القائمة الرئيسية

الصفحات

المفهوم الفني والقانوني للاعتبار الشخصي في التعاقد

 


المفهوم الفني والقانوني للاعتبار الشخصي في التعاقد

يعرف البعض الاعتبار الشخصي في التعاقد بأنه هو الاعتداد بشخصية أحد المتعاقدين أو بصفة من صفاته، ويطلق على ذلك الاعتداد المنفرد وذلك إذا ما تعلق التعاقد بأحد المتعاقدين، كما هو الحال بالنسبة لعقود التأمين والمقاولة، وقد يتعلق بكلا المتعاقدين ويطلق عليه في هذه الحالة الاعتداد  المزدوج، وذلك مع مراعاة كل طرف في العلاقة العقدية محل الاعتبار الشخصي للطرف الثاني وصفاته، كما هو الحال بالنسبة لعقود الوكالة وشركات التضامن([1]).

وتنقضي العقود التي تبرم من أجل الاعتبار الشخصي سواء أكان محل الاعتبار في التعاقد هو شخص المتعاقد نفسه أو صفة فيه، فتنتهي العقود بوفاة المتعاقد أو أحد طرفي العقد، وعلى ذلك فإذا أبرم شخص عقدًا ما قائمًا على اعتبار شخص المتعاقد معه كطبيب أو محام أو محاسب على أداء عمل معين بموجب العقد المبرم بينهما، ثم توفى أحد المتعاقدين، فينقضي الالتزام ولا تنصرف آثار العقد إلى من يخلف هذا المتعاقد خلافة عامة، وينقضي العقد ولا تمتد آثاره إلى الخلف العام حتى إذا لم ينص على ذلك في العقد، وذلك لكون هذه العقود تعتمد على الاعتبار الشخصي للمتعاقد كعقد الطبيب أو عقد الوكالة للمحامي أو عقد المحاسبة فهذه العقود تقوم على صفة أطرافها، وهي المؤهلات أو الإمكانات التي ترجح التعاقد مع أشخاص بعينها.

وفي ذلك قضت محكمة النقض المصرية بأن "آثار العقد لا تنصرف إلى الخلف العام إذا كانت العلاقة القانونية علاقة شخصية وهي تستخلص من إرادة المتعاقدين الصريحة أو الضمنية أو من طبيعة العقد أو من نص القانون، ولما كان القانون ينص على انتهاء الوكالة بموت الموكل، فلا تنصرف آثار الوكالة بعد وفاة الموكل أو الوكيل إلى ورثته بوصفهم خلفًا عامًا باعتبار أن هذا العقد من العقود التي تراعى فيها شخصية كل متعاقد، فتنقضي بالتظهير التوكيل بوفاة المظهر"([2]).

كذلك فإن نص المادة 666 من القانون المدني والتي تنص على أنه "ينقضي عقد المقاولة بموت المقاول إذا كانت مؤهلاته الشخصية محل اعتبار في التعاقد، فإن لم تكن محل اعتبار فلا ينتهي العقد من تلقاء نفسه، ولا يجوز لرب العمل فسخه في غير الحالات التي تطبق فيها المادة 663 إلا إذا لم تتوافر في ورثة المقاول الضمانات الكافية لحسن تنفيذ العمل.

ولأن المقاولة من العقود المالية، لذا فإن الأصل فيها أن شخصية كل من طرفيها ليست محل اعتبار التعاقد، ومن ثم فإن الأصل أن المقاولة لا تنتهي بموت المقاول، فإذا ما توفى المقاول وكان له ورثة فيستطيعون القيام بتنفيذ العقد محل السلف وفقًا لما هو متفق عليه، فلا يكون لرب العمل أن يتضرر من عدم إتمام التنفيذ بواسطة المقاول نفسه.

غير أن هذا النص استثنى من هذا الأصل الحالة التي ينقضي فيها عقد المقاولة بموت المقاول الذي تم التعاقد معه بسبب مؤهلاته الشخصية وسمعته، كما نصت على ذلك المادة 666 مدني، فإذا كان التعاقد قائمًا على ذلك الاعتبار الشخصي كأن يكون من أحد رجال الفن كالرسام والنحات والموسيقي وأصحاب المهن الحرة، كالمهندسين والمحامين، كل هؤلاء تعتبر مؤهلاتهم الشخصية هي الدافع وراء التعاقد.

ومن ناحية أخرى فيمثل الاعتبار الشخصي أهمية خاصة في نطاق العقود الدولية مثل عقود الفيديك وعقود الـ B.O.T  التي تقوم على فكرة الاعتبار الشخصي للمتعاقد نظرًا لما تحتاجه هذه العقود من استثمارات ضخمة وإمكانات هائلة وضرورة ارتباط تنفيذها بعدة عقود. حيث غالبًا ما يعهد الشخص المعنوي في عقود الـ B.O.T  إلى مستثمر من القطاع الخاص سواء أكان شركة أم فرد، لإنشاء مشروع ذي نفع عام للجمهور لذا يراعى في ذلك الشخص أو الشركة المختارة لتنفيذ المشروع الاعتبار الشخصي للمنفذ من حيث الكفاءة الفنية العالية حتى يتم المشروع على الوجه الأكمل.

ومتى تم انتفاء شركة المشروع في عقود الـ B.O.T  تحل الرابطة العقدية التي تجمع الشركات المتعددة للمشروع، وتنقضي الشركة بتحقق سبب من أسباب الانتهاء المستقرة في مجال الشركات([3]) وكذلك انقضاء العمل الذي أنشئ من أجله المشروع أو بحل الشركة([4]).

وتقديرُ ما إذا كانت مؤهلات المتعاقد محل اعتبار ذلك التعاقد من عدمه، مسألةٌ موضوعية من اختصاص قاضي الموضوع، يفصل فيها على ضوء الظروف والملابسات التي أحاطت عملية التعاقد ومن خلال النية المشتركة للمتعاقدين، وعلى ذلك فإذا كانت مؤهلات المتعاقد أو شخصيته هي محل اعتبار التعاقد فإن العقد ينقضي بموته من تلقاء نفسه بحكم القانون دون حاجة لفسخ العقد لا من ناحية رب العمل من ناحية خلف المتعاقد المتوفى، ويترتب على ذلك أنه يجوز للخلف العام للطرف صاحب الشخصية محل الاعتبار في التعاقد أن يتمسك بهذا الانقضاء في كل الأحوال ولا يستطيع رب العمل إجبار الورثة على الاستمرار في تنفيذ عقد سلفهم.

وهناك عدة حالات ينتفي فيها العقد ولا ينصرف أثره إلى الخلف العام أو الخاص وهي:

الحالة الأولى: إذا اتفق المتعاقدان على عدم انصراف آثار العقد إلى الخلف العام:

العقد شريعة المتعاقدين، وللمتعاقدين تضمين العقد ما يشاءان من بنود، فقد تتجه إرادة طرفي التعاقد إلى إحداث أثر قانوني معين من وراء تعاقدهما في مواجهتهما ويشترطوا عدم انصراف آثار هذا التصرف من بعدهما إلى من يخلفهما خلفًا عامًا، كمن يتفقان على انتهاء العقد بوفاة أحد المتعاقدين، كذلك إذا ما اتفق طرفا العقد على أن يكون للبائع الحق في استئجار العين المبيعة بأجرة معينة لمدة معينة على ألا ينتقل هذا الحق إلى ورثة البائع([5]) أو أن يتفق شخص مع آخر على أن يؤجر له سيارته لمدة معينة ويتفقان على إنهاء الإيجار بموت المستأجر إذا وقع قبل فوات مدة العقد، والمهم إن ما يشترطه المتعاقدان من شروط يقضي بمنع انصراف آثار العقد إلى من يخلفهما وأن يكون متفقا والنظام العام.

وقد ذكرت محكمة النقض المصرية إلى أنه يستبين من نص المادة 145 مدني ومذكرتها الإيضاحية أنها وضعت قاعدة عامة تقضي بأن آثار العقد لا تقتصر على المتعاقدين بل تجاوزهما إلى من يخلفهما خلافة عامة عن طريق الميراث أو الوصية، واستثنى من هذه القاعدة الحالات التي تكون فيها العلاقة القانونية شخصية بحتة، وهي تستخلص من إرادة المتعاقدين الصريحة أو الضمنية أو من طبيعة العقد أو من نص القانون.

الحالة الثانية : إذا كانت طبيعة الحق أو الالتزام الناشئ من العقد تأبى أن ينتقل من المتعاقد إلى خلفه العام:

لا تنتقل الآثار الناجمة عن العقد إلى الخلف العام ذلك إذا كانت طبيعة المعاملة أو الالتزام تستلزم ذلك، فقد يكون المانع من عدم انتقال آثار العقد للخلف هو أمر قانوني أو مادي، فإذا أبرم شخص حال حياته عقد انتفاع له مع أحد على أن ينتفع بوحدة سكنية حال حياته فقط، فإن بمجرد وفاته ينتهي حق الانتفاع وتعود العين لمالكها لأن محل التعاقد أو الالتزام  كان انتفاع مدة حياة المتعاقد فلا ينتقل حق الانتفاع إلى من يخلفه بعد وفاته، لأن طبيعة الحق أو الالتزام انقضى بمجرد وفاة صاحبه أو المتعاقد عليه، كعقود الشركات لا تنتقل إلى ورثته، لأن طبيعة الإيراد القانونية والمادية معًا تنقضي في حالة نص القانون علىت عدم انصراف آثار العقد بموت صاحب الإيراد.

الحالة الثالثة :

وهي إذا ما ورد نص في القانون يقضي بعدم انصراف آثار العقد أو التصرف بوجه عام إلى الخلف مثلما نصت عليه المادة 697 من القانون المدني التي تقضي بإن عقد العمل ينفسخ بوفاة العامل([6])، كذلك لا تسري الوصية في حق الورثة إلا إذا كانت لا تجاوز ثلث التركة، وقد قضت محكمة النقض بأن "الوارث الذي يطعن في تصرف صادر من مورثه في صورة بيع منجزة أن حقيقته وصية وإنما قصد به الاحتيال على قواعد الإرث المقررة شرعًا إضرارًا بحقه فيه، ويجوز له إثبات هذا الاحتيال بأي طريق من طرق الإثبات القانونية، فلا تثريب على المحكمة فيما تقضي من إحالة الدعوى إلى التحقيق لتمكين الوارث من إثبات حقيقة الواقع بشهادة الشهود"([7]).

كما نص القانون في المادة 714 مدني على انقضاء الوكالة بوفاة الوكيل أو الموكل، وكذا نص المادة 528 مدني على انتهاء الشركة بموت أحد الشركاء والقانون ينص على ذلك في مسائل يفهم من ظروفها أن المتعاقدين أرادا هذا ضمنًا([8]).وعلى ذلك وفي إطار المجموعة العقدية فلا تنتقل آثار العقد إلى عقد آخر إذا كانت طبيعة التعاقد تأبى ذلك الانتقال، وذلك إذا توافر في التعاقد إحدى الحالات السابقة، لأن كل من يدخل في المجموعة العقدية يكون قد ارتضى ضمنًا كل النتائج المترتبة على كل ما أبرم من عقود، فيعتبر كما لو كان طرفًا فيها في حدود ما يلتزم به في مواجهة الآخرين وما يستفيد بشأنها([9]).

 


الفرع الثاني
مدى تأثير الاعتبار الشخصي في التعاقد
في إطار المجموعة العقدية

يثور تساؤل هام حول مدى إمكانية انتقال العقد الذي تم إبرامه بمراعاة الاعتبار الشخصي للمتعاقد الآخر عن الذي ينقضي بوفاة الطرف الذي كانت إمكاناته قد أخذت في الاعتبار، فهل يجوز أن تمتد آثار العقد القائم على الاعتبار الشخصي للمتعاقد إلى العقود الأخرى المكونة للمجموعة العقدية؟

المستقر عليه في الفقه([10]) أن العقد القائم على الاعتبار الشخصي للمتعاقد لا يكون قابلاً للانتقال للغير فلا يمتد آثاره إلى الغير فينقضي بوفاة ذلك المتعاقد لكونه قائمًا على اعتبار في شخص المتعاقد، وعلى ذلك يرى أنصار هذا الرأي أنه لا يمكن استفادة أحد أطراف هذه المجموعة بالأحكام والبنود التي يتضمنها عقد آخر من عقود المجموعة العقدية الواحدة طالما أن التعاقد كان قد تم بمراعاة شخص المتعاقد، "وفي ضوء ذلك فلا يمكن نقل اتفاق التحكيم المبني على اعتبار شخصي، ولا يمكن الاحتجاج بهذا النقل على المتعاقد الأصلي الآخر إلا إذا كان هذا الأخير قد قبل صراحة الشريك الجديد الذي انتقل إليه الاتفاق،  فإذا رفض المتعاقد الآخر الأصلي الشريك الجديد، فإن نقل اتفاق التحكيم إلى الأخير لن تكون له فعالية إلا في العلاقات بين الطرف القائم بنقل الاتفاق (المحيل أو المتنازل) والطرف الذي نقل إليه الاتفاق أي المحال إليه أو المتنازل إليه، وهي لا تتعدى كونها فاعلية نظرية، أما فيما يتعلق باتفاق التحكيم، فالضمان الناتج عنه يترجم فحسب في المسئولية عن الضرر المحتمل وقوعه لعدم إمكانية الرجوع إلى التحكيم، وتلك المسئولية من الصعب تقديرها بشكل مالي([11]).

وعلى ذلك فإنه يجوز لطرفي العقد عند إبرامه أن يشترطا عدم قابلية انتقال العقد أو اتفاق التحكيم إلى الغير، أي يجوز لأطراف الاتفاق على التحكيم أن يتفقا على الطابع الشخصي لاتفاق التحكيم، وعندئذ لا يتم اللجوء إليه فيما بين المتعاقدين دون غيرهما واستبعاد كل الغير، وذلك احترامًا لمبدأ أن العقد شريعة المتعاقدين، وعلى ذلك فإذا حدث إخلال من الطرف المسئول داخل نطاق المجموعة العقدية، وكان هناك بند في العقد الأصلي يقضي باللجوء للتحكيم فيما بين الطرف المسئول والمتعاقد معه مباشرة دون غيرهما، ففي هذه الحالة إذا أراد الطرف المضرور الرجوع على الطرف المسئول بالتعويض فلا يستطيع الرجوع عليه بالتحكيم، لأن هذا الأخير قام على اعتبار شخصي لا يستفيد منه إلا طرفا العلاقة الأصلية، بحيث لا يمكن نقله أو امتداده لأي عقد من العقود المكونة للمجموعة العقدية، ولا يستطيع المضرور أن يرجع على المضرور هنا إلا من عن طريق القضاء.

ولا جدال أنه من باب أولى إذا كان العقد الأصلي المتضمن شرط التحكيم قائمًا على الاعتبار الشخصي، فلا يمتد هذا الشرط إلى الغير بالتبعية لنقل العقد الأصلي.

 

 

 

 

 

 

 

 


المبحث الثانى
صور المجموعة العقدية

عرض وتقسيم:

تعرف المجموعة العقدية بأنها مجموعة من التصرفات القانونية المتعاقبة أو المتتالية أو المترابطة على مال واحد أو محل واحد بقصد تحقيق هدف مشترك أو عملية اقتصادية واحدة، فقد تأخذ صور التصرفات المتتالية على نفس المحل كالبيوع، كما قد تأخذ مجموعة تصرفات مترابطة على نفس المحل  كعقد المقاولة الأصلي، وعقد المقاولة من الباطن، كما يمكن أن يكون محل هذه التصرفات عملاً محدد بذاته.

وقد قام بعض الفقهاء بتقسيم المجموعة العقدية إلى عدة أقسام، فقد ذهب البعض ([12]) لتقسيم هذه المجموعة إلى قسمين، أولهما: تلك المجموعة من العقود التى تتتابع زمنياً مع بعضها، بحيث لابد وأن يسبق عقد عقداً آخر فى تاريخ الإبرام إلا أن العقدين متحدان مع بعضهما بوحدة المحل وهى العقود التى تجمع بينهما وحدة المحل وأن سبب العقد اللاحق وإنما يقوم لتنفيذ العقد الأصلى كالعقد الأصلى والعقد من الباطن ، وكذلك فقد يأتى العقد اللاحق لاحقاً لتنفيذ العقد الأصلى، فهو لا يأتى إلا بعد تمام التنفيذ للعقد الأول، وهى العقود المتوالية كالعقود الخاصة بالتجديد الصريح أو الضمنى وقد تكون بين نفس الأشخاص أو أشخاص مختلفين وتسمى السلسلة العقدية .

لكن تهدف جميعها إلى هدف واحد كأن يبرم شخص عدة عقود منفردة مع أشخاص عدة من أجل إنجاز مشروع معين وتسمى هذه العقود Ersemble de contrat وتتميز هذه العقود بالوجود المشترك بين العقود جميعاً وليس التعاقب أو التسلسل وتعرف بالتجمع العقدى .

الذي كما اتجه البعض الآخر ([13]) إلى تقسيم مجموعة العقود على أساس الترابط يجمع بينهما وقد تكون العقود المترابطة بين نفس الأشخاص أو أشخاص مختلفين، وقد عرض هذا الرأى لمصادر الترابط ممثلة فى الظروف المادية التى تشمل وحدة الأطراف أو وحدة المحل أو وحدة تاريخ الانعقاد لكل العقود أو تبعية العقد التالى للعقد الأول مثل عقود الرهن أو الكفالة .

وسوف نوضح كل صورة بالتفصيل على النحو الآتي:

الفرع الأول : مجموعة التصرفات القانونية المتعاقبة على مال واحد.

الفرع الثانى : التصرفات القانونية المترابطة بقصد تحقيق هدف مشترك.

المطلب الأول

مجموعة التصرفات القانونية المتعاقبة على مال واحد

قد تأخذ المجموعة العقدية صورة من مجموعة تصرفات قانونية تتعاقب على مال واحد بحيث يكون محل الالتزام واحدًا كقاسم مشترك بينها، كالعين المؤجرة من المالك إلى المستأجر الأصلي والذي يقوم بدوره هذا الأخير بتأجيرها إلى الباطن فجميع العقود المتعاقبة هنا تكون على محل واحد وهي العين المؤجرة، وتنقسم هذه التصرفات إلى عدة أنواع، وسوف تنقسم دراستنا في هذا الفرع على النحو التالي:

الفرع الأول :  البيوع المتتالية.

الفرع الثاني :  العلاقات الإيجارية المتعاقبة على مال واحد.

الفرع الأول
البيوع المتتالية

فعندما تتعاقب العقود على نفس المحل، سواء أكان مادياً أم معنوياً نصبح بصدد ما يسمى البيوع المتتالية، ووحدة المحل قد تكون كاملة كما هو الحال فى البيع بالفليارة حيث يغرض البيع بالفليارة بأنه هو المتبع فى سوق العقود الآجلة، لأن العقود التى تصف بالفليارة عقود آجلة تامة ترد على نفس المحل الذى تمثله الفليارة، وعندما يحل ميعاد الاستحقاق يلتزم البائع الأول بتسليم البضاعة المبيعة للمشترى الأخير حامل الفليارة ويحصل المشترون السابقون عليه من الفروق بين الأسعار([14]) .

وقد استقر الرأى فى فرنسا على أن البائع الأول والمشترى الأخير فى البيع بالغليارة يستطيع كل منهما الرجوع على الآخر مباشرة وقد يتدخل المشترون (الباعة) المتوسطون فى النزاع ليصير متعدد الأطراف([15]) .

ومثال هذه العقود كأن يقوم شخص بشراء سيارة من معرض سيارات ثم يكتشف وجود عيب خفي يتعلق بصناعتها في هذه السيارة، ونظرًا لأن هذا المستهلك يعد هو المتملك النهائي للمال، فهل يستطيع الرجوع على المنتج لهذه السيارة أم الشخص المتعاقد معه ؟

لا شك أن المتملك النهائي للسيارة وهو المستهلك يستطيع الرجوع على المنتج الأصلي للسيارة، طبقًا لمفهوم المجموعة العقدية باعتبار أنه أحد أطرافها، بدعوى المسئولية العقدية المؤسسة على ضمان العيوب الخفية([16])، إلا أنه يستلزم التفرقة هنا بين فرضين من البيوع المتتالية: وهما البيوع المتجانسة والبيوع غير المتجانسة.

أولا ً:البيوع المتجانسة:  وهي أن تكون جميع التصرفات التي تنصب على المحل الواحد أو المال الواحد من نوع واحد كأن تكون بيوعًا بحيث لا يفصل بين تصرف وآخر من التصرفات المكُّونة للمجموعة العقدية واقعةٌ مادية كالتقادم أو الاستيلاء أو الإيجار، ففي هذه الحالة لا يستطيع المتملك النهائي للمال الرجوع على منتج السلعة المباشرة، لأنه يعد في حكم الغير في علاقته بالمنتج إلا إذا كانت دعواه مؤسسة على وجود عيب خفي وكانت التصرفات القانونية المتتالية على هذا المال من طبيعة واحدة أي متجانسة كالبيوع المتتالية([17])، وعلى ذلك فإذا كانت التصرفات القانونية التي توالت على هذا المال من طبيعة واحدة فلا يسري عليها الحكم السابق كالبيوع التي يفصل بينهما عقد مقاولة مثلاً، كما لو اكتشف المتملك النهائي للمال عيوبًا في البناء نتيجة استخدام المقاول مواد بناء غير مطابقة للمواصفات، ففي هذه الحالة لا يستطيع رب العمل مطالبة منتج المواد بدعوى المسئولية العقدية المباشرة لعدم ارتباطه معه بأي عقد([18]).

ثانيًا : البيوع غير المتجانسة :

سبق وأن بينا أنه إذا كانت التصرفات القانونية التي تعاقبت على المال أو المحل الواحد ليست من طبيعة واحدة، فلا يستطيع المتملك النهائي للمال الرجوع بالدعوى المباشرة على المنتج المؤسس على ضمان العيب الخفي في إطار المجموعة العقدية، ومثال هذه البيوع كأن يقوم شخص بشراء سيارة من شخص آخر سبق وأن تملكها بالتقادم، فالتقادم هنا واقعة مادية يفصل بين التصرفات المتعاقبة على نفس الشيء، كذلك البيوع التي يفصل بينهما عقد مقاولة فيكون ذلك حائلاً دون ممارسة دعوى الضمان للعيب الخفي.

وهذه العقود هى التى ينتظمها وحدة السبب، فهناك عقد بيع بضاعة طرفاه الشاحن والمرسل إليه وعقد نقل هذه البضاعة وعقد آخر وهو الشحن والتفريغ وعقد التأمين على البضاعة وعقود النقل المتتابعة فهذه العقود كلها تابعة للعقد الأصلى وهو عقد بيع البضاعة، وكل هذه العقود تهدف إلى التأكد من ضمان وصول البضاعة إلى المرسل إليه وكل هذه العقود ينتظمها هدف واحد ومحدد وهو ضمان وصول البضاعة المبيعة إلى المرسل إليه فى حالة جيدة وسليمة .

واستناداً لهذه الظاهرة فإنه توجد علاقة مباشرة بين أعضاء هذه المجموعة العقدية، بالرغم من أن أطرافها لم يجلسوا على طاولة تعاقدات واحدة ، كالمشترى الأخير ضد صانع المنتجات والمقاول الأصلى ضد المقاول من الباطن .


الفرع الثاني
العلاقات الإيجارية المتعاقبة على مال واحد

ومثال هذه العقود تلك التي تنصب على محل التزام واحد أو شيء واحد كالعين المؤجرة، فتبدأ أولاً بعملية قانونية أولى وهي عقد الإيجار الأصلي الذي يتم بين المالك (المؤجر) والمستأجر الأصلي، ثم يعقبها بعد ذلك قيام المستأجر الأصلي بتأجير العين نفسها من الباطن إلى شخص ثالث، تنشأ بذلك مجموعة من العقود المتتالية رأسيًا وتسمى السلسلة العقدية أو العائلة العقدية، ويثور تساؤل هنا عن طبيعة العلاقة بين المستأجر من الباطن وبين المالك الأصلي (المؤجر الأصلي).

صراحة إن واقعة التأجير من الباطن لا تنهي العلاقة الأصلية بين المالك والمستأجر الأصلي، حيث يظل كلٌّ منهما مسئولاً قِبَلَ الآخر، ويظل المستأجر من الباطن مسئولاً قبل المؤجر والمستأجر من الباطن، بحيث إذا أخل المؤجر بأحد الالتزامات تجاه المؤجر بأحد التزاماته المفروضة عليه طبقًا للتعاقد الأصلي كان للمستأجر من الباطن الحق في الرجوع عليه ومطالبته بالتعويض وفقًا لأحكام المجموعة العقدية، نظرًا لوجود رابطة عقدية بينهما وإن كانت غير مباشرة إلا أنها تخول لأي منهما الرجوع على الآخر في حالة الإخلال بأحدى الالتزامات المفروضة على أيهما، طبقًا لقواعد المسئولية العقدية.


المطلب الثانى

التصرفات القانونية المترابطة بقصد تحقيق هدف مشترك

قد تأخذ المجموعة العقدية مجموعة تصرفات تترابط مع بعضها البعض، بهدف تحقيق هدف مشترك، وهذه العقود يربط بينهما وحدة السبب، كما في عقود المقاولة وعقود المشروعات ذات الشكل النموذجي، وسوف نقوم ببيان مثالين لهذه التصرفات، وذلك على النحو التالي:

الفرع الأول

عقــود المقاولــــة أو العقود المشتركة

يراد بالعقود المشتركة: هى مجموعة من العقود تهدف لتحقيق غرض واحد وتنفيذ عملية اقتصادية واحدة([19]) كعقود الإنشاءات الدولية الخاصة بالمقاولات فيتدخل إلى جانب رب العمل والمقاول البنك الممول وشركة التأمين والمقاولون من الباطن بمقتضى عقود مختلفة مستقلة قانوناً ولكنها مرتبطة ببعضها البعض من الناحية الإقتصادية .

وعقد المقاولة هو من أهم صور المجموعة العقدية في مجال عقود القانون الخاص، وهو عقد يبرم من أجل القيام بصناعة شيء محدد لقاء أجر معلوم متفق عليه، ويقوم فيه المقاول الأصلي المتعاقد مع رب العمل بعهد جزء من الأعمال المسندة إليه بموجب عقد المقاولة الأصلي إلى شخص أو أشخاص آخرين لمعاونته ومساهمتهم في تنفيذ التزامه تجاه رب العمل مما يجعله يبرم عقودًا مع هؤلاء للمساهمة معه في تنفيذ العقد الأصلي المبرم بينه وبين رب العمل، وهذا العقد يسمى عقد مقاولة من الباطن، وعلى ذلك فعقد المقاولة من الباطن لابد وأن يكون لاحقًا في إبرامه لعقد المقاولة الأصلي، أي أن يكون تابعًا من حيث المحل للعقد الأصلي أو يكون العقد من الباطن وسيلة لتنفيذ العقد الأصلي دون التنازل عنه.

ويرى جانب من الفقه([20]) أن تبعية العقد من الباطن للعقد الأصلي ترجع لكون الطرف المشترك في العلاقة باقيًا في العقدين، بمعنى آخر أن يبقى الطرف المشترك مسئولاً عن تنفيذ العقد الأصلي، ويبقى أطراف العقد الأصلي في العقد من الباطن ثلاثة أطراف، كما يقرر هذا الرأي أن الطرف المشترك في عقد المقاولة الأصلي لا يستطيع أن يقر للمتعاقد معه من الباطن حقوقًا أكثر مما له في العقد الأصلي، كما لا يستطيع أن يقرر للمتعاقد من الباطن أو أن يثقل كاهله بالتزامات تتعارض مع ما وردت ضمن بنود العقد الأصلي([21]).


الفرع الثاني

العقود الخاصة بالإنشاءات الدولية

كان لاتساع وتشعب العلاقات الدولية التجارية بالغ الأثر في ظهور المشاريع الضخمة والمشتركة فنشأت بعض العلاقات التجارية الدولية التي كونت مجموعة عقدية واحدة وجهت لها العديد من الأنظمة القانونية الخاصة اهتمامًا خاصًا على المستويين الدولى والمحلي، ومثل هذه العقود الخاصة بإنشاء مشروعات البنية التحتية الممولة من القطاع العام والتي تعرف باسمBOT  وكذلك عقود إنشاء المشروعات وتشغيلها خلال فترة الامتياز، ونتيجة لذلك فقد ساهمت بعض المؤسسات الدولية في وضع الأنظمة القانونية لهذه الروابط العقدية بهدف التيسير على أطراف العلاقات التعاقدية فقامت بوضع نماذج لعقود البناء والتشييد يتضمن بحث كافة الجوانب المنظمة للعلاقات القانونية بين أطراف هذه العلاقة، بالإضافة للوسائل التي يجب اتباعها لتسوية النزاعات الناشئة عن تنفيذ هذه العقود، ومن أهم النماذج هي التي وضعها الاتحاد الدولي للمهندسين الاستشاريين FIDIC وبعض العقود التي تستخدم في أعمال البناء والتشييد مثل عقود الهندسة المدنية وعقد تسليم المفتاح، وهي عقود متعددة أفقيًا ومترابطة بين أطراف يجمع بينهم طرف مشترك([22]).

ويرى البعض أنه رغم استقلال عقود هذه المشروعات من الناحية القانونية إلا أن هدفها المشترك أثبت ارتباطًا من الناحية القانونية([23]) .

والعملية في أكثر من جانب بحيث ينعكس الخلل في تنفيذ أحدهما أو بعضهما أن يؤثر في تنفيذ باقي أو بعض عناصر حزمة العقود، بالإضافة لكون التركيبة الفريدة لهذه العقود، وخاصة مشروعات البنية التحتية، ليس فقط إمكان قيام نفس الشخص بأكثر من دور، بحيث يكون طرفًا في أكثر من عقد، بل إمكانية تعارض مصالح أطراف هذه العقود واحتمال قيام خلافات أو منازعات بين أشخاص ليسوا أطرافًا في العقد([24])، وبعبارة أخرى تنبثق هذه الطائفة من مجموعات من العقود عن باعث مشترك يدفع إليها ويصهرها فى بوتقة واحدة، فكل عقد من العقود المشتركة منفرداً غير كاف بذاته ولكنه لازم ضروري لتحقيق الهدف النهائي([25]) .


تعليقات