القائمة الرئيسية

الصفحات

دور القانون الجزائي في حماية المال العام

 


 دور القانون الجزائي في حماية المال العام

مداخلة من إعداد: أ. عبد النبي بوصوار

 

 

مقدمـة:

لاشك أن المال العام بمختلف أوجهه، كان ولا يزال يشكل تلك الدعامة الأساسية لقيام وإستمرار أي مجتمع ، فالدولة بإعتبارها ثمرة النظم الإجتماعية، تصبو دائماً إلى بلوغ مدارج الإرتقاء بغية الوصول إلى تجسيد وتحقيق تلك الصورة المثلى للدولة ، التي طالما حلمت بها الشعوب وأبدع في وصفها الفلاسفة، ومنهم أرسطو الذي قال " إن الدولة لا توجد من أجل توفير سبل الحياة فحسب ولكن من أجل توفير سبل الحياة الطيبة، لأنه إذا كانت الحياة نفسها هي الهدف فإن الحيوانات نفسها يمكن أن تشكل دولة"(1).

  ومن أجل تحقيق هذه الغايات تعمل الدولة ممثلة بمرافقها ومؤسساتها العامة وهيئاتها المختلفة، على وضع سياسات واستراتيجيات بهدف ترقية الخدمة العمومية وتطوير وتحديث خدمات تلك المرافق والمؤسسات لوضع أحسن وأنسب الطرق لتلبية حاجيات شعوبها المتزايدة والمتجددة. وتجسيد ذلك لا يتأتى إلا بتوافر التمويل اللازم وبالمبالغ الكافية لحسن حركية وسير مختلف مرافق وأجهزة الدولة. كما أن وفرة المال في حد ذاته لا تكفي لوحدها لضمان تكفل الدولة بالوظائف الملقاة على عاتقها وإنما يتطلب الأمر كذلك وجود سياسة وإستراتيجية محكمة لضبط سبل التعامل بهذا المال والتحكم في آليات صرفه ومراقبته بغية توجيهه في الاتجاه الصحيح.

 وأمام الدور المتزايد للدولة وتدخلها في شتى مناحي الحياة، بغض النظر عن الفلسفة المنتهجة في السياسة الإقتصادية ، سواء أكانت قائمة على الإتجاه الليبرالي أو الإشتراكي. وكذا أمام ضخامة حجم المال العام الموضوع تحت تصرفها أصبح لزاماً على الدول أن تبحث عن أفضل الطرق لحماية هذا المال العام لما له من وقع مباشر على مصالح الناس. فالوظيفة العامة والخدمة العمومية تشكلان وعاء السلطة وهي بذلك مرآة الدولة ولسان حالها. فإي إنحراف أو فساد يخترق الخدمة العمومية يمس الدولة في الصميم ويجعل ثقة الشعب في حسن أداءها وأمانتها ونزاهة مؤسساتها تهتز وتختل مما يجعلها عاجزة عن تحقيق خدمة الشأن العام.

   ومن أجل التصدي لهذه الآفات والتقليل من خطورتها وضررها على حياة المجتمع. تضع الدول(1)، ومنها الجزائر منظومة قانونية تتطور بإستمرار مستلهمة أبرز ما توصل إليه الفقه المعاصر في مجال حماية المال العام خاصة وأن الجزائر تنتمي إلى فئة الدول الأكثر تعرضاً للآفات الماسة بالمال العام، لأنها من الدول التي تعيش مرحلة الإنتقال من نمط إقتصادي وإجتماعي إلى آخر وهي المرحلة التي تجعل المجتمعات أكثر هشاشة وعرضة لتفشي مثل هذه الإنحرافات. علماً بأن هذه الآفات ليست حكراً على دول دون أخرى وأن كانت حدتها ودرجتها تختلف من مجتمع لآخر.

 


(1) سهير عبد المنعم إسماعيل ، الحماية العامة لنزاهة الوظيفة العامة، رسالة دكتوراه جامعة القاهرة ، سنة 1996 .ص01.

(1)convention pénale du conseil de l'Europe du 27-02-1999 sur la corruption et son protocole additionnel du 15-05-2003 et  la convention dite " MERIDA " du 31-10-2003 adoptée à New- York )  revue la semaine juridique N° 48 du 28-11-2007(

 

 فالجزائـر وإن كانت من الدول السباقة التي وضعت قواعد الحماية والوقايـة من الفساد ومواجهتها كظاهرة إجراميـة وذلك من خلال قانون 06-01 المؤرخ في 20 فبراير 2006، المتعلق بقانون الوقاية من الفساد ومكافحته. بحيث كرس هذا القانون حاجة المنظومة القانونية لمحاربة الفساد إلى تدعيم وتدخل القانون الجزائي كمساند قوي وفعال لمواجهة ما يتعرض له المال العام من أخطار داهمة. ذلك ما نصت عليه المادة الأولى منه والتي حددت أهداف هذا القانون ومن بينها:

 دعم التدابير الرامية إلى الرقابة من الفساد ومكافحته.

- تعزيز النزاهة والمسؤولية والشفافية في تسيير القطاعين العام والخاص.

- تسهيل ودعم التعاون الدولي والمساعدة التقنية من أجل الوقاية من الفساد ومكافحته، بما في ذلك استرداد الموجودات.

 ونظراً لتشعب هذا الموضوع، سنحاول من خلال هذه المداخلة المتواضعة أن نسلط الضوء على دور الحماية الجزائية بخصوص قانون الصفقات العمومية بمختلف أشكالها على أساس أنها هي الطريق التي عادة ما ينفق بواسطتها المال العام وفيها كذلك يكون أكثر عرضة للهدر

والتبذير وإنعدام الحكامة الرشيدة. كما سنحاول إبراز بعض الأفعال التي من خلالها يتم الإعتداء على المال العام وكذلك بعض الصعوبات والإشكالات في تحديد المسؤولية الجزائية في هذا الصدد.

1- القانـون الجنائـي كنظـام لحمايـة الصفقـات العموميـة:

تشكل الصفقات العمومية بشتى أنواعها تلك الأداة القانونية والعملية التي يهدف المشرع من وراءها إلى ضمان الفعالية اللازمة للطلبية العمومية La commande publique  ، وبذلك يحتل قانون الصفقات مكانة بالغة الأهمية ومتميزة لأنه يرمي إلى إخضاع الصفقات العمومية إلى قواعد المنافسة التي تضمن احترام مجموعة من المبادئ الأساسية والمحورية في إبرام الصفقات العمومية في إطار قانوني وشرعي وهي:

 -   إحترام حرية الدخول إلى الطلبيات العمومية.

-  ضمان المساواة بين جميع المترشحين لإبرام الصفقات العمومية

L'égalité de traitement des candidats.

- إرساء قواعد وإجراءات تضمن شفافية الإجراءات وحسن إستعمال المال العام.

La transparence des procédures.

 وبالنظـر إلى طبيعة الصفقات العمومية كما عرفتها القوانين في معظم الـدول، ومنها القانون الجزائـري من خلال المرسـوم الرئاسـي رقم 02-250 المؤرخ في 24 يوليو2002 المتضمن تنظيم الصفقات العمومية في مادته الثالثة على أنها " عقود مكتوبة، تبرم وفق الشروط المنصوص عليها في هذا المرسوم، قصد إنجاز الأشغال وإقتناء المواد والخدمات والدراسات لحساب المصلحة المتعاقدة... ". والتي تتولد عنها علاقة مصلحية بين المشتري أو المتعاقد العمومي من جهة وبين المقاول أو الممون من جهة أخرى. يحتاج فيها الأول إلى التموين بالسلع ويحتاج فيها الثاني إلى تطوير مؤسسته الإنتاجية أو التوسع في مجال نشاطه من الناحية السوقية.    

(1)Catherine prebissy – schnall, la pénalisation des marchés publics, thèse, C.G.D.J.2002.  

إضافة إلى تلك العلاقة المصلحية المتبادلة بين طرفي إبرام الصفقات العمومية. فإن حجم الأموال التي تمر عبر الصفقات العمومية كبير جداً(1) وفي غياب إحصائيات دقيقة نستطيع القول أن المبالغ المرصود ة في ميزانية الدولة سواء ضمن ميزانية التجهيز أو التسيير غالباً ما تمرعبر قناة الصفقات العمومية. كل هذه المعطيات تجعل من الصعب إبعاد شبهة المحاباة وإستغلال النفوذ والرشوة والكسب غير المشروع وكل الآفات التي تؤدي إلى إستنزاف المال العام(2)..

 مما دفع المشرع إلى إحاطة الصفقات العمومية بضوابط وقواعد صارمة لضمان، ليس فقط الشفافية في إبرام الصفقات بل جعل محاولات تحويل وإختلاس المال العام صعبة إلى أبعد حد ممكن. وأوجد لهذا الغرض هيئات للرقابة داخلية وخارجية ووصائية(3).

 وعلى الرغم من هذه النصوص سواء الوطنية أو الدولية التي وضعت لضمان الشفافية والمنافسة في إبرام الصفقات العمومية، وكذلك تنوع أجهزة الرقابة. لا زالت الصفقات العمومية تشكل فضاءاً خصباً لإنتشار العديد من السلوكات غير الشرعية بسبب حجم الأموال الضخمة والفوائد المغرية التي قد يتم الحصول عليها. فكان لابد من البحث عن وسيلة أخرى لتدعيم الإطار القانوني المنظم للصفقات العمومية.

 (1) في فرنسا عمليات الشراء العمومية les achats publics تصل إلى ما يفوق 8% من المنتـوج الوطني الخام (PIB) وفي الجزائر فإن المبالغ الضخمة المرصدة في ميزانية الدولة ( ميزانية الدولة لسنة 2009 ج ر رقم 74 بتاريخ 31/12/2008 )  سواء الخاص ة بالتجهيز أو التسيير، معظمها ينفق بواسطة الصفقات العمومية  

(2) سهير عبد المنعم إسماعيل ، المرجع السابق ص (4 خ)

(3) المادة 103 من قانون الصفقات العمومية.

 ومن هنا جاءت دعوة العديد من الفقهاء إلى ضرورة تدخل القانون الجنائي لتحقيق هذه الغاية وتغطية الضعف الذي شاب الحماية القانونية.

وفي هذا السياق، عمد المشرع إلى تجريم بعض الأفعال وحدد لها عقوبات مشددة من أجل إحداث الردع المطلوب وذلك تماشياً مع ما توصل إليه الفقه الدولي من خلال الإتفاقيات الدولية التي صادقت عليها الجزائر(1). فخصص الباب الرابع من القانون المتعلق بالوقاية من الفساد ومكافحته للتجريم والعقوبات وأساليب التحري فنصت المادة 25 منه على معاقبة رشوة الموظفين العموميين بالحبس من سنتين(2) إلى عشر (10) سنوات وبغرامة مالية من200.000 دج إلى 1000.000 دج.

 وكذلك معاقبـة الحصول على الإمتيازات غير المبررة فـي مجـال الصفقـات العمومية L'obtention d'avantage non justifié  أوDélit de favoritisme بالحبس من سنتين (2) إلى عشر (10) سنوات وبغرمة من 200..000 دج إلى 1000.00 دج.

 كما عاقب الرشوة في مجال الصفقـات العموميـة بالحبس من عشر(10) سنـوات إلى عشرون (20) سنة وبغرامة من 1000.000دج إلى 2000.000 دج.

 وعاقب رشوة الموظفين العموميين الأجانب وموظفي المنظمات الدولية العمومية بالحبس من سنتين (2) إلى عشر (10) سنوات وبغرامة من 200.000 دج إلى 1000.000 دج(2) .

(1)أنظر إتفاقيـة الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة والبروتوكول المكمل لهـا.مرسـوم رئاسـي رقم 04-128 المـؤرخ في 19-04-2004 ،  مرسوم رئاسي رقم 03-418 المؤرخ في 09-11-2003

(2) أنظر المواد 28،27،26،25  من قانون الوقاية ومكافحة الفساد.

  ولعل التوجه نحو إقحام القانون الجنائي في مجال الصفقات العمومية تعود بداياته إلى الحملة الإعلامية الهائلة التي أحاطت عملية الأيدي النظيفة"mains propres " في مدينة ميلان الإيطالية في نهاية سنة 1991 وبداية سنة 1992 والتي اتهمت فيها 04 شركات كبرى Lombardie بدفع رشاً من أجل الحصول على صفقات عمومية لبناء مستشفيات تابعة لوزارة الصحة. وصرفت فيها أموال خيالية، بلغت آلاف المليارات من الليرات وتورط فيها أكثر من 2000 شخصية سياسية منهم 158 برلماني وأكثر من 2000 رجل أعمال(1).

 وبذلك شكل تدخل القانون الجزائي هذا، دعامة قوية وحصن منيع أمام الطامعين والعابتين بالمال العام، وأراد المشرع من خلاله التعبير عن رغبة المواطن والدفاع عن ممتلكاته وكذلك تخليق الحياة الإقتصادية والمالية وإخضاع الجميع لأحكام القانون بما فيهم الأقوياء وأصحاب النفوذ.

 2- مظاهـر عـدم الحيـاد والحيطـة في منح الصفقات العمومية:  

 أ- إقصاء بطريقة غير شرعية للعرض إذا كان مبلغه أو قيمته منخفضة بطريقة غير عادية. بحيث لا يكون ذلك إلا بعد طلب توضيحاً من قبل صاحب العرض وإذا تبين حينها أن المبررات غير مقبولة فيمكن للمتعامل العمومي رفض العرض(2).

 (1) Catherine prebissy – schnall, .opcit, p 8.

(2) Catherine prebissy – schnall, .opcit, p 9..

   وفي بعض الأحيـان يقبل هذا النوع من العروض، استناداً إلى حرية التعاقـد وكذلك حرية تحديد الأسعـار. لأنه يصعب التفريـق من الناحيـة القانونيـة والإقتصاديـة بين العـرض المنخفـض القيمة بطريقـة غيـر عاديـةoffre anormalement basse  وبيـن عرض السعـر التنافسـي(prix concurrentiel)(1).

 ب- منح الصفقة لعرض على أساس السعر الكيف ولكنه في الحقيقة سعر منخفض بطريقة غير عادية.   

ولتفادي وقوع المتعامل العمومي في مثل هذه الأخطاء التي قد تشكل جرائم يعاقب عليها قانون العقوبات. فإنه يطلب عادة أن يختار المتعامل العمومي من العروض الأحسن والأفضل le mieux disant  وإن كان هذا ليس بالأمر الهين. ومن أجل ذلك وضع المشرع عدة معايير يمكن الإعتماد عليها كالسعر، وآجال الإنجاز، والإمكانيات التقنية وخبرة المتعامل الإقتصادي وغيرها من العناصر التي تمكن المتعاقد العمومي من الوصول إلى أفضل العروض.  

(1) Catherine prebissy – schnall, .opcit, p 91.

3- تقويـة دور القاضـي الجنائـي:

الحماية الجنائية للصفقات العمومية تقوي دور القاضي الجنائي في التدخل في مراقبة سلوك المتعاملين العموميين في مجال الصفقات العمومية. فعلى الرغم من صعوبة الأمر بسبب طبيعة قواعد  القانون الإداري التي تحكم قانون الصفقات وكذلك سير المرافق الإدارية العامة بالإضافة إلى أن القضايا الإدارية عادة ما يتولى القضاء الإداري مهمة النظر فيها. وعدم إستقرار السوابق القضائية في المجال الإداري مما يصعب مهمة القاضي الجنائي في جمع كل المعلومات والعناصر المكونة للجرائم في ميدان الصفقات العمومية كما هو الحال في جريمة الإمتيـازات غير المبررة  Délit de favoritisme.

4- تحديـد المسؤوليـة الجنائيـة:

 لاشك أن تحديد المسؤولية في مجال جرائم قانون الصفقات العمومية مهمة ليست سهلة بالنسبة للقاضي لأن مجال تطبيق العقوبة واسع وعدد الأشخاص المتدخلين في إبرام الصفقة كثيرون ويحتلون مواقع مختلفة. فالأمر لا يتعلق بالمتعاقد العمومي والمتعامل معه، بينما قد يوجد راشي ومستفيد من إمتياز بغير وجه حق. كما قد يسأل بخصوص جرائم الصفقات الأشخاص المعنوية الخاضعة للقانون العام كما الأشخاص المعنوية الخاضعة للقانون الخاص(1).

 (1) Catherine prebissy – schnall, .opcit, p 91.

   وقد حددت المادة 02 من القانون المتعلق بالوقاية من الفساد ومكافحته مفهوم الموظف العمومي على أنه:

1- كل شخص يشغل منصباً تشريعياً أو تنفيذياً أو إدارياً أو قضائياً أو في أحد المجالس الشعبية المحلية المنتخبة، سواء أكان معيناً أو منتخباً دائماً أو مؤقتاً مدفوع الأجر أو غير مدفوع الأجر، بصرف النظر عن رتبته أو أقدميته.

2- كل شخص آخر يتولى ولو مؤقتاً، وظيفة أو وكالة بأجر أو بدون أجر ويساهم بهذه الصفة في خدمة هيئة عمومية أو مؤسسة عمومية أو أية مؤسسة أخرى تملك الدولة كل أو بعض رأسمالها، أو أية مؤسسة أخرى تقدم خدمة عمومية.

3- كل شخص آخر معرف بأنه موظف عمومي أوفي حكمه طبقاً للتشريع والتنظيم المعمول بهما.

 5- أهم الصعوبات التي تواجه القاضي الجنائي في تحديد المسؤوليات في الجرائم المتعلقة بقانون الصفقات العمومية:

 أ- قلة المعلومات بسبب التضامن الذي قد يحدث في كثير من الأحيان بين المتعاملين العموميين والمقاولين، ولهذا قد يلجأ القاضي إلى طلب التعاون مع الإدارات المعنية أو إلى تعيين خبير أو لجنة تحقيق.

ب- رغم أن النائب العام أو وكيل الجمهورية يملك تحريك الدعوى العمومية إلا أنه في مجال جرائم الصفقات العمومية قد يطلب تعاون الجهات المكلفة بمراقبة الصفقات العمومية كلجان الصفقات والمراقب المالي والمحاسب العمومي من أجل تحديد المسؤوليات. 

 ج-  القرار الجماعي للجان المختصة Décision collégiale في مراقبة الصفقات العمومية كلجنة فتح الأظرفة ولجنة تقييم العروض ولجنة الصفقات يُصعب من مهمة القاضي في تحديد دور ومسؤولية كل طرف. وبهذا يقتصر الأمر فقط على مساءلة الآمر بالصرف ordonnateur بإعتباره هو الذي يتولى تنفيذ الصفقة.

    من خلال ما سبق ذكره يتضح لنا تشعب الخوض في موضوع مثل هذا نظراً لخطورة المسائل التي يعالجها، بسبب صعوبة التوفيق بين عناصر المعادلة المتضاربة والقائمة على كيفية ضمان حرية الإدارة وقدرتها على التعاقد بما يحقق المنفعة العامة من جهة، وكيفية توفير أكبر قدر من الحماية للمال العام من كل أسباب الهدر من جهة ثانية. ولأن استفحال مثل هذه الآفات قد يؤدي إلى فقدان ثقة الناس في مرافق الدولة بحيث تصبح رهينة وفريسة في يد أقلية من الفاسدين والمفسدين بسبب ما يحدثونه بسلوكهم من تغيير قيم المجتمع مما يفقده توازنه ويؤثر على أمنه وإستقرار العلاقات فيه وقد يؤدي إلى إنهياره بالكامل.

 أمام هذا الخطر الداهم يتعين بذل كل الجهود والحلول المناسبة لمعالجة أسباب وأعراض هذه الظاهرة عن طريق :

 أ- تدعيم إجراءات الشفافية في الحياة الإقتصادية والمالية بما يضمن تكافؤ الفرص والمساواة في التعاقد في مجال الصفقات العمومية ومحاربة كل أشكال المحاباة. وتخليق الحياة الإقتصادية لأنها السبيل الوحيد للحد من الغش والرشوة خاصة وأن من ميزات هذه الآفات أنها تقع تحت جناح التستر والتخفي. وبذلك تشكل الشفافية أنجع علاج لها(1).

 ب- وضع أحكام خاصة لإبرام الصفقات العمومية عن طريق التراضي في الظروف المستعجلة أو الإستثنائية. لأن حالة الإستعجال كثيراً ما تستغل للإستيلاء وتحويل المال العام عن وجهته الصحيحة. فمن الضروري التحكم في هكذا وضعيات بتنظيمها وضبطها. 

ج- تدعيم دور وتدخل القانون الجنائي في حماية المال العام بصفة عامة وفي قانون الصفقات العمومية بصفة خاصة، من خلال توسيع نطاق التجريم وكذلك نطاق المسؤولية بالنسبة للأشخاص التي تتدخل سواء في عملية إبرام تلك الصفقات أو تنفيذها أو مراقبتها. 

د- دعم مشاركة المواطنين في كشف جرائم الإعتداء على المال العام. فمثلاً يجب حماية علاقة العمل بالنسبة للعمال أو الإطارات التي تساعد السلطات في الكشف عن جرائم الفساد والرشوة داخل المؤسسة الإقتصادية لأنهم عادة ما يكونوا عرضةً لإنتقام أرباب العمل والمستخدمين وبالتالي قد يفقدون مناصب عملهم تحت أي ذريعة (2).

   (1) Catherine prebissy – schnall .opcit, p 355

 (2) a propos de la lutte contre la corruption .année 2007. La semaine juridique

 



تعليقات