القائمة الرئيسية

الصفحات

دور الصفقات العمومية في حماية المال العام

 


دور الصفقات العمومية في حماية المال العام 

                                             مداخلة من إعداد: أ.بن دعاس سهام

 

 

 

 

 

 

مقدمة

   تتخذ التصرفات القانونية التي تقوم بها الإدارة مظهرين ، الأول القرارات الإدارية والثاني العقود الإدارية ، وتعد الصفقات العمومية أهمها على الإطلاق .إذ تلجأ إليها الإدارة عندما يعجز المظهر الأول (القرارات) عن الوفاء ببعض أهدافها في إشباع الحاجات العامة ، خاصة بعد إتباع وظيفة الدولة المعاصرة،وتشعب مسؤولياتها.وتحقيق أهدافها في مختلف الميادين الاقتصادية الاجتماعية ، الثقافية.

ولهذا تقوم الإدارة بمختلف أشكالها وتخصصاتها بإبرام العديد من الصفقات العمومية سنويا، إذ تشمل إحدى العمليات الآتية أو أكثر :اقتناء اللوازم ، إنجاز الأشغال ، تقديم الخدمات ، وإنجاز الدراسات . وترصد الأجهزة المالية للدولة ميزانية خاصة وضخمة لهذا الشأن لاسيما في مجال الأشغال العمومية والتجهيز ، إذ خصصت لهما الدولة مؤخرا أظرفة مالية معتبرة ، التي يمكن أن تكون محلا وعرضة سواء للاختلاس أو الإتلاف أو التبذير ، وصرفها دون وجه حق  وبدون عقلانية ، ناهيك عن الجرائم الخطيرة التي ترتكب عند إبرام وكذا تنفيذ الصفقات العمومية.

هذا ما دفع بنا للتساؤل عن دور وفعالية التنظيم القانوني للصفقات العمومية في هذا الشأن من أجل حماية هذه الأموال التي تعد جزءا لا يتجزأ من المال العام.

 علما وأن المشرع الجزائري قد حرص منذ الاستقلال على ضبط النظام القانوني للصفقات العمومية من أجل ضمان استخدام هذه الآلية الأساسية في تنفيذ وإنجاز الأهداف المسطرة ، وهذا ما يفسره التعديل الأخير لقانون الصفقات العمومية المتمثل في المرسوم الرئاسي رقم08-338 المؤرخ في 26/10/2008 المعدل والمتمم للمرسوم الرئاسي رقم 02/250 المؤرخ في 24/07/2002 المتعلق بالصفقات العمومية .

وعليه : هل التنظيم القانوني الحالي للصفقات العمومية كفيل بتوفير الحماية اللازمة للمال العام ؟

للإجابة على ذلك نخصص مبحثين :

نتعرض في المبحث الأول :لطرق إبرام الصفقات العمومية :لقد حدد المشرع هذه الطرق حصرا ضمانا لمنح الصفقة للمتعامل المتعاقد الكفء الذي يسعى في المقام الأول لتحقيق أكبر قدر مالي للخزينة العامة مع تحقيق المصلحة الفنية للإدارة .

ونتناول في المبحث الثاني : تنفيذ الصفقات العمومية : ونركز على الجوانب المالية للتنفيذ كثمن الصفقة ، كيفيات تحديده ونتعرض لإعادة التوازن المالي للصفقة،مع التعرض للرقابة على الصفقات العمومية.

المبحث الأول : طرق إبرام الصفقات العمومية

نظرا لضخامة و أهمية الأظرفة المالية التي تخصصها الدولة لإبرام الصفقات العمومية لتحقيق لأهدافها ، و نظرا لضرورة إسناد الصفقة للمتعاقد الكفء ، الذي يراعي المصلحة الفنية للإدارة ، كما يسعى لتحقيق أكبر وفر مالي للخزانة العامة ، وهو ما يفرض على الإدارة إختيارالمتعاقد الذي يقدم أفضل الشروط المالية .(1)

وعلى ذلك حرص المشرع الجزائري على تحديد طرق إبرام الصفقات العمومية بأساليب محددة ، و منع كل تعاقد خارجها وصفه بغير القانوني ، و هذا من أجل ضمان الحماية الكافية للمال العام ، إذ نصت المادة 20 من قانون الصفقات العمومية على أنه : "تبرم الصفقات تبعا لإجراء المناقصة التي تعتبر القاعدة العامة ، أو الإجراء بالتراضي "، و سنتعرض لهذين الأسلوبين تباعا :

المطلب الأول : إجراء المناقصة

 تعد المناقصة الأسلوب القاعدة في إبرام الصفقات العمومية ، إذ عرفتها المادة 21 من المرسوم الرئاسي رقم 02-250 بقولها : " المناقصة هي إجراء يستهدف الحصول على عروض من متعهدين متنافسين مع تخصيص الصفقة للعارض الذي يقدم أفضل عرض "(2)

و لقد ألزم المشرع المصلحة المتعاقدة بإتباع هذاالإجراء (المناقصة)إذا جاوزت قيمة الصفقة العتبة المالية المحددة بالمرسوم الرئاسي رقم 08-338 المعدل و المتمم للمرسوم الرئاسي رقم 02-250 إذ أفادت المادة 4 منه على أنه إذا كانت قيمة العقد أو الطلب المزمع من المصلحة المتعاقدة عقده يجاوز مبلغ 8 ملايين دينار جزائري (8.000.000دج) بالنسبة لخدمات الأشغال أو اللوازم (التوريدات )، و مبلغ 4 ملايين دينار 4.000.000دج لخدمات الدراسات أو الخدمات (3) ، فهي ملزمة بإتباع أسلوب المناقصة و أشكاله المحددة قانونا مع خضوعها لكافة إجراءاته المقررة قانونا ، و هذا بغرض الحصول على أكبر قدر ممكن من المتقدمين بعروضهم لتمكين المصلحة المتعاقدة من إختيار أفضل المترشحين الراغبين في أداء الخدمة العامة ، و لعل هذا الإجراء من شأنه أن يضبط حرية القائمين على إبرام الصفقات العمومية في مختلف المصالح المتعاقدة "الإدارات "ذلك منعالأي تلاعب بالأموال العامة أو سوء إستغلالها.

ونظرا لأهمية هذا الأسلوب فسوف نتعرض له بالدراسة على النحو التالي :

أولا: أشكال المناقصة :

منح قانون الصفقات العمومية المصلحة المتعاقدة أشكال مختلفة للمناقصة ، تجتهد فيها على ضبط الشكل والنمط المناسب لعقد الصفقة الموافقة لنشاطها وإمكانياتها ، وتخصيص الصفقة للعارض الذي يتقدم بأفضل العروض، بحيث عددت المادة 23من المرسوم الرئاسي رقم 02-250أساليب المنافسة في خمسة أشكال وهي :

1-              المناقصة المفتوحة (4): وهذا النوع من المناقصات مفتوح لعدد غير محدود من المتناقصين ، فهو إجراء يمكن من خلاله لأي مترشح أن يقدم تعهدا إذا توافرت فيه شروط المناقصة ، ويعتقد أنه قادر على تنفيذ العقد.

والمناقصة المفتوحة قد تكون وطنية داخلية ، أي مفتوحة للمتعاملين الوطنيين لا غير ، أو دولية (خارجية) مفتوحة للمتعاملين الأجانب أيضا إلى جانب المتعاملين الوطنيين ، ففي هذا النوع من المناقصات الدخول للمنافسة حر ، فإبرام هذه الصفقة مشروط فقط بمقارنة الأسعار المعروضة (5)

2-              المناقصة المحدودة: فقد أوضحت المادة 25 من قانون الصفقات العمومية بأنها ذلك الإجراء الذي لا يسمح فيه بتقديم تعهدا    إلا للمترشحين الذين تتوفر فيهم بعض الشروط الخاصة التي تحددها المصلحة المتعاقدة مسبقا ، وبذلك تكون هذه المناقصة مقفولة على عدد محدد من الأفراد والشركات ، تختارهم المصلحة المتعاقدة مسبقا  لإقتناعها بكفاءتهم أو قدراتهم المالية  والفنية ، فتدعوهم إلى التنافس فيما بينهم .

3-              الإستشارة الإنتقائية : تنص المادة 26/01 من المرسوم الرئاسي رقم 02-250 على أنه " الإستشارة  الإنتقائية هي إجراء يكون المترشحون المرخص لهم بتقديم عرض فيه هم المدعوون خصيصا للقيام بذلك بعد إنتقاء أولي كما تحدده المادة 32 من هذا المرسوم "

ومنه تلجأالمصلحة المتعاقدة لإبرام عقود صفقاتها بناءا على الإستشارة الإنتقائية ، حينما تتطلب الأعمال موضوع العقد بحكم تعقدها ، أو نظرا لطبيعتها الخاصة القيام بإنتقاء مسبق للمترشحين في مرحلة أولى قبل دعوة المقبولين منهم لإيداع العروض.

4-          المزايدة (6): عرف قانون الصفقات المزايدة على أنهاإجراء يسمح بتخصيص الصفقة للمتعهد الذي يقترح أحسن عرض ،وتشمل العمليات البسيطة من النمط العادي ، ولا تخص إلا المترشحين الوطنيين أو الأجانب المقيمين في الجزائر .

ومنه نستخلص أن المشرع الجزائري ورغم أن المزايدة تضمن للمصلحة المتعاقدة تنافس قوي بين المترشحين للحصول على أنسب وأفضل العطاءات ، إلا أنه عمد الى تحديد نطاقها ، بحيث حصر تطبيقها وأعمالها على العمليات البسيطة ، ومن النمط العادي. وهذا دون توضيح منه لطبيعة هذه العمليات .

كما أفاد قانون الصفقات العمومية أن المزايدة لا تخص إلا المترشحين الوطنيين أو الأجانب داخل البلاد ، ولعل هذا التحديد راجع إلى إحترام مبدأ السيادة ، لأن المصلحة المتعاقدة تلجأ الى أسلوب المزايدات عندما تريد أن تبيع أو تؤجر شيئا من أملاك الدولة ، لذا ضيق من إستعمال هذا الأسلوب.

5-              المسابقة : أفادت المادة 28 من المرسوم الرئاسي رقم 02-250 على أن : "المسابقة هي إجراء يضع رجال الفن في منافسة قصد إنجاز عملية تشتمل على جوانب تقنية وإقتصادية وجمالية أو فنية خاصة"، فقد خول هذا النص للمصلحة المتعاقدة اللجوء إلى هذا الأسلوب إذا إقتضت ذلك إعتبارات فنية أو مالية أو جمالية إستوجبت القيام بدراسات مسبقة قبل التعاقد، وهذا من أجل حصولها على أحسن العروض المقدمة من طرف المتنافسين من رجال الفن والإبداع في الجمال الذي ترغب في تحقيقه،كأن تريد جهة إدارية معينة مثلا الإستفادة من الطاقة الشمسية في إستخراج المياه الجوفية....

ثانيا: مراحل إبرام المناقصة:

رغم تعدد أشكال المناقصة وإختلافها إلا أنها تقوم جميعها على المبادئ العامة  والأساسية لهذا الأسلوب ، المتمثلة في مبدأ العلانية ، مبدأ حرية المنافسة العامة ، مبدأ المساواة بين المتنافسين ، مبدأ سرية العطاءات (7).

فإحداثا وتطبيقا لهذه المبادىء بين العارضين في سبيل التعاقد مع المصلحة المتعاقدة وضع المشرع إجراءات خاصة لهذه العملية لأن من المقررأن المتعاقد مع الإدارة لا يمكن أن يتم إختياره إلا بأعمال إجراءات محددة بموجب تنظيم قانوني .

   وهذا ما حرص المشرع الجزائري على مراعاته إذ خص عملية إبرام الصفقات العمومية بإجراءات محددة حيث يضمن الحصول على المتعاقد الكفء ضمانا لحسن إستخدام المال العام وعدم تبديده، وتتجلى هذه الإجراءات في المراحل التالية :

1/ مرحلة الإعلان : إن أولى خطوات تعاقد المصلحة المتعاقدة الإعلان ، ويقصد به إيصال العلم إلى جميع الراغبين في التعاقد وبإبلاغهم عن كيفية الحصول على شروط التعاقد ، ونوعية المواصفات المطلوبة،  ومكان وزمان إجراء أي شكل من أشكال المناقصة .

   ولقد أكدت المادة 39 من المرسوم الرئاسي 02-250على إلزامية الإعلان الذي يتم عن طريق الصحافة المكتوبة ، وذلك في جريدتين يوميتين وطنيتين وينشر إجباريا في النشرة الرسمية لصفقات المتعامل العمومي .كما يحرر باللغة الوطنية ولغة أجنبية واحدة على الأقل (8).

   كما إشترط قانون الصفقات العمومية أن يتضمن الإعلان بيانات إلزامية حددها وضبطها في نص المادة 40منه.

2-مرحلة إيداع العروض وتقديم العطاءات : بعد الإعلان عن المناقصة تضع المصلحة المتعاقدة تحت تصرف أي مترشح كل الوثائق المتعلقة بالصفقة تسمح له بتقديم العرض،هذا الأخير الذي يبين من خلال المترشح الوصف الفني الذي يستطيع القيام به وفقا للمواصفات المطروحة في الصفقة ، وكذلك تحديد السعر الذي يقترحه، والذي يرتضي على أساسه إبرام العقد فيما لو رست عليه الصفقة (9).

   هذا وقد ضبط وحدد قانون الصفقات العمومية ما يجب أن يشتمل عليه العروض والتعهدات المقدمة من المترشحين (10).وألزم تقديمها على النموذج الذي تحدده المصلحة المتعاقدة،وغالبافي المجال العملي ما يتضمن العطاء عرضا فنيا وعرضا ماليا تقدم في ظرف مزدوج مختوم تكتب فوقه عبارة "لا يفتح".

3- مرحلة فحص العطاءات :تقوم المصلحة المتعاقدة بفحص دقيق لجميع العطاءات المقدمة ، كل عطاء على حدا من أجل التأكد من مطابقة الشروط المعلن عنها، ومنه فهي مقيدة بجملة من القيود يجب أن نضعها في الحسبان وتتصرف في حدودها تحقيقا للأهداف العامة .

وتحقيقا لهذا الهدف فقد أسند هذا التنظيم مهمة فحص العطاءات وتحليلها على لجنتين هما:

    1-لجنة فتح الأظرفة: تحدث على مستوى كل مصلحة متعاقدة لجنة لفتح الأظرفة تتشكل وفقا للقوانين والتنظيمات المعمول بها بحيث يحدد مسؤول المصلحة المتعاقدة تشكيلتها بمقرر،وتختلف هذه التشكيلة حسب طبيعة المصلحة المتعاقدة وكذا حسب نوع الصفقة المزمع عقدها .

وتجتمع هذه اللجنة في آخر يوم من الأجل المحدد لإيداع العروض بموجب إستدعاء من المصلحة المتعاقدة ، في جلسة علنية بحضور العارضين الذين يتم إعلامهم مسبقافي دفتر الشروط  ويصح إجتماعها مهما كان عدد الحاضرين ،وتبلغ نتائج التقييم التقني والمالي للعروض في إعلان المنح المؤقت للصفقة (11).

هذا وقد حددت المادة 19 من المرسوم الرئاسي 08/338 مهام لجنة الأظرفة بالتفصيل .

 2- لجنة تقويم العروض: تحدث لدى كل مصلحة متعاقدة لجنة لتقويم العروض يعين مسؤول المصلحة المتعاقدة أعضاءها بمقرر، وتتكون من أعضاء مؤهلين يختارون نظرا لكفاءتهم ، إذ تتولى هذه اللجنة تحليل العروض وبدائل العروض عند الإقتضاء ، من أجل إبراز الإقتراحات التي ينبغي تقديمها للهيئآت المعنية ، ومن ثم إستبعاد العروض غير المطابقة لموضوع الصفقة ولمضمون دفتر الشروط.

  وتعمل على تحليل العروض الباقية على مرحلتين على أساس المعايير والمنهجية المنصوص عليها في دفتر الشروط ، إذ تقوم في المرحلة الأولى بالترتيب التقني للعروض  ، وتقوم في المرحلة الثانية بدراسة العروض المالية للمتعهدين المؤهلين مؤقتا .

4- مرحلة إرساء الصفقة :  هناتتخذ المصلحة المتعاقدة موقفا إزاء العارضين فتختار أفضلهم وأحسنهم عطاء لإنجاز المشروع المعلن عنه ، وهذا على ضوء ما يسفر عنه الفحص والتقييم لتلك العروض ، وهذا باتباع إجراءات خاصة والتقيد بالضوابط والثوابت،المحددة سلفا في دفتر شروط الصفقة ، وهذا عملا بنص المادة 47 من قانون الصفقات العمومية .

وفي هذه المرحلة يتخذ إجراء المنح المؤقت للصفقة لأفضل متعهد رست عليه الصفقة ، في انتظار اتمام اجراءات التصديق والإعدام والرقابة الخارجية عن طريق عرض الصفقة على لجنة الصفقات المختصة.

5-مرحلة إعتماد المناقصة : إن الصفقات المبرمة لا تكون نهائية ولا تدخل حيز النفاذ إلا بعد موافقة السلطة المختصة عليها وإعتمادها (12)، لذا تعتبر هذه المرحلة أهم مراحل الصفقة من الناحية القانونية ، فبموجب هذا الإعتماد تدخل الصفقة حيز النفاذ وتقرر واجبات وحقوق كل طرف فيها .

المطلب الثاني: إجراء التراضي

التراضي والإتفاق هو ذلك الاسلوب الإستثنائي في التعاقد الذي تقوم به السلطة المختصة دون التقيد بشكليات المناقصة ، وذلك في إطار من المناقشة المفتوحة مع المترشحين للتعاقد ، مع الإحتفاظ بحرية كاملة في إختيار المتعاقد المناسب بشرط الألتزام بالقواعد المنظمة لهذا الأسلوب ، ففي هذه الحالة الإدارة مثل فردعادي تناقش (تفاوض) بكل حرية وتختار من تريد (13).

وبناء على نص المادة 20 من قانون الصفقات العمومية فإن التراضي يعتبر أسلوبا استثنائيا لاختيار المتعامل المتعاقد، وقد عرفته المادة 22على أنه "التراضي إجراء تخصيص صفقة لمتعامل متعاقد واحد دون الدعوة الشكلية إلى المنافسة يمكن أن يكتسي التراضي شكل التراضي البسيط ، أو شكل التراضي بعد الاستشارة،   وتنظم الاستشارة بكل الوسائل المكتوبة الملائمة دون أية شكليات أخرى "

 وعلى ذلك نتعرض لهذا الأسلوب من خلال أشكاله وإجراءاته :

أولا: أشكال التراضي:

            بالرجوع للنص السابق نجد أن هناك شكلين للتراضي:

1-              التراضي البسيط : عرفه المرسوم الرئاسي رقم02-250 بأنه قاعدة إستثنائية لإبرام العقود لا يمكن إعتمادها إلا في الحالات الواردة في المادة 37من المرسوم ، وهي محددة على سبيل الحصر على النحو التالي :

*- الوضعية الإحتكارية للمتعامل المتعاقد:وهي حالة عدم إمكانية تنفيذ الخدمات إلا بواسطة متعامل متعاقد وحيد ينفرد ، ويحتكر أداءها ، أو ينفرد بإمتلاك الطريقة التكنولوجية التي إختارتها المصلحة المتعاقدة التي تضطر للتعاقد معه.

*- حالة الإستعجال الملح : وهي حالة تبرر وتسمح للمصلحة المتعاقدة بإبرام الصفقات بطريق التراضي البسيط شريطة أن تكون حالة الإستعجال مهددة بخطر داهم يتعرض له ملك أو إستثمارتجسد و حصل في الميدان ، وإن إتباع أسلوب المناقصة لا يسمح بتغطيةحالة الإستعجال لتعقد اجراءاته وإستغراقها وقتا .

*- حالةالتموين المستعجل : والمخصص لضمان سير الإقتصاد  أو توفير حاجات السكان الأساسية وهذا إما تزويد السوق بمادة ضرورية للإقتصاد أصبحت نادرة ، ونقصها يؤثر على أسعاره ،ويحتم الوضع الإقتصادي والمعيشي توافرها.

*- الحالة المتعلقة بمشروع ذي أولويةوذي أهمية وطنية : والمعيار الذي يحدد اللجوء لهذا الأسلوب هو مكانة المشروع وأهميته على الصعيد الوطني وإن تنفيذه ذو أولوية.

   ومنه فإن المصلحة المتعاقدة لا تلجأ لأسلوب التراضي البسيط إلا إذا توفرت حالة من هذه الحالات  التي تتسم معظمها بطابع السرية والإستعجال ، والتي تتطلب في تنفيذها كفاءة عالية ولا تتجاوز حدود مالية معينة .

2-التراضي بعد الاستشارة : ويعرف على أنه الإجراء الذي يسمح بإبرام صفقة بموجب إستشارة بسيطة محدودة بواسطة وسائل مكتوبة مخصصة ومهيأة لذلك دون الشكليات الأخرى.ولقد حددت المادة 9 من المرسوم الرئاسي رقم08-338 حالات اللجوء اليه وهي كالآتي(14):

1-   عندما يتضح أن الدعوة للمنافسة غير مجدية ، أو عند تسلم أي عرض أو إذا كانت العروض المستلمة بعد تقييمها غير مطابقة لدفتر شروط المناقصة،أو لعدم بلوغها حد التأهيل الأولي التقني .

2-   صفقات الدراسات واللوازم والخدمات الخاصة التي لا تستلزم طبيعتها اللجوء الى مناقصة .

3-   صفقات الأشغال التابعة مباشرة للمؤسسات الوطنية السيادية في الدولة .

4-   العمليات المنجزة في إطار إستراتجية التعاون للحكومة أو الإتفاقيات الثنائية المتعلقة بالتمويلات الإمتيازية، وتحويل الديون إلى مشاريع تنموية أو هبات عندما تنص إتفاقات التمويل هذه على ذلك.

ثانيا: عملية إبرام صفقات التراضي :

عرفنا سابقا أن المصلحة المتعاقدة في هذا الأسلوب لا تتقيد بإجراءات وشكليات محددة في إختيار المتعامل المتعاقد معها ، بل يتم الإختيار على أساس من التفاوض والمساومة تحقيقا للمصلحة العامة ، وحفاظا على المال العام.

وبعد تصفحنا لما هو معمول به في الميدان العملى ، وكذا تصفحا لبعض الأنظمة المقارنة في الصفقات العمومية فإنه يمكننا إجمال أهم المراحل التي تمر بها عملية إبرام صفقات التراضي فيما يلي :

1-              مرحلة الدعوة للتعاقد: وهي أول خطوة في عملية التعاقد بهذا الأسلوب ، إذ تقوم المصلحة المتعاقدة بإستدعاء المتعاملين الذين ترغب في التعاقد معهم ، ولتكليف أحدهم بطريق مباشر بأداء الصفقة المزمع عقدها ، وتتم عملية الإستدعاء أو الدعوة للتعاقد إما بطريق كتابي عن طريق إستدعاءات مكتوبة ، أو مناشير داخلية،أو بطريق شفهي بالإتصال مباشرة بالمتعاملين الذين سبق للمصلحة المتعاقدة التعامل معهم ، لأنها تكون على علم تام ودراية كاملة بقدراتهم وكفاءاتهم في أداء الخدمات المتعاقد عليها ، والتي وقفت عليها في تعاملاتها السابقة معه ، وهذا ما تم الوقوف عليه ميدانيا لدى بعض المصالح المتعاقدة خاصة الجماعات المحلية .

2-              مرحلة المفاوضات : بعدما تقوم المصلحة المتعاقدة بتجميع العروض التي سبق لها دعوة أصحابها للتعاقد، وبعد تقييمها من الناحية المالية والفنية والتحقق من مطابقتها للمواصفات المطلوبة ، ومدى مناسبتها لأسعار السوق ، تعمل المصلحة المتعاقدة على إجراء مفاوضات مباشرة مع أصحاب العروض التي تتم الحصول عليها بقصد الوصول إلى أفضلها شروطا ، وأقلها سعرا وهو ما تتضمنه هذه المرحلة التي تعتبر أهم مراحل إبرام صفقات التراضي .

إذ تعتبر المفاوضة من الأمور المنطقية في مجال العقد الإداري، الذي يعد وليدا للإدارة المشتركة لطرفيه مما يتيح مجال للتنافس، والتفاوض بقصد الوصول لأفضل الأوضاع التي تحقق مصلحة الإدارة دون إغفال للمصلحة المتعاقد معها .

3-              مرحلة التعاقد : المصلحة المتعاقدة في هذه المرحلة تعتمدعلى عنصر الحرية الواسعة الممنوحة لما في اختيار المتعامل المتعاقد بها ، اذ تقوم بذلك بناء على المعايير والإعتبارات التي تضعها الإدارة والتي ترى بها تحقق المصلحة الإدارية.

وعليها تسند المصلحة المتعاقدة الصفقة وبطريق مباشر للمتعامل الذي اختارته، وتفاوضت وتراضت معه على جميع شروط التعاقد، والمفترض هنا أنها تأكدت من جميع قدراته وكفاءاته لأداء الخدمات المتعاقد عليها ، إذ من المؤكد أن المصلحة المتعاقدة وتوخيا للمصلحة العامة وحفاظا على المال العام تضع معايير مسبقة وثوابت معينة ، تستعين بها في اختيار المتعامل المتعاقد الكفء ، خاصة وأن المرسوم الرئاسي رقم 02-250 أفاد في المادة 36 منه على أنه " يجب على المصلحة المتعاقدة أن تعلل إختيارها عند كل رقابة تمارسها سلطة مختصة " .

ملاحظة :

        ومن خلال ما سبق عرضه اتضح لنا أن قانون الصفقات العمومية قد حدد طرق إبرام الصفقات العمومية ، وحصرها في الأسلوبين السابقين توخيا منه لاختيار المصلحة المتعاقدة للمتعامل المتعاقد الكفء الذي يؤدي الخدمة العامة بأقل التكاليف وأحسن الفنيات والأساليب حفاظا على المال العام من التبديد وسوء الإستغلال .   

وتجدر الإشارة أن إبرام الصفقات العمومية خارج الطرق المحددة قانونا أو دون مراعاة للأحكام التشريعية والتنظيمية الجاري العمل بها يعتبر جريمة يعاقب عليها القانون ، وكذا استغلال النفوذ للحصول على منفعة أو فائدة عند إبرام عقد أو صفقة مع الدولة أو إحدى الهيئات التابعة لها ، وحتى قبض أجرة أو فائدة بمناسبة تحضير أو إجراء مفاوضات قصد إبرام أو تنفيذ صفقة أو عقد باسم الدولة أو إحدى الهيئات التابعة لها .(15)

المبحث الثاني : تنفيذ الصفقات العمومية

بعد إبرام الصفقة العمومية يدخل طرفاها في مرحلة التنفيذ. وباعتبار أن الصفقات العمومية أهم أنواع العقود الإدارية فإن هذه الأخيرة ونظرا لإرتباطها بالمرفق العمومي الذي يهدف إلى تحقيق المصلحة العامة والحفاظ على المال العام ، يجعل المصلحة المتعاقدة تتمتع بسلطات وإمتيازات تجعل مركز الطرفين غير متساويين في الحقوق والإلتزامات .

لكن هذا الوضع لا يعني بالضرورة أن مصلحة المتعامل المتعاقد مع الإدارة مصونة، وهذا ما سنقف عليه بعد دراستنا لسلطات المصلحة المتعاقدة ، وكذا دراستنا لحقوق المتعامل المتعاقد لاسيما المالية منها .

المطلب الأول :  سلطات المصلحة المتعاقدة

يمكن تصنبف السلطات التي تتمتع بها المصلحة المتعاقدة في مواجهة الطرف المتعاقد معها في مجال الصفقات العمومية على النحو التالي :

1-               سلطة الرقابة والتوجيه :

للإدارة سلطة كاملة في توجيه و تنفيذ العقدوفي الرقابة على تنفيذه في مختلف مراحله ،ويعترف غالبا بهذه السلطة في العقد نفسه ،وكما للإدارة سلطة الرقابة، وتوجيه تعليمات للمتعاقد معها حتى في حالة عدم وجود بند صريح في العقد ينص على ذلك لأن هذه السلطة تجد أساسها في مفهوم المرفق العمومي الذي تسهر الإدارة على حسن سيره في كافة الظروف(16).

ولعل هذا الأمر قرر لصالح المصلحة المتعاقدة حتى تتمكن من حماية المال العام والحفاظ عليه من أي سوء إستغلال أو تبديد .          

2-              سلطة تعديل شروط العقد بالإدارة المنفردة للإدارة :

وتمتد سلطات الإدارة في العقد الإداري الى الحد الذي يسمح بتعديل هذا العقد بإرادتها المنفردة كلما إستوجب ذلك مقتضيات المرفق ذاته ، وتعتبر هذه السلطة من أهم خصائص العقد الإداري ، وبها تستطيع الإدارة بإرادتها المنفردة وفي أثناء تنفيذ العقد أن تعدل في حجم ومدى إلتزامات المتعاقد معها، فتزيد من الأعباء الملقاة على عاتقه أو تنقصها ، بغير حاجة الى موافقته(17)

وبإعتبار هذه السلطة من مستلزمات الحاجة العامة ، فإنها لا تتوقف على وجوب النص عليها في العقد.

3-سلطة توقيع عقوبات على الطرف المتعاقد :

إذا أخل الطرف المتعاقد مع الإدارة بالتزاماته التعاقدية ،كأن يهمل أو يقصر في تنفيذ العقد الإداري ، أو لم يحترم المدة المحددة للتنفيذ أو تنازل عن العقد ولم ينفذه بنفسه ، فإن السلطة المتعاقدة تملك سلطة توقيع وتسليط جزاءات إدارية مختلفة على المتعاقد معها المخل بالتزاماته التعاقدية وبغير حاجة إلى الإلتجاء إلى القضاء سلفا .

والهدف الأساسي من هذه الجزاءات هو ضمان تنفيذ العقود الإدارية وإعادة التوازن بين الإلتزامات ، وهذه الجزاءات عديدة ومتنوعة ويمكن حصرها في الجزاءات الإدارية المالية ، الجزاءات الإدارية عن طريق وسائل الضغوط والإكراه .(18)

4-              سلطة فسخ العقد : 

يجوز للإدارة إذا أخل المتعاقد معها بالتزاماته بصورة جسيمة أن تفسخ العقد ، أو حتى في حالة عدم أرتكابه لخطأ إذا كان الفسخ مبنيا على مقتضيات المصلحة العامة ومتطلباتها .

وللإدارة سلطة اللجوء إلى الفسخ في جميع أنواع العقود حتى وإن كانت هذه السلطة غير منصوص عليها في العقد ، ويمكن أن تمارس هذه السلطة سواء كعقوبة بسبب تقصير خطير إرتكبه المتعاقد مع الإدارة، أو لأن مصلحة المرفق العمومي تتطلب ذلك ، ولكن في هذه الحالة وفي غياب خطأ ارتكب من جانب المتعاقد مع الإدارة فإنه يجب عليها دفع التعويض ، علما وأن السلطة تمارس تحت رقابة القاضي والذي يحكم عليها بالتعويض المالي أيضا إذا تعسفت في استعمال هذه السلطة اتجاه المتعاقد معها .(19)

 

المطلب الثاني : حقوق المتعامل المتعاقد

الأصل ان المتعامل المتعاقد مع المصلحة المتعاقدة لا يتمتع إلا بالحقوق التي يستمدها من العقد ، غير أنه يترتب على تمتع الإدارة بحقوق أوسع مما ينص عليه العقد أن يكون للمتعاقد معها في المقابل حقوق تكفل العدالة في تنفيذ العقد وتضمن وتقيم المساواة بين المتعاقد وعموم الأفراد أمام الأعباء العامة التي يتطلبها سير المرافق العامة ، (20)

وأهم الحقوق على الإطلاق التي تعني المتعامل المتعاقد هي الحقوق المالية ، وهي التي تهمنا في هذه الدراسة لأن المبالغ المدفوعة له من حر المال العام وتتمثل هذه الحقوق في :

أولا : حق المتعامل المتعاقد في إقتضاء ثمن الصفقة

يعتبر هذا الحق من أهم الحقوق التي يتمتع بها المتعامل المتعاقد ، لأنه يهدف من وراء تعاقده مع الإدارة على تحقيق عائد مادي مجز، من خلال المكاسب المالية التي يحصل عليها من تنفيذ العقد ، بعد تغطية ما يتكبده من نفقات وتكاليف .(21)

ويعرف الثمن على أنه المقابل النقدي الذي يتلقاه المتعاقد مع الجهة الإدارية مقابل ما يقدم لها من سلع وخدمات ، ويتم تحديد الثمن في أغلب عقود الإدارة بمقتضى شرط يدرج في صلب العقد، أو بمقتضى وثائق مستقلة تلحق بالعقد ، ويجوز أن يكون تحديد الثمن بالإحالة إلى عناصر أخرى خارجة عن العقد مثل قوائم التسعير الجبري .

ونظرا لأهمية هذا الحق ولكل طرفي الصفقة فإن المشرع لم يفضل تنظيم هذا هذا الحق وكيفيات استيفائه من قبل المتعامل المتعاقد، بحيث تعرض قانون الصفقات العمومية لآليات تحديد سعر الصفقة وكذا طابعه وكيفيات دفع الثمن ، والتي سنتعرض لهذه المسائل تباعا.

1-  آليات تحديد سعر الصفقة :

بالرجوع لنص المادة 51 من المرسوم الرئاسي رقم 02-250 نجد أنه أفاد على أن أجر المتعامل المتعاقد يدفع وفق الكيفيات التالية :

ا/ السعر الإجمالي الجزافي : ووفقه يحدد ثمن الصفقة سلفا بأكمله وبشكل جزافي ثابت غير قابل للتغيير والتبديل ، وغالبا ما يتبع هذا الأسلوب في صفقات الأشغال العامة التي تأخذ وقعا في إنجازها وتكون مصاريفها عرضة للإرتفاع ، والواقع العملي كشف عن تفضيل هذا الأسلوب في تحديد المقابل المالي الذي يتلقاه المتعامل المتعاقد.

ب/ السعر بناء على قائمة سعر الوحدة : وبناء عليه يتم تحديد الثمن على اساس قائمة سعر الوحدة بضرب ثمن الوحدة الواحدة في عدد الوحدات المشابهة لها ، وإن تضمنت الصفقة أكثر من صنف للوحدات فنحدد ثمن كل صنف من الوحدات المماثلة أو المتشابهة ، ثم نقوم بجمع أثمان هذه الأصناف المتشابهة لنحصل على سعر الصفقة الكامل .

ج/ السعر بناء على النفقات المراقبة : إذ الثمن الذي يتقاضاه المتعامل المتعاقد وفق هذا الأسلوب لا يكون محددا ومعرفا عند إبرام الصفقة ، لكن المحدد هو معايير ومقاييس مراقبة ما سينفقه المتعامل المتعاقد أثناء انجازه للخدمة ، فالصفقة التي يتم تأديتها وتنفيذها وفق النفقات المراقبة يجب أن تذكر وتحدد طبيعة وطريقة الحساب ، وقيمة مختلف العناصر المتعاقد عليها لأجل تحديد الثمن الواجب الدفع .

د/ تحديد الثمن بسعر مختلط : يفترض في هذا الأسلوب أن يكون جامعا بين أسلوبين من أساليب تحديد الثمن الذي يتقاضاه المتعامل المتعاقد ، كأن يجمع بين السعر بناء على قائمة سعر الوحدة وكذلك السعر بناء على النفقات المراقبة .

2-              طابع الثمن في الصفقة : الأصل أن سعر الصفقة خاضع لمبدأ الثبات الذي ينطبق وفقا للقواعد العامة للعقود على جميع أطراف العقد ، غير أن لهذا المبدأ استثناءات بناء على ما أوضحته المادة 52 من المرسوم الرئاسي رقم 02-250 التي أفادت بامكانية أن يكون السعر ثابت أو قابل للمراجعة ،وعندما يكون كذلك فيجب أن تحدد الصفقة صيغة مراجعته وكذلك كيفيات تطبيقها،كما يكون السعر قابل للتحيين .(22)

3-               كيفيات دفع ثمن الصفقة : يخضع الثمن لقاعدة الدفع بعد تأدية الخدمة "بمعنى ان المصلحة المتعاقدة لا تدفع المقابل المالي للمتعامل المتعاقد الا بعد إنجاز العمل ، أو القيام بالخدمة أو تسليم التوريدات المطلوبة

وتخفيفا من صرامة هذه القاعدة ولان هناك صفقات تتطلب تمويلا كبيرا وعبئا ماليا قد لا يستطيع الفرد تحمله لوحده حتي إكتمال التنفيذ ، فقد عمد المشرع الى إجازة تسليف الملتزم نسبة معينة من قيمة الإلتزام من جهة وتنظيم الكشوفات مؤقتة بالأشغال المنفذة ضمن فترة زمنية محددة  تدفع قيمتها الى الملتزم تباعا من جهة أخرى وأهمها : التسبيقات ، الدفع على الحساب ، التسوية على رصيد الحساب (23).

وتجدر الإشارة في هذا الصدد أن المشرع قد ضبط المقابل المالي الذي يتلقاه المتعامل المتعاقد بشيء من التفصيل .لان هذه الأموال المدفوعة له وبلا شك جزء لايتجزأ من المال العام،فحفاظا عليه وتنظيما لصرفه تحدد السعر بالضوابط السابقة .

ثانيا : حق المتعامل المتعاقد في إعادة التوازن المالي للعقد:

إن السعر المحدد بالإتفاق لا يمكن تغييره عادة ، فالمتعاقد شأنه شأن الإدارة يجب أن ينفذ إلتزاماته بالسعر المتفق عليه ، إلا أن بعض الأحداث المتوقعة والى حد مايمكن أن تحدث وتؤدي لإضطراب خطير في وضع العقد ، فتجعل تنفيذه باهض الكلفة وقد تنتهي أيضا بدمار المتعاقد ، فإذا طبقت في مثل هذه الظروف البنود المتفق عليها بشكل حازم فإن تدهور وضع المتعهد أو المورد يمكن أن يؤدي الى إنقطاع العمل بالمرفق العام .الأمر الذي يعني عدم كفاية المصلحة العامة .

   وضمانا وحماية للمال العام المصروف سابقا ولأداء الخدمة العامة بالشكل اللازم لابد من الإعتراف بحق التوازن المالي للعقد، بمعنى أن تتحمل الإدارة زيادة الأعباء الناتجة عن تنفيذ العقد وعليه فقد  إستقر الفقه والقضاء الإداريين في كل من فرنسا ، مصر، الجزائر على أن هذا الوضع يتطلب من أجل ضمان مبدأ الإستمرارية إيجاد توافق ومعادلة بين عاملين هما :

-إلتزام المتعامل المتعاقد بالإستمرار بتنفيذ الصفقة لما لها من أثر على المصلحة العامة وتلبية حاجيات المواطنين .

- ضرورة تدخل الإدارة لسد ومنع أي إختلال في التوازن المالي للعقد من خلال تحمل كل أو جزء من الأعباء المالية الإضافية نظير ما تتمتع به من سلطات.

 والتعويض الذي يحصل عليه المتعامل المتعاقد في إطار إعادة التوازن المالي للعقد يجد أساس في نظرية المخاطر الإدارية (نظرية فعل الأمير )،نظرية المخاطر الإقتصادية ( نظرية الظروف الطارئة) ، نظرية الصعوبات المادية غير المتوقعة (24).

هنا نلمس بوضوح حرص المصلحة المتعاقدة على توافر شروط الظروف التي تسمح بإعادة التوازن المالي للعقد، وهذا حفاظا وحرصا على الأموال العامة .

     المطلب الثالث : الرقابة على الصفقات العمومية :

 تطبيقا لنص المادة 103 من قانون الصفقات العمومية ، فإن الصفقات التي تبرمها المصالح المتعاقدة تخضع للرقابة قبل دخولها حيز النتفيذ ،وقبل تنفيذها وبعده لذا فهي تخضع لرقابة خارجية ، ورقابة وصائية، بحيث تهدف الرقابة الخارجية الى تحقق من مطابقة الصفقات المعروضة على هيئآتها للتشريع والتنظيم المعمول بهما ، وللتحقق من مطابقة التزام المصلحة المتعاقدة للعمل المبرمج بكيفية نظامية .

 في حين تتمثل غاية الرقابة الوصائية في التحقق من مطابقة الصفثقات التي تبرمها المصلحة المتعاقدة لأهداف الفعالية والإعتقاد والتأكد من كون العملية التي هي موضوع الصفقة تدخل فعلا في إطار البرامج والأسبقيات المرسومة للقطاع (25).

وتمارس الرقابة الخارجية هيئآت رقابة  محددة تشكيلتها  وإختصاصاتها بموجب قانون الصفقات العمومية ، وتتمثل في لجنتين هما :

أولا : لجنة الصفقات العمومية :

إذ تنشأ لدى كل مصلحة لجنة الصفقات تكلف بالرقابة القبلية للصفقات العمومية ، وقد  قسمها قانون الصفقات العمومية إلى اللجنة الوزارية للصفقات ، لجنة صفقات المؤسسات العمومية ومراكز البحث والتنمية أو المؤسسات العمومية، اللجنة الولائية للصفقات ، اللجنة البلدية للصفقات المختصة بدراسة الصفقات التي تبرمها البلدية ، وكذا لجنة الصفقات للمؤسسة  العمومية المحلية المختصة بدراسة الصفقات .

إذ حدد التنظيم القانوني للصفقات  العمومية تشكيلتها وإختصاصاتها بدقة (26)، بحيث تقدم هذه اللجان مساعدتها في مجال تحضير الصفقات العمومية ، وإتمام تراتيبها ، كما تقدم رأيها حول كل طعن يقدمه متعهد يحتج على إختيار المصلحة المتعاقدة.

ثانيا : اللجنة الوطنية للصفقات العمومية

إذ نصت المادة 28 من المرسوم الرئاسي رقم 08-338 على أنه تحدث لجنتان وطنيتان للصفقات :

-       اللجنة الوطنية لصفقات الأشغال .

-       اللجنة الوطنية لصفقات اللوازم والدراسات والخدمات .

تتمثل اختصاصاتهما فيما يأتي :

-       تساهمان في برمجة الطلبات العمومية وتوجيهها طبقا للسياسة التي تحددها الحكومة .

-       تساهمان في اعداد تنظيم الصفقات العمومية .

-       تراقبان صحة اجراءات ابرام الصفقات ذات الأهمية الوطنية ومنحها .(27).

كما حددت المواد من 30 إل المادة 44 من المرسوم الرئاسي رقم

08-338 تنظيم هاتين اللجنتين وشرح اختصاصاتهما المحددة أعلاه بالتفصيل .

كل هذا بغرض التحقق من مطابقة الصفقات المبرمة للتشريع والتنظيم المعمول بهما ، إذ تتوج الرقابة التي تمارسها لجنة صفقات المصلحة المتعاقدة بمنح التأشيرة أو دفعها خلال 20 يوما ابتداء من تاريخ إيداع الملف الكامل لدى كتابة هذه اللجنة، وهذا ما أفادت به المادة125 من قانون الصفقات العمومية( المرسوم الرئاسي رقم 02-250) .

في حين تتوج الرقابة التي تمارسها اللجنة الوطنية للصفقات لاصدار تأشيرة في غضون 30 يوما على الأكثر ابتداء من تاريخ ايداع الملف الكامل لدى كتابة هذه اللجنة .

 

خاتمـة :

من خلال ما سبق عرضه اتضح لنا مدى أهمية الصفقات العمومية كوسيلة في عملية إشباع الإدارة للحاجات العامة ، كما اتضحت لنا مدى العناية والحماية القانونية التي حاول المشرع احاطة الصفقات العمومية بها .وتساءلنا عن مدى فعالية هذا القانون في حماية المال العام .

وإجابة على ذلك ، فقد خلصنا من خلال الدراسة السابقة أن التنظيم القانوني للصفقات العمومية قد أحاطها فعلا بنوع من الإهتمام ، إذ ضبط وحدد أساليب ابرامها . كما حاول ضبط عملية تنفيذها لا سيما فيما يتعلق بالشق المالي ( الذي يعنينا في هذه الدراسة) ، إلا ان هذا التحديد والضبط يضلان ناقصان بالمقارنة بالإجراءات التي تتبعها الإدارات العمومية في استخدام الصفقات العمومية التي تتميز بالرتابة وبعدها عن الرقابة المباشرة .

لا سيما وأن الدولة تخصص سنويا مبالغ معتبرة وضخمة ، وفي غياب الضبط القانوني والرقابة الصارمة ينفتح باب الإستغلال السيء والإختلاس والتبديد على مصراعيه ، لذا وجب على المشرع تدارك هذه الثغرات في أقرب الأجال ، حيث تكون الصفقات العمومية من وسائل الحفاظ على المال العام لا إساءة استعماله .


تعليقات