القائمة الرئيسية

الصفحات

مفهوم الفساد في القانون الدولي

 


مفهوم الفساد في القانون الدولي

   

   مداخلة من إعداد: أ. غربي أسامة


مقدمــة:

       لقد ترجم اهتمام المجتمع الدولي بظاهرة الفساد عبر بلورة مجموعة من الأطر القانونية الدولية ، وأبرزها هي " اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد " و التي لم تأتي من فراغ بل كانت وليدة تنامي القلق المتعلق بظاهرة الفساد و نتيجة للجهود الحثيثة التي قادتها الأمم المتحدة عبر وكالاتها المتعددة للوصول إلى إطار جامع يمكن من خلاله مكافحة ممارسة الفساد بصورة فعالة.

       و قد سبق هذه الاتفاقية عدد من الوثائق التي صدرت عن الأمم المتحدة نذكر منها قرار الجمعية العامة الذي اعتمد المدونة الدولية لقواعد سلوك الموظفين العموميين ([1]) . و القرار الذي اعتمد إعلان الأمم المتحدة لمكافحة الفساد و الرشوة في المعاملات التجارية الدولية ([2])، والقرار الذي اعتمد اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية ([3])، والقرارين المتضمنين منع و مكافحة الممارسات الفاسدة و تحويل الأموال المتأتية من مصدر غير مشروع و إعادة تلك الأموال ([4]) .

      و في 4 ديسمبر 2000 قررت الجمعية العامة للأمم المتحدة إعداد اتفاقية دولية لمكافحة الفساد ، فقدمت الجمعية طلبها إلى الأمين العام قصد إعداد تقرير يحلل فيه كافة الصكوك و التوصيات و الوثائق الدولية ذات الصلة ، وقد تم التفاوض على اتفاقية مكافحة الفساد في سبع جلسات امتدت على فترة عامين في مكتب الأمم المتحدة في فيينا من قبل ممثلين عن أكثر من مئة بلد ، وقد قام مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات و الجريمة بدور الأمانة العامة للمفاوضات ، كما شارك ممثلون عن المجتمع المدني ، بما في ذلك منظمة الشفافية الدولية ، وعقب اختتام المفاوضات في أكتوبر 2003 تم تقديم نص الاتفاقية لإقراره من قبل الجمعية العامة بتاريخ 31 أكتوبر 2003 ، وعند إقراره تم فتحه للتوقيع عليه في مؤتمر خصص لهذا الغرض في مدينة مريدا في المكسيك في الفترة ما بين 9-11 ديسمبر 2003 ([5]) .

 

أهمية الاتفاقية :

تظهر أهمية هذه الاتفاقية من خلال النقاط التالية :

تأتي الاتفاقية لتكمل سلسلة من القرارات و الاتفاقيات الدولية و تشجيعا للجهود المحلية في مجال مكافحة الفساد .

اتفاقية عالمية النطاق اشترك في أعمالها التمهيدية و في المفاوضات التي سبقت إقرارها  حوالي 128 دولة إضافة إلى عدد كبير من وكالات الأمم المتحدة و المنظمات الحكومية و المنظمات غير الحكومية .

تمثل الاتفاقية إستراتيجية شاملة لمكافحة الفساد تعتمد على اتخاذ مجموعة من التدابير التشريعية و غير التشريعية ، وإضافة إلى أنها تنشئ آلية لمراقبة التنفيذ ، إضافة إلى أنها تستهدف تحقيق التعاون القضائي الدولي في مجال مكافحة الفساد .

لأول مرة يتم التوصل إلى تفاهم المجتمع الدولي حول عدد من المفاهيم التي تحكم العمل القانوني في مجال الممارسات التي اصطلح على اعتبارها فسادا ([6]) .

تجسد الرؤية الدولية لماهية التدابير و الإجراءات الواجب اتخاذها لمكافحة الفساد .

 

أهداف الاتفاقية :

تستهدف الاتفاقية حسبما نصت عليه المادة الأولى تحقيق الأغراض التالية :

-         ترويج و تدعيم التدابير الرامية إلى منع و مكافحة الفساد بصورة أكفأ و أنجع .

-         ترويج و تيسير و دعم التعاون الدولي و المساعدة التقنية في مجال منع و مكافحة الفساد.

تعزيز النزاهة و المساءلة و الإدارة السليمة للشؤون العمومية و الممتلكات العمومية .

و قد أوضحت ديباجة الاتفاقية بدورها عددا من الأهداف الأخرى و التي تتمثل في :

-توفير المساعدة التقنية عن طريق تدعيم الطاقات و بناء المؤسسات في تعزيز قدرة الدول على منع الفساد و مكافحته .

- العمل على منع و كشف و ردع الإحالات الدولية للموجودات المكتسبة بصورة غير مشروعة و تعزيز التعاون الدولي في مجال استرداد الموجودات.

 

الأحكام العامة للاتفاقية :

يتسم نطاق تطبيق اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد بالشمول على نحو تطبق فيه الأحكام الواردة بها على مراحل و مستويات مكافحة ظاهرة الفساد سواء كان ذلك قبل وقوعها (السياسات الوقائية) أو بعد وقوعها (من خلال التحري و الملاحقة ) أو تتبع العائدات المتحصلة عنه (بوسيلة استرداد الأموال المتحصلة عن جرائم الفساد) هذا الذي يستفاد من أحكام المادة 1 فقرة 3 من الاتفاقية .

و لعل أهم القيم التي انشغلت الاتفاقية بالتأكيد عليها و العمل على تعزيزها هي :

تأكيد النزاهة و المساءلة و سيادة القانون (المادة 1 فقرة 5 من الاتفاقية) .

دعم استقلال القضاء و التأكيد على نزاهته (المادة 11 من الاتفاقية ) .

نشر التوعية المجتمعية و ضرورة مشاركة المجتمع المدني في منع الفساد و إذكاء وعي الناس من خلال تعزيز التدابير الواردة في المادة 13 من الاتفاقية   .

ترسيخ و اعتماد مبادئ الكفاءة و الشفافية و المعايير الموضوعية مثل الجدارة و الإنصاف (الفقرة 1 من المادة 7).

تعزيز الشفافية السياسية المرتبطة بقضية تمويل الأحزاب السياسية (الفقرة 3 المادة 7)([7])

السياسات الوقائية لمكافحة الفساد :

إن أهم السياسات التي اشتملت عليها الاتفاقية هي :

 يستخلص من المادة الثالثة من الاتفاقية وجود هيئات تضطلع بمكافحة الفساد وقائيا ، وهذا من خلال عدد من الوسائل كالتقييم الدوري للصكوك القانونية و التدابير الإدارية  ذات الصلة ، وتعاون الدول الأطراف فيما بينها و المنظمات الدولية و الإقليمية ذات الصلة على تعزيز و تطوير التدابير الوقائية لمكافحة الفساد .

نشر المعارف المتعلقة بمنع الفساد و تعميمها .

نصت المادة 6 من الاتفاقية على منح الهيئات التي تضطلع بدور في مكافحة الفساد ما يلزمها من الاستقلالية حتى تتمكن من القيام بوظائفها بصورة فعالة ، وتوفير ما يلزم من موارد مالية و موظفين متخصصين ، وكذلك فكرة تدريب الموظفين .

أوردت الفقرتان ب و ج في الفقرة الأولى من المادة 6 فكرة اتخاذ الإجراءات المناسبة في مجال القطاع العام لاختيار و تدريب الأفراد لتولي المناصب العمومية التي تعتبر بصفة خاصة عرضة للفساد و ضمان التناوب على المناصب عند الاقتضاء ، وتشجيع سياسة تقديم الأجور الكافية .

أتى في الفقرة الثانية من المادة 8 من الاتفاقية بضرورة سعي كل دولة إلى تطبيق مدونات أو معايير سلوكية من اجل الأداء الصحيح و المشرف و السليم للوظائف العمومية ([8]) .

تيسير التدابير التي تسمح للموظف العمومي بالإفصاح للسلطات المعنية عن أفعال الفساد و  عما لهم من أنشطة خارجية و عمل وظيفي أو هبات كبيرة قد تؤدي إلى تضارب في المصالح مع مهامهم كموظفين عموميين ، وهذا ما نصت عليه الفقرتين 4 و 5 من    المادة 8 .

تنظيم المشتريات العمومية و إدارة الأموال العامة على نحو يقوم على الشفافية و التنافس و المعايير الموضوعية في اتخاذ القرارات. حسب المادة 9 .

اتخاذ تدابير النزاهة و درء فرص الفساد بين أعضاء الجهاز القضائي، ويجوز أن تتضمن قواعد سلوك أعضاء الجهاز القضائي، دون المساس باستقلالية الجهاز القضائي.

الاهتمام بالمكافحة الوقائية للفساد في إطار القطاع الخاص ، وهذا من خلال تعزيز التعاون بين أجهزة إنفاذ القانون وكيانات القطاع الخاص ذات الصلة . إضافة إلى العمل على وضع معايير وإجراءات تستهدف صون نزاهة هذا القطاع . المادة 12.

إنشاء نظام داخلي للرقابة و الإشراف على المصارف و المؤسسات المالية غير المصرفية خاصة في مجال تحويل الأموال.

 

تجريم الفساد في إطار الاتفاقية :

إن الاختلاف الشديد الذي ظهر بين وفود الدول عند المشاركة في إعداد الاتفاقية أدى إلى اكتفاء الدول المشاركة إلى وضع أفعال الفساد المجرمة فقط بدون إعطاء تعريف واضح للفساد [9]. و هذا الذي يعاب على الاتفاقية. إلا انه يمكن أن نستفيد من هذا التعريف في تقريب مفهوم الفساد في الاتفاقية. 

و فيما يلي نستعرض أفعال الفساد المجرمة في الاتفاقية :

*الرشوة : تنص اتفاقية الأمم المتحدة على صورتين للرشوة ، الصورة التقليدية حين تقع من موظف عام وطني (المادة 15) و الصورة المستحدثة للرشوة عندما تقع من موظف عام أجنبي أو من موظف في مؤسسة دولية عمومية (المادة 16).

بالنسبة للنوع الأول من الرشوة الواردة في إطار المادة 15 فقسم التجريم إلى قسمين الأول يجرم كل من وعد موظف عمومي أو عرض عليه أو منحه مزية غير مستحقة لكي يقوم الموظف بفعل ما لدى أداء واجباته الرسمية ، أما التجريم الثاني فهو الذي يجرم سلوك الموظف نفسه حين يطلب أو يقبل بشكل مباشر أو غير مباشر مزية غير مستحقة لصالحه أو لصالح شخص آخر أثناء أداء واجباته الرسمية . و هذين التجريمين سببه أن الرشوة يمكن أن تكون جريمة ايجابية أو سلبية .

 وقد عرف الموظف العمومي في إطار المادة الثانية من الاتفاقية انه " أي شخص يشغل منصبا تشريعيا أو تنفيذيا أو إداريا أو قضائيا لدى دولة طرف .... أي شخص آخر يؤدي وظيفة عمومية .... أي شخص آخر معرف بأنه موظف عمومي في القانون الداخلي للدولة الطرف " .

أما بالنسبة للنوع الثاني من الرشوة و هو المتعلق برشوة الموظف الأجنبي أو الموظف الدولي العمومي ، هذا الذي لا يختلف عن رشوة الموظف العام الوطني المنصوص عليها في المادة 15 إلا في صفة الفاعل و مقابل الرشوة .

*اختلاس الأموال العمومية: نصت عليها المادة 17 على اعتبار أنها قيام موظف عمومي عمدا لصالحه أو لصالح شخص آخر باختلاس أو تبديد أي ممتلكات أو أموال...عهد بها إليه بحكم موقعه . و هنا يرتكب هذه الجريمة فقط الموظف العمومي الوطني بدون إشارة من المادة إلى الموظف العام الأجنبي.

*الاتجار بالنفوذ : تم التطرق إليه في نص المادة 18 و الذي هو قيام موظف أو أي شخص آخر باستغلال نفوذه الفعلي أو المفترض للحصول من الإدارة أو سلطة عمومية تابعة للدولة على مزية غير مستحقة و ذلك مقابل أي مزية غير مستحقة لصالحه أو لصالح شخص آخر . و هنا يمكن أن نلاحظ ما لحظناه في إطار جريمة الرشوة من التجريم الثنائي لكل من فعل الشخص الذي يعد الموظف العمومي بتقديم مزية غير مستحقة لتحريضه على استغلال نفوذه ، والفعل الثاني هو تجريم قيام الموظف العمومي في حد ذاته بالتماس أو قبول مزية غير مستحقة .

*إساءة استغلال الوظائف : نصت عليها المادة 19 و التي أتت بتجريم تعمد موظف عمومي إساءة استغلال وظائفه أو موقعه أي قيامه أو عدم قيامه بفعل ما لدى اضطلاعه بوظائفه بغرض الحصول على مزية غير مستحقة لصالحه أو لصالح شخص آخر . و مثال ذلك تعيين أشخاص لا تتوفر فيهم الشروط القانونية ا وان في تعيينهم محاباة لهم على حساب غيرهم .

*الإثراء غير المشروع :  تطرقت إليه المادة 20 بتجريم تعمد موظف عمومي زيادة موجوداته زيادة كبيرة لا يستطيع تعليلها بصورة معقولة قياسا إلى دخله المشروع . و هذا الفعل يخل بقرينة البراءة من حيث انه ينقل عبء الإثبات إلى المشتبه به أو المتهم من خلال إلزامه بإثبات مشروعية مصدر الأموال التي يحوزها و التي تزيد زيادة كبيرة عن دخله الوظيفي .

*الرشوة في القطاع الخاص : المادة 21 نصت على الرشوة في القطاع الخاص و هذا نظرا لزيادة الدور الذي يلعبه هذا القطاع في الوقت الحالي ، و الرشوة هنا إما أن تكون ايجابية و بالتالي تجرم فعل الشخص الذي يعد شخصا يدير كيانا خاصا بمزية غير مستحقة متى كان ذلك بهدف قيام هذا الأخير بعمل ما أو امتناعه عن هذا العمل مما يشكل إخلالا بواجباته ، أو بصورة سلبية و التي تتمثل في طلب شخص يدير كيانا في القطاع الخاص من شخص آخر بمزية غير مستحقة من اجل القيام أو الامتناع عن عمل ما . ولا يختلف النموذج القانوني للرشوة في القطاع الخاص عنها في القطاع العام إلا من خلال صفة الفاعل .

*اختلاس الممتلكات في القطاع الخاص : نصت المادة 22 على تجريم تعمد شخص يدير كيانا تابعا للقطاع الخاص أو يعمل فيه اختلاس أي ممتلكات أو أموال أو أوراق مالية أو أي أشياء ذات قيمة عهد بها إليه بحكم موقعه .

*غسل الأموال المتحصلة عن جرائم الفساد :إن جريمة غسل عائدات الفساد تكون على الممتلكات و العائدات المتحصلة عن إحدى جرائم الفساد المنصوص عليها في الاتفاقية .

و تتضمن هذه الجريمة المستقلة الأفعال التالية و الواردة في نص المادة 23 :

-إبدال ممتلكات أو إحالتها مع العلم أنها عائدات إجرامية بغرض إخفاء أو تمويه مصدر هذه الممتلكات غير المشروعة .

-إخفاء أو تمويه الطبيعة الحقيقة للممتلكات أو مصدرها أو مكانها أو ملكيتها مع العلم بأنها عائدات إجرامية

-اكتساب الممتلكات أو حيازتها أو استخدامها مع العلم بأنها عائدات إجرامية .

*إخفاء الأموال المتحصلة عن جرائم الفساد : و هي المتعلقة بتجريم أي إخفاء للممتلكات أو مواصلة الاحتفاظ بها عندما يكون الشخص المعني على علم بان تلك الممتلكات متأتية من أي من الأفعال المجرمة وفقا لهذه الاتفاقية . و هي المنصوص عليها في المادة 23 ، و بالتالي نلاحظ التشابه الكبير بين فعلي غسل عائدات جرائم الفساد و إخفاء الأموال المتحصلة عن جرائم الفساد ، لكن الفعل الأول المتعلق بالغسل يستعمل دائما مختلف طرق التمويه و التقنيات المصرفية . بخلاف الفعل الثاني الذي هو عملية إخفاء بسيط لشيء متحصل عليه من جريمة سابقة تدخل ضمن إطار جرائم الفساد .

*عرقلة سير العدالة :  و هذا يكون بالتأثير على الشهود أو الموظفين المنوط بهم تنفيذ القانون ، وقد ورد هذا التجريم في المادة 25 التي جرمت الأفعال التالية :

-استخدام القوة البدنية أو التهديد أو الوعد للتحريض على الإدلاء بشهادة زور أو تدخل في الشهادة حول تقديم أدلة تتعلق بأفعال مجرمة في اتفاقية مكافحة الفساد .

-استخدام القوة البدنية أو التهديد أو الترهيب ضد موظف قضائي أو معني بتنفيذ القانون لممارسته مهامه الرسمية فيما يتعلق بارتكاب أفعال مجرمة وفقا للاتفاقية .

 

ملاحظات هامة حول تجريم الفساد في اتفاقية مكافحة الفساد :

عدم ظهور تعرف واضح و جلي و مباشر للفساد في إطار اتفاقية الأمم  المتحدة لمكافحة الفساد .

تجريم شتى أفعال و صور الفساد التقليدية و غير التقليدية .

شمول تجريم الفساد سواء تلك الواقعة من طرف الموظفين العموميين أو التي ترتكب في إطار القطاع الخاص.

التوسع في تعريف الموظف العام الذي لا يقتصر على الموظف العام الوطني و إنما يمتد إلى الموظف العام الأجنبي و موظفي المؤسسات الدولية.

التوسع في تجريم أفعال الفساد لتشمل كل صور المساهمة أو المشاركة في ارتكاب إحدى الجرائم (التحريض،  التواطؤ ، المساعدة ، و الشروع ).

إضفاء الحماية القانونية على الشهود و الخبراء و الموظفين القضائيين .

تكريس المسؤولية الجنائية للأشخاص الاعتبارية بحيث يمكن مسائلتها عن جرائم الفساد المشمولة بالاتفاقية و إخضاعها لما يناسبها من جزاءات لاسيما العقوبات المالية [10].

النظام الإجرائي للملاحقة القضائية لجرائم الفساد :

تضمنت اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد نظام إجرائي فعال و مستحدث في مجال مكافحة جريمة الفساد سواء على الصعيد و الوطني أو عبر الوطني . و يمكن إجمال هذه الملامح في ما يلي :

تفعيل نظام استرداد الأموال و العائدات المتحصلة على جرائم الفساد ، وهذا من اجل حرمان مرتكبي جرائم الفساد من ثمار مشروعهم الإجرامي ، وهذا مهما استخدموا من حيل الإخفاء و التمويه المصرفي و ووسائل غسل الأموال ، وقد خصص لنظام استرداد الأموال الفصل السادس من الاتفاقية و هذا في المواد من 51 إلى 59 .

تعزيز التعاون الدولي في مجال المساعدة التقنية لمنع و مكافحة الفساد و الذي يشمل إنشاء و تدعيم أجهزة الملاحقة المزودة بالوسائل و الإمكانات الحديثة و تدريب العنصر البشري القائم على هذه الجاهزة .و هذا ما نصت عليه المادة 43 من الاتفاقية .

تعزيز التعاون الدولي في المسائل الجنائية المتعلقة بملاحقة جرائم الفساد و هذا من خلال:

نقل الأشخاص و الإجراءات .

التعاون في التحقيقات المشتركة و إجراءات الاستدلال.

التعاون في مجال إنفاذ القانون .

تسليم المتهمين أو المحكوم عليهم .

المساعدة القانونية المتبادلة ([11]).

التوسع في الأخذ بمعايير الولاية  القضائية (الاختصاص الجنائي)  في مجال مكافحة جرائم الفساد و هذا من خلال معيار الإقليمية (حين تقع الجريمة أو احد أركانها في إقليم الدولة ) ، و معيار الشخصية (تمتع المتهم أو المجني عليه بجنسية الدولة ) ، أو معيار العينية (حين تمثل الجريمة إضرار بمصالح الدولة). و معيار العالمية (حين يوجد المتهم في إقليم الدولة و يتعذر تسليمه). وقد ورد النص على هذه المعايير في المادة 42 من الاتفاقية .

تفعيل نظام تسليم الأشخاص المتهمين بارتكاب جرائم الفساد أو المحكوم عليهم بالإدانة ، وفي هذا الإطار أكدت الاتفاقية على عدم جواز رفض التسليم استنادا للدفع بالطابع السياسي للجريمة المنسوبة إلى الشخص حسب الفقرة 4 من المادة 44 . و التأكيد أيضا على مبدأ عدم إجبار الدولة على تسليم رعاياها ، لكنها تلتزم بمحاكمتهم .

تعزيز سبل الكشف عن جرائم الفساد و تشجيع الإبلاغ عنها و عن مرتكبيها و هذا من خلال :

تشجيع الإبلاغ عن طريق برامج حماية الشهود.

تعزيز التعاون بين سلطات التقصي و الاستدلال.

الحد من الحصانات الوظيفية التي تعوق الكشف عن الفساد .

تقرير معاملة عقابية مخففة للمتهمين المتعاونين في الكشف عن الفساد.

نصت المادة 49 على إنشاء هيئات تحقيق مشتركة تباشر التحقيقات أو الإجراءات القضائية في دولة واحدة أو أكثر ، وهذا الأمر متوقف على إرادة الدول من خلال اتفاقيات ثنائية أو متعددة الأطراف وهذا نظرا لارتباط هذه الفكرة الوثيق بفكرة السيادة الوطنية.

 

خاتمة:

يقول الإمام علي بن أبي طالب :

اختر للحكم من بين الناس أفضل رعيتك ممن لا تضيق به الأمور و لا يتمادى في الزلة و لا تشرف نفسه على طمع ، ولا يكتفي بأدنى فهم دون أقصاه ، واقفهم في الشبهات ، و اقلهم تبرما بمواجهة الخصم ، أصبرهم على تكشف الأمور ، و أصرهم عند اتضاح الحكم ، ممن لا يزهيه إطراء و لا يستميله إغراء .

 

الهوامش:

 



[1] - القرار 59/51 المؤرخ في 12 ديسمبر 1996

[2] - القرار 191/51 المؤرخ بتاريخ 12 ديسمبر 1996

[3] - القرار 25/55 المؤرخ في 15 نوفمبر 2000

[4] - القرار 186/56 المؤرخ في 21 ديسمبر 2001 ، والقرار 244/57 المؤرخ في 20  ديسمبر 2002

[5] - اليوم العالمي لمكافحة الفساد يصادف تاريخ المؤتمر (9 ديسمبر) .

[6] - عبد المنعم سليمان ، ظاهرة الفساد في مدى مواءمة التشريعات العربية لأحكام اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد ، موقع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي

http://www.undp-pogar.org/arabic/

[7] - منظمة الشفافية الدولية ، اتفاقيات مكافحة الفساد في الشرق الأوسط و شمال إفريقيا ، 2007

[8] - من بين هذه المدونات المدونة الدولية لقواعد سلوك الموظفين العموميون الواردة في مرفق الجمعية العامة للأمم المتحدة 51/59 المؤرخ في 12 ديسمبر 1996 .

[9] - محمد فتحي عيد ، مكافحة الفساد من منظور الاتفاقيتين العربية و الدولية ، مجلة الأمن و الحياة ،العدد 280 ، السنة الرابعة و العشرين ، نوفمبر 2005 ،  أكاديمية نايف للعلوم الأمنية ، الرياض ، السعودية ، ص 57 .

[10] - احمد بن عبد الله بن سعود الفارس ، تجريم الفساد في اتفاقية الأمم المتحدة ، رسالة ماجستير ، أكاديمية نايف للعلوم الأمنية ، الرياض ، السعودية ، 2008 ، ص 40 .

[11] - محمد الأمين البشري ، الفساد و الجريمة المنظمة ، أكاديمية نايف للعلوم الأمنية ، الرياض ، السعودية  2007 ، ص 148 .


تعليقات