القائمة الرئيسية

الصفحات

منهج الإسلام في الحفاظ على الأموال العام

 


 منهج الإسلام في الحفاظ على الأموال العام


                                                            مداخلة من إعداد: أ.د. نور الدين بوحمزة

 


المقدمة:

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فتعد الأموال العامة على اختلاف أنواعها ومواردها - الركيزة التي تحقق التنمية للدولة والمجتمع والأفراد. وهذه الأموال هي التي أطلق عليها الفقهاء قديما مصطلح ( أموال بيت المال ) - خزينة الدولة بلغة العصر-، أو ( أموال المصالح ).

وقد أسهب العلماء في كتب الفقه، والسياسة، والاجتماع، في بيان حدها، وأنواعها، وطرق جبايتها، وحفظها، وإنفاقها، وفق مبدأ شرعي قطعي فحواه أن : ( المال لا يؤخذ إلا بحقه، ولا ينفق إلا في موضعه).  وقرروا: أن هذه الأموال لا يتصرف فيها إلا الأئمة أو نوابهم، كما صرح بذلك العز بن عبد السلام في كتابه البديع: ( قواعد الأحكام في مصالح الأنام ). وأن تصرفهم فيها منوط بالمصلحة، وفقا لقاعدة : ( تصرف الأئمة على الرعية منوط بالمصلحة ). وهذه المصلحة التي ترصد لها الأموال العامة أو ( أموال المصالح )، تقوم أساسا على رعاية حاجات أفراد المجتمع ومتطلباته وفقا لمراتب المصالح الشرعية من ضرورات، وحاجات، وتحسينات.

وهذا كله؛ أوجب تعدد أساليب المتابعة والمراقبة والإشراف المالي على هذه الأموال في نصوص الشريعة وقواعدها على المستوى العلمي النظري، وفرض تنوع النظم والإجراءات لمراقبتها على المستوى العملي، وذلك من خلال إنشاء أجهزة كفيلة بتحقيق مقصد المحافظة على المال العام، كنظام الحسبة، وولاية المظالم، ورقابة الدواوين.

وأتناول في هذه المحاضرة جملة من القضايا التي تكشف عن وجوهٍ ومسالكَ في حفظِ المالِ العامِ من منظور إسلامي، وفق المطالب التالية:

المطلب الأول: مفهوم المال العام والخاص في الفقه الإسلامي

المطلب الثاني: ضرورة حماية المال العام في الشريعة الإسلامية

        المطلب الثالث: الولاية على الأموال العامة ( مفهومها، أهميتها )

        المطلب الرابع: ضوابط شرعية للتصرف في المال العام

        المطلب الخامس: الاعتداء على الأموال العامة( صوره، وأسبابه )

        المطلب السادس: أسس الحفاظ على الأموال العامة في الإسلام

        المطلب السابع: التطبيق العملي للرقابة على المال العام في الصدر الأول

 

 

 

 

المطلب الأول : مفهوم المال العام والخاص في الإسلام

 

        أولا : مفهوم المال الخاص

المال الخاص : ( ما كان لصاحب خاص واحدا كان أو متعددا له استثماره والتصرف فيه )(1). أو ( هو ما كان ملكا لفرد معين، أو جماعة محصورين، غير مشاع للعموم، يختص به مالكه رقبة ومنفعة )(2).

وعرف بعض الفقهاء الأموال العامة أيضا: بأنها ( ما دخلت في الملك الفردي فكانت محجورة عن الكافة، أي أنها ليست مشاعة بين عموم الناس ولا مباحة لهم لا رقبة ولا منفعة )(2)، فيدخل في هذا النوع : أموال الأفراد، أو أموال مجموعة من الشركاء، ويطلق المال الخاص في اصطلاح القانونيين في مقابل ( المال العام )(3).

والأموال الخاصة قد تصير عامة، كما لو أوقف شخص أمواله للمنفعة العامة، من بناء مسجد، أو مدرسة. وكما لو انتزعت الدولة عقارا للمصلحة العامة لمصلحة راجحة من إنشاء طريق، أو توسيعه، أو إحداث مرفق ضروري لعامة الناس(5).

ثانيا : مفهوم المال العام

تطلق الأموال العامة في الاصطلاح الفقهي على: ( ما كان مخصصا لمصلحة عموم الناس ومنافعهم، وصاحبه مجموع الأمة، فلا يقع عليه الملك الخاص المنفرد، ولا يملك الاستبداد به فرد واحد أو أفراد مخصوصين، سواء أكان أرضا، أو بناءً، أو نقدا، أو عروض تجارة أو غير ذلك، مثل: إملاك بيت المال والحمى والطرق والشوارع، والمقابر العامة، والأنهار الكبيرة، والأراضي الموقوفة على جماعة المسلمين وسائر المرافق العامة للدولة )(1).

وقيل في تعريف المال العام: بأنه ( ما كان ملكا للدولة وليس للأفراد )(2)، أو ( هو كل مال ثبتت عليه اليد في بلاد المسلمين، ولم يتعين مالكه، بل هو للمسلمين جميعا )(3).

يقول الماوردي : ( كل مال استحقه المسلمون، ولم يتعين مالكه منهم فهو من حقوق بيت المال. فإذا قبض صار بالقبض مضافا إلى حقوق بيت المال، سواء أدخل إلى حرزه أو لم يدخل؛ لأن بيت المال عبارة عن الجهة لا المكان، وكل حق وجب صرفه في مصالح المسلمين فهو حق على بيت المال، فإذا صرف في جهته صار مضافا إلى الخراج من بيت المال سواء خرج من حرزه أو لم يخرج، لأن ما صار إلى عمال المسلمين أو خرج من أيديهم فحكم بيت المال جار عليه في دخله إليه وخرجه )(4).

فالمال العام هو حق عام لجميع أفراد الأمة لا يختص به طائفة عن غيرهم، والحاكم نائب في التصرف فيه بما يحقق مصلحة الأمة، وبما يكفل الكفاية لرعايا الدولة المسلمة(5)، قال الشيخ الطاهر بن عاشور : ( فالمال العام هو حق للجماعة على الإجمال يتولى ولي الجماعة إبلاغ منافعه إلى من لا يستطيع إقامة شؤونه من ماله، وعلى ولي الأمر القيام بالنظر إلى وسائل توفير المال وحفظه بالاقتصاد لتكون الأمة في غنى من طلب المال من غيرها )(6).

ومن أهم ما تملكه الدولة اليوم: الأملاك العقارية، من الأراضي، والغابات، والمناجم، وسائر الثروات الطبيعية والمعدنية، والتي من أهمها آبار النفط(7).

وتقسيم هذه الأموال بهذا الاعتبار له أهمية في الفقه الإسلامي؛ لأن الأصل في الأموال العامة أنها لا تقبل بطبيعتها التملك الفردي، بخلاف الأموال الخاصة، فهي متملكة لآحاد الناس، وهذا لا يعني عدم تحول الأموال العامة عن طبيعتها، فقد يصير المال العام خاصا كما لو اقتضت مصلحة الأمة بيع شيء من أملاك الدولة، إلا أن ذلك لا ينبغي أن يكون إلا وفق المصالح الحقيقية المتعلقة بعامة المسلمين.

المطلب الثاني: ضرورة حماية المال العام في الشريعة الإسلامية

 

حفظ الأموال وصيانتها وتنميتها من المقاصد الكلية الواقعة في رتبة الضروريات؛ فالشريعة الإسلامية جاءت للحفاظ على الكليات التي لا تستقيم الحياة إلا بها(1)، ومنها : حفظ الأموال، لأنها سبب لتحقيق مصالح الدين والدنيا.

فالمال سبب عظيم لقيام الدول أو إفنائها، ووسيلة هامة لرقيها أو انحطاطها،  والمصالح المترتبة على حفظ المال كثيرة جدا، منها ما يعود إلى تثبيت دعائم الدولة، كتجهيز الجيوش، وسد الثغور، وصناعة الأسلحة، ورصد الأرزاق للجند والمقاتلة، ومنها ما يعود إلى تحقيق الكفاية لأفراد المجتمع وذلك بـ ( تأمين الحاجات الضرورية، ورفع مستوى المعيشة، والقضاء على مظاهر الفقر، وتحقيق مبدأ التكافل الاجتماعي )(2). ولا يمكن تحقيق التنمية الشاملة - بجميع جوانبها وعلى اختلاف مراتبها - إلا بالحفاظ على الأموال؛ وهذا أمر لا يحتاج إلى كبير تقرير؛ خاصة ونحن نعيش في هذه الأيام أزمة مالية عالمية كشرت عن أنيابها على المستوى العالمي فكانت سببا في بداية كساد عالمي؛ جعل الاقتصاديين وخبراء المال ينذرون بآثار سيئة لهذه الأزمة على التنمية العالمية، وهذا يؤكد الخطر الكبير الذي يلحق البشرية جراء التلاعب بالأموال، والتصرف فيها على وجه الظلم والعدوان.

فالمال من ضرورات المعاش؛ به قيام مصالحهم، والنصوص الآمرة بحفظه وصيانته وعدم إضاعته كثيرة جدا، قال تعالى: ( ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما)(1)، وقال تعالى:(يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم )(2). وفي السنة النبوية أحاديث لا تحصى كثرة فيها تعظيم الأموال وبيان حرمتها ومنزلتها في الإسلام، وقد حرمها النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وجعلها قرينة النفس والعرض في الحرمة. وفي الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان ينهى عن إضاعة المال )(3)، ويدخل في إضاعته: إنفاقه في غير وجوهه المأذون فيها شرعا(4).

وكل النصوص الشرعية المعظمة لأمر المال، والمطالبة بالحفاظ عليه، والزاجرة عن جميع وجوه التعدي عليه، يدخل فيها الأموال العامة دخولا أوليا، لعظم خطرها وعموم الضرر اللاحق في حال العدوان عليها(5)؛ وعلى هذا : فإذا كان الإسراف والتبذير محرما في المال الخاص، فهو في المال العام أشد تحريما، وإذا كان العدوان على المال الخاص محرما ومنكرا، فهو في المال العام أشد تحريما ومنكرا؛ ووجه ذلك : أن المال الخاص منافعه خاصة، والمال العام منافعه عامة، والضرر العام المتعدي أشد إثما من الضرر الخاص القاصر.

المطلب الثالث: الولاية على الأموال العامة ( مفهومها، أهميتها )

 

أولا: مفهوم الولاية على الأموال العامة

        الولاية على المال على نوعين:

        ( 1 ) ـ ولاية عامة،

        ( 2 ) ـ ولاية خاصة.

        والمقصود بالولاية على الأموال العامة الولاية العامة، وحقيقتها: السلطة التي تكون للجهة المخولة بالتصرف في الأموال العامة بجلب المصالح المتعلقة بها ودرء المفاسد، وهذه الولاية منصب ديني ودنيوي يتحقق به القيام بما أوجبه الشارع من المحافظة على المال اكتسابا وإنفاقا على وجه العدل والمصلحة(1). وحقيقة هذه الولاية ومقصودها الأعظم: جباية الأموال من حلها وصرفها في محلها.

ومقتضى تعين الولاية على الأموال العامة شرعا يعني بالضرورة منع آحاد الناس من التصرف في هذه الأموال، فالقائم على هذه الأموال في أخذها وحفظها، ثم بذلها وصرفها في مصالحها المعروفة، هو الإمام أو من ينوب عنه من ( القضاة، والولاة، والعمال..  ).

قال العز بن عبد السلام : ( لا يتصرف في أموال المصالح العامة إلا الأئمة ونوابهم)(2)، فالحاكم ( أو من ينوب عنه ) يعد أول مسؤول عن حماية الأموال العامة، وحسن إدارتها، وتحقيق انتفاع الناس بها على الوجه الشرعي، ويعتبر تصرفه فيها بمنزلة تصرف ولي اليتيم في مال اليتيم؛ ولهذا لا يخرج الحاكم من تبعات هذا المال إلا إذا جمعه من حقه، وصرفه في حقه، وصانه عن أيدي المعتدين.

وعلى هذا فالمسؤولية في جمع الأموال العامة وصرفها راجعة إلى ولي الأمر أو من ينوب عنه، وهذا أمر مقطوع به في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرة الخلفاء الراشدين من بعده، وهو من أهم مقاصد تحقيق الولاية كما قرر ذلك الإمام الجويني في كتابه: ( غياث الأمم)(1). وهذا الذي أقرته النظم المعاصرة في قوانينها؛ إذ تعتبر إدارة الدولة هي المشرفة على أموال القطاع العام والمراقبة لحركة جبايته وإنفاقه(2).

        على أنه لا يوجد حد في الشرع لهذه الولاية لا يختلف، بل حدود الولاية على المال تختلف من زمن إلى آخر، ومن مكان إلى مكان، ومن عصر إلى عصر، وهذا دليل على عموم الشريعة وصلاحيتها لكل زمان ومكان، فالولاية على الأموال العامة تخضع للمستجدات والمتغيرات، فقد تختلف في عمومها وخصوصها، وفي كيفة تحقيق ما يتعلق بها من سلطة على المال، قال ابن تيمية: ( عموم الولايات وخصوصها، وما يستفيده المتولي بالولاية يتلقى من الألفاظ والأحوال والعرف، وليس لذلك حد في الشرع، فقد يدخل في ولاية القضاء في بعض الأزمنة والأمكنة ما يدخل في ولاية الحرب في زمان ومكان آخر، وبالعكس، وكذلك الحسبة وولاية المال..)(3).

ثانيا: أهمية الولاية على الأموال العامة

الولاية على أموال المصالح ( المال العام )، من الأمانات العظيمة التي يحاسب عليها من كلف بحفظها أو توزيعها، ولذا كان اختيار من يتولى إدارة هذه الأموال من المهمات التي تحقق الحفاظ على المال العام، خاصة وهو أمانة في يد الحاكم أو من ينوب عنه، والأمانات الشرعية مما يجب رعايتها وصيانتها، قال الله تعالى: ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها)(4)

وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ما من عبد استرعاه الله رعية، فلم يحطها بنصحه، إلا لم يجد رائحة الجنة )(1).

فالذي يقوم على هذه الأموال العامة خازن يشترط فيه جملة من الشروط التي يتحقق بها القيام بالوظيفة المسندة إليه وأهمها:  الأمانة، والصدق، والتقوى، والعدالة، والعلم...وهي الصفات الأساسية التي تحجز صاحبها عن ارتكاب ما يخل بالأمانة المنوطة به، من تضييع المال العام، أو اختلاسه، أو أي جريمة من الجرائم  المتعلقة بالأموال العامة.

فالأموال العامة بمنزلة الودائع الخاصة، لا يحل شرعا التعدي عليها أو التفريط فيها، بل هي أعظم من الودائع الخاصة، لأن حاجة الخلق متعلقة بها على وجه العموم، فالواجب أن يكون حفظه لهذا المال أعظم من حفظه لماله الخاص، وليس له أن يتصرف فيه بغير وجه الشرعي، وبغير ما يحقق المصلحة التي رصد لأجلها، قال القرافي: ( اعلم أن كل من ولي ولاية الخلافة فما دونها إلى الوصية، لا يحل له أن يتصرف فيها إلا بجلب مصلحة  أو درء مفسدة.. )(2).

وقد تظافرت النصوص النبوية في التحذير من القرب من الأموال العامة بغير وجه حق، فإن النبي صلى الله عليه وسلم حذر العمال والسعاة من أخذ المال بغير حق وبين  أنه من ( الغلول ) الذي يعاقب عليه فاعله يوم القيامة، فعن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه قال : ( بعثني النبي صلى الله عليه وسلم ساعيا ثم قال انطلق أبا مسعود ولا ألفينك يوم القيامة تجيء وعلى ظهرك بعير من إبل الصدقة له رغاء قد غللته، قال : إذا لا أنطلق؛ قال : إذا لا أكرهك )(3).

 

ومما يؤكد خطر التعدي على هذه الأموال أن الشرع حرم كل أنواع التصرفات الضارة التي تلحق بالأموال العامة، ومنع منها ولو كانت في الشيء اليسير الذي قد يُتسامحُ فيه في المال الخاصِ، لأن تعلق حق مجموع الأمة بهذا المال يجعل القليل منه خطيرا في حكمه وجرمه؛ وهذا الأمر تشهد له السنة النبوية الصحيحة، فقد ورد فيها الوعيد الشديد، والزجر الأكيد على من تصرف في المال العام من غير إذن من الشرع، ففي صحيح مسلم عن  أبي هريرة -رضي الله عنه -قال صلى الله عليه وسلم : ( كلا والذي نفس محمد بيده إن الشملة لتلتهب عليه نارا، أخذها من الغنائم يوم خيبر، لم تصبها المقاسم..)(1).

فانظر إلى هذا العذاب الذي أصاب هذا الغال إنما كان سببه تلك الشملة التي غلها، وهي مما يتسامح فيه بين الناس عادة، غير أن الشرع شدد لئلا يتهاون الناس في مثل هذه الأموال، لا فرق في ذلك بين القليل والكثير، تأكيدا لحرمة هذه الأموال، قال النووي : (...منها غلظ تحريم الغلول، وأنه لا فرق بين قليله وكثيره.. )(2)، وقال الباجي : ( ..وأن أخذ هذا المقدار على تفاهته على هذا الوجه من جملة الكبائر التي تمنع من صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، وصلاة الأئمة، وأهل الفضل، على من فعل ذلك ورضيه، واستأثر به على جماعة المسلمين )(6)

 

 

 

 

 

المطلب الرابع: ضوابط شرعية للتصرف في المال العام

تقرر آنفا أن التصرف في الأموال العامة ليس موكولا إلى آحاد الأفراد، بل إلى الحكام ونوابهم، وبينا أن تصرفهم فيه لا ينبغي أن يخرج عن تحقيق المصلحة ودفع المفسدة في حال تحصيله وفي حال إنفاقه؛ ولا يتم ذلك إلا بالتقيد بالضوابط الشرعية التي قررتها الشريعة في قبض الأموال العامة وإنفاقها.

فالتقيد بالقواعد والضوابط الشرعية في حفظه وإنفاقه يعد من أهم الوسائل التي تحفظ المال العام وتصونه، لأن هذه الأموال أمانة شرعية يجب على القائمين على جمعها وحفظها والتصرف فيها - من العمال، والولاة، والحكام، ونوابهم - أداؤها على مقتضى أحكام الله تعالى، من غير تعد أو تفريط، وكل تصرف يخرج به عما وضع له من منافع - ضرورية كانت، أو حاجية،  أو تحسينية- فهو مفض إلى تعطيل المصالح العامة التي رصد لها، وهي التي لا صلاح لأحوال المجتمع إلا بها.

وجماع ما يحقق التصرف الرشيد في المال العام، والتدبير الملائم لسياسة الدين، ومصلحة الدنيا : أن يكون تصرفهم في هذه الأموال محكوما بمراسيم الشرع وحدوده، متفقا ودلالات العدل، بعيدا عن التصرفات القائمة على الأغراض العاجلة والشهوات الزائلة، لأن هذه الأموال أمانة في أيديهم، لا يحق لهم التصرف فيها إلا على الوجه الذي يحقق المصالح التي رصدت لها من غير إفراط ولا تفريط.

وفي بيان هذا الأصل العظيم يقول شهاب الدين القرافي في الفرق الثالث والعشرين والمائتين من كتابه ( الفروق ): ( كل من ولي ولاية من الخلافة فما دونها إلى الوصية لا يحل له أن يتصرف إلا لجلب مصلحة أو درء مفسدة... فيكون الأئمة والولاة معزولين عما ليس فيه بذل الجهد. والمرجوح أبدا ليس بالأحسن، وليس الأخذُ به بذلا للاجتهاد )(1).

وقال الحافظ تقي الدين البلاطنسي : ( ..وكذلك تخييره في تفرقة أموال بيت المال معناه أنه يجب عليه أن ينظر في مصالح الصرف ويجب عليه تقديم أهمها فأهمها، ويحرم عليه العدول عن ذلك ولا خيرة له في ذلك، وليس له أن يتصرف في أموال بيت المال بهواه وشهوته، بل بحسب المصلحة الراجحة أو الخالصة )(1).

ومن أهم ما ينبغي التقيد به:

         أولا: الواجب على من له حق التصرف في المال العام أن يتصرف فيه بما هو أصلح للمسلمين، وأنفع لهم على وفق الشريعة الغراء درءا للضرر والفساد، وجلبا للنفع والرشاد، وهذا أصل الشريعة في جميع مواردها ومداركها، لأنها جاءت لتحقيق المصالح وتكميلها ودرء المفاسد وتقليلها، وقد قرر الفقهاء ذلك بقولهم: " تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة "(2)، أي : نفاذ تصرف الراعي على رعيته، ولزومه عليهم متوقف على وجود المصلحة والمنفعة المقررة شرعا، فإن كان تصرفه على خلاف الشرع، لم يجز ولم ينفذ. وهذا الأصل يقتضي الحرص على إنفاق الأموال العامة في الوجوه المحققة لكفاية المجتمع، مع مراعاة الحاجات البشرية وفق مراتب المصالح ( الضرورات، ثم الحاجيات، ثم التحسينيات).

         ثانيا: أن المال العام في يد المتصرف فيه – من حاكم، وعامل- أمانة؛ فلا يجوز بمقتضى الشرع والعقل أن يُتَصَرَّفَ فيه بالتشهي والاختيار، وإنما يكون تصرفهم نافذا على وجه المصلحة والعدل، لأن الحاكم ومن ينوب عنه ممن له ولاية التصرف في الأموال العامة، بمنزلة ولي اليتيم، لا يجوز له التصرف في شيء منها إلا بالتي هي أحسن(3)، قال الشافعي: (منزلة الوالي من الرعية منزلة الولي من اليتيم)(4).

         ولا ينبغي للحاكم ومن ينوب عنه الاقتصار في تصرفهم في الأموال العامة على الصلاح إذا أمكنهم فعل الأصلح، بل الواجب عليهم تحري أهم المصالح وأولاها للرعية، قال العز : ( ويجب على الأئمة في تفريق مال المصالح أن يصرفوه في تحصيل أعلاها مصلحة فأعلاها، وفي درء أعظمها مفسدة فأعظمها )(1)، ويحرم عليهم صرفه في المحرمات، والمفاسد، وما لا نفع فيه؛ لأن المال العام يتعلق به حق كل واحد من المسلمين، فبقدر ما يحصل بإنفاقه والتصرف فيه من نفع ومصلحة للمسلمين يكون الأجر والثواب لمن تولى إنفاقه وصرفه، وبقدر ما يفوت على المسلمين بإنفاقه وصرفه من نفع ومصلحة يكون الإثم والوزر على من تولى ذلك.

المطلب الخامس: الاعتداء على الأموال العامة ( صوره، وأسبابه )

 

أولا: صور الاعتداء على المال العام

مظاهر الاعتداء على المال العام في العصور المتأخرة كثيرة جدا، لعلَّ من أبرزها، الاعتداء عليه، بالسرقة، والغلول، والاختلاس، والابتزاز، والاستغلال، والإتلاف، والإسراف، والتقصير والإهمال، وسوء الاستعمال، وإهدار الوقت، واستغلال النفوذ، والتربح من الوظيفة، والرشوة، وغيرها.

ويجمعها: التعدي أو التفريط في استعماله بالخروج عن مقتضى الشرع والنظام، فإذا تصرف القائمون على الأموال العامة بخلاف ما يقتصيه الشرع والنظام في تحصيله وجبايته، أو في صرفه وإنفاقه يكون ذلك من التعدي على المال العام،  والشريعة الإسلامية تضمنت في مواردها - العامة والخاصة - القواعد والأحكام العامة الكفيلة بتحقيق صيانة الأموال من سائر وجوه التعدي والعدوان(2).

وبالمقابل فأهم مظاهر الحفاظ على المال العام هي:

     ( 1 ) - منع التعدي والتفريط في استخدام المال العام.

     ( 2 ) - إهمال صيانة المال العام وتعريضه للتلف.

( 3 ) - المنع من الأفعال الموجبة للعقوبة الحدية أو التعزيرية.

ثانيا: أسباب الاعتداء على المال العام

الاعتداء على الأموال العامة له أسباب كثيرة منها(1):

( 1 ) - ضعف الوازع الديني لدى الفرد؛ وهذا السبب من أهم الأسباب التي تجعل التعدي على المال العام واقعا ومنتشرا، فإذا كان المتصرف في المال العام قليل الديانة، عريا عن الخلال الحميدة الناشئة عن التربية الصحيحة القائمة على المبادئ الإسلامية من الإيمان الصحيح، والأخلاق الفاضلة، كان أقرب إلى الانحراف واقتراف ما يخالف الشريعة والنظام.

ولهذا نلاحظ في حياتنا المعاصرة أن غياب القيم الروحية من العفة، والصدق، والمراقبة، والأمانة، كان دافعا رئيسا للوقوع في المحرمات، وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى تأثير ضعف الوازع الديني في ارتكاب الفواحش، فقال صلى الله عليه وسلم: ( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن)(2).

( 2 ) غياب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا من المبادئ العظيمة التي يُحفظ بها كيانُ المجتمعِ من جميع الشرور الواقعة والمتوقعة؛ لأن الأخذ على أيدي المفسدين وتقويمهم سبب لانتفاء الشرور، والسكوت عن ذلك وسيلة لانتشارها. وعلى هذا؛ فإذا وجد في المجتمع من يتعدى على المال العام بالسرقة، والاختلاس، والإتلاف، أو غير ذلك ولم يوجد من يأخذ على يده وفق أحكام تغيير المنكر المقررة في الشريعة كان هذا السكوت سببا في كثرة العدوان على هذه الأموال.

( 3 ) عدم الشعور بالمسؤولية؛ فالذي لا يعرف خطورة المال العام، ولا يدرك التبعات الدينية والقضائية المترتبة على الإخلال به، يسهل عليه التهاون في حفظه وصيانته، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر في كثير من المواطن بأهمية المسؤولية المنوطة بالعمال والولاة وكل من ولاه الله تعالى شيئا من أمور المسلمين، فقال صلى الله عليه وسلم: (  كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته )(1).

( 4 ) غياب الرقابة؛ فمن المعلوم أن ( نظام الرقابة على الأموال يحقق الأمن على الحقوق والممتلكات؛ لأن الأموال إذا كانت خالية عن الحفظ، بعيدة عن الحرز، تجرأ عليها الجناة والمجرمون، وسهل امتداد الأيدي العادية عليها. وعلى الضد من ذلك:  إذا كانت وسائل الرقابة وإجراءات الحفظ دقيقة وفاعلة كان التجرؤ على العدوان عليها ضعيفا والتجربة دالة على ذلك فالرقابة على الأموال تجعل الجرائم أقل وقوعا )(2).

( 5 ) – تولية غير الأكفاء؛ فإذا أسندت إدارة الأموال والتصرف فيها لمن ليس أهلا لذلك، خاصة من كان من غير أهل الأمانة، والحفظ، والعدالة، والكفاءة، كان الظن بإهمالهم للمال العام وتقصيرهم في رعايته غالبا أو محققا.

المطلب السادس: أسس الحفاظ على الأموال العامة في الإسلام

 

        أولا: دور الإيمان والأخلاق في حماية المال العام

يفترق النظام الاقتصادي الإسلامي عن غيره من النظم بخصائص ومميزات لا توجد في غيره، وهذا الذي جعل الباحثين يتفقون على أنه نظام اقتصادي رباني أخلاقي(1)، أي : رباني المصدر، أخلاقي النزعة والمقصد.

فالمال في نظر الشريعة الإسلامية وسيلة من الوسائل التي تهدف إلى تحقيق مرضاة الله تعالى، وأداة لترسيخ دينه، بها تحقق المصالح الدينية والدنيوية، وقد جعله الإسلام من وسائل الطاعة والبر إذا كان في يد المسلم الصالح، قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( نعم المال الصالح للرجل الصالح )(2). فالواجب على الإنسان أن يكون هذا المال بيده يسخره لتحقيق هذه الأغراض الشريفة والمقاصد النبيلة، ولذلك لو تأمل الإنسان في فريضة الزكاة وهي عبادة مالية يظهر له قصد الشارع في جعلها وسيلة لتطهير النفس والقلب من الأخلاق المذمومة : كالبخل، والشح، والأثرة.

فالأخلاق الفاضلة النابعة من العقيدة الصحيحة لازمة للإنسان في نظرته إلى المال، فهي التي تقوِّم سلوكه في الكسب والإنفاق، وتطهر النفس الإنسانية من الأخلاق السيئة : كالجشع، والطمع، والانغماس في الدنيا من غير قيد أو حد، والسعي إلى تحصيلها بكل سبيل مشروع وغير مشروع، مما يكون وسيلة للتعدي على الأموال وأخذها بغير وجه حق(3).

ولا يتحقق الأمان على المال العام ما لم تتشبع نفوس القائمين عليه بالأخلاق الفاضلة والإيمان الصحيح، الذي يحجزهم عن أن تمتد إيديهم إلى ما لا يحل؛ وهذا الأمر بات ضروريا؛ لأن التجارب أثبتت أنه مهما كانت القوانين والإجراءات التي تتخذ للحفاظ على المال صارمة وفعالة، فلن تؤتي أكلها إذا كان القائم على تنفيذها عريا من صفات الأمانة والعفة والورع؛ ولهذا كان من أهم الصفات التي يجب توافرها في الأشخاص الذين يوكل إليهم مهمة الإشراف على الأموال: الأمانة، والعفة، والكفاءة، والخبرة، جريا على قاعدة: (تقديم الأصلح في كل ولاية ). قال المقري: ( لكل عمل رجال، فيقدم في كل ولاية الأقوم بمصالحها )(1).

يقول الإمام النووي: ( يجب على الإمام أن يبعث السعاة لأخذ الصدقة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم، والخلفاء كانوا يبعثون السعاة..ولا يبعث إلا حرا عدلا ثقة، لأن هذا ولاية وأمانة، والعبد الفاسق ليس من أهل الولاية والأمانة، ولا يبعث إلا فقيها، لأنه يحتاج إلى معرفة ما يؤخذ وما لا يؤخذ، ويحتاج إلى الاجتهاد فيما يعرض من مسائل الزكاة وأحكامها )(2).

فالوازع الديني الذي هو ثمرة الإيمان الراسخ، والأخلاق الفاضلة، والسلوك المستقيم يحجز صاحبه عن اقتراف الفواحش والمحرمات، ويمنعه من أن تمتد يده إلى المال العام سرقة، أو اختلاسا، أو تبديدا...وهذا ما يعرف بالرقابة الذاتية(3)، أي الرقابة الناشئة عن ذات الإنسان.

        ثانيا : تفعيل آليات الرقابة على المال العام

        تعني الرقابة على المال العام: ( مجموع الإجراءات الشرعية والتنظيمية التي تتخذ للحفاظ على المال العام جباية وإنفاقا ). وتستمد هذه الرقابة شرعيتها من نصوص وقواعد الشريعة، ومن المنهج العملي في السنة العملية، وتعتمد على جميع الوسائل التي تحقق الإشراف والراقبة الصارمة على الأموال وفق مبدئ الشريعة وأصولها الكلية وعلى رأسها مبدأ رعاية المصالح ودفع المفاسد، قاعدة ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

        وتفعيل الرقابة على المال العام في المنهج الإسلامي يقتضي ( وجوب اتباع ما أقرته من قواعد وأنظمة وتعاليم وأحكام والتي تهدف بمجموعها إلى المحافظة على المال العام وصيانته وتنميته، سواء في مجال جمعه من موارده التي أقرها الشرع، أو في مجال إنفاقه في مصارفه المقررة دون تهاون أو تقصير، مع استمرار عمليات المتابعة والإشراف لتجنب الوقوع في الأخطاء، وتلافي التقصير والخلل إن وجد ومعاقبة المسيء وردعه وزجره، والوصول إلى أفضل الطرق في إدارة المال العام، مع الأخذ بعين الاعتبار مصلحة الأمة واستقرارها بوجه عام )(1).

المطلب السابع: التطبيق العملي للرقابة على المال العام في الصدر الأول

        تُعَدُّ السُنَّةُ النَّبويةُ العملية المنهج التَّطبيقي لتعاليم الإسلام في جميع مناحي الحياة، فالنَّبي صلَّى الله عليه وسلم كان يبادر إلى امتثال الأوامر والنَّواهي التي أنزلها الله تعالى عليه، وبامتثاله -صلى الله عليه وسلم- لهذه التعاليم الربانية، يعطي الأمة الأسوة الحسنة في دلك. وفيما يتعلق بالرقابة على الأموال العامة ( فقد وضع أسس حماية المال العام والرقابة عليه، فحدد مصادر الإيرادات وكيفية تحصيلها، كما بين طرق الإنفاق العام وأحكامه وضوابطه. وكان يبعث إلى الأقاليم أمراءه على الصدقات ويوضح لهم الأحكام والمبادئ التي يلتزمون بها )(2).

        ومن النماذج العظيمة في الدلالة على الرقابة على المال:

        ( 1 ) ما ورد في الصحيحين عن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه قال: ( استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا من الأزد على صدقات بني سليم يدعى ابن اللتبية، فلما قدم، قال هذا لكم، وهذا أهدي لي. قال: فقام النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ما بال عامل أبعثه، فيقول: هذا لكم، وهذا أهدي لي، أفلا قعد في بيت أمه أو بيت أبيه، حتى ينظر أيهذى له أم لا؟ والذي نفسي بيده لا يأخذ أحد منها شيئا إلا جاء يوم القيامة يحمله على رقبته..).(1).

        ( 2 ) وأخرج مسلم في صحيحه عن عدي بن عميرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من استعملناه منكم على عمل فكتمنا مخيطا فما فوق كان غلولا يأتي به يوم القيامة )(2).

        هكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يحاسب عماله، ويحذرهم من امتداد أيديهم  إلى المال العام، ويتوعدهم بالعقاب الأليم في الآخرة، وكان يؤسس بذلك لمبدأ الرقابة على المال العام.

        وكذلك الشأن في عهد الخلفاء الراشدين، فقد ساروا على منهج نفسه، في الحفاظ على الأموال العامة وحراستها ومراقبتها في حال الجباية والإنفاق؛ فقد كانت سياسة العدل والمصلحة هي التي تحكم تعامل الخلفاء الراشدين مع بيت المال. فالخليفة الصديق رضي الله عنه كان في سيرته مترسما لخطى النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك.

        وفي خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- كان اتساع منهج الرقابة على المال العام ظاهرا؛ خاصة مع توسع رقعة الإسلام، وامتداد الأراضي المفتوحة؛ وكثرة الإيرادات التي تدخل بيت المال ( خزينة الدولة )، وتوسع النفقات العامة، مما جعل الاجتهاد في إحداث سبل جديدة للرقابة على الأموال التي تجبى أو تصرف ضروريا؛ وكان هذا جزءًا من السياسة الرشيدة التي عرف بها الفارق - رضي الله عنه- في تسييره لشؤون الدولة.

        وكان شعار عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - الذي عرف به أثناء خلافته: ( إن الله جعلني خازنا لهذا المال وقاسما له )(3)، فكانت سيرته عادلة مثل سيرة سلفه النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، والصديق أبي بكر رضي الله عنه، وكان تسييره للمال العام مثالا للتسيير الرشيد، قائما على الرحمة والعدل والمصلحة.

        ومن الأعمال التي تكشف عن النظر الدقيق للخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه فيما يتعلق بالتسيير المالي في عهده(1)، تحديده لرواتب وعطاءات موظفي الدولة، وهذا مما لم يكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولا في عهد أبي بكر رضي الله عنه، بل كانوا أي: العمال والولاة - يأخذون بحسب الظروف والأحوال، فلما كان عهده اقتضت الحاجة تحديد هذه الرواتب، وكان لهذا التحديد أثر كبير في تحقيق الكفاية للعمال والولاة مما يوجب تورعهم عن أخذ ما لا يحل من المال العام على وجه الرشوة أو الهدية، ويلاحظ اهتمام الخليفة الراشد برواتب القضاة وتوسيعه لما يفرض لهم من أرزاق، حيث كتب إلى معاذ بن جبل وأبي عبيدة وكان قد ولاهما على الشام قائلا: ( أن انظروا رجالا من صالحي من قبلكم، فاستعملوهم على القضاء، وأوسعوا عليهم، وارزقوهم، واكفوهم من مال الله )(2).



تعليقات