القائمة الرئيسية

الصفحات

العقود التّبرّعية المكسبة لحق الإنتفاع في التّشريع الجزائري

 


العقود التّبرّعية المكسبة لحق الإنتفاع في التّشريع الجزائري

من إعداد الطّالبتين:                                                                                                                                                                     تحت إشراف الأستاذ المحترم:

قريفي غالية                                                                                                  عيّاشي جمال

قاضي سراب

 

مقدّمة

تعتبرالملكية بصفة عامّة والملكية العقارية بصفة خاصّة من المقوّمات الأساسية الّتي يعتمد و يعوّل عليها في بناء النّظام الإقتصادي باعتبارها من الثّروات الأساسية،بغرض تحقيق التّنمية الّتي يربطها المشرّع حسب التّوجيه السّياسي و الإيديولوجي السّائد من أجل تحقيق النّمو والإستقرار.

و مع تطوّر القواعد التّشريعية الخاصّة بالتّملّك و حيازة الأرض وضعت أحكام خاصّة تضبط تنظيم الأراضي والحقوق المفروضة عليه فبعد أن كانت الملكية يتمتّع بها مالك واحد تجزّأت وأصبحت لها مالكان هما مالك الرّقبة الّذي له حق التّصرّف،وصاحب حق الإنتفاع الّذي له عنصر الإستعمال و الإستغلال دون التّصرّف،بغرض تأدية الوظيفة الإجتماعية له هذه الملكية المتمثّلة في عدم تعطيل النّفع العام هذا من جهة، وحتّى لا تترك الملكية بدون مالك من جهة أخرى.

ولعلّ من أهم الحقوق المتفرّعة عن حق الملكية نجد حق الإنتفاع الّذي يثبت للمنتفع وهو يشمل عنصرين من عناصر الملكية هما عنصر الإستعمال والإستغلال،بينما تبقى الملكية للمالك،وهذا الأخير يكتسب بنفس طرق اكتساب حق الملكية.

والملاحظ أنّ حق الإنتفاع لقي إهتماماً بالغاً من طرف المشرّع الجزائري على غرار حق الملكية ،بحيث تطرّق القانون إلى تنظيم أحكامه في الباب الثّاني تحت عنوان تجزئة حق الملكية،فلهذا الأخير تشريعات خاصّة تطرّقت هي الأخرى اليه نجد من بينها :

    ـالأمر الّذي يتضمّن قانون الأسرة رقم84/11المؤرّخ في09 يوليو 1984المعدّل والمتمّم,

ـالأمرالّذي يتضمذن قانون الأوقاف رقم 91/10 المؤرّخ في 27/04/1991المعدّل والمتمّم,

ولا يقتصر حق الإنتفاع على هذين القانونين بل لهذا الحق مدلول في قوانين أخرى كحق الإنتفاع الّذي يرد على العقّار الصّناعي أو ذلك الممارس على العقّار السّياحي.

هذه التّطبيقات وأخرى إستبعدناها من الدّراسة وتمّ التركيزعلى كل من حق الإنتفاع المترتّب على الأملاك الوقفية،لما له من أهمذية بالغة تنعكس على القطاع الإقتصادي كما أنّه يمثّل ركيزة من ركائز الأملاك الوقفية ،وكذا حق الإنتفاع المكرّس من قبل قانون الأسرة،الّذي ينظّم العلاقة بين الأفراد في الأسرة الواحدة وبين الأفراد الآخرين خاصّة الوصية.

ولاشكّ أنّ المسائل العقارية في بلادنا لما يحيط بها من إشكالات معقّدة لاسيما المتعلّقة بوصايا العقّار والّتي أصبحت منتشرة كثيراًوكذلك بالنّسبة للوقف لما له من مزايا في تحقيق التّكافل الإجتماعي. 

 و هاته الصّور الّتي نحن بصدد دراستها هي عقود تبرّعية ناشئة عن حق الإنتفاع وهذا يتجسّد في أنّ الشّخص حرّفي التّصرّف بأمواله ولمن يشاء،مادام أنّ التّصرّف ينتج آثاره القانونية سواء كان ذلك خلال حياته كالوقف أو كان تصرّفه مضاف إلى مابعد الموت كالوصيّة.

لكن هذه التّجربة في التّصرّف لا تكون بإطلاقها وإنّما هي مقيّدة وفق القوانين المنظّمة لها فلقد جاء في قانون الأسرة أنّه لايمكن أن تتجاوز الوصيّة عن الثّلث إلّا بإجازة الورثة.

و الأهمّية من دراسة الموضوع الّذي ينصبّ على حق الإنتفاع تكمن في معرفة الحكمة الّتي كان يصبو  لها المشرّع من وراء تخصيص هاته الأحكام الّتي كانت متغيّرة ومختلفة من تشريع لآخر.

أمّا الأسباب الجدّية للبحث في الموضوع هي ندرة الدّراسات القانونية وكذا الغموض الّذي يكتنف القوانين الخاصّة،يضاف إليها كثرة الإشكالات القانونية النّاجمة عن تطبيق هاته النّصوص الّتي يصادغها أعوان الإدارة ورجال القانون .

فإذا كان حق الإنتفاع المنصوص عليه في القانون المدني قد نال حظّه من الدّراسات القانونية والفقهية وحتّى النّظرية،بعد أن خصّه المشرّع بقواعد كانت كفيلة بتحديد حقوق والتزامات الأطراف،وكذا طرق اكتسابه وانتقاله وكذا انقضائه من دون سبب أو غموض فإنّ أوجه حق الإنتفاع المكرّسة بموجب التّشريعات الخاصّة موضوع الدّراسة لم تنل نقس القسط من الإهتمام.

وبإعتبار العقود التّبرّعية هي سبب من أسباب كسب حق الإنتفاع والّتي يكون فيه إرادة الشّخص عادة منفردة لإنشاء هذا الحق باعتباره تصرّفاً قانونياً يؤدّي إلى اكتساب الحقوق العينية الأصلية بما فيها حق الإنتفاع الّذي ينشأ ابتداءاً غير أنّ الوقف ينفرد عنها بخاصّية التّأكيد.

ومن أجل ذلك أردنا أن تكون إشكالية الموضوع باعتباره دراسة لحق الإنتفاع الّذي يمكن اكتسابه عن طريق العقود التّبرّعية كما يلي:

ـكيف للوصيّة وللوقف أن يكونا سبباً من أسباب اكتساب حق الإنتفاع في القانون الجزائري؟

وللإجابة على هذه الإشكالية عالجناها في الخطّة المقسّمة كالتّالي:

●الفصل الأوّل: ماهية حق الإنتفاع في القانون الجزائري.

●الفصل الثّاني: تطبيقات العقود التّبرّعية المكسبة لحق الإنتفاع في القانون الجزائري.

ولتّفصيل أكثر في هاته الخطّة اتّبعنا المنهج التّحليلي الّذي حاولنا من خلاله تحليل النّصوص التّشريعية و التّنظيمية ذات الصّلة بالعقّار بصفة عامّة والوصيّة و الوقف بصفة خاصّة.

 

 

       بعــدمــا تطرّقنـــا في الفصــل الأوّل إلى مفهـــوم حق الإنتفــاع الذّي يعدّ محـلاً حسّــاسا في عقــود التّبرع، وفي هــذا الفصل الثّــاني سنتنــاول فيه بعض تطبيقــات العقــود التّبرعية المكسبة لحق الإنتفــاع.

                                                             

المبحث الأول : مفهــوم العقــود التّبرعية المنشأة لحق الإنتفــاع

نــظراً لأهمية العقــود الّتّبرعية وكثــرة انتشــارهــا في الحيــاة العملية باعتبــارها من أهم التّبرعــات بالأموال والمنــافع، ومن أهم التصرفــات المــالية القــانونية المضافة عن طريق التّبرع و المكسِبة للحقــوق العينية الأصلية.

والمقصــود بكلمة "التّبرع" هنــا هو أنّهــا تتم بدون عوض باعتبــارهــا مــال أوجبه سـواء الموصي أو الـواقف.

من خـلال هذا المبحث سنحــاول معرفة كيف تنعقد هذه العقــود الّتّبرعية المكسبة لحق الإنتفــاع.

 

المطلب الأول : مفهــــوم الــوصية

 لابدّ لإنعقــاد الوصية وجــود أركــان لقيــامها،سنفصل في كلّ ركن على حدى و قبل التّطرق لهذه الأركــان لابدّ أن نعرّف الوصية أوّلا:

الفــرع الأول: تعــــريف وأركــان الــوصية

     من خــلال هذا الفـرع نحـــاول أن نتطرّق إلى تعريف الوصيّة في كلّ من القــانون المدني و قــانون الأسرة وصــولاً إلى تبيين الأركــان التي تقــوم بهــا الوصيّة.

الفقــرة الأولى: تعريف الــوصية

أ – تعريف الوصية في القــانون المــدني:

لقــد جــاء في نص المــادة 844 من القــانون المدني الجــزائري:«يكسب حق الإنتفــاع بالتّعــاقد وبالشّفعة وبالتّقــادم أو بمقتضى القـــانون».

من خــلال نص المــادّة نلاحظ أنّ كلمة "بمقتضى القــانون "يقصد بهــا عمل قــانوني والمتجسّد في الــوصية فيمكن أن يكتسب حق الانتفــاع ابتــداءاً بطريق الــوصية، فيجــوز للمــالك أن يوصي  بهذا الحق،فينشأ ابتــداءًا على إثــر وفــاة المــالك[1].

لكن بالرّجــوع إلى نص المــادة 844 من القـانون المدني ســابقة الذّكر لم يعرّف الوصية وإنّما اعتبـــرهــا سبباً من بين أسباب إكتســاب حق الإنتفـاع.

كذلك نص المـادة 775 من نفس القــانون أحــالتنــا إلى قــانون الأسرة الجــزائري والنّصوص المتّعلقة به وهي بــدورهــا لم تعرف الوصية.

 

 

أمـّـا نص المــادة 7771 من القــانون المدني الجزائري كذلك لم تعــرّف الوصية بل اعتبرت كل تصرف وصية، وتجري عليهـا أحكــامها إذا تصرّف شخص لأحد ورثته و استثنى لنفسه بطريقة ما حيــازة الشّيء المتصرف فيه والإنتفــاع به مــدّة حيــاته مــا لم يكن هنــاك دليل يخــالف ذلك.

واضح من خـلال نص المادة 777 من القـانون المدني ، كيّف التّصرف للـوارث مع الإحتفـاظ بالحيـازة والإنتفـاع حال حيـاة المتّصرف على أنّ وصيته ما لم يقم الدّليل على عكس ذلك، و على من يدّعي عكس ذلك إقــامة الدّليل بكــافة طرق الإثبات بما في ذلك البيّنة2.

والقصد من تقــرير هذه الأحكـام حمــاية الــوارث من التّصرفــات الصّورية التي قــد تضرّ بــالورثة بشكل أو بآخر،أو مــا يعبّر عنه بحمــاية الـتّوارث من الوصية المستترة، فأعطــاه حق الطعن في هذا التّصرف بـإقــامة الدّليل العكسي، لأن ّالقــانون اعتبر القرينة بسيطة قــابلة لإثبات العكس3.

من خـلال مـا جـاء في مــواد القـــانون المدني ســالفة الــــذّكر نلاحظ أنّ المقنن الجــزائري لم يعطي تعـريفا للوصية و إنما قــرّر لهــا أحكــاماً كمــا هو مبيّن في نص المــادة 775، 777 منه.

ب- تعــريف الــوصية في قــانون الأســرة:

لقــد نصّ المقنّن على الــوصية في قــانون الأســرة الجــزائري رقم 84/11 مــؤرخ في 09 يــونيو 1984 المعدّل والمتمّم بالأمر رقم 05-02 المؤرخ في 27 فيفري 2005.

لقــد جــاء تعريف الــوصية في نص المــادة 184 من قــانون الأسـرة بنصّهـا: «الـوصية تمليك مضــاف إلى مــا بعد المــوت بطريق التبرّع».

·     معنى مصطلح " تمليك" الـوارد في نص المـادة هو الوصية بالأعيــان من منقـول أو عقـار، وكــذا الوصية بالمنـافع من سكنى، دار أو زراعة أرض وجميع أنــواع الــوصــايــا.

·     معنى مصطلح "مضـاف إلى مـا بعد الموت " أنّ أثـر التّصرف الـذي تم حال الحياة لا يرتّب أثر إلاّ بعد المـوت .

 

 

·     المقصود بكلمة "التّبرع"هو أنّ الوصية تتم بدون عوض باعتبـارها مال أوجبه الموصي في ماله تطوعاً بعد موته1.

 جـاء نص المــادة 184 من قـانون الأسرة الجـزائري بتعــريف شـامل وجــامع لجميع أنواع الـوصــايا ســواء كـانت واجبة أو مندوبــة، ســواء كــانت بالمــال أو بغيره، فإنّ دلالة "تمليك" تشمل ذلك كله2.

الفقــرة الثــانية: أركـان الــوصية

ركن الشّيء مـا يقوم به، آو كما يقول الأصــوليون هو مـا كـان داخلا في مـاهية الشّيء.

والــوصية لا تــوجد ولا تتحقّق إلاّ بـوجود أمــور أربعـة: الصّيغة، المـوصي، المـوصى له، المـوصى به.

أولا: الصيغــة

وتعتبر الصّيغة الشّيء المعبّر عن إرادة المتصرّف، و تصدر على أشكال مختلفة حسب طبيعة العقــود و التّصرفــات ومــا قـرّره لهــا المشَّرع من أحـكـام3.

لكن اختلف الفقهــاء في ركن الصّيغة  من حيث تـوافق الإرادتين أي الإيجاب والقبول وهنــاك ثلاث آراء:

ü    الأحنــاف: ركن الصّيغة عنـدهم هو الإيجاب فقط، فإذا مــات الموصي مصرّا على وصيته انتقلت ملكية الموصى به إلى الموصى له دون حاجة إلى القبول4 ويـؤّيّد هذا الرأي رأي آخر الذي يعتبر الوصية تصرف قانوني يتم بالإرادة المنفردة للموصي ويكفي لذلك صدور الإيجاب منه وتتّجه إرادته لإنشاء وتحمل تركته بالتزام للموصي له5.

ü    الشــافعية: فإنهم يــرون أنّ المــوصى له، له حق الرّد، لأنّه لا يمكن أن يدخل في ملك الإنسان شيء جبراً عنه إلاّ الميراث،إذ القبــول هو شرط لــزوم لصحة الــوصية.

ü    المــالكية: إذ أنَّ الوصية عند المــالكية هي عقد لا يتم إلاَّ بإيجــاب الموصي وقبــول الموصى له، والقبــول شرط لصحة الوصية، لأنّها تشبه الهبة على أن يكــون هذا القبــول بعد وفــاة المـوصي1

و قد نصَّت المــادة 197 من قـانون الأسرة على أنَّه يكون قبول الوصية صـراحةً أو ضمني بعد وفــاة الموصي.

ومن خلال هذه المــادة يمكن القــول أنَّ القبول الصّريح يكون باللّفظ وبالكتــابة والإشارة، المتـداولة عـرفاً في حــالة الصّمم، والقبول الضّمني يكون بقبض الوصية أو السّكوت عن التّعبير بالقبول أو الرّد.

ثــانيــاً: المــوصي

و من بين الأركــان في الوصية الموصي ،وهو الشّخص الذّي يوصي بــأمواله عينــًا أو منفعة كانت، و حتى يقوم بهذا التّصرف لابّد له أن تتوفر فيه أهلية التّبرع وذلك بأن يكـون بــالغاً، عــاقلاً ،حــراً،إذ أنَّ الوصية تصنّف من التّصرفــات الضّــارة بالمــركز المــالي للشّخص، أي الــــذّمة المــالية له، وهي إخــراج نصيب من المــال بلا عوض لفــائدة الغير، من المنطقي أن يكون الشّخص أهلا للتّصرف.

لقد نصَّت المــادة 186 من قـانون الأسرة على مــا يلي:«يشترط في الموصي أن يكون سليم العقل، بــالغاً من العمر 19 سنة عل الأقل».

1-   سـلامة العقل: يجب على المـوصي أن يكون عـاقلاً مميِّزاً،فإذا انعدم العقل والتّمييز فلا وصيّة ، وعلى هذا لا تصح وصية المجنون، ومن في حكمه من المعــاينة2. فمثلاً وصية المجنون و كذا المعتــوه بــاطلة بطلاناً مطلقــاً، لعدم إدراكه وتمييزه لمنــافع وأضرار التّصرفــات القــانونية.

  أما إنشــاء الوصية حال الإفاقة من الجنـون ) أو الجنون الطـارئ( لا يبطل الوصية، أمــا المحجـوز عليه لسفهٍ فإن وصــايــاه جــائزة ٌ وصحيحة على أن لا تنفّذ إلا ّبعد مــوته وأنّهــا قــاصرة على الثلث ( ) الذي لا يخشى من تبذيره3.

2-                        البــلوغ: البــلوغ هو منــاط التّكليف في الأحكـام الشّرعية، فلا تصح الوصية من صبي غير ممّيز لأن الوصية تبرّع مــالي، فلا يتمّ إلاّ بوجــود الإرادة والتّمييز4،ولهــذا اشترط المشرع الجــزائري في المادة 186 من قــانون الأسرة  أن يكون الموصي بــالغاً من العمر 19 ســنة على الأقل، وهذا معنـاه ضـرورة التّمتع بسن الرشد القــانوني الــوارد في المادة 40 من القـانون المدني.

3-                        إرادة الاختيــار: بمـا أنَّ الوصية تصرّف قــانوني في التّركة مضاف إلى مـا بعد الموت، فلابدّ أن يتوفّر فيهــا عنصر الرّضـا الإختيــاري الحقيقي كســائر العقــود العـادية وخـاصّة في الهبـات والتّبرعـات وإلاّ كانت غير صحيحة، ولهذا فمن المتّفق عليه في الفقه والقضـاء والقــانون الوضعي بأنّ وصية المكره والسّكـران بــاطلة لعدم تــوفّر شرط الرّضا الإختيـاري طــالما أن الإرادة قد شـابها عيب من عيوب الرِّضا، وهذا ما نصت المـادة 79 من القـانون المدني الجزائري1.

ثــالثاً:المـوصى له

الوصية في أصل تشريعها مبنية على التّسامح والتّيسير، ويجب حتّى تصحّ الوصية، أن تتوافـر في الموصي له شروط معيّنة هي:

1-   وجودية الموصي له:

من شروط صحّة الوصية أن يكون الموصي له موجودا أثناء إنشاء الوصية سواءً كان وجوده حقيقة أو تقديراً كالحمل  في بطن أمِّه2 كمـا تصحّ الوصية للحمل المستكن شرط تمـام ولادته حيّاً، هذا ما نصّت  عليه المــادة 187 من قـانون الأسـرة،فالمهم هو وجود جميع الموصى لهم أحيــاء وقت الوصية، وعلى ذلك لا يجــوز الإيصـاء بحق الّإنتفــاع لشخص معين ولورثته من بعده إذا لم يكن هــؤلاء الورثة على قيد الحيــاة وقت الوصية3.

أمـا نص المـادة 844 من القــانون المدني تنص: «يجــوز أن يـوصي بحق الإنتفــاع لأشخــاص متعــاقدين إذا كانوا مــوجــودين على قيد الحيــاة وقت الوصية، كمـا يجوز أن يــوصى به للحمل المستكن».مــا يمكن ملاحظته على هذه المــادة أنهــا تضمّنت خطــأ مطبعيـاً حــال دون الفهم السّليم والصحيح للنص، إذ من المفروض أن يوصي بحق الإنتفـاع لأشخـاص موجودين على قيد الحيــاة وهنا اشترط حيــاة الموصى لهم، وقت الوصية4.

 

ويكون تعيين الموصى لهم بالإسم والإشـارة أو نحوهما، فإذا تعذّرذلك اشترط وجــوده وقت موت الموصي لأنّه وقت ثبوت الوصية1.

ويــلاحظ الفقهــاء في حالة تعدّد الحمل، إن ولد أحــدهما حيـاً والآخر ميتـاً، كانت الوصية للحي دون الميت، وإن مــات أحدهمــا أو كلاهمــا بعد الــولادة حيــّاً، كان نصيبه لورثته إذا كانت الوصية بالأعيان، أما إذا كانت الوصية بالمنفعة عادت إلى ورثة الموصي، لأن الوصية بالمنــافع تنتهي بموته مــا لم يكن هنــاك شــرط آخــر يعمل به2،كمــا أكّدت المــادة 187 من قــانون الأســرة على صحة الوصية للحمل المستكن واشترطت ولادته حيــاً فقط بدون توضيح مــا إذا كــان مــوجود أثنــاء الوصية أم لا3.

2-   المـوصى له أهل للتّملك:

اتّفق الفقهــاء أنّه يشترط لصحّة الــوصية أن يكون الموصى له من أهل الإستحقــاق، بمعنى كونه أهلاً للتّملك، وبالتّالي فلا تصح ّالوصية لما ليس أهلاً للتملك، فمن أوصى لحيــوان مثلاً، بطلت وصيّته على أسـاس أن الموصى له غير قــابل للتّملك والإستحقاق4.

إنّ المشرّع الجــزائري لم يتعرّض لهــذا الشّرط ســواء بالإثبــات أو النّفي، وإن كـان مــا نُص عليه من اشتراط وجود الموصى له المعيّن عند الوصية حسب مــا جــاء في نص المـادة 187 من القـانون المدني الجزائري، كما أنّ الوصية للميّت باطلة حسب نص المـادة 201 من قـانون الأسرة الجزائري.

3-   الوصية لجهة معصية: 

ألاّ يكون الموصى له جهة معصية إذا كان الموصي مسلماً،فإذا كان الموصي له جهة معصية بطلت الوصية باتفــاق الفقهــاء، كالوصية لأندية القمــار أو المـراقص أو جمعيــات الأشــرار ودور الفسق، ذلك أنّ الوصية شــرّعها الله للإصلاح والخير حتى يتـدارك بواسطتها الإنسان مـا فاته من واجبات في حياته اتجاه الأقارب والفقراء والمساكين، لا من أجل الفســاد والمنكر و الخروج عن المعقــول، لأنّ هذه الوصايا هي منافية لمقـاصد الشّريعة5.

4-   الوصية لوارث:

      من أهم شـروط نفـاذ الوصية أن لا يكون الموصى له وارث للموصي مصـداقاً لقوله عليه السـلام عـام الفتح:«أن الله أعطى لكل ذي حقّ حقّه فلا وصية لـوارثٍ » رواه الترمــذي.

وروى ابن عبــاس قوله: قــال رسول الله صلى الله عليه وســلم: «لا وصية لوارث إلاَّ أن يشاء الورثة».

     كان الرأي الـراجح عند مذهب الحنفية، أنّ الوصيّة كــانت قـاصرة على غير الورثة، فإن كانت لوارث، فإنها لا تنفّذ في حق باقي الورثة إلا إذا أجــازوها، وإن أجــازها البعض دون البعض الآخر نفذت في حق من أجـازها فقط1.

   والعبرة في كون أنّ المــوصي له من الورثة أو من غير الورثة هو تـاريخ وفاة الموصي لا تاريخ إنشاء الوصية، كمـا أنّ الإجازة لا تعتبر إلاَّ بعد وفــاة المـوصي كذلك لأنّ الوصية تمليك مضاف إلى ما بعد الموت، ويشترط كذلك في صحّة الإجــازة أن تقع في ملكهم أي فيما يملكون2.

لقد نصَّ المشرع الجزائري في المادّة 189 من قـانون الأسرة:«لا وصية لوارث إلاّ إذا أجازها الورثة بعد وفاة الموصي».

     كما أنّ المـادة 185 من قـانون الأسرة الجـزائري تؤكّد على حريّة الموصي في التّصرف في أمواله في حدود التّركة دون إجــازة الورثة، وما زاد على الثّلث يتوقف على إجازة الورثة، هذه الوصية تتوقف على إجازة الورثة بعد وفاة الموصي لأنّه من يستحق الميراث لا حقّ له في الوصية، وهذه الأخيرة تقررت لغير وارث، علمــاً انّ جواز الوصية للوارث ليس بحكم مطلق إنما مصيرها بيد الورثة3.

5-   الموصى له قـاتل للموصي: 

لقد نصَّت المــادة 188 من قــانون الأسـرة على انَّهُ: «لا يستحق الوصية من قتل الموصي عمداً».

    فالعبرة هنا بالحرمـان من الإيصاء بالقتل عمداً، وبالنّتيجة يستبعد القتل الخطأ والشّخص الذي يكون في حالة دفاع شرعي4.

       ولقـد أخذ المشرع الجـزائري في هذا الشأن مبادئ الفقه المــالكي، فاشترط قتل الموصى له للموصي عمداً مما يترتب عليه وجوب القصاص أو الكفـارة5.

رابعــاً: الموصى به

    إضــافة للشّروط المذكــورة والمتعلقة بشخص الموصي والموصى له،فإن هنــاك جملة من الشروط التي ينبغي تـوافرهــا في الموصى به  نصَّ عليها المشرع الجــزائري في المــادة 190 من قـانون الأسـرة على النحو التالي: «للموصي أن يــوصي بالأموال التي يملكهــا والتي تدخل في ملكه قبل موته عينــاً أو منفعة».

واضح من خلال هذا النص أن ّموضوع الوصية على مـا يدخل في ملك الموصي من أمـوال وحقــوق قـابلة للتّـداول و الإنتقال بالطرّق القــانونية،مع استيفــاء الإجراءات اللّازمة النـاقلة للملكية سـواءً كانت أمـوالاً منقـولة أو عقـارات أو حقـوق أدبية ، كالملكية الفكرية القــابلة للمنفعة وكل الإيجارات وغيرها من الحقـوق التي هي خالصة الموصي1.

كمـا أنّه يندرج في ذلك كـافة أمـوال الإنسان بأنـواعهــا المختلفة والتي يحـوزها حقيقة أو حكماً وكذا الحقوق المالية و الملحقة بالمــال، كذلك أن يكون المــال متقــومـاً والقصد من ذلك أن يكون مما يبـاح الإنتفــاع به، فالخمر والخنــزير والمخدرات أموال غير متقومــة في مفهوم الشّرع الإســلامي ، وبالتّالي فهي لا تصلح لأن تكون موضوعــاً للوصية شــرعاً بين المسلمين، كما أنّه لابدّ من أن يكون محل الوصية قابلً للتمليك ممَّا يجوز تملكه بعقد من عقــود الملكية لأن الوصية تمليك، وما لا يقبل  التمليك لا تنعقد به الوصية2.

وتعتبر هذه الشّروط المتطرّق إليهــا بمثــابة شروط لإنعقـــاد الوصية و تكون بذلك صحيحة.

أمـّـا فيما يخص شــروط نفـــاذ الوصية أن لا يكون الموصى به مستغرقاً بالدّين، أي أن لا يكون الموصي مديــن بدين مستغرق لجميع مــاله، ذلك أنّ الدّيــون الثّابتة في ذمّة المـوصي مقدّمة في التعلق بمال الميت على كلّ حق بعد مصــاريف التّجهيــز والدّفن بالقدر المشروع3 وهذا مــا نصّت عليه المــادة 180 من قانون الأســرة الجــزائري.

   وقد تصحّ الوصية بمــال مستغرق بالدَّين في حــالتين:

- إذا أبــرأه الغــرمــاء وأسقطوا ديونهم.

- إذا أجـاز الغـرماء، نفـاذ الوصية قبل الدّين جازت الوصية أيضاً.

كذلك ألاَّ يزيد الموصى به عن الثّلث وفقا للحدود الشّرعية و القــانونية للوصية ألا وهي عدم تجــاوزها الثّلث، حسب نص المـادة 185 من قانون الأســرة الجـزائري، فإذا أوصى الشخص أكثر من ذلك دون إجــازة من الــورثة كانت وصيته بــاطلة، أمـّـا في حــالة عدم وجــود الــورثة وتجــاوزت الوصية الثلث هنا نأخذ بحسب مــا جاء في نص المــادة 180 الفقرة الأخيرة والتي تؤول بطبيعة الحــال إلى خزينة الــدولة1.

كل مــا يمكن استخلاصه ممَّا سبق أنّ المشرّع الجــزائري أحــاط الوصايا بسيــاج مبني من الإجراءات لمراقبة شرعية تصفية التـّـركة،وعدم تجـاوزهــا الحــدود الشّرعية واحتـرام الحقــوق القــانونية.

الفرع الثــاني : إجــراءات نقل ملكية العقــار بالوصية.

هنــاك جملة من الإجـراءات القـانونية لابُّد من إتباعها، كي يستطيع المـوصي له الحصول على الشّيء الموصى به وتملّكه تملكــاً قــانونياً،أي بالحصول على سند الملكية و هو مــا سنحــاول تبيينه من خلال هذا الفرع.

 ويمكن أن نستدل على ذلك بنص المــادة 792 من القــانون المدني التي تنصُ: «تنقل الملكية وغيرها من الحقوق العينية في العقـار بالعقد متى كان الشّيء مملــوكاً للمتصرّف طبقاً لنص المــادة 165 وذلك مع مراعاة النّصوص التـّـالية».

ونصَّت المــادة من نفس القــانون على: «الإلتزامات بنقل الملكية، أو أي حق ّعيني آخر من شأنه أن ينقل بحكم القــانون الملكية أو الحق العيني، إذا كــان محل الإلتــزام شيئــاً معيّنــاً بالذّات يملكه الملتزم، وذلك مع مــراعاة الأحكــام المتعلّقة بالإشهــار العقــاري».

كذلك نجد نص المـادة 793 من نفس القــانون تنص على: «لا تنقل الملكية والحقــوق العينية الأخرى في العقــار ســواء كان ذلك بين المتعــاقدين أم في حق الغير إلاَّ إذا روعيت الإجراءات التي ينص عليها القــانون و بالأخص القــوانين التي تدير مصلحة شهر العقــار».

من خـلال  ما جاء في المـواد السـّـابقة نــلاحظ أن المشرع الجـزائري الجــزائري قد أرسى قــاعدة عــامّة مفــادها عدم انتقــال ملكية العقــار وحتّى الحقــوق العينية إلاَّ بعد استيفــاء جميع الإجراءات القــانونية والرَّسمية وخــاصّة إجــراءات التّسجيل والشّهر العقــاري.

 وبمــا أنّنا بصدد تبيين كيفية انتقال العقــار الموصى به إلى الموصى له لابدّ من التّطرق أولاً إلى إثبات الوصية كمرحلة أولى قبل الولــوج إلى إجــراءات التّسجيل والشّهر العقــاري.

الفقــرة الأولــى: إثبـــات الــوصية.

قبل الحديث عن كيفية إثبات الوصية في القــانون لابد من الإشارة إلى أن الوصية تصرف رضــائي، لم يطلب القــانون به شكل خــاص، والتالي تصح الوصية بأي كتــابة فلا يلزم أن تحررَّ في ورقة رسمية، بل يجــوز أن تحرَّرَ في ورقة عرفية مكتوبة جميعها بخط الموصي وموقع عليها بإمضائه، أمــا إذا انتفى مع هذا الشكل، ولم يذكر الــورثة الوصية، فإنهــا تكون نــافذة في حقّهم ويجوز بالتّــالي تنفيذهـــا1.

لكن يثــور هنــاك إشكال ألا وهو كيفية إثبــات الوصية في حــالة إنكــار الورثة لهــا وهنــا تلجأ إلى نص المــادة 191 من قــانون الأسـرة الجــزائري التي تنصّ على :

«تثبت الوصية:

1- بتصريح المـوصي أمــام الموثّق وتحرير عقد بذلك.

2- و في حــالة وجــود مــانع قــاهر تثبت الوصية بحكم، ويؤشر به على هــامش أصل الملكية».

نلاحظ من خلال نص المــادة الســالفة الذّكر أنّ الأصل في الوصية تثبت بموجب عقد تصريحي يحرّر من قبل الموثّق، المكلّف بإفــراغ الوصية في قــالب رسمي2، تــراعى فيه جميع الإجراءات والتّرتيبات الواجب توافرها في العقــود بصفة عــامة،فيتم تحرير العقـد بحضـور شــاهدي عدل وبحضور الموصي، ويــراعى عند تحرير العقد الإشــارة بدقّة إلى صفة الموصي والموصى له والموصي به وإزالة اللّبس عن كل مــا يمكن أن يِؤدّي إلى اشتبــاه الوصية واختلاطها بما يماثلها من العقــود3.

أمـّـا في حــالة عدم تمكّن الموصي من إتمام عملية تحرير الوصيّة بحيث منعه من ذلك مــانع قــاهر، كأن يلتمس من الموثق مثلاً بأن يحرّر له العقد، ولمــا كان الموصي في طريقه إلى مكتب التّوثيق لموعد إمضــاء العقد صدمته سيـّـارة فمــات، فهنــا بإمكان الموصى له الاستعــانة بمشروع العقد الموجود بمكتب التّوثيق وبالشّهود وبإثبات المانع القـاهر، فيرفع دعوى أمام الجهــات القضــائية يلتمس فيها إثبــات هذه الوصية بحكم، وبعد صدور هذا الحكم نهــائياً يؤشر به على هـامش أصل الملكية4.

الفقــرة الثــانية: التّسجيل يعدُّ التّسجيل المرحلة الأولى من مـراحل نقل الملكية بعد ثبــوت الوصية عن طريق محرِّر رسمي، حيث نظمه قــانون التّسجيل الجـزائري 76/1055.                                                                       وطبقاً لأحكـام المـادة 171 منه فإنّ الورثة والموصي لهم يلتزمون بتقديم تصريح مفصّل عن التّركة التي بقيت بعد موت المــالك، بعدهــا تحرّر الشّهـــادة التّوثيقية وهي وثيقة رسمية أخـرى، وذلك لحصر كل ممتلكــات المورّث (التّركة) على الشّيـوع و تحدّد فيها أنصبة الورثة بمــا فيهم الموصى لهم، ولتّحرير هذه الوثيقة تقدّم كلّ الإثبــاتات الضّرورية لهذه الممتلكـات كأصل الملكية للعقـّـارات ووثــائق السّيــارات1.                                          

كمــا أنه يستوفي مفتش التّسجيل الحقوق بنـاءاً على تصريحات الورثة أو الموصي لهم أو بنــاءاً على المحرّرات الرّسمية الصــادرة عن الموثق لأنّهــا تخضع للتّسجيل والشّهر العقـاري، وجميعها تكون خـاضعة للرّسم ولو كــانت عن طريق الوفاة، ونلاحظ أنّنــا قلنــا أن ملكية العقار الموصى به أو الحق العيني الأصلي العقــاري بصفة عـامّة، لا تثبت للموصي له إلاَّ من وقت التّسجيل،فإنَّه و مع ذلك لتمليك الموصي له ثمار العقار من وقت وفـاة الموصي، والوصية غير المسجّلة لا تنقل الملكية بالنّسبة للغير كذلك2.

كمـا أنّ عملية التّسجيل هي إجـراء هـام يهدف من خلاله أصحاب التّصرفات إلى إعطاء تاريخ ثابت لتصرّفاتهم بغض النّظر على طبيعتها (عقــارات أو منقـولات)3.

كمــا تجدر الإشارة إلى أن ّكل الأموال الموجـودة في الجـزائر والتي تنتقل بالوصيّة تخضع لرسوم نقل الملكية بغضّ النّظر عن جنسية الشّخص المتوفّى ِأو الورثة الموصى لهم، بعكس الأموال الموجــودة في الخـارج والتي لا تخضع لرسم نقل الملكية و لو كانت ملكـاً لجــزائري مقيم في الجـزائر4.

الفقــرة الثــالثة: شهــر الوصية

يعدّ الشّهر العقــاري، آخــر إجــراء لكي تكتسب عن طريقه الملكية أو الحقوق العينية الأصلية الأخرى بصورة نهــائية في العقــارات على وجه التّحديد5،من خلال المحـافظة العقــارية وذلك عن طريق المحافظ العقــاري، مع خضوع العمليّة لرسوم الشّهر العقــاري،هــذا مـا يؤكّده نص المـادة 15 من الأمر رقم 75/746 المتضّمن إعداد مسح الأراضي وتأسيس السّجل العقــاري والتي تنصّ: «كل حقّ للملكية وكلّ حق عيني آخر يتــعلق بعقــار لا وجـود له بالنّسبة للغير إلاّ من تـاريخ يوم إشهارهما في مجموعة البطـاقات العقـارية ،غير أنّ نقل الملكية عن طريق الوفاة يسري مفعــوله من يوم وفـاة أصحــاب الحقوق العينية». يضــاف على ذلك نص المـادة 16 من نفس الأمر التي تقضي: «إنّ العقود الإرادية والإتفــاقات التي ترمي لإنشاء آو نقل أو تصريح أو تعديل أو انقضاء، حق عيني لا يكون لهـا أثر حتّى بين الأطراف إلاّ من تــاريخ نشرهما في مجمـوعة البطــاقات العقــارية».

فهذا يعني أنّ القـانون يشترط لإنتقال الملك  الموصى به – إذا كان عقــاراً- الشّهر و إذا كان الأصل أنّه تثبت الملكية للموصى له من وقت وفــاة الموصي إلاَّ أنَّه يجب مراعاة مــا يتطلّبه قــانون الشّهر العقـاري من ضرورة شهر الوصية حتّى تنقل الملكية بالنّسبة للعقــار ، والغـالب في الحيـاة العملية أن يتم شهر الوصية بعد وفــاة الموصي ويكون ذلك إمّا بشهر المحرّر المثبت لها أو الحكم الصادر بصحّتها1.

في الأخير يمكن القول أن كل من عمليتي التّسجيل والشّهر العقــاري أمـران جوهريــان لا يمكن الإستغنـاء عنهما لأيّ سبب من الأسباب وإلاَّ لما انتقلت التّصرفات ولما كانت لها حُجِّية سـواء بين الأطراف أو اتجاه الغير، فالأولى تهدف إلى إعطــاء تــاريخ ثابت للتّصرف القــانوني ألا وهو الوصية، لكن هنــاك مــلاحظة لابدّ من التّطرق لها فيما يخصّ شهر الوصية في التشريع الجزائري من خلال قــانون الشّهر العقــاري.

 بالرّجـوع إلى نص المـادة 16 من الأمر 75/74 سالفة الذكر، نــلاحظ أنّه قصر عملية الشّهر في مجموعة البطاقات العقارية على العقود والاتفاقات التي ترتّب حقّا عينيا أيـاً كان دون الوصية باعتبارها تصرفا انفرادياً في التّركة يضاف إلى ما بعد الموت.

  لو كان النّص على النّحو التـّـالي: «التّصرفات الإرادية أو الاتفاقات التي ترمي على إنشــاء...» لكان من الممكن إدراج الوصية باعتبــارها تصرّف من جانب واحد في مفهوم النَّص، لأنّ التّصرف اشمل في مدلولها،فهي تتنــاول إلى جــانب العقــود والاتفاقات الأعمــال القــانونية التي تصدر من جانب واحد فتقع في حكم النّص.

وخــلاصة القول أنّ حق الملكية والحقوق العينية الأخرى الـواردة على عقـّار، التي تكتسب عن طريق الوصيّة لا يجب شهرهــا في القــانون الجزائري وذلك لإنعدام النّص الخــاص ولعدم إمكان استخلاص

مـا يخالف ذلك ســواء في أحكــام القــانون المدني أو أحكام الشّهر العقــاري والمراسيم التّنظيمية المتَّخذة لتطبيقه2..



ولكن من الضّروري أن يتدخّل المشرّع بنص خـاص يوجب فيه شهر الوصية، مــادام أنّ المصلحة وأصول التّعـامل تتطلّبــان ذلك، وذلك لمصلحة الموصى له وتحقيق استقــرار التّعـاملات.

المطلب الثاني:مفهــوم الوقف

    سوف نتحدث في هذا المطلب عن مفهــوم عقد الوقف الذي يعتبر إحدى أسبــاب كسب حق الإنتفــاع وباعتبــاره السّبب المبـاشر في وجــود هذا الحق المترتّب عليه الذي ينشــأ بنشوئه ويزول بــزواله،سنبــدأ بتعريف أركــان الوقف وصــولا إلى إجــراءات انتقــال ملكية العقــّار بالوقف.

الفــرع الأول: تعريف وأركــان الــوقف

يترتّب عن نشــوء الوقف ترتيب حق انتفــاع بالعين الموقــوفة لفــائدة المستحق أو المستحقّين وهو بذلك حق عيني وليس بحق شخصي، علمــاً أنّ الوقف ينشأ بمعزل عن أيّ اتفــاق بين الواقف والموقــوف عليه باعتبــار أنّ الوقف عمل قــانوني صــادر بإرادة منفردة وينتج مفــاعيله القـــانونية بمجرد صدوره واستيفــائه ســائر أركــانه.

 الفقـــرة الأولى: تعريف الــوقف

1- في قــانون الأســرة: لقد نصَّت المــادة 213 على التــّالي:«الوقف حبس المــال عن التّملك لأيّ شخص على وجه التأبيد والتّصدّق».

  من خلال نص المــادّة نــلاحظ أنّ المشرّع الجـزائري في قـانون الأســرة أنّه تمّ تعريف الوقف على أنّه حبس المــال سـواء كــان عقـّـاراً أو منقــول لأحد من العبــاد على وجه من التأبيد أي أن يكون الوقف وفق قـانون الأسـرة مؤبد غير محدّد المدّة ، والخـاصّية الثــّانية هي التّصدق أي من خلال الوقف يجني الــواقف الثّواب والأجــر أي القصد به وجــوه البر والخير وهنــا نلاحظ أن المشرع الجزائري لم يتطرق للمنفعة عكس قانون الأوقاف.

2- في قــانون الأوقــاف 91/101:

لقــد عرفته المـادة 03 من هذا القــانون:«الوقف هو حبس العين عن التّملك على وجه التأبيد والتّصدق بالمنفعة على الفقـراء أو على وجه من أوجه البِّر والخيْر».

 من خــلال هذه المـادّة من الأوقــاف العــامّة أضــاف شيء ألا وهو التّصدق بالمنفعة ســواء على الفقـراء أو على وجه من وجـوه الخير.

3- في قــانون 90/251:

لقـد جاء تعريف الأملاك الوقفية في نص المـادّة 31 من هذا القـانون أي قــانون التّوجيه العقــاري المعدَّل والمتمم فيها على أنّ : « الأملاك العقـارية التي حبسها مــالكها بمحض إرادته ليجعل التّمتع بها دائماً تنتفع به جمعية خيرية أو ذات منفعة عــامّة، ســواء كان هذا التّمتع فوراً أو عند وفاة الموصين الوسطاء الذين يعيّنهم المالك المذكور».

نــلاحظ من خلال هذه النّصوص المذكـورة أنّها تنصب ضمن المعنى الشّرعي للوقف، وهو حبس العين عن تمليكها لأحد من العبــاد والتّصدق بالمنفعة على الفقـراء و لو في الجملة أو على وجه من وجــوه البِّر2، كمــا أنّ الوقف هو عمل قـانوني صـادر من الواقف بإرادته المنفردة وينتج آثــاره القـانونية بمجرد صدوره واستيفائه سـائر أركــانه3.

الفقــرة الثـــــانية: أركــان الوقـف

لابدّ لكلّ عقد من أركــان لكي ينشأ وبالتّالي يثبت آثــاره وعقد الوقف له أربعة أركــان لا تختلف باختلاف أنواع الوقف ســواء كــان عـاماً أو  وقفـــــاً خـاصاً.

 إنّ مدلــول الرّكن عند الفقهــاء هـو مـا يتوقّف عليه الشّيء ولا شَّك أن ّهذه الأركــان الأربعة يتوقّف عليها بوجود الوقف [5]4 وهو الموقف نفسه عـند المشرع الجـزائري.

أولاً: الـــواقف الــواقف هو الشّخص الذي أنشأ بإرادته المنفردة للوقف وجعل ملكيته من بعده غير مملوكة لأحد من العبــاد قــاصداً إنشــاء حقــوق عينية عليها لفــائدة المستحقين خـاضعاً في تنظيمه لأحكــام الشّريعة الإســلامية5 .

ولقـد نصَّت المـادة 09 الفقـرة الأولى من قــانون 91/10 على أنّ الــواقف هو أوّل ركن لإنشـاء الوقف، كمــا يشترط في الواقف بالإضــافة إلى تملّكه للمــال محل الوقف أن يكون أهــلاً للتّبرع على اعتبـار أنّ الوقف هو إخــراج للملك بدون عوض ولا تتحقّق أهلية التّبرع في الـواقف إلا بتوفّر مــا يلي:

1- بــلوغ الــواقف 19 سنة على الأقل وإلاّ كــان تصرّفه بــاطلاً وعلى هذا الأســاس لا يصح ّوقف الصَّبي ســواءً كــان مميزاً أو غير مميّز، لأنّ غير الممَّيز ليس أهلا للتّصرف مطــلقاً1، والمميِّز ليس أهلا للتّصرف بموجب المـادة 42 الفقرة الثانية من القــانون المدني.

  وبالتــّالي يكون وقف الصَّبي بـاطلاً حتى لو أذن به الوصي،هذا مــا يؤكده نص المـادة 30 من قـانون الأوقـاف رقم 91/10: «وقف الصّبي غير صحيح مطلقـاً سواءً كان مميّزاً أو غير مميّز و لو أذن بذلك الوصي».

2- تمتّع الواقف بأهليّة التّسيير، بمعنى أن يكون عـاقلاً، فلا يصحّ وقف المجنون أو ناقص العقل كالمعتوه2، ومن تتوفر فيه الصّفتان تنعدم فيه أهليّة التّسيير طبقــا للقـواعد العــامّة، لكن في المقــابل نلاحظ أن المشرّع الجزائري أتى بحكم خـاص لصاحب الجنون المتقطّع حيث أقرّ بصحّة وقفه متى أثبت أنّه حدث أثنــاء إفـاقته وفي هذه الحــالة يجب إثبــات الإفــاقة بكـافّة الطّرق الشّرعية المعمول بهـا، هذا مــا أكّدته المـادّة 31 من قـانون الأوقـاف التي تنص:«لا يصحّ وقف الجنون فإنَّه يصِحُ أثنـاء إفاقته وتمــام عقله، شريــطة أن تكون الإفاقـة ثــابتة بإحدى الطّرق الشّرعية ».

وبهذا الحكم الخـاص، يكون المشرّع الجزائري قد خالف القواعد العامّة المكرَّسة في القـانون المدني خاصّة المادّة 42 منه.

3- الــواقف الغير محجـور عليه لسفهٍ أو دينْ3: ذلك أنّ من الآثـار القــانونية الهَّامة للحجر هي غل يد المحجــور عليه في التّصرف في أمــواله وكل تصرّف يصدر منه يعتبر بــاطلاً بما فيها الوقف4.

حسب مــا تشير إليه الفقرة الثــّانية من نص المـادة 10 من قانون الأوقــاف العـامّة 91/ 10 التي تنص : «أن يكون الواقف ممّن يصحّ تصرّفه في مـاله غير محجور عليه لسفهٍ أو دين».

·                   غير مديــن: فإذا كان الدّين مستغرق للوقف، فما زاد عمّا يفي بدينه، كان الوقف صحيحاًونـافذاً في حق الدّائنين، ولا يتوقّف على إجــازة أحدهم، يستوي في ذلك أن يكون المدين متمتّعاً بصحّته أوفي مرض موته، وإذا كان هذا الدَّين مستغرقــاً والمدين محجــوراً عليه بسبب هذا الدَّين و وقف مــاله كلّه أو بعضه بعد الحجر عليه،توقف نفــاذ وقفه على إجـازة الدّائنين، فإذا أجــازوه نفذ، و إن لم يجيزوه كان لهم الحق في طلب إبطــاله ســواء كان هذا الوقف صــادراً منه في صحته أو في مرض موته 1بنـاءاً على مـا تؤكده نص المـادة 32 من قانون الأوقـاف.

·                   الــواقف مريض مرض المـوت: إذا كـان المريض مرض الموت غير مدين و أنجز وقفــاً على أجنبي فهذا لابد من التّمييز بين ما إذا كان له ورثة أم لم يكن، بحيث:

-                     في الحــالة الأولى: وهي حــالة وجــود ورثة ينفّذ الوقف في هذه الحــالة إذا خرج عن ثلث التركة ويأخذ حكم الوصية وهو مــا نص عليه المشرع الجزائري في المـادة 776 من القانون المدَّني على: «كلّ تصرف قانوني يصدر من شخص في حال مرض الموت بقصد التّبرع يعتبر تبــرّعــاً مضــافاً إلى ما بعد الموت، وتسري عليه أحكــام الوصية أياً كانت التّسمية التي تعطى إلى هذا التصرف »، أمــا ما زاد عنه فإنّه ينفّذ وقت حياته، لكن لا يلزم الورثة بعد موته وهذا بتعلق حقهم به، فإذا أجــازوه سقط حقّهم فيه و إذا لم يجيزوه لم ينفّذ في حقّهم2.

4- الــواقف مــلكاً للعين الموقوفة ملكية تـامّةً لأنَّهُ لا يصحّ وقف مــال الغير ولا يصحّ وقف الغاصب للمغصوب، إذ لابُّد في الواقف أن يكون مـالكاً للمـال الموقوف وقت الوقف ملكـاً تـامـّاً 3 وهذا بنــاءاً على نص المــادة 10 من قــانون الأوقاف التي تنص:

«يشترط في الــواقف لكي يكون وقفه صحيحاً مــا يأتي:

1- أن يكون مــالكاً للعين المـراد وقفهــا ملكــاً مطلقــاً...».

كمــا أنّه نصت المــادة 216 من قــانون الأســرة على نفس الفكـرة بنصهــا: «يجب أن يكون المــال المحبس مملــوكــاً للــواقف».

ثــانياً: الموقـوف عليه

هي الجهة التي ترصد لهــا العين الموقــوفة للإنتفــاع، وقد يكون الواقف نفسه الذي يأخذ حكم الوقف على النّفس، وهذا مـا جاء في نص المـادة 214 من قــانون الأسـرة، غير أنّه ولكي يتحقّق هذا الرّكن في الوقف، ينبغي تــوافر جملة من الشّـروط هي:

أ- الموقــوف عليه جهة بِّـر أو قــربى : الأصل في مشروعية الوقف أن يكون صدقة جـارية مستمرة يتقرب بها المسلم إلى الله عزَّ وجَّل، تنفق على أوجه البِّر و الإحسان، إلاَّ أن التّطبيق العملي للوقف لم يقتصر التّصرف في الوقف على جهــات البِّر المحض كمـا ثبت عن بعض التــّابعين لمصلحة الأغنيــاء وهم ليسوا من أهل الموقوف عليهم و ترتّب على ذلك خلاف بين الفقهــاء في اشتــراط كون الموقـوف عليه جهة بِّرٍ و قــربى أو يكفي انتفــاء المعصية فيه1.

لكن بالرّجـوع إلى المشرّع الجـزائري من خلال نص المــادّة 03 من قــانون 91/10 التي تنص:

«الوقف هو حبس العين عن التّملك على وجه التّأبيد والتّصرف بالمنفعة على الفقـراء أو على وجه من وجــوه البِّر و الخير».

ب- الموقـوف عليه جهة مستمرّة غير منقطعة: يشترط في الموقوف عليه أن يكون مستمر الــوجود غير منقطع لينسجم ذلك مع كون الوقف مؤبّد، وقد اتفق فقهــاء الشريعة الإسلامية على صحة  الوقف إذا كان معلوماً ابتداءً أو الانتهــاء مستمراً غير منقطع، كأن يكون الوقف على معين ثم على ذريته من بعده، ثم على الفقراء والمســاكين وكذا طلاّب العلم على اعتبــار أن الفئــات الأخيرة هي غير منقطعة2، أكّدته نص المـادة 03 من القـانون 91/10 التي أقرّت بأن يكون الوقف على وجه التّأبيد، ممَّا يدل  وبطريقة ضمنية على أنّه يشترط في الموقوف عليه أن يكون جهة مستمرة الوجــود بمعنى غير منقطعة وإلاَّ كيف يمكن أن يكون الوقف مؤبداً، لذلك وجب أن يكون الموقوف عليه معلوماً ابتداءً و انتهاءً هذا ما كرّسته المـادة 06 الفقرة الأخيرة من القــانون 91/10.

    ج- الموقوف عليه جهة معلومة فإذا كانت الجهة المعلومة متمثلة في شخص طبيعي يتوقف استحقـاقه للعين على وجوده وقبوله، أما الشَّخص المعنوي فيشترط فيه أن  لا يشوبه ما يخالف الشّريعة الإسلامية حسب نص المـادة 13الفقـرة الأخيرة من القـانون 91/103، أمـّـا في حالة إذا لم يعرف الجهة المحبس عليها وهي الحــالة السّابعة التي كرّستها نص المادّة 08 من قانون 91/10 وهي إلحاق الأوقاف الخاصّة بالأوقاف العامّة  إذا لم تعرف الجهة المحبس عليها، ضماناً لتحقيق شرط الاستمرارية وعلم الجهة الموقوفة عليها.

ثالثا: صيغة الوقف

بناءا على نص المادة 09 من قانون الأوقاف91/10 تكون الصّيغة هي الرّكن الثّالث في الوقف وبدونها يبطل الوقف حسب ما أكّدته نص المادة 218 من قانون الأسرة.

وتكون صيغة الوقف في الإيجاب الذي يصدر من الواقف دالاّ على إرادته ورغبته لفظا كعبارة الوقف الحبس، أو فعلا أو إشارة مما يدل على حبس العين والتّصرف بالغلّة والثّمار،أمّا الفعل فيشترط فيه جريان العرف بإنشاء الوقف به كالإذن بالصّلاة في وقف المسجد، أو الدّفن في المقبرة  والشّرب من السّاقية ، أمّا الإشارة فلا يشترط فيها إلاّ كونها صادرة عن غير القادر على الكلام كالأخرص1 وحتى يكتمل ركن الصيغة في الوقف لابدّ من توافر جملة من الشّروط وهي:

الشرط الأول: الجزم في الصّيغة

يشترط فقهاء الحنفية في الصّيغة أن تكون جازمة ، عكس الجزم بحيث أنّ الوقف لا ينعقد بالوعد، كما قال شخص سأقف أرضي على الفقراء والمساكين أو على ذرّيتي، فمثل هذه الصيغة لا يعتد بها وليست نافذة لأنّها تضمنت معنى الوعد، بل يجب أن تكون صيغة الوقف بالألفاظ الدّالة على الجزم والقطع وعدم التردّد.2

الشرط الثاني: الإنجاز في الصّيغة

الصّيغة المنجزة هي خالية من التّعليق (كأن يقول الواقف لقد قررت وقف أرضي على فلان في حالة ما إذا أتت هذه السنة بمحصول زراعي وافر)3 كذلك أن تكون خالية من الإضافة والتي يقصد بها إنشاء الوقف في الحال وتأجيل أثاره إلى زمن لاحق4، هذه الأخيرة تعتبر إنشاء الوقف حالا وترتيب أثاره في الفور، فيثبت للموقوف عليه الحق في منفعة المال الموقوف فور صدور الإيجاب.

الشرط الثالث: التّأكيد في الصّيغة  تعتبر مسألة التّأكيد في صيغة الوقف محل خلاف بين فقهاء الشّريعة، منهم من لم يشترط هذا الشّرط وأجازوا بذلك الوقف المؤقت من بينهم فقهاء المذهب المالكي مقرّين بإمكانية عودة العين الموقوفة للواقف الذي له حرّية التّصرف بها، أمّا جمهور الفقهاء الآخرين يشترطون التّأكيد5.

 


 

     وهو الحكم نفسه الذي تبنّاه المشرّع الجزائري حسب نص المادة 28 من قانون 91/10 فيها على أنّه يبطل الوقف إذا كان محدّد بزمن، ويستدل جمهور الفقهاء في ذلك أنّ الوقف لا يباع ولا يوهب ولا يورث هذا ما يفيد معنى التأّكيد لأنّه لو جاز الوقف المؤقّت جاز بيعه أو هبته.1

رابعا: الموقوف

محل الوقف هو الشَّئ الموقوف الذي يعدّ ركنا أساسيا في عقد الوقف ويصطلح عليه في عقد الوقف بالعين الموقوفة ، ولذلك وجب أن تتوفر فيه هو الآخر شروط:

الموقوف معلوم محدّد ومشروع: يقصد بالعلم بالمحل الموقوف وهو معرفة كل المواصفات والتّعيينات التي تجعل الوقف معيّن تعيينا يمنع الجهالة عنه، ولهذا أكّد المشرّع على هذا الشّرط بموجب نص المادة 11 من قانون 91/10 التي تنصّ على :" ويجب أن يكون محل الوقف معلوما محدّدا ومشروعا وكذا نص المادة 216 من قانون الأسرة الجزائري تنص على :" يجب أن يكون المال المحبس مملوكا للواقف معينا..."

  كما أنّ الجهالة بمحل الوقف يؤدّي إلى نزاع وعدم تمكين الموقوف عليهم من استيفاء حقوقهم بالإضافة إلى أنّ الجهالة تحدث أيضا التباس في محل الالتزام، إذ لا يمكن معه التنفيذ.2

بالإضافة إلى ضرورة تعيين الحال محل الوقف، يجب كذلك أن يكون المحل مشروعا وذلك استنادا إلى نص المادة 93 من القانون المدني المعدل والمتمم التي تقضي بما يلي:" إذا كان محل الالتزام مستحيلا في ذاته أو مخالفا للنّظام العام والآداب العامّة كان باطلا بطلانا مطلقا..."

كـذلك أن يكون الموقوف مملوكا للواقف وقت وقفه ملكا باتّا لازما، ذلك لأنّ الوقف هو تبرع, وهذا لا يكون إلاّ بعد الملك، فإذا لم يوجد ملك أو وجد ملك غير لازم وتصرف الشّخص فيه بالوقف على أنّه مالك لا يصح.3

بالإضافة  إلى أن يكون هذا المال الموقوف مفرزا، وإن كان المشرّع الجزائري قد أجاز وقف المال الشّائع، وفي هذه الحالة  يتعيّن  قسمة المال المشاع حسب ما تشير إليه المادة 11 الفقرة الثالثة من القانون رقم 91/10 تنص على :" يصح وقف المال المشاع وفي هذه الحالة يتعين القسمة ، لكن الجدير بالذّكر أنَّ وقف المال المشاع ثار بشأنه خلاف بين فقهاء الشريعة الإسلامية  حول الوقف المشاع  لغير المسجد أو المقبرة، في حين حصل هناك إجماع و اتفاق بينهم حول ما إذا كان الوقف وقف المسجد أو مقبرة بحيث ينبغي أن يكون المال في هذه الحالة مفرزا لا مشاعا، وإذا كان غير  مفرز وغير قابل للقسمة فلا يصح أن يكون مسجدا آو مقبرة ، فلا يتصوّر أن يكون المسجد في الوقف المشاع شهرا مسجد آو شهر آخر غير ذلك.1

الفرع الثاني: إجراءات انتقال ملكية العقّار بالوقف

بعد أن تتحقّق هذه الأركان ينشأ الوقف، وتبعًا لذلك يترتّب حق إنتفاع دائم، إمّا لفائدة  أشخاص طبيعيّين يحدّدهم الواقف كما هو الحال بالنّسبة للوقف الأهلي، أو يكون هذا الحق، أي حق الإنتفاع الدّائم لفائدة أشخاص معنوية عندما يكون الوقف الذي أنشأه الواقف في صورة وقف عام .

 بحيث تبقى هذه الأركان لوحدها غير كافية ، بل لابدّ من توافر شروط النّفاذ حتّى يسري الوقف في حق الغير ، تتعلق هذه الشّروط بإجراءات التّسجيل والشّهر إذا انصب الوقف على عقار، هذا ما دفعنا إلى تخصيص النّقطة الأولى من هذا النوع لدراسة شرط التّسجيل بينما تكون النّقطة الثانية متعلّقة بإجراء الشّهر.

الفقرة الأولى: تسجيل الوقف

نصّت المادّة 41 من القانون91/10 المتعلّق بالأوقاف المعدّل والمتمّم على ضرورة تحرير عقد الوقف في شكل رسمي لدى الموثّق وتسجيله لدى المصالح المكلّفة بالتّسجيل العقاري، ذلك أنّ كل التّصرفات التي يبرمها الموثّق ويكون محلّها عقار يبادر هذا الأخير بتسجيلها أمام مفتشيات التّسجيل المختصّة إقليميا2، ولا يعفى من رسوم التّسجيل إلاّ ما تعلّق بالوقف العام حسب ما تقضي به المادة 44 من قانون الأوقاف91/10 بنصّها :" تعفى الأملاك الوقفية العامّة من رسوم التّسجيل والضّرائب والرّسوم الأخرى بكونها عملا من أعمال البرّ والخير "

ولعلَّ المشرع الجزائري كان صائبا إلى حد ما عندما أقرّ بإعفاء الأوقاف العامّة من جميع الرّسوم تشجيعا لهذا النّوع من الوقف، باعتباره يساهم بشكل فعّال في تحقيق الإستثمارات وليس باعتباره عملا من إعمال البِّر فقط.

من خلال ما سبق عرضه نستنتج أنّ عملية الّتسجيل مرهونة بدفع رسوم التّسجيل إذا تعلّق الأمر بالوقف الخاص، في حين تعفى الأوقاف العامة من دفع الرّسوم، أو بالأحرى يكون التّسجيل من غير رسوم.3

وبمعنى المخالفة كما سبق، فإن الأوقاف الخاصة متى تحولت من أوقاف خاصة إلى أوقاف عامة تصبح غير خاضعة لضريبة التّسجيل.1

و الجدير بالذّكر أنّه في حالة عدم مراعاة التّسجيل، فإنّ عقد الوقف المتعلّق بالعقار يكون محلاّ لرفض الإيداع من طرف المحافظ العقاري، وهي الحالة الرّابعة المنصوص عليها في المادة 100 من المرسوم رقم 76/63 المؤرخ في 25/03/1976 المتعلّق بتأسيس السّجل العقاري.

الفقرة الثانية: شهر الوقف

ما دام الحق المستحق في الوقف هو حق الإنتفاع بعين الوقف،وعليه هذا الحق هو حق عيني محلّه عقار، فلا يترتّب أثره بالنّسبة للغير ،إلاّ من تاريخ شهر التّصرف الوقفي لدى المحافظة العقارية المختصّة إقليميا، هذا ما تؤكّده نص المادة 15 من الآمر 75/74 المتضمّن إعداد مسح الأراضي العام وتأسيس التسجيل العقاري التي تنص:" كلّ حقّ للملكية ، وكل حق عيني آخر يتعلّق بعقار لا وجود له بالنسبة للغير إلاّ من تاريخ....( شهرهما في مجموعة البطاقات العقارية ، غير إنّ نقل الملكية عن طريق الوفاة يسري مفعوله من يوم وفاة أصحاب الحقوق العينية).

يضاف إلى ذلك نص المادة 16 من نفس الأمر التي تنص :" إنّ الحقوق الإرادية والاتفاقات التي ترمي إلى إنشاء أو نقل أو تعديل أو انقضاء حق عيني لا يكون له أثر حتّى بين الأطراف إلاّ من تاريخ نشرها في مجموعة البطاقات العقارية ".

 ولعلّ أهمّية شهر  التّصرفات بصفة عامّة  وشهر الوقف بصفة خاصة  تظهر في حماية المال الوقفي من التّعدي، الذي يمكن أن يصدر من الغير ، كما تجدر الإشارة هنا إلى أنّ الوقف يشهر  باسم الوقف ما دام أن الوقف يتمتع بالشّخصية المعنوية  وليس باسم الموقوف عليهم تطبيقا لنص المادة 49 من القانون رقم 91/102، كذلك نص المادة 05 من نفس القانون التي هي الأخرى تعترف بالشّخصية المعنوية للوقف، بحيث تقضي بأنّ الوقف ليس ملكا للأشخاص الطّبيعيين ولا الإعتباريين ، بحيث يتمتّع بالشّخصية المعنوية وتسهر الدّولة على احترام إرادة الواقف وتنفيذها.

هذا ما هو ثابت عمليا حيث يقيد الوقف و يشهر باسمه باعتباره شخص معنويا وينشأ تبعا لذلك دفتر عقاري محرر باسم الوقف3.


المبحث الثاني: الانتفاع كمحل للتّصرفات التّبرعية في القانون الجزائري

      المقصود الأصلي من العقود التّبرعية هي حرّية الشّخص في التّصرف في أمواله كيف يشاء، ولمن يشاء، ومادام أنّ التّصرف ينشأ أثاره سواء في حال وفاته كالوصية ، أو حال حياته كالوقف.

     ومن خلال هذا المبحث سوف نحاول تبيين كيف ينصب ّحق الإنتفاع باعتباره حقّا عينيا أصليا خاصة على الوصية والوقف، باعتبارهما من عقود التبرع.

 


 

المطلب الأول:  حق الإنتفاع كمحل للوصيّة

بطبيعة الحال الوصية باعتبارها تصرفا قانونيا انفراديًا ينتج أثاره بإرادة واحدة تؤدّي إلى إكتساب الحقوق العينية الأصلية بما فيها حق الإنتفاع، الذي ينشأ ابتداءا كالوصية بحيث لا يمكن الايصاء بحق الإنتفاع بحيث هذا الأخير ينتهي حتما بموت المنتفع (الموصي)، ومن ثمّ فلا يجوز للمنتفع أن يوصي بحق الإنتفاع، لهذا الغرض لا يكتسب حق الإنتفاع انتقالا بالوصية بينما يمكن بالوصية إنشاء حق الانتفاع ابتداء.1

الفرع الأول: تحديد المال الذي يتعلّق به حق الإنتفاع في الوصية

تنص المادة 190 من قانون الأسرة الجزائري:" للموصي أن يوصي بالأموال التي يملكها والتي تدخل في ملكه قبل موته عينًا أو منفعة ".

الفقرة الأولى : المال المنتفع بيه عينيا

إنَّ الوصية قد تتعلق بذاتها أو بجزء شائع في هذه العين، وقد تنصب أيضا على نوع من المال أو بجزء شائع من هذا النوع آو بعدد محدّد منه.2

أولا/ إذا تعلّق الإنتفاع في الوصية بعين بذاتها

كان يوصي شخص بمنزله الكائن بالمنطقة الفلانية كانت وصيته صحيحة في حدود ثلث المال3، أمّا إذا زادت عن الثلث تقع الوصية باطلة بالنّسبة للزّيادة ، أمّا إذا أجازوها الورثة تعتبر هبة من أموالهم، هذا رأي المالكية، 4بينما المشرّع الجزائري، كان صريحا من خلال نص المادة 185 من القانون الأسرة الجزائري5،أمّا إذا هلك هذا المنزل أو خرج من ملكية الموصي حال حياته بطلت الوصية لإنعدام المحل وفواته.

 

 

 

 


 

ثانيا/ الإنتفاع بجزء شائع في العين

كالوصية بنصف أو ربع هذا المنزل مثلا فإذا تعلّقت الوصية بهذا الجزء فقط، وهلك المنزل كلّه بطلت الوصية لانعدام المحل، وإذا هلك بعضه للموصى له أن يستوفي نصيبه من الباقي1

ثالثا/ تعلّق الإنتفاع في الوصية بنوع من الأموال

كأن يوصي شخص بغنمه مثلا كانت صحيحة، إذا كانت المواشي موجودة وقت إنشاء الوصية إما إذا هلكت بطلت الوصية لفوات محل العقد.

رابعا/ الإنتفاع بجزء شائع من نوع المال

 يوصي شخص بنصف أو ربع غنمه، وقعت الوصية صحيحة فإذا كان هذا العدد من هذا النّوع موجودا عند الإنشاء، فإن هلك هذا العدد جميعه بطلت الوصية لفوات المحل، أمّا إذا هلكت البعض دون البعض الأخر فليس له إلاّ سهمه في الباقي إن كان يخرج من ثلث التّركة2.

خامسا/ حق الانتفاع متعلّق بجزء شائع من كلّ المال

كأن يوصي شخص بثلث ماله بحيث يكون حق الإنتفاع المتعلّق بالوصية فيما يكون للموصي من مال عند الوفاة ، فلو كان مال الموصي مثلا يوم الإنشاء 100 دج ثم استثمر حتّى صار 3000 دج،و مات عند هذا المبلغ كان للموصى له ألفا منها ، أمّا لو مات وقد فقد 1000 دج الأولى, ولم يترك شيء بطلت الوصيّة.3

الفرع الثاني: الوصيّة بالمنافع

المراد بالمنافع عند جمهور الفقهاء من الأحناف و المالكية و الحنابلة و بعض الشّافعية ثمرات الأعيان سواء أكانت أغراض أو أعيان متولّدة منها كالثــَّمر و الزّرع, أو غير متولّدة منها كأجر الأرض.."4




و الوصيّة بمنفعة ليس بغرض التّمليك بل الإنتفاع بمال معيّن فقط، و بما أنّ المنفعة منحت له بموجب الوصيّة فإنّ الموصي يعتبر مانحا للمنفعة للموصى له دون سواه، إذ بمجرّد وفاة الموصى له تعود المنفعة إلى ورثة الموصي.

و قسّمت الوصية بالمنافع إلى قسمين:

أوّلا:الوصيّة المقيّدة لمدة حق الإنتفاع

كالايصاء بمنفعة منزل ما لمّدة سنة أو سنتين مثلا: فإذا كانت المدة معلومة المبدأ و النّهاية الايصاء بسكن دار ثلاث سنوات من أول جانفي استحق الموصي له المنفعة في المدة المحددة , و إذا عاش الموصى له حتى مضىت المدة بطلت الوصية،أما إذا عاش حتى مضى بعضهما ثم  استحق الموصى له بالمنفعة فيها بقي من تلك المدة,أما إذا كانت المدة المقررة غير معلومة بتاريخ بدايتها وبانتهائها كالايصاء بمنافع دار لمدة سنة مثلافالراجح أنها تبتدئ بوفاة الموصي  مباشرة لان تملك الموصى به يثبت عادة بوفاة الموصي ،فتبدأ احتساب المدة من ذلك الوقف1.

لأنّ فوات الوقت المحدّد للإنتفاع في الوصية بالمنافع يعتبر كهلاك العين الموصى بها في الوصية للأعيان,و بهلاك العين تبطل الوصية فهكذا بفوات وقف الإنتفاع 2، و الهدف من تحديد المدّة ،حق الإنتفاع هو تحديد مدّة انتقال هذا الحق و تقرير حقوق المنتفع و التزاماته.3

ثانيا:الوصية المطلقة لمدّة حق الإنتفاع .

 و لقد نصت المادة 196 من قانون الأسرة الجزائري على:"الوصيّة بمنفعة لمدّة غير محدودة تنتهي بوفاة الموصى له و تعتبر عمرى".

إنّ الوصية بالمنفعة جائزة في الشّريعة الإسلامية و تعتبر صحيحة وفقا للأحكام القانون و تصحّ لوارث و لغير وارث فيما لا يتعارض مع قانون آخر.4

ويمكن أن تظهر هذه الصّورة بشكل واضح كأن تكون الوصيّة لمعيّن أو لقوم محصورين كأن يقول:أوصيت لزيد مدّة حياته ،وأولاد عبد الله مثلا،و في هذه الصّورة كون المنافع لزيد مدّة حياته،      و أولاد عبد الله إلى أن ينقرضوا،لأنّ الوصيّة المطلقة تتصرّف إلى الوصية المؤبدة كذلك،لأنّ الوصيّة بالمنافع تنتهي بانتهاء من جعلت له.5

     ولا ينتقل الحق بموجبه إلى الورثة الموصى لهم ،فالوصية بمنفعة ليست بغرض التّمليك بالإنتفاع بمالٍ معيّن فقط،و بما أنّ المنفعة منحت له بموجب الوصية ،فإنّ الموصي يعتبر مانحا للمنفعة للموصى له دون سواه ،إذ بمجرّد وفاة الموصى له تعود المنفعة إلى ورثة الموصي.

      خلاصة هذا الفرع هي أنّ محل حق الإنتفاع في عقد الوصيّة يتلخّص خصوصا في الأموال التي يملكها الموصي و التي تدخل في ملكه قبل موته عينا، كما أنّ المنفعة قد تكون محددّة المدّة و قد تكون غير محدّدة المدّة أي تكون مؤبدة.


 

المطلب الثاني:حق الإنتفاع كمحل للوقف

بإعتبارأنّ الوقف ينشأ بإرادة منفردة،بحيث تكون هذه الأخيرة هي المحور الأساسي إن لم نقل الجوهري لإنشاء الوقف،والوقف يستمدّ قوّته القانونية من الشّخصية المعنوية الّتي يتمتّع بها ،حيث أنّ إرادة الواقف تحميها الدّولة وتسهر على تنفيذها خاصّة ما تعلّق بالأملاك الوقفية العامّة[3] وهو ما نصّت عليه المادّة 05 من قانون الأوقاف.

و بالحديث عن محل حق الإنتفاع المتعلّق بالوقف نستدل بالمادة 213 من قانون الأسرة المعدّل والمتمّم بنصّها على:"الوقف حبس المال "،أمّا نص المادّة 11 من قانون الأوقاف المعدّل والمتمّم بنصّها:"يكون محل الوقف عقّارا أومنقولا أومنفعة".

الفرع الأوّل: العقّار كمحل لحق الإنتفاع في الوقف.

بالرّجوع إلى نص المادّة  11من قانون الأوقاف المعدّل والمتمّم بنصّها على:" يكون محل الوقف عقّارا أومنقولا أومنفعة ...".

الفقرة الأولى: العقار كمحل لحق الإنتفاع في الوقف

كما نلاحظ أنّ محل الوقف من خلال هذه المادّة قد يكون عقّارا على سبيل الجواز ومن خلال الواقع فإنّ معظم الأوقاف هي من ضمن الأملاك العقارية بالمقارنة مع المنقولات والمنافع[4]،و يمكن إثراء هذا برأي الحنابلة والشّافعية جواز الوقف حكرا على العقار بخلاف الحنفية الذين اشترطوا أن يكون محل الوقف عقارا دون سواه،ومن خلال ما ذكرناه أنّ جميع المذاهب أجمعوا على جواز وقف العقار[5].

كما أنّ الذي يكون محلّه عقار،له أشكال تتّسع بصورة واضحة،والذي ولابدّ من تحقّق شرط التّأبيد والدّوام في هذا العقّار،وأنّ مختلف المراسيم التنفيذية والقرارات والتعليمات والمناشير و المذكّرات غالبا ما تنظّم الأوقاف التي محلّها عقار،و في اطار تنظيم موضوع العقار بالنّظر لإستعمالاته المختلفة،وتعامل المشرّع الجزائري مع هذا الموضوع بنوع من الخصوصية والتّقنية من ضبطه،يرى الأستاذ عبدالرّحمان

عزّاوي أنّ:الإهتمام بإيجاد الإطار التّشريعي للعقار و التّعامل فيه،سينعكس لا محالة ويتبلور في العديد من القوانين المتتابعة ويميل بعضها البعض ويكمله.[6]

وعليه فالوقف الذي يكون محلّه عقارا متّفق عليه قانونا كما رأينا إضافة إلى أنّه ضمن الأملاك العقارية بالرّجوع إلى الواقع،نجد إن لم نقل جميع الأوقاف التي تعارف النّاس على وقفها هي ضمن الأملاك العقارية بالمقارنة مع المنقولات والمنافع،ذلك أنّ العقاريحقق و يلازم صفة التأبيد التي إشترطها المشرّع في الوقت تحت طائلة البطلان المطلق.[7]

هذا ماجاءت به نص المادّة 31 من قانون التوجيه العقاري 90/25 المؤرّخفي 18/01/1990 الذي يتضمّن قانون الأوقاف المعدّل والمتمّم بنصّها على:"الأملاك الوقفية هي الأملاك العقارية..."،وكذلك ما جاء في نص المادّة 213 من قانون الأسرة المعدّل والمتمّم بنصها:"الوقف حبس المال".

الفقرة الثانية:المنقول التابع للعقار كمحل لحق الإنتفاع في الوقف

إنّ جواز وقف غير العقار على خلاف الأصل وهو ما في الأرض أو عليها من كل ما يمكن نقله من مكان لآخر و تحويله من هيئة لأخرى يستوي في ذلك أن يكون بناءا أو غرسا أو دواب أو آلات ري أو حرث.

وقد قرّروا الحنفية أنّ وقف المنقول في حالات استثنائية:

أوّلا:أن يكون تابعا للعقار

والتابع ينقسم إلى قسمين :

●أحدهما متّصل به اتّصال قرار وثبات،وذلك كالبناء والأشجار،لأنّ البناء والأشجار عندهم من المنقول،وليست من العقار،وهذا النّوع من المنقول يدخل في العقار تبعا له من غير نص عليه.

●القسم الثّاني من المنقول هو ما يكون مخصّصا لخدمة العقار،كالمحاريث والبقرهذا ما أقرّت به الحنفية [8]،وهو ما يماثله في التّشريع العقاري الجزائري ممّا يصطلح عليه العقار بالتّخصيص.

 

 

                                                  ثانيا:أن يكون قد ورد بجوازالوقف نص شرعي

كما في السلاح والكراع(الخيل والإبل)فقد روى أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال عن خالد بن الوليد:أنّه احتبس أذراعه وعتاده في سبيل الله.

ثالثا:إذا جرى به عرف وذلك كوقف الكتب والمصاحف في المسجد

فإنّ العرف قد جرى بوقفها،والعرف مصدر فقهي عند الحنفية مالم يعارض نص وإلّا كان عرفا فاسداً[9]،وبناءا على ماده باليه الإمام محمد بن الحسن،فإنّه قد روى عنه جواز المنقول استغلال إذا تعارف النّاس وقفه،وعلى ذلك فإنّ النّاس إذا تعارفوا وقف النّقود أو الحبوب صح وقفها ويستفاد بها.[10]

وعليه الوقف الذي يكون محلّه عقار متّفق عليه قانونا كما رأينا،إضافة إلى أنّه يمكن كذلك وقف المنقول التّابع للعقار أو ورد أثر بجواز وقفه أو تعارف به العرف.

الفرع الثاني:وقف المنافع

بالرّجوع إلى قانون الأوقاف وخاصّة المادّة 11منه على:"يكون محل الوقف عقارا أو منقولا أو منفعة"

أمّا نص المادة 214من قانون الأسرة تنص" يجوز للواقف أن يحتفظ بمنفعة الشّيء المحبس مدّة حياته،على أن يكون مال الوقف بعد ذلك إلى الجهة المعنية ".

إنّ المشرّع الجزائري من خلال هذه المواد فهو ينص على وقف المنافع خاصّة في قانون الأسرة وقانون الأوقاف،بحيث نصّ صراحة عليها في المادّة 11منه،أمّا في قانون الأسرة لم ينص صراحة عليها وإنّما نصّ على "المال"و الذي لم يشمل المنفعة وفي الحقيقة إذا أمعنّا جيّدا إلى وقف المنفعة نجده يتنافى مع خاصّية التّأبيد في الوقف[11] وهذا مفاده وجوب أنّ تكون ملكية المنفعة ملازمة لملكية الرّقبة،وإسقاط ملكية الرّقبة وقت إنعقاد الوقف باطلا،ممّا يجرّنا إلى القول بعدم جواز وقف المنفعة كنتيجة منطقية،لأنّ صرف المنفعة على وجه التّأبيد لجهة لا تنقطع لا يكون إلّا في عين دائمة البقاء[12].

 

 

 

 

تكمن في إستهلاكه، ولا يصحّ أيضا أن يكون محل الوقف ما لا يدوم الإنتفاع به ،كالطّعام والشّرب لأنّ منفعة المطعون تكمن في إستهلاكه،كما لا يجوز وقف المنفعة غير المباحة،ويبقى وقف هذه المنافع غير صحيح لأنّ الإنتفاع بها غير مقصود.[13]

كذلك أنّ يكون استيفاء منفعة الموقوف،إمّا بتحصيل المنفعة كسكن الدّار وركوب الدّابة وزراعة الأرض أو بتحصيل العين كالثّمار من الأشجار والصّوف والوبر والألبان والحيوانات.[14]

                                 

 

تعليقات