

أما العقود غير المتجانسة كعقد المقاولة مع عقد البيع، فقد اختلف الفقه الحديث.

فيرى بعض الفقه الحديث أن دعوى الفسخ لا تجوز في حالة العقود غير المتجانسة، كما إذا وجد رب العمل بالمبنى محل عقد المقاولة- مثلا- عيبًا بسبب عيب خفي في المواد التي اشتراها المقاول من منتج تلك المواد، فلا تكون العلاقة العقدية المباشرة بين رب العمل والمنتج لتلك المواد إلا في دعوى التعويض فحسب أما دعوى الفسخ فلا يجوز له ذلك؛ لأن في ذلك مجاوزة لحقوقه، حيث سوف يتسبب في فسخ عقد بيع، وبالتالي سيطالب برد الثمن في عقد البيع وهذا أكثر من حقه، إذ يكون حقه هو التعويض فحسب([27]).   

         بينما يرى البعض جواز أن تكون دعوى الفسخ حتى في العقود غير المتجانسة، حيث يجيزون للمستأجر من الباطن ممارسة دعوى فسخ البيع لعيب خفي ضد البائع السابق، إلا أنهم يجعلون موضوع الفسخ هو ليس الالتزام بالرد وإنما يكون التزام بما يعادل الفسخ([28]).

         فمن خلال ما سبق نجد أن الرأي الراجح رأي الفقه المجيز لدعوى الفسخ في إطار المجموعة العقدية، لأنه هو الرأي المنطقي في إطار إقرار العلاقة العقدية المباشرة، فما هي الفائدة من إقرار العلاقة العقدية المباشرة بين أطراف المجموعة العقدية، إلا إقرار أنهم في عقد واحد وبالتالي يترتب عليه كافة الحقوق الواردة في هذا العقد ومن ضمنها الحق في دعوى الفسخ، بل إن إقرار دعوى الفسخ، مما يؤكد العلاقة العقدية المباشرة على اعتبار أنها من أهم الدعاوي فيه، كما أنها قد تكون هي الجزاء المناسب في مجال المسئولية العقدية عندما لا يكون التعويض جزاءً مناسبًا، أما بالنسبة لمشكلة الرد فإن الدائن فإنه يرجع بالباقي على مدينه على اعتبار أن فسخ المجموعة العقدية يقتضي فسخ كافة عقود المجموعة العقدية، ومنها العقد الذي شارك فيه الطرف المسئول بينه وبين المتعاقد معه مباشرة فيطالب المتعاقد معه مباشرة برد باقي الالتزام.

الفرع الرابع
موقف القانون اليمني

         سبق وأن رأينا موقف القانون اليمني من إقرار العلاقة العقدية المباشرة بين أطراف المجموعة العقدية ورأينا جواز ذلك الرجوع في القانون اليمني في مجال العقود المتعاقبة على مال واحد في مجال الدعوى المباشرة في ضمان العيب الخفي وأنه يحق للمشتري الأخير رفع دعوى ضمان العيب الخفي على البائع الأول([29]).                    

         وإذا كان القانون اليمني قد أجاز الرجوع المباشر في دعوى الضمان والتي من آثارها هو جواز رد المبيع المعيب فإنه بالتالي يجوز ذلك فيما دفع المشتري الأخير، دعوى بفسخ عقد البيع بسبب إخلال المدين بالتزامه بضمان العيب الخفي، على اعتبار تشابه كلا الدعويين من حيث آثار كل دعوى وهو وجوب رد المبيع المعيب، وبغض النظر هنا عن طبيعة الرد في كل دعوى حيث يكون الرد في دعوى ضمان العيب الخفي على أساس بقاء العقد والتعويض عن العيب بالرد، وإذا وجد تعويض بجانب الرد فإنما يكون على أساس المسئولية العقدية على اعتبار بقاء العقد بينما الرد في دعوى الفسخ يكون على أساس زوال العقد، وبالتالي فإن الحكم بالتعويض إضافة إلى الالتزام بالرد، سيكون أساسه هو المسئولية التقصيرية الناشئة عن انحلا العقد([30]). أما في حالة العقود المترابطة بقصد تحقيق هدف مشترك وهو ما يعرف من الناحية القانونية بالتعاقد من الباطن فإن القانون اليمني عمومًا لا يعترف بعلاقة عقدية مباشرة، وبالتالي فإنه لا توجد دعوى فسخ مباشرة هنا([31]).

 

المطلب الثاني

ضوابط الفسخ في إطار المجموعة العقدية:

تمهيد وتقسيم:

         سبق أن ذكرنا في المطلب الأول حجة المانعين لدعوى الفسخ في إطار المجموعة العقدية وأن منها ما يثيره آثار الفسخ من مشكلة الرد، وفارق الثمن بين الثمن الذي دفعه المشتري الأول والمشتري الأخير، وهذا الخلاف ناتج عن معرفة النظام القانوني الذي يحكم دعوى الفسخ، هل هو العقد الذي شارك فيه الطرف المسئول وهو البائع الأول. أما العقد الذي شارك فيه الطرف المتضرر وهو المشتري الأخير.

         والمقصود بالنظام القانوني الذي يحكم دعوى الفسخ في المجموعة العقدية هو العقد الذي يحكم دعوى الفسخ فيحدد نوع الفسخ وآثاره على اعتبار أن دعوى الفسخ تدخل في المسئولية العقدية، والذي مصدرها هو العقد.

         وهذه المشكلة لا تثور عندما تكون عقود المجموعة العقدية متشابهة من حيث البنود، بأن يكون عقد البيع الأول هو ذات البيع الثاني نفس الثمن ونفس الشروط وهكذا، وهذا نادر الوقوع، حيث الغالب هو الاختلاف من حيث الثمن والشروط والالتزامات ونحوها، بل قد يكون بينها تعارض كأن يكون أحدها يعفى من المسئولية والآخر يشدد  فيها وهنا تثور المشكلة في معرفة النظام القانوني الذي يحكم المجموعة العقدية.

         ولا شك أن العقد هو الذي ينظم العلاقة بين أطرافه الذين شاركوا في تكوينه على اعتبار أن العقد شريعة المتعاقدين، وأن أساس هذا العقد هو مبدأ سلطان إرادة المتعاقدين، فلذا كان من الطبيعي أن المتعاقدين لا يلتزمان إلا بما اتجهت إليه إرادتهما؛ ولذا سنجد أن الطرف المتضرر(الدائن) في دعوى الفسخ، سيحتج بالعقد الذي شارك فيه على اعتبار أن إرادته هي التي اتجهت إلى تكوين هذا العقد الذي يحمي حقوقه، وبالمثل – أيضًا- فإننا نجد أن الطرف المسئول(المدين) سوف يلجأ إلى العقد الذي شارك في تكوينه حيث أن إرادته قد وازنت بين حقوقه والتزاماته، كما أنه قد احتاط لنفسه من المسئولية.

         ولذا لزم معرفة الضوابط الواجب تحديدها لمعرفة ماهية النظام القانوني الذي يحكم المجموعة العقدية.

         وتكمن أهمية معرفة النظام القانوني الذي يحكم المجموعة العقدية، في معرفة نوع الفسخ هل هو فسخ اتفاقي أم قضائي، حيث قد يكون أحد عقود المجموعة العقدية يتضمن شرطًا فاسخًا صريحًا. مما يستوجب معه تطبيق أحكام الفسخ الاتفاقي بينما العقد الآخر لا يوجد فيه شرط فاسخ صريح فيستوجب تطبيق أحكام الفسخ القضائي، كما قد يتضمن أحد عقود المجموعة العقدية شرط تحكيم أو شرطًا جزائيًا أو شرطًا يشدد في المسئولية أو يخفف منها أو يعفي منها، كما أن أحد عقود المجموعة العقدية قد يكون ذا طبيعة مدنية و الآخر ذا طبيعة تجارية مما يؤدي إلى اختلاف الحكم بينهما، كما أن أحد تلك العقود قد تحتوي على عنصر أجنبي فيستلزم هنا اختلاف القانون واجب التطبيق في تلك العقود، كما أن أحد تلك العقود قد يكون من عقود الإذعان حيث يكون أحد أطرافها طرفًا قويًا يملى إرادته على المتعاقد الآخر، وقد جعل القانون لعقد الإذعان أحكامًا خاصة([32]).

         وأخيرًا فإنه قد يوجد في بعض عقود المجموعة العقدية طرف مهني بينما هذا الطرف لا يوجد في العقد الآخر، مما يستلزم تطبيق أحكام مسئولية المهنيين عن غيرهم([33]).

         وللأسباب السابقة يرد لنا هنا تساؤل حول ما هي ضوابط النظام القانوني الذي يحكم المجموعة العقدية؟ هل سيكون التقيد بمدى التزامات الطرف المسئول أم بمدى حقوق الطرف المضرور، فعلى هذا نجد أن النظام القانوني لدعوى الفسخ في إطار المجموعة العقدية يحكمه ضابطان هما مدى التقيد بالتزامات الطرف المسئول(المدين)، وكذا مدى حقوق الطرف المضرور(الدائن)، وهذه ما سنذكره في الفروع الآتية.

الفرع الأول    : التقيد بمدى التزامات الطرف المسئول (المدين).

الفرع الثاني   : التقيد بمدى حقوق الطرف المتضرر (الدائن).

الفرع الثالث  : موقف القانون اليمني.

 

الفرع الأول
التقيد بمدى التزامات الطرف المسئول (المدين)

         ويقضى هذا القيد بأنه عند النظر في دعوى الفسخ في إطار المجموعة العقدية يجب التقيد بمدى التزامات الطرف المسئول، بمعنى أن النظام القانوني الذي يحكم دعوى الفسخ في إطار المجموعة العقدية هو العقد مصدر التزامات الطرف المسئول وبالتالي فإن للطرف المسئول الدفع ببنود العقد الذي ساهم في تكوينه وينتج عن هذا أن هذا العقد هو الذي يحدد التعويض، إذا وجد شرط جزائي في هذا العقد، ، ومثله إذا وجد بند تحكيم أو بند يحدد المحكمة المختصة أو القانون واجب التطبيق فللطرف المسئول الدفع بتلك البنود، ومثله إذا وجد بند تحكيم أو بند يحدد المحكمة المختصة أو القانون واجب التطبيق، فللطرف المسئول الدفع بتلك البنود، وكذا بحدود طبيعة الالتزام وكونه تجاريا ينبثق من عقد تجاري أو مدنيا من عقد مدني، كما له الدفع بطبيعة التزامه فإذا كان الالتزام بتحقيق نتيجة، فإنه يقع على عاتقه عبء الإثبات ويلتزم بإثبات السبب الأجنبي الذي ترتب عليه استحالة التنفيذ، وبالعكس أيضًا إذا كان مضمونه التزامه هو بذل عناية فإنه لا يكون عليه عبء الإثبات وإنما يقع على الطرف المضرور إثبات تقصير الطرف المسئول وعدم بذل العناية الواجبة([34]).

         كما أن لهذا الطرف المسئول الدفع بالقيود القانونية كما هو الحال بالنسبة لمدى التزامات الخلف العام وبأن تكون في حدود تركة الخلف([35]).

         وللطرف المسئول هنا أن يدفع بالنسبة للتقادم بمدة التقادم في العقد الذي ساهم في تكوينه([36]).

         وبتطبيق قيد التزامات الطرف المسئول(المدين) على دعوى فسخ العقد في إطار المجموعة العقدية نجد أنه لا يحق للدائن رفع دعوى الفسخ ضد المدين إلا إذا كان مخلا بالتزاماته العقدية في العقد الذي شارك فيه ويكون شروط ذلك الإخلال بنفس الضوابط في ذلك العقد بأن يكون من غير وجه حق، كما أن الطرف المسئول (المدين) لا يلتزم إلا برد الالتزام الثابت في ذمته للطرف المتعاقد معه، فإذا كان هناك نقص في مبلغ الالتزام فإن الطرف المتضرر هنا يعود بالباقي على المتعاقد معه على اعتبار أن عقود المجموعة العقدية قد حلت بسبب فسخ المجموعة العقدية، ويترتب عليه التزام كل من استلم شيئًا قبل الفسخ بإعادته إلى من استلمه منه، ومنه هذا الطرف الوسيط، فيرد فارق مبلغ الالتزام إلى الطرف المتضرر([37]).

         ويستدل الفقه على التقيد بمدى التزامات الطرف المسئول؛ بأنه لا يمكن انعقاد مسئولية المدين عن الأضرار الناتجة عن الإخلال بأحد الالتزامات التي تثقل كاهله إلا في إطار العلاقة التعاقدية التي ساهم في تكوينها، وفقًا للأحكام القانونية التي تحكم هذه العلاقة.

         كما أن هذا القيد يقتضي ووفقًا لفكرة المجموعة العقدية توحيد طبيعة ومدى مسئولية المدين، بغض النظر عما إذا كان الرجوع عليه قد تم من جانب المتعاقد معه مباشرة أو الطرف المتضرر([38]).

         كما استدلوا أيضًا بنص القانون. في الدعوى المباشرة في عقد الإيجار من الباطن حيث قيد دعوى المؤجر الأصلي ضد المستأجر من الباطن في الالتزام بدفع الأجرة بالتزامه في مواجهة دائنه المؤجر من الباطن([39])، فقد نصت المادة 596/1 (مدني مصري) "يكون المستأجر من الباطن ملزمًا بأن يؤدي للمؤجر مباشرة ما يكون ثابتًا في ذمته للمستأجر وقت أن ينذره المؤجر".

         ومثله أيضًا في الدعوى المباشرة في عقد المقاولة من الباطن، حيث أجاز للمقاول من الباطن رفع دعوى مباشرة ضد رب العمل يطالبه بدفع الأجرة ولكنه قيد هذه الدعوى بأن تكون مقيدة بمدى التزام رب العمل قبل دائنه المباشر المقاول الأصلي([40]) حيث نصت المادة 622(مدني مصري) "يكون للمقاولين من الباطن وللعمال الذين يشتغلون لحساب المقاول في تنفيذ العمل، حق مطالبة رب العمل مباشرة بما لا يجاوز القدر الذي يكون مدينًا به للمقاول الأصلي وقت رفع الدعوى...".

         وإعمالا لهذا القيد حكمت محكمة النقض الفرنسية في قضية. قام فيها رب العمل في عقد مقاولة برفع دعوى على الشركة المنتجة للمواد التي اشتراها المقاول واستخدمها في عملية البناء، لمطالبتها بالتعويض عن الأضرار التي لحقت به من جراء إخلالها بالتزامه بالمطابقة، حيث قضت محكمة النقض بأن الشركة المدعي عليها يمكنها التمسك في مواجهة المدعي بكافة الوسائل التي كان يمكن التمسك بها في مواجهة المقاول وعلى وجه الخصوص مدة التقادم العشري التي تخضع لها العلاقات التجارية"([41])، كما جاء أيضًا في حكم محكمة الغرفة المدنية الأولى بمحكمة النقض الفرنسية بتاريخ 28/ تشرين الأول 1999 "يتمتع صاحب العمل المستقل كما مكتسب الملكية الثانية بجميع الحقوق والدعاوي المرتبطة بالشيء العائد لسلعة"([42]).  

         ويكتنف هذا القيد وهو التقيد بمدى التزامات الطرف المسئول صعوبات منها أن التقيد بمدى التزامات الطرف المسئول سيؤدي إلى الإضرار بحقوق الطرف المتضرر، مما قد يحرمه من الفسخ أو التعويض في حالة ما إذا كانت العلاقة التي ساهم فيها الطرف المسئول تقتضي بالتخفيف من مسئوليته أو إعفائه منها أو بتنازل الطرف المتعاقد معه عن الحق في دعوى الفسخ أو بتنازله عن الشرط الفاسخ الصريح ففي هذه الحالة يحرم الطرف المتضرر من حقه في التعويض أو في المطالبة بالفسخ على أساس الشرط الفاسخ الصريح، مع أن هذه الحقوق موجودة في العقد الذي ساهم الطرف المضرور في تكوينها مع المتعاقد معه مباشرة.

         وللرد على هذه الصعوبة نجد أن الضرر الذي سيلاقيه الطرف المسئول من عدم التقيد بمدى التزاماته أشد من الضرر الذي أصاب الطرف المضرور، منها أن هذا سيجعله يلتزم بأكثر مما انصرفت إليه إرادته كما أنه سيأخذ الطرف المتضرر حقًا أكثر مما هو للطرف المتعاقد معه، كما أن الرجوع وفقًا للمجموعة العقدية يعد حقًا وليس واجبًا، وبالتالي فإن للطرف المضرور هنا الرجوع على المتعاقد معه مباشرة أو الرجوع على الاثنين على سبيل التضامم، كما أن المتعاقد معه مباشرة سيرجع على الطرف المسئول في مواجهته بالعلاقة التعاقدية التي بينهما والتي تحتوي بندًا يعفى من المسئولية، كما أن عدم التقيد بمدى التزامات الطرف المسئول يؤدي إلى انكار العلاقة التعاقدية التي شارك فيها الطرف المسئول وإهدار القوة الملزمة للعقد([43]).

 

 

 

الفرع الثاني
التقيد بمدى حقوق الطرف المتضرر(الدائن)

         إذا كان القيد الأول يتعلق بمدى التزامات الطرف المسئول فهل يكون هذا القيد على إطلاقه، أي هل يلتزم الطرف المسئول بكافة الالتزامات التي في ذمته تجاه الطرف المتضرر، بغض النظر عن حقوق الطرف المتضرر حيث أن الطرف المتضرر، قد يأخذ أكثر من حقه فمثلا إذا كان الطرف المسئول في عقود البيع المتتالية وهو البائع الأول مدينًا بمبلغ مائة ألف جنيه مثلا، ثم قام المشتري الأول الطرف الوسيط ببيع المبيع إلى الطرف المضرور المشتري الأخير بمبلغ ثمانين ألف جنيه مثلا، ثم اكتشف المشتري الأخير بوجود عيب خفي في الشيء المبيع بسبب البائع الأول، فأقام المضرور بدوره دعوى فسخ مباشرة ضد البائع الأول الطرف المسئول على أساس أنهم مشتركون في مجموعة عقدية ففي حالة فسخ العقد، فإن عقود المجموعة العقدية تنحل وينتج عنه أن يلتزم كل طرف برد ما كان قد استلمه من المتعاقد الآخر، ووفقًا للقيد الأول وهو التقيد بمدى التزامات الطرف المسئول(المدين)، بالرجوع إلى العقد الذي شارك فيه الطرف المسئول مصدر التزاماته نجد أنه يلتزم بمبلغ مائة ألف جنيه، فلذا فإنه سيقوم بردها إلى الطرف المضرور، ولكننا نجد هنا أن الطرف المضرور قد أخذ أكثر من حقه بمقدار عشرين ألف جنيه فما هو أساس هذه الزيادة، فالبعض يرى أنه هذه الزيادة تكون له على سبيل التعويض عن الفسخ([44])، ويرى البعض أن المتعاقد الوسيط المتعاقد مع الطرف المضرور، سيطالب برد تلك الزيادة له بسبب فسخ العقد بينهما لفسخ عقود المجموعة العقدية وبالتالي فإن هذه الزيادة تكون غير مستحقة له([45]).

         ولكن المشكلة تكمن هنا إذا لم يطالب الطرف الوسيط الطرف المضرور بالزيادة بأن يكون قد مات وليس له خلف عام مثلا، وهو الوارد حيث أن الغالب أن الطرف المضرور لا يرجع على الطرف المسئول مباشرة في حالة عدم وجود الطرف الوسيط بسبب وفاته وعدم وجود خلف عام له؟ وكان معسرًا.

         فمن الفروض السابقة نجد أن الطرف المضرور هنا سوف يأخذ أكثر من حقوقه المقررة له بموجب العقد الذي شارك فيه مع الطرف الوسيط.

         وهنا يأتي أهمية هذا القيد، حيث يحق للطرف المسئول هنا الاحتجاج بمدى حقوق الطرف المضرور وبالتالي فإن له الدفع بكافة الدفوع التي يستطيع أن يدفع بها دائنه -الطرف الوسيط- الذي هو مدي الطرف المتضرر(الدائن)، ويكون للطرف المسئول( المدين) الاحتجاج ببنود العقد الذي شارك فيه دائنه الطرف الوسيط مع الطرف المضرور، فيحق للطرف المسئول وهو المدين الدفع بعدم وفاء الطرف المضرور (الدائن) بالتزامه في العقد الذي شارك فيه الدائن، وهنا لا يفاجأ الطرف المضرور عند تمسك الطرف المسئول ببند الإعفاء من المسئولية أو التنازل عن الشرط الفاسخ الصريح الوارد في العقد الذي ساهم فيه؛ لأنه سوف يواجه تلك الدفوع أصلا عند رجوعه على الطرف المتعاقد معه فإن للمسئول هنا أن يحتج بها تجاه الطرف المضرور فالطرف المسئول يوازن بين مدى التزاماته في العقد الذي شارك في تكوينه وبين مدى حقوق الطرف المضرور في العقد الذي شارك في تكوينه، ويتمسك بما يحقق له مصلحته سواء من حيث طبيعة العقد أو القانون الواجب التطبيق أو المحكمة المختصة... الخ([46]).

         وهذا ما قضى به القضاء الفرنسي حيث جاء فيه: "في الحالة التي يسند فيها المدين بالتزام عقدي تنفيذ هذا الالتزام إلى شخص آخر فإن للدائن بهذا الالتزام أن يرجع على هذا الأخير (مدين مدينه) بدعوى عقدية، غير أن هذه الدعوى قاصرة على ما يكون للدائن من حقوق في مواجهة مدينة الأصلي، وفي حدود ما يكون مدينه مدينًا به للمدين الأصلي"([47]).

         وبعض الفقه يذهب إلى عدم التقيد بحقوق الطرف المضرور، بمعنى أنه لا يحق للطرف المسئول الاحتجاج على الطرف المضرور، فيجوز للطرف المضرور الرجوع بحقوق الطرف المسئول ولو لم يكن له هذا الحق كما إذا تنازل عن هذا الحق، بوجود بند الإعفاء، ويعللون لذلك بأن الطرف المضرور قد تلقى ملكية الشيء من المتعاقد معه مع ما بينهما ومنها دعاوي الضمان، وهذا بسبب تعليلهم لجواز الدعوى المباشرة بسبب فكرة الملحقات وهي فكرة منتقدة كما سبق([48]).

         ويؤسس بعض الفقه حق الطرف المسئول في الخيرة في التمسك بمدى التزاماته أو حقوق الطرف المضرور في دعوى الفسخ في المجموعة العقدية بحوالة الدين([49]) على أساس أن الطرف الوسيط هنا قد تنازل ضمنيًا بالدين الذي لـه قبل الطرف المضرور إلى الطرف المسئول، وفقًا لفكرة حوالة الدين، وأن الطرف المتضرر يكون بمجرد رجوعه على الطرف المسئول قد يكون قبل ضمنًا هذا التنازل، ومن ثم يكون للطرف المسئول التمسك في مواجهة الطرف المضرور بكافة القيود التي كان يمكن للطرف الوسيط أن يتمسك بها تجاه الطرف المضرور([50]).

         ولكن اعترض على هذا التأسيس بأن فكرة حوالة الدين تقضي براءة ذمة المحيل وهو هنا الطرف الوسيط تجاه المحال إليه وهو هنا الطرف المضرور، وهذا يخالف فكرة المجموعة العقدية والتي تجيز للطرف المضرور الرجوع على الطرف المسئول والمتعاقد معه مباشرة على سبيل التضامم. كما أن حوالة الدين تقضى وجود اتفاق، وفي المجموعة العقدية وخاصة التصرفات المتعاقبة على مال واحد نجد أنها تنشأ- غالبًا- بعد تكوين العلاقة التعاقدية التي كان المسئول طرفًا مباشرًا فيها، مما يستحيل معه القول بوجود إرادة- صريحة أو ضمنية- بشأن التنازل عن الدين.

         كما أن فكرة حوالة الدين تقتضي عدم رجوع الطرف المحيل وهو الطرف الوسيط على الطرف المحال له وهو الطرف المسئول، في حالة تعويضه للطرف المسئول، مع أن أحكام المجموعة العقدية تخوله هذا الحق، حيث قد يقوم الطرف المسئول هنا كما في المثال السابق بالاحتجاج أمام الطرف المتضرر بحقوقه في العقد الذي شارك فيه والتي من آثارها أن يقوم الطرف المسئول برد مبلغ ثمانين ألف جنيه وهو ما دفعه الطرف المضرور للطرف الوسيط، فهنا يحق للطرف الوسيط الرجوع على الطرف المسئول بعشرين ألف جنيه باقي الثمن الذي دفعه له.

         كما أن حوالة الدين لا تكون نافذة في حق الدائن – وهو الطرف المتضرر هنا- إلا إذا أقرها، وهذا يقتضي أن للطرف المضرور الخيار بين أن يكون طرفًا في المجموعة العقدية أو من الغير، وذلك بقبوله الحوالة أو رفضها، وهذا مخالف لمفهوم مبدأ نسبية أثر التصرفات القانونية، والمجموعة العقدية تعد من تطبيقات مبدأ نسبية أثر التصرفات القانونية كما سبق.

         ولذا لا يصح أن تكون حوالة الدين أساس أحقية الطرف المسئول في الخيرة بين التمسك بالعقد الذي ساهم فيه أو العقد الذي ساهم فيه الطرف المضرور حسب مصلحته([51]).

         ويرى بعض الفقه أن أساس تلك الخيرة السابقة هو إقامة التوازن بين الحقوق ومبدأ القوة الملزمة للعقد([52]).

         وفي هذا يقول أستاذنا الدكتور فيصل ذكي عبد الواحد "والتبرير الصحيح- من وجهة نظرنا- للإجابة على التساؤل السابق عرضه يكمن في فكرة التوازن بين حقوق أطراف العلاقات، هو عدم الإضرار بالطرف المتعاقد مع الطرف المتضرر، كما أن مبدأ القوة الملزمة للعلاقة التعاقدية، يتطلب احترام الشخص لبنود التصرف القانوني الذي شارك في تكوينه"([53]).

حكم وجود شرط فاسخ صريح في أحد عقود المجموعة العقدية

         وهنا يثور لنا التساؤل  حول ما الحكم إذا وجد شرط فاسخ صريح في أحد عقود المجموعة العقدية ؟ وهذا يختلف فيما إذا وجد في العلاقة التي شارك فيها المدين أو الدائن

 فإذا وجد شرط فاسخ صريح يقضي بفسخ العقد من تلقاء نفسه دون حاجة إلى حكم أو إعذار في العلاقة التي شارك فيها الطرف المضرور(الدائن)، ولم يوجد هذا الشرط في العلاقة التي شارك فيها الطرف (المسئول) ؛ فإنه في هذه الحالة لا يستطيع الطرف المضرور(الدائن)، الاحتجاج على الطرف المسئول بهذا الشرط على اعتبار أنه لم يوجد في العلاقة التي شارك فيها الطرف المسئول(المدين)، وبالتالي لا يلتزم بأكثر مما التزم به في العقد الذي شارك فيه.(([54]

وبالمثل، إذا وجد شرط فاسخ صريح يقضي بفسخ العقد من تلقاء نفسه دون حاجة إلى حكم أو إعذار في العلاقة التي شارك فيها الطرف المسئول(المدين)، ولم يوجد هذا الشرط في العلاقة التي شارك فيها الطرف المضرور(الدائن)،فإنه لا يحق للطرف المضرور هتا الاحتجاج على الطرف المسئول بهذا الشرط ،وبالتالي يحق للطرف المسئول الاحتجاج بعدم وجود مثل هذا الشرط في العلاقة التي شارك فيها الطرف المتضرر(الدائن).([55])

الفرع الثالث

موقف القانون اليمني من ضوابط دعوى الفسخ

في إطار المجموعة العقدية

         أما موقف القانون اليمني من ضوابط دعوى الفسخ في إطار المجموعة العقدية، فقد جاء في نص المادة 207 مدني يمني: "إذا ترتب على العقد حقوق أو التزامات شخصية وانتقل الشيء بعد ذلك إلى خلف خاص، فإن هذه الحقوق والالتزامات تنتقل إلى هذا الخلف في الوقت الذي ينتقل فيه الشيء إذا كانت من مستلزماته وكان الخلف الخاص يعلم بها وقت انتقال الشيء إليه، وإذا لم يعلم كان له الخيار".

         فيفهم من النص السابق هو أن الخلف الخاص يحل محل سلفه في حقوقه والتزاماته ولذا فإن العلاقة بين المتعاقد الأول والخلف الخاص، لابد أن يحكمها العلاقة بين العلاقة المتعاقد الأول والسلف ويكون الخلف الخاص هنا مقيدًا بمدى التزامات المتعاقد الأول وهو الطرف المسئول هنا([56]).

         أما بالنسبة للتقيد بحقوق الطرف المضرور فإن كل من الطرف المسئول والطرف المضرور - في الزيادة عن حقه- يكون كل منهما مدينًا للطرف الوسيط المتعاقد معهما.

         ولذا فإنه يحكمها مبدأ المساواة بين المدنيين فلا أحقية لأحد على الآخر ولذا يجوز للطرف المسئول الدفع بحقوق الطرف المضرور، ولا يوجد ما يفضل هذا المدين عن الآخـر.

المقارنة بين القانونين المصري واليمني:

         مما سبق نجد  إتفاق كل من القانونين المصري واليمني في أن دعوى الفسخ في إطار المجموعة العقدية يجب أن تتقيد بضابطين الأول ضابط مدى التزامات الطرف المسئول، وللمسئول الخيار أيضًا في الدفع بمدى حقوق الطرف المضرور، وتظهر أهمية الضابطين المذكورين في معرفة نوع الفسخ وكذا في معرفة آثار الفسخ والشيء الذي يلتزم برده.



تعليقات