"لو لم أكن ملكاً لفرنسا لوددت أن أكون محامياً"
— لويس الثاني عشر
محتويات المقال
مقدمة عن المحاماة ورسالتها
ترتبط المحاماة بالحياة القانونية، كما تعيش في المحاكم وفي المجتمع، ويقع على المحامي واجب خماسي الأبعاد:
- واجبه نحو موكله.
- واجبه نحو خصمه.
- واجبه نحو المحكمة.
- واجبه تجاه نفسه.
- واجبه تجاه النظام القانوني في الدولة.
والمحاماة وهي من الحماية، تشكل الدعامة الأساسية لتحقيق العدل، فهي مهنة مستقلة تشكل مع القضاء سلطة العدل، فلا تنعقد المحكمة تحت طائلة البطلان إلا بوجود محام، وهي تشارك السلطة القضائية في تحقيق العدل وتأكيد سيادة القانون.
والإنسان في صراعه من أجل الحياة وبنضاله المستمر في درء الأخطار عن حياته وماله وحريته وكرامته وعرضه بحاجة إلى حماية، والمحاماة وجدت لحماية أغلى ما لدى الإنسان: حياته وماله وحريته وكرامته وعرضه، وحماية حقوق الأفراد وحقوق الأمة، والحياة لا تستقيم بدون حماية، ودون حماية المحاماة.
والناس أكثر من أي وقت مضى يتطلعون إلى القانون لحماية وتعزيز الحقوق الفردية والجماعية وحل مشكلات الأفراد والجماعات، والحكومات تعتمد بصورة متزايدة على القانون في تنظيم المصالح الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. ولأنه بتعاظم دور القانون يجب أن يزداد ويتعاظم دور المحامين ودور نقابة المحامين لإيصال العدالة للجميع.
والفهم السليم للمحاماة يضعها في مكانها كجزء لا يتجزأ من سلطة العدل بإدراك الترابط العضوي بينها وبين القضاء، وبإدراك أن المحامي أصبح جزءاً لا يتجزأ من المحكمة، ويظهر ذلك في:
- أن المحكمة لا تنعقد أساساً إلا بوجود المحامي (المادة 63/1 من قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني).
- أن مهمة المحامي التعامل مع القاعدة القانونية كيف تفسر وكيف تطبق وتلك هي أيضاً مهمة القاضي.
- أن القرار القضائي السليم هو الذي يوصل إليه بعد حوار أفكار بين طرفين مهمتهما إجادة الحوار.
- أن القاضي يعطي حكمه ويعتمد في قراره على حقائق القضية التي قدمها المحامون الذين حضروا أمامه والأدلة والمراجع ذات الصلة.
مفهوم استقلال المحاماة
المحاماة من الحماية، وهي رسالة نصرة الحق والدفاع عن المظلوم واستقصاء العدل، والمحامون شركاء للقضاة اتخذوا مهنة لهم تقديم المشاركة القضائية والقانونية لمن يطلبها. وإذا كان البعض يذهب إلى اعتبار المحاماة فناً رفيعاً لازماً لتحقيق العدالة، إلا أن التحديد المتفق عليه هو أن المحاماة مهنة حرة مستقلة تشارك السلطة القضائية تحقيق العدالة التي هي جوهر القانون ومرتكزه.
ولاستقلالية المحاماة معنى ومفهوم يختلف عن مفهوم ونطاق استقلال القضاء؛ ومرد ذلك إلى أن المحاماة ليست سلطة كسلطة القضاء أو سلطة كبقية سلطات الدولة (التنفيذية والتشريعية)، بل هي منذ نشأتها مهنة معاونة القضاء تكمل وتشاطر القضاء مهمة إقامة العدل.
فالمحامي في أدائه لمهمته وواجبه لا يخضع لغير ضميره الحر المستقل. واستقلالية المحاماة باعتبارها مستمدة من طبيعة وظيفته الاجتماعية كمشارك للقضاء في إقامة العدل تعني حرية ممارسته لمهنته واستقلاليته في آلية الدفاع عن موكله، ولهذا قيل إن المحاماة دعامة العدل باعتبار أن العدل أساس الملك ولا عدل بغير قضاء ولا قضاء بغير محاماة.
واستقلالية المحامي بالمقابل ليست امتيازاً له يتيح تبرير الخروج على القانون أو التعدي على القضاء، فالاستقلالية أداة حماية استوجبتها طبيعة الترابط العضوي بين مهمة القاضي والمحامي في إقامة العدل، وتنطلق من واجب مقدس أوجبه حق الدفاع المقدس. وإن بذل المحامي أقصى جهده في الدفاع عن موكله يجب أن يتم ضمن إطار القانون وآداب مهنة المحاماة وآداب الترافع وقواعد السلوك القويم.
وفي أفضل تعبير، فإن مفهوم الاستقلالية هو الكفاية الذاتية الوظيفية المصحوبة بأشكال المسؤولية التي تضمن أداء المحامي وظيفته بشكل يطمئن المتقاضين إلى من يمثلونهم ويثقوا فيهم وتخلق لدى المحامين القدرة على مقاومة كافة الضغوط والتدخلات من أي مصدر كان.
الاهتمام الدولي والإقليمي بمبدأ استقلال مهنة المحاماة
يؤخذ على المواثيق الدولية عدم إيلائها الاهتمام الكافي لمبدأ استقلال المحاماة؛ إذ بالرغم من أن المادة 11 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أوجبت توفير سائر الضمانات اللازمة للدفاع عن المتهم في محاكمة عادلة، وكرست ذات المبدأ المادة 14/3 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، إلا أن الاهتمام الدولي باستقلال المحاماة قد تأخر مقارنة باستقلال القضاء.
ويمكن رصد الجهود الدولية والإقليمية عبر المحطات التالية:
- إعلان أثينا (1955): الصادر عن اللجنة الدولية للحقوقيين حول سيادة القانون، والذي أكد على استقلال مهنة المحاماة وتحررها من التدخل الخارجي.
- الإعلان العالمي حول استقلال العدالة (مونتريال 1982): أكد أن العدالة تشكل الدعامة الرئيسة للحرية وأكد على استقلال السلطة القضائية والمحامين.
- المبادئ الأساسية بشأن استقلال ودور المحامين (هافانا - كوبا 1990): الصادرة عن المؤتمر الثامن للأمم المتحدة لمنع الجريمة، والتي تضمنت التأكيد على استقلال المحاماة واستقلال تنظيمات المهنة في تولي شؤونها وحددت واجبات وحقوق المحامين وواجبات الدولة في حماية هذا الاستقلال.
- جهود اتحاد المحامين العرب: عقد عام 1980 مؤتمره الرابع عشر في الرباط تحت عنوان "استقلال المحاماة ضمانة أساسية لحق الدفاع"، وأسس لجنة دائمة لاستقلال المحاماة والقضاء (الدار البيضاء 1990)، وأجرى دراسة مسحية لواقع الاستقلال في الوطن العربي عام 1991.
مقتضيات استقلال المحاماة
استقلالية المحاماة تتطلب انطلاقها من واقع يكفل هذه الاستقلالية ويتطلب استيفاء متطلبين رئيسيين:
1. النزاهة والالتزام الأخلاقي
أول ضرورات استقلالية المحاماة أن يتحلى المحامي بكافة الصفات التي يلتزم بها القاضي من حيث النزاهة والحيدة والالتزام بالقانون والخضوع للضمير والاعتدال والأدب في عرض الموقف والقول والمرافعة والبعد عن التحيز. وقد اعتبرت التشريعات ذلك شرطاً لمزاولة المهنة:
- تطلبت المادة 8 من قانون نقابة المحامين الأردنيين أن يكون المحامي محمود السيرة والسمعة غير محكوم بجريمة أخلاقية أو تأديبية لأسباب ماسة بالشرف والكرامة.
- أوجبت المادة 23 أداء القسم القانوني قبل الاشتغال بالمهنة بأداء الأعمال بأمانة وشرف.
- أوجبت المادة 54 التقيد بمبادئ الشرف والاستقامة والنزاهة.
- أوجبت المادة 56 تجنب كل إجراء أو قول يحول دون سير العدالة.
- حظرت المادة 60 السعي لجلب أصحاب القضايا وحظر الإعلان التجاري أو استخدام الوسطاء أو شراء القضايا.
- حظرت المادة 11 الجمع بين المحاماة ورئاسة السلطة التشريعية أو الوزارة أو الوظائف العامة أو الخاصة الدائمة أو المؤقتة أو احتراف التجارة أو إدارة الشركات، واستثنت التدريس القانوني والعمل النقابي والصحافة الحقوقية.
2. التأهيل القانوني والتدريب المهني
المحاماة تقوم على المعرفة المتجددة وتنمية المهارات، لذا كان من مقتضيات استقلالها التعليم القانوني والتدريب المهني والتأهيل المستمر. فالقانون الأردني يتطلب لقيد المحامي:
- الحصول على شهادة في الحقوق من جامعة معترف بها (المادة 8/و).
- إنجاز التدريب لمدة عامين تحت إشراف محامٍ أستاذ أتم خمس سنوات في المهنة (المواد 25-37 من القانون والمواد 4-24 من النظام الداخلي).
- الترافع بعدد من الدعاوى، وتجاوز امتحانين شفهي وكتابي، وتقديم بحث للمناقشة وحضور المحاضرات والندوات.
مظاهر استقلال مهنة المحاماة
يمكن حشد مظاهر استقلال مهنة المحاماة ضمن محاور ستة رئيسية:
1. استقلال التنظيم القانوني للمحامين وهيمنته على شؤونهم
يتطلب وجود تشريع منظم يكفل الاستقلال، وحصر مزاولة المهنة في المحامين المقيدين، ووجود نقابة تتمتع بالاستقلالية المالية والإدارية، وتكون النقابة هي الجهة المناط بها وحدها مساءلة المحامين تأديبياً. وقد نظم القانون الأردني ذلك في المواد (2، 3، 5، 38، 63-75، 76-85، 86-87، 103).
2. استقلال المحامي في علاقته بموكله
تتوزع هذه العلاقة بين حقوق وواجبات:
- الحقوق: حرية قبول أو رفض الوكالة (مع استثناء المساعدة القضائية م 100/ب، ومراعاة م 43/2)، حرية تحديد خطة الدفاع والاجتهاد القانوني (م 39)، الحق في الأتعاب المتفق عليها والنفقات (المواد 45-52)، والحق في إنهاء الوكالة واعتزالها لسبب مشروع (م 48).
- الواجبات: الدفاع بكل أمانة وإخلاص (م 55)، عدم قبول الوكالة عن خصم موكله أو قبول وكالة خصمين في دعوى واحدة (م 61)، المحافظة على السر المهني وعدم إفشائه حتى بعد انتهاء الوكالة (م 60/4 من القانون وم 51 من النظام الداخلي)، الامتناع عن تقديم المشورة لخصم الموكّل (م 59 من النظام)، الامتناع عن الشهادة ضد موكله، وإعادة أوراق ومستندات الموكل (م 50).
3. استقلال المحامي في علاقته بالقضاء
المحامي مستقل عن القضاء، وتستوجب هذه العلاقة التزامات متبادلة:
- التزامات المحامي: سلوك مسلك محترم يتفق وكرامة المحكمة (م 56 من القانون والبند 1 و2 من لائحة السلوك)، وإقامة العلاقة على أساس الزمالة والتعامل الرسمي ورفع أي مساس بكرامته لمجلس النقابة (م 55 من النظام الداخلي).
- التزامات القضاء: احترام المحامين ودورهم، عدم قبول مثول المتداعين دون محامٍ أستاذ في الدعاوى التي يوجب فيها القانون ذلك (م 41)، وإتاحة الفرصة كاملة للمحامي لإبداء أقواله واعتراضاته ومراعاة حق المرافعة.
4. استقلال المحامي في علاقته بنقابته وزملائه
- تجاه الزملاء: الالتزام بقواعد اللياقة والتعاون لتيسير الإجراءات، عدم التوكل في دعوى سبق لزميل أن توكل بها إلا بإذن خطي (م 52 من النظام)، حظر إقامة دعوى ضد زميل قبل الحصول على إذن النقابة (م 62 من القانون)، وتدريب المحامي المتدرب بمهنية (م 14 من النظام).
- تجاه النقابة: تنفيذ أحكام القانون والأنظمة، أداء الالتزامات المالية (م 20 و21)، رفع المنازعات للنقابة، الامتثال لأوامر التأديب، المشاركة في الانتخابات الهيئة العامة، وتنفيذ ما يكلفه به النقيب من أعمال مجانية ومساعدة قضائية (م 100).
5. استقلال المحامي في علاقته بالأجهزة المتصلة بنظام العدالة
يقتضي احترام الدوائر والسلطات لحرية المحامي ومكانته، وعم تعرضه للملاحقة أو القبض جراء أعماله المهنية، وحماية سرية مكاتبه وأوراقه وعدم تفتيشها (المادة 40 من القانون الأردني)، وإقرار إعفاء من المسؤولية عن الأقوال المبادة في الدفاع (م 39)، وحظر توقيفه أو التحقيق معه إلا بعد إعلام النقابة وحضور مندوبها (م 40/4 و5)، وإخطار النقابة بالأحكام الجزائية الصادرة بحقه (م 73).
6. استقلال المحامي في علاقته بالغير
عدم تعرض المحامي لأي تهديد أو إيذاء أو ضغط جراء مواقفه، وتغليظ العقوبات على الاعتداء عليه؛ حيث قررت المادة 40/6 من قانون نقابة المحامين الأردنيين معاقبة من يعتدي على محامٍ أثناء تأدية عمله أو بسببه بالعقوبة المقررة للاعتداء على قاضٍ.
معيقات استقلال المحاماة
تتمثل أبرز معيقات استقلال المحاماة في الوطن العربي والأردن في الأسباب التالية:
1. إنشاء وتعميم المحاكم الخاصة وعسكرة القضاء
القاضي الطبيعي هو القاضي النظامي المستقل. وإن إنشاء وتوسيع القضاء الاستثنائي والعسكري يتصل بالسلطة التنفيذية ويخلق واقعاً من التأثير والضغط يبدد استقلال القاضي والمحامي، ويحول المحاماة إلى أداء شكلي أو مساجلات تهمش دور المحامي وتهدر استقلاله.
2. تضييق الحق في الاستعانة بمحامٍ
تنظر التشريعات الجزائية في بعض الأحيان لتقييد هذا الحق؛ فقانون الأصول الجزائية الأردني رقم 9 لسنة 1961 (المواد 63-66) يحصر الحق في الاستعانة بمحامٍ أمام النيابة ولا يجيزه أمام جهات الضبط العدلي، كما يقيد كلام المحامي بإذن المحقق ويمنح المدعي العام سلطة منع المحامي من الاتصال بموكله، مما يمس بمكانة المحاماة واستقلالها.
3. التدخل المباشر وغير المباشر في النقابات ودورها
سواء بالتدخل المباشر كحل النقابات وتعيين لجان مؤقتة، أو التدخل غير المباشر بفرض النفوذ والتأثير التشريعي لتحجيم دور النقابة تحت شعار إبعادها عن العمل العام، فضلاً عن انتهاك مكاتب المحامين أو ضعف التأهيل والكفاءة.
الخلاصة
إن حماية حقوق الإنسان وحرياته الأساسية تقتضي حصول جميع الأشخاص على خدمات قانونية يقدمها مهنيون قانونيون مستقلون يتمتعون بالكفاءة والجدارة والنزاهة. والمحاماة القادرة على المشاركة في إدارة نظام العدالة هي المحاماة المستقلة المرتبطة بالقضاء المستقل والمستندة إلى نقابات مستقلة تدير شؤونها بنفسها.
وتستلزم استقلالية المهنة حماية كافة ضمانات المحامي من قبل الدولة وسلطاتها الثلاث، وتوفير بيئة عمل آمنة تحظر الاعتداء عليه أو ملاحقته أو التضييق عليه بسبب أداء واجبه في الدفاع عن موكليه.
أسئلة شائعة
ما هو المفهوم الأساسي لاستقلال المحاماة؟
يقصد باستقلال المحاماة قيام المحامين بأداء دورهم متحررين من كل تأثير أو ضغط من أي جهة كانت، وأن تكون كافة السبل ميسرة أمام الجمهور للاستعانة بالخدمات القانونية، حيث لا يخضع المحامي لغير ضميره الحر واستقلاليته لضمان المحاكمة العادلة.
ما هي أبرز الشروط الأخلاقية والمهنية المترتبة على استقلال المحامي؟
يشترط في المحامي النزاهة والحيدة والالتزام بالقانون والضمير، ومحمودية السيرة والسمعة، وأن يؤدي القسم القانوني، مع حظر الجمع بين المحاماة والوظائف العامة أو احتراف التجارة أو إدارة الشركات، والتأهيل العلمي والتدريب المستمر.
كيف تتجلى استقلالية المحامي في علاقته بموكله؟
تتجلى في حرية قبول الوكالة أو رفضها، وحرية تحديد خطة الدفاع، والحصول على الأتعاب المتفق عليها، مع الالتزام بالدفاع بأمانة، والحفاظ على السر المهني، ورفض التوكل عن الخصم أو إبداء المشورة له.
ما هي أهم معيقات استقلال المحاماة في الوطن العربي؟
تتمثل أبرز المعيقات في إنشاء المحاكم الخاصة وعسكرة القضاء، وتضييق الحق في الاستعانة بمحامٍ أمام جهات التحقيق والضبط، والتدخل المباشر أو غير المباشر في شؤون النقابات المهنية ودورها.
- قانون أصول المحاكمات المدنية الأردني (المادة 63/1)
- قانون نقابة المحامين الأردنيين والنظام الداخلي للنقابة
- الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (المادة 11)
- العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية (المادة 14/3)
- إعلان أثينا الصادر عن اللجنة الدولية للحقوقيين 1955
- الإعلان العالمي حول استقلال العدالة (مونتريال 1982)
- المبادئ الأساسية بشأن استقلال ودور المحامين (هافانا 1990)
- قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني رقم 9 لسنة 1961

شكرا جزيلا
للاستفادة من موقعنا ابحثوا على الموضوع الذين تريدون، بمربع البحث. نسعى دائما لتطوير موقعنا، شكرا لكم