القائمة الرئيسية

الصفحات

جريمة تبييض الاموال وآليات مكافحتها في التشريع الجزائري

 



جريمة تبييض الاموال وآليات مكافحتها في التشريع الجزائري

                                                    

                                                مداخلة من إعداد: أ. رضا بابا علي



مقدمــة

     تعتبر ظاهرة تبييض الأمـوال أخطـر ظواهـر عصر الاقتصاد الرقمي باعتبار أنها التحدي الحقيقي أمام مؤسسات المـال و الأعمـال و بالنظر لكونها ترتبط بأنشطة غير مشروعة و عمليات مشبوهة يتحقق منها دخول طائلة تؤثر سلبا على الاقتصاد المحلي و العالمي.

     و من خلال هذا العمل البسيط و للإجابة على الإشكالية المتضمنة الآليات التي لجأ إليها المشرع الجزائري لمكافحة جريمة تبييض الأموال سأتطرق إلى مفهوم جريمة تبييض الأموال في مبحث أول ثم إلى آليات مكافحة جريمة تبييض الأموال في مبحث ثاني.

  

المبحث الأول : مفهوم جريمة تبييض الأموال. 

     سنتطرق إلى كل من تعريف جريمة تبييض الأموال، إلى مراحلها ثم بيان أركان هذه الجريمة.

 

المطلب الأول : تعريف جريمة تبييض الأموال.


     تنوعت التعاريف التي قيلت في جريمة تبييض الأموال منهـا التعاريف الفقهية و التشريعية و الدولية. 

     فيمكن القول أنه حسب التعريف الواسع أن تبييض الأموال يشمـل جميع الأموال القذرة الناتجة عن جمـيع الجرائـم و الأعمال غير المشروعة ليس فقط تلك الناتجة عن تجارة المخدرات. 

     أما فيما يخص موقف المشرع الجزائري، وقصد جعل قانون العقوبات يساير التحولات الاقتصادية والسياسيـة والاجتماعية التي تعرفهـا بلادنا و قصد التكفـل بالأشكال الجديدة للإجرام التي تهدد الأمن الفردي و الجماعي، و كذا من أجل جعـل القانون الوطني يتماشى مع المعايير الدولية و الالتزامات الاتفاقية لبلادنا، نجده عرف تبييض الأموال بالمادة 389 مكرر و الذي جاء بها القانون رقم 04 –15 المؤرخ في 10 نوفمبر 2004 المعدل و المتمم للأمر 66/156  المتضمن قانون العقوبات. 

 

- يعتبر تبييضا للأموال :

 

   أ- تحويل الممتلكات أو نقلها مع عـلم الفاعل بأنـها عائدات إجرامية بغرض إخفاء أو تمويه المصدر غير المشروع لتلك الممتلكات أو مساعدة أي شخص متورط فـي ارتكاب الجريمة الأصلية التي تأتت منها هـذه الممتلكات على الإفلات مـن الآثـار القانونية لفعلته.


   ب- إخـفاء أو تمويه الطبيعة الحقيقية للممتلكات أو مصدرها أو مكـانها أو كيفيـة التصرف فيها أو حركتها أو الحقوق المتعلقة بها مع العلم بأنها من عائدات إجراميـة. 


   ج- اكتساب الممتلكات أو حيازتها أو استخدامها مع عـلم الشخص القائم بذلك وقت تلقيها بأنها تشكل عائدات إجرامية.


   د- المشاركة في ارتكاب أي من الجرائم المقررة وفقا لهذه المادة أو التواطؤ أو التآمر على ارتكابها و محاولة ارتكابها و المساعدة و التحريض على ذلك و تسهيله و إسداء المشورة بشأنه.


المطلب الثاني : مراحل جريمة تبييض الأموال  

تمر عملية التبييض من الناحية التقنية بثلاث مراحل هي:

1 ــ توظيف المال (Placement ou prélavage) الذي يمكّن من إدخال الأموال القذرة في نطاق الدورة المالية قصد التخلص من السيولة المالية كشراء عقارات مثلا. 

2 ــ التمويه (lavage) و تهدف هذه المرحلة إلى إخفاء الأموال المراد تبييضها و قطع الصلة عـن مصدرها غير المشروع بإتباع سلسلة مـن العمليات المصرفية المتشابكة المشابهة لحد مـا إلى التعاملات المالية المشروعة.

3 ــ الإدماج (Recyclage ou intégration) تعتبر مرحلة الدمج أو الإدماج آخر مرحلة من مراحل التبييض ففيها يقوم المبيض بدمج الأموال غير المشروعة في الاقتصاد وجعلها تظهر بمظهر مشروع وهذا لتغطية مصدرها تغطية نهائية.


المطلب الثالث :  أركان جريمة تبييض الأموال 

تقتضي جريمة تبييض الأموال توافر ثلاثة أركان و هي:

الفرع الأول : الركن المفترض 

     المتمثل في وجود جريمة سابقة، بحيث تشترط المادة 389 مكرر أن تكون الأموال محل التبييض "عائدات إجرامية" بينما نجد أن النسخة الفرنسية لنفس النص تتكلم عن "عائدات جناية" (Produit d'un crime) و نجد المادة 21 من القنون 05-01 المؤرخ في 06/02/2005 تتحدث عن "جناية أو جنحة". و يجب إثبات الجريمة السابقة كما يجب، في حالة ارتكاب الجريمة الأصلية في الخارج، أن تكتسي طابعا إجراميا في قانون البلد الذي ارتكبت فيه و في القانون الجزائري.

أ/ طبيعة الجريمة الأصلية أو السابقة:

     تشترط المادة 389 مكرر أن تكون الأموال محل التبييض عائدة أو ناتجة عن جريمة أي مهما كان وصفها جناية جنحة أو مخالفة، سواء تعلقت بجريمة ضد الأموال أو ضد الأفراد، في حين نجد النص الفرنسي للمادة يتكلم عن    produit d’un  crime   أي الأموال الناتجة عن جناية وهو مناقض للنص العربي. 

     لكننا إذا تفحصنا المادة 389 مكرر 4 نجدها تنص على مصادرة عائدات الجنايات والجنح وتستبعد عائدات المخالفات وهذا ما تؤكده المادتان 20 و 21 من القانون 01/05 اللتان تنصان على عائدات الجنايات و الجنح.

ب/ إثبات الجريمة الأصلية :

     ينبغي حتى تقوم جريمة تبييض الأموال أن تكون مسبوقة بجريمة نتجت عنها تلك الأموال ، و لإثبات ذلك يجب أن يصدر حكم قضائي يثبت وقوع الجريمة الأولى، و يجوز إستثناءا قيام جريمة تبييض الأموال حتى ولو لم يصدر حكم قضائي سابق في حالة عارض من عوارض الدعوى العمومية ، كالتقادم والوفاة والعفو الشامل والمصالحة والحصانة أو مانع من موانع المسؤولية كصغر السن   و الجنون و الإكراه أو في حالة الفاعل المجهول أو حالة حفظ الملف من طرف النيابة

ج/ الجريمة  الأصلية المرتكبة في الخارج :

     تنص المادة 05 من قانون 01/05 لا يمكن مباشرة المتابعة من أجل جريمة تبييض الأموال إلا إذا كانت الأفعال الأصلية تكتسي طابعا جزائيا في قانون البلد الذي ارتكبت فيه وفي الجزائر.

  

الفرع الثاني : الركن المادي المتمثل في السلوك الإجرامي بحيث نصت المادة 389 مكرر   على أربع صور.

أ/ تحويل الممتلكات أو نقلها 

     و تتمثل في شراء عقارات أو مصوغات أو لوحات أو غير ذلك بالنقود المتحصلة من جريمة أو تحويل النقود إلى عملة أجنبية أو تحويل المال من حساب إلى آخر ومن بلد إلى آخر أي نقل الأموال والممتلكات إلى بلد أجنبي.

ب/ إخفاء المصدر الحقيقي للأموال 

      و يشترط المشرع الجزائري أن يكون الغرض من تحويل الأموال أو نقلها إخفاء مصدرها غير المشروع أو التمويه عن المصدر غير المشروع لتلك الأموال وصور ذلك اقتناء الأموال الناتجة عن جريمة أو اكتسابها عن طريق الهبة أو الوديعة ، أو إدخال أموال غير مشروعة ضمن نتائج أو أرباح شركة قانونية للتمويه عن مصدر الأموال محل التبييض 

ج/ اكتساب الأموال والممتلكات أو حيازتها.

     و يكون الاكتساب عن طريق الشراء أو الهبة أو الإرث و غيره و أما الحيازة فيقصد بها السيطرة على الأموال. 

د/ المساهمة في ارتكاب أفعال النقل أو التمويه.

     و قد جاء ذلك بنص المادة 389 من قانون العقوبات و هي المساهمة في تحويل الممتلكات أو نقلها أو في إخفاء طبيعتها أو تمويهها أو اكتسابها أو حيازتها أو استخدامها.

الفرع الثاني : الركن المعنوي المتمثل في القصد الجنائي. 

     و هو يتمثل في معرفة الجاني بأن  تلك الأموال ناتجة عن جريمة و اتجاه إرادته إلى إضفاء الشرعية على العائدات الإجرامية وبالإضافة إلى القصد العام تقتضي جريمة تبيض الأموال قصدا خاصا يتمثل في الغاية من تحويل الممتلكات أو نقلها وصورة ذلك تظهر في إخفاء أو تمويه المصدر غير المشروع لتلك الممتلكات أو مساعدة أي شخص متورط في ارتكاب الجريمة الأصلية التي تأتت منها هذه الممتلكات على الهروب من قبضة العدالة.


المبحث الثاني:  آليات مكافحة جريمة تبييض الأموال.

     إن آليات مكافحة جريمة تبييض الأموال تتمثل في الرقابة، و الإخطار قي حالة الشبهة. 


المطلب الأول: الرقابة. 

     على المؤسسات المالية في الجزائر  فرض رقابة على زبائنها و متعامليها وكذا لعمليات التي يجرونها وذلك باتخاذ مجموعة من الإجراءات تتمثل فيما يلي:


الفرع الأول: فرض الدفع بواسطة وسائل الدفع

 فرض عمليات الدفع عن طريق القنوات البنكية والمالية عند وصول المبالغ المتعامل بها إلى حد معين 50.000دج محددة بالمرسوم التنفيذي 05/442 المؤرخ في 14/11/2005.


الفرع الثاني: معرفة الزبائن و العمليات 

     التأكد من الهوية الكاملة للزبائن قبل فتح الحسابات في أي مؤسسة مالية، وكذا التحري عن و الاستعلام حول العمليات المشبوهة، و الالتزام بمراقبتها.


الفرع الثالث: حفظ الوثائق  

     الإحتفاظ بالوثائق التي تحمل هوية و عناوين الزبائن و المتعاملين و كذا الوثائق المتعلقة بالعمليات المصرفية التي أجراها الزبائن مدة 05 سنوات من يوم غلق الحسابات أو وقف التعامل المصرفي.

المطلب الثاني: الإخطار بالشبهة.

     هو إجراء محدد بموجب القانون 01/05 المتعلق بالوقاية من جريمة تبييض الأموال، و هو يجبر بعض الهيئات على الإخطار قي حالة الشبهة وقد حددت المادة 19 الأشخاص الخاضعة لواجب الإخطار بالشبهة فيما يلي:

     أ - البنوك و المؤسسات المالية و المصالح المالية لبريد الجزائر و مكاتب الصرف و التعاضديات والرهانات والألعاب والكازينوهات.

     ب- كل شخص طبيعي أو معنوي يقوم في إطار مهنته بالاستشارة و/أو بإجراء عمليات إيداع أو مبادلات أو توظيفات أو تحويلات أو أية حركة لرؤوس الأموال، لاسيما على مستوى المهن الحرة المنظمة وخصوصا منم المحامين و الموثقين ومحافظي البيع بالمزايدة وخبراء المحاسبة و محافظي الحسابات والسماسرة والعملاء الجمركيين و أعوان الصرف و الوسطاء في عمليات البورصة والأعوان العقاريين ومؤسسات الفوترة وتجار المعادن الثمينة والأشياء الأثرية والتحف الفنية.

     يرسل الإخطار إلى خلية معالجة المعلومات المالية CTRF المنشأة لدى وزير المالية بموجب المرسوم التنفيذي رقم 02/127 المؤرخ في 07/04/2002 وهي تتولى تحليل ومعالجة المعلومات التي ترد إليها و تجمع المعلومات التي تسمح باكتشاف مصدر الأموال والعلميات المصرفية محل الإخطار وترسل الملف لوكيل الجمهورية المختص.

     و تنص المادة 20 من قانون 01/05 تلزم الأشخاص المذكورين أعلاه بإبلاغ الخلية عن كل عملية تتعلق بأموال متحصلة من جناية أو جنحة .

    وبالنسبة لمصالح الضرائب فإنه يتعين عليها إرسال تقرير سري فور اكتشافها خلال القيام بمهامها وجود أموال أو عمليات متحصلة من جناية أو جنحة.

    و تنص المادة 22 من نفس القانون على عدم الاعتداد بالسر المهني أو البنكي في مواجهة خلية الاستعلام المالي. 




المطلب الثالث: التعاون الدولي

يتم ذلك على عدة مستويات:

أ – مصلحة معالجة المعلومات المالية: 

     تتعامل هذه المصلحة مع ميئات دول أخرى التي تمارس نفس المهام على تبادل المعلومات حول العمليات المشبوهة.

ب – بنك الجزائر و اللجنة المصرفية التابعة له: 

     تقوم بتبليغ الهيئات المكلفة بمراقبة البنوك في الدول الأخرى.

ج – الجهات القضائية:

     يتم التعاون الدولي في هذا الجانب بين الجهات القضائية الجزائرية         و الأجنبية خلال التحقيقات القضائية المتعلقة بتبييض الأموال و يتمثل ذلك في طلبات التحقيق و الإنابات القضائية الدولية و البحث عن الأشخاص المطلوبين و تسليمهم و كذا حجز العائدات المتحصلة من تبييض الأموال قصد مصادرتها.

     و يبقى التعاون الدولي يخضع للمعاملة بالمثل و احترام الاتفاقات الثنائية   و الدولية المصادق عليها من طرف الجزائر.  

 الخاتمة  

     أقرت الجزائر سنة 2005 قانونا خاص بمحاربة الفساد و مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، وهي خطوة أتت بغرض قطع الصلة بين الأموال النقية الناجمة عن التجارة و التبادلات الشرعية، والأموال الناجمة عن الأفعال الإجرامية، و التي أصبحت تشكل كتلة قوية تهدد الاقتصاد و الأمن والاستقرار. ونص القانون ذاته على تحديد المبلغ المالي الذي يمكن تحويله من و إلى أشخاص مقيمين في الجزائر، تفاديا لعميلات التهريب التي هي على علاقة وطيدة مع ظاهرة التبييض و تعزيز الرقابة على كل عمليات التجارة الخارجية و تدعيم إجراءات القمع.


قائمة المراجع:


أولا: المؤلفات

   ـ أحسن بوسقيعة، الوجيز في القانون الجزائي الخاص، الجزء الأول، دار هومة، الجزائر،  

    الطبعة السابعة، 2007.

 ثانيا : مذكرات التخرج


   - منيعي حسني السبتي، جريمة تبييض الأموال، مذكرة تخرج للحصول على إجازة المعهد الوطني للقضاء، المعهد الوطني للقضاء، الجزائر، الدفعة الثانية عشرة .


 ثالثا: دروس

  - أحمد لعرابة – دروس و محاضرات ألقيت على الطلبة القضاة الدفعة 13 من السنة الثانية ، السنة الدراسية 2003- 2004 بالمعهد الوطني للقضاء .

 رابعا: النصوص القانونية


  - القانون 04-15 المؤرخ في 10 نوفمبر 2004 المعدل و المتمم للأمر  66 –156  المتضمن قانون العقوبات الجزائري .

  - القانون رقم 05/01 المؤرخ في 06 فبراير 2005 المتعلق بالوقاية من تبييض الأموال وتمويل الإرهاب  و مكافحتهما.



تعليقات