التعويض عن مصروفات الدعوى «أضرار التقاضي»

بقلم: د. عبد اللطيف القرني

مقدمة عن أضرار التقاضي ومصروفات الدعوى

مع تنوع الأحداث وتشابكها تزداد القضايا في المحاكم، ويتضرر على أثر ذلك بعض المترافعين في الدعاوى سواء عند المطالبة بحقوقهم التي تعذر الوصول إليها إلا عن طريق المحاكم، أو من جهة تعهد البعض برفع الشكاوى على بعض الأشخاص لغرض جرهم إلى المحاكم والنيل منهم.

ومع ازدياد التبعات على مثل هذه التصرفات، كان لزاماً على القضاة وأصحاب النظر أن يهتموا بمبدأ التعويض عن أضرار التقاضي ومصروفات الدعوى، لتقليل التصرفات اللاأخلاقية التي يمارسها البعض استغلالاً لمبدأ القضاء المجاني وقبول المرافعات فيها.

ملاحظة: الاهتمام بمبدأ التعويض يهدف إلى تقليل التصرفات التي تستغل القضاء المجاني للإضرار بالآخرين وجرهم للمحاكم بغير حق.

التأصيل الفقهي للتعويض عن مصروفات التقاضي

بالنظر فيما كتبه فقهاء الإسلام على مر العصور، نجد أنهم تكلموا عن بعض مثل هذه المسائل ونظائرها:

  • الفقه الحنبلي: ورد في «كشاف القناع»: «ولو مطل المدين رب الحق حتى شكى عليه، فما غرمه رب الحق فعلى المدين المماطل».
  • الفقه الشافعي: ورد في «قواعد الأحكام» للعز بن عبد السلام: «إذا لزم المدعى عليه إحضار العين لتقوم عليها البينة فأحضرت، فإن ثبت الحق كانت مؤونة الإحضار على المدعى عليه، وإن لم يثبت كانت مؤونة الإحضار والرد على المدعي، لأنه مبطل».
  • ابن تيمية: ورد في «مجموع الفتاوى»: «إذا كان الذي عليه الحق قادراً على الوفاء ومطله، حتى أحوجه الشكاية، فما غرمه بسبب ذلك فهو على الظالم المماطل».

التكييف النظامي في نظام المرافعات الشرعية

على هذا سارت الأنظمة المرعية في المملكة العربية السعودية، ومن ذلك ما جاء في المادة 236 من نظام المرافعات الشرعية:

«لكل مدع بحق على آخر أثناء نظر الدعوى أو قبل تقديمها مباشرة، أن يقدم إلى المحكمة المختصة بالموضوع دعوى مستعجلة لمنع خصمه من السفر، وعلى القاضي أن يصدر أمراً بالمنع إذا قامت أسباب تدعو إلى الظن أن سفر المدعى عليه أمر متوقع، وبأنه يعرض حق المدعي للخطر أو يؤخر أداءه، ويشترط تقديم المدعي تأميناً يحدده القاضي لتعويض المدعى عليه متى ظهر أن المدعي غير محق في دعواه، ويحكم بالتعويض مع الحكم في الموضوع، ويقدر بحسب ما لحق المدعى عليه من أضرار لتأخيره عن السفر».

اللائحة التنفيذية للمادة 236

  • 236/4: التعويض للممنوع من السفر يقدره القاضي بواسطة أهل الخبرة.
  • 236/5: يقدم المدعي التعويض الذي حدده القاضي بشيك مصرفي محجوز القيمة باسم المحكمة ويودع في صندوق المحكمة.

الطلبات العارضة وفق المادة 80

وجاء في المادة 80 من النظام المذكور أنه يجوز للمدعى عليه أن يقدم من الطلبات العارضة: «أ ــــ طلب الحكم له بتعويض عن ضرر لحقه من الدعوى الأصلية أو إجراء فيها».

وجاء في اللائحة التنفيذية للنظام (80/1): «للمدعى عليه المطالبة بالتعويض عن الضرر الذي لحقه من الدعوى، ولا يستحقه إلا في حال كذبها».

الركائز الفقهية لتكييف التعويض عن أضرار التقاضي

التكييف الفقهي لموضوع التعويض عن الأضرار الناشئة عن التقاضي ينطلق من عدة ركائز أساسية:

  1. أن إلجاء صاحب الحق ــــ بالامتناع عن أداء حقه ــــ إلى التقاضي، أو إقامة الدعوى على الشخص بغير حق ظلم، والظلم يجب منعه وإزالته بالإلزام بالتعويض.
  2. أن التقاضي بغير حق يرتب أضراراً كثيرة كتعطيل العمل وتفويت المصالح والنيل من السمعة وتكلفة المصروفات المالية، والضرر تجب إزالته لقوله ﷺ: «لا ضرر ولا ضرار» والأصل الشرعي «الضرر يزال»، وما وقع من ضرر يجب جبره بالتعويض.
  3. أن التكاليف المترتبة على التقاضي ناشئة عن المتسبب فيها، فيلزمه التعويض عنها كما لو أتلفها.
  4. أن الإلجاء إلى التقاضي بغير حق يشبه الغصب في تفويت الانتفاع بالوقت والجهد والمال، والغصب يوجب الضمان لقوله ﷺ: «على اليد ما أخذت حتى تؤديه».
  5. أن عدم الإلزام بالتعويض يجرى على المماطلة وأكل الأموال بالباطل، وهو محرم لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ وقوله ﷺ: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم».
  6. أن عدم الإلزام بالتعويض يؤدي إلى التجرؤ في إقامة الدعوى، وكثرة الخصومات، وإشغال القضاء وجهات التنفيذ بغير وجه حق.
  7. أن ترك الإلزام بالتعويض يحمل بعض أصحاب الحقوق على ترك المطالبة بها لكثرة تكاليفها مقارنة بالحق نفسه، مما يؤدي لتضييع الحقوق.

شروط استحقاق التعويض عن أضرار التقاضي

تتفرع عن القضايا الكيدية مشكلات وتبعات كثيرة تُشغل السلطات القضائية في المحاكم العامة والجزئية أو المحاكم الإدارية في ديوان المظالم، وتتمثل أهم شروط استحقاق التعويض ومصروفات الدعوى فيما يلي:

  • الشرط الأول (كسب الدعوى): لا يكون التعويض إلا لمن يكسب الدعوى صراحة، سواء كان الكسب كلياً بكامل الطلبات أو جزئياً، ومن يخسر القضية يتحمل النفقات.
  • الشرط الثاني (ثبوت الضرر): متى وجد الضرر وجد التعويض، ويُثبت بالأدلة والبراهين والمستندات الرسمية أو العرفية أو حال أصحاب الدعوى أو تقارير الخبراء.
  • الشرط الثالث (واقعية أسباب الضرر): أن تكون الأسباب معقولة ومتناسبة مع حجم الدعوى وظروفها. وهذا الشرط يقضي على العقود الوهمية بين بعض المحامين والموكلين لطلب مبالغ خيالية (كمن طلب 5 ملايين ريال مصروفات دعوى موضوعها علاوة وظيفية بـ 10 آلاف ريال).
  • الشرط الرابع (انتفاء العذر في الإلجاء لرفع الدعوى): تعذر الوصول إلى الحق إلا عن طريق القضاء، بحيث لا يمكن الحصول عليه بالطرق الودية.

أنواع الأضرار المشمولة وسلطة القاضي التقديرية

يشمل التعويض الأضرار المعنوية والمادية الناشئة عن تقديم الطلبات والدفوع أمام القضاء بغير حق:

  • الأضرار المعنوية: كالأذى الناتج عن الابتذال والامتهان بالإحضار والاستدعاء والانتظار، وتشويه السمعة أمام الأسرة والعائلة، وتضييع الوقت.
  • الأضرار المادية: كمصروفات الدعوى الرسمية، وأتعاب المحاماة والخبراء، وهيئات النظر، ومصروفات الشهود، وتكاليف السفر والسكن للحضور.

ويعود تقدير التعويض إلى المحكمة التي تفصل في الموضوع بناءً على السلطة التقديرية للقاضي، وتحكم بها المحكمة ولو لم يطلب ذلك منها عند رأي الأغلبية، أو بناءً على طلب صاحب الشأن، وللمحكمة الاستعانة بأهل الخبرة.

التطوير القضائي وفهم الواقع في الاجتهاد

إن حاجة الناس ماسة لتطوير الإجراءات القضائية مع تزايد السكان وانتشار التجارة وسرعتها والتقنية الحديثة. ويجب أن يطول التطوير القضائي الاجتهاد والظروف المحيطة مراعاة لتغير الأحوال.

ورحم الله ابن القيم الجوزية إذ قال في «أعلام الموقعين» (1/88):

«ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم، أحدهما: فهم الواقع والفقه فيه واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علما، والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع، وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله في هذا الواقع، ثم يطبق أحدهما على الآخر».

الأسئلة الشائعة حول التعويض عن أضرار التقاضي

ما المبدأ الفقهي والنظامي في التعويض عن مصروفات الدعوى؟

يستند المبدأ إلى قاعدة إزالة الضرر وجبره لمن لحق به أذى بسبب المماطلة أو الكذب في الدعوى، بحيث يتحمل المماطل أو المدعي المبطل التكاليف والمصروفات التي تسبب فيها.

ما أهم شروط استحقاق التعويض عن أضرار التقاضي؟

يشترط كسب الدعوى (كلياً أو جزئياً)، ثبوت الضرر بالأدلة، واقعية أسباب الضرر وتناسبها مع حجم القضايا، وانتفاء العذر في الإلجاء إلى رفع الدعوى قضاءً.

ما أنواع الأضرار التي يغطيها التعويض القضائي؟

يشمل الأضرار المعنوية كتشويه السمعة وتضييع الوقت والامتهان، والأضرار المادية كأتعاب المحاماة ومصروفات الشهود والخبراء والسكن والنقل.

المصدر:
  • د. عبد اللطيف القرني
  • كشاف القناع في الفقه الحنبلي
  • قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام
  • مجموع الفتاوى لابن تيمية
  • نظام المرافعات الشرعية (المادة 236 والمادة 80 ولائحتهما التنفيذية)
  • أعلام الموقعين لابن القيم الجوزية
تعليقات