القائمة الرئيسية

الصفحات

أهمية العلاقة العقدية المباشرة بين أطراف المجموعة العقدية وأساسها

 


أهمية العلاقة العقدية المباشرة بين أطراف
المجموعة  العقدية وأساسها

تقسيم:

بعد أن انتهينا في المبحث الأول من أن العلاقة بين أطراف المجموعة العقدية هي علاقة عقدية مباشرة، يثور التساؤل هنا حول ما أهمية تلك العلاقة العقدية المباشرة بين أطراف المجموعة العقدية؟ وما هو الأساس القانوني لتلك العلاقة؟ وهذا ما سنذكره هنا وسنتناول هذا المبحثين في المطلبين التاليين:

المطلب الأول : أهمية العلاقة العقدية المباشرة.

المطلب الثاني : أساس العلاقة العقدية المباشرة.

 


المطلب الأول
أهمية العلاقة العقدية المباشرة

         سبق وأن ذكرنا أن المشاكل التي آثارها موقف الفقه التقليدي في إنكار العلاقة المباشرة كانت هي مما استدل بها الفقه الحديث في إقرار العلاقة العقدية المباشرة، فتكمن أهمية العلاقة العقدية المباشرة بين أطراف المجموعة العقدية، في أنها تعالج تلك المساوئ ومن أهمها أن فيها حماية لأطراف المجموعة العقدية وكذا فإنها أيضًا تؤدي إلى احترام المبادئ القانونية، وأخيرًا فإنها أيضًا تؤدي إلى وحدة القواعد المنظمة للرجوع بين أطراف المجموعة العقدية، وسنشير إليها كالآتي.

         الفرع الأول    : حماية أطراف المجموعة العقدية.

         الفرع الثاني   : احترام المبادئ والقواعد القانونية.                 الفرع الثالث : وحدة القواعد القانونية في الرجوع بين الأطراف.

الفرع الأول

حماية أطراف المجموعة العقدية

         فالمجموعة العقدية بما تحمله من علاقة عقدية مباشرة بين أطرافها تمثل حماية لأطراف المجموعة العقدية سواء كان الطرف المضرور (الدائن) أو الطرف المسئول (المدين).

أولا: حماية الطرف الدائن

         أما بالنسبة للطرف المضرور (الدائن) فإن مظاهر الحماية التي تحققها له المجموعة العقدية تتمثل في أنه يستطيع أن يتحاشى حالة إعسار (إفلاس) المدين([1])، حيث لا يستطيع أن يحصل على حقه - بسبب إعسار المدين- في حالة إنكار العلاقة العقدية المباشرة ، أما في حالة المجموعة العقدية بطبيعتها العقدية المباشرة يستطيع المضرور (الدائن) في حالة إعسار المدين المتعاقد معه الرجوع على مدين مدينه المسئول الحقيقي، فيطالبه بالتعويض على أساس المسئولية العقدية المباشرة، كما أن المقاول إذا كان في حالة إعسار فإن رب العمل يتجنب ذلك الإعسار بالرجوع على المقاول من الباطن بالمسئـولية([2]).

         كما أن الطرف المتضرر يستطيع هنا أيضًا أن يستفيد من بنود العلاقة التعاقدية، لا سيما التي تقرر بندًا جزائيًا أو التي تشدد في المسئولية، كما إذا كان عقد الإيجار من الباطن يفرض شرطًا جزائيًا أو يشدد في المسئولية على المستأجر من الباطن في القيام بالترميمات التأجيرية والضرورية، فإن المؤجر الأصلي يستفيد من ذلك. وهذا بعكس ما إذا كان الرجوع بدعوى المسئولية التقصيرية([3]).

         كما أن الطرف المتضرر يستطيع وفقًا لقواعد المجموعة العقدية الرجوع على الطرف المسئول وكذا المتعاقد معه على سبيل التضامم([4])، فيستطيع رب العمل رفع دعوى المسئولية ضد المقاول الأصلي وكذا المقاول من الباطن على سبيل التضامم، فإذا ما قام أحد المدينين بالتعويض برئت ذمة الآخر، وبذا يضمن الطرف المضرور حقه، وهذا أيضًا ما يميز المجموعة العقدية عن التنازل عن العقد الذي فيه يكون المتنازل من الغير بمجرد تنازله([5]).

         كما أن المجموعة العقدية تحمي الطرف المتضرر من تكبد مشقة الرجوع المتوالي وما ينتج عنه من زيادة المصاريف وإطالة ا لزمن عن طريق توالي العقود([6])، وأيضًا تؤدي المجموعة العقدية إلى حماية الطرف المتضرر من مزاحمة الدائنين عن طريق الدعوى غير المباشرة لأنه إنما يطالب بالتعويض باسم مدينه المتعاقد معه([7]).

         وأخيرًا فإن الطرف المتضرر يستفيد من المجموعة العقدية في مسألة انتفاء ركن الخطأ كشرط للتعويض حيث يكفي في مجال العلاقة العقدية المباشرة هو إثبات أن الطرف المسئول لم ينفذ التزامه، أو لم يبذل العناية المطلوبة([8]).

ثانيا: حماية الطرف المدين

         ولا تقتصر مظاهر حماية المجموعة على الطرف المتضرر أو الدائن بل يتعدى ذلك إلى الطرف المسئول أيضًا (المدين)، حيث يستفيد من العلاقة العقدية المباشرة بين أطراف المجموعة العقدية، إذ يستفيد هو – أيضًا- من بنود العلاقة العقدية التي ساهم في بنائها، ووفقًا للأحكام القانونية التي تخضع لها هذه العلاقة، إذ قد تتضمن تلك العلاقة بندًا يعفي من المسئولية أو يخفف منها، فيكون له بالتالي الاحتجاج بها في مواجهة الطرف المضرور([9]).

         كما أنه يستفيد أيضًا من تخفيف النفقات الناجمة عن تعاقب الدعاوى المتسلسلة للرجوع على المسئول الحقيقي من مصاريف وأتعاب محاماة، حيث يتحاشى جزء من هذه التكاليف في حالة الحكم عليه([10]).

وأخيرًا فإنه يستفيد أيضًا من المجموعة العقدية حيث يكون متوقعًا لنوع المسئولية المنعقدة تجاهه، مما يكون بالتالي قد رتب لها بما يتفادها أو يخفف منها، ومن ثم لا يتعرض لمفاجأة دعوى مسئولية لم يكن يتوقعها، وهذا يؤدي أيضًا إلى استقرار المعاملات وإسباغ المزيد من الثقة في نطاق المعاملات التعاقدية والتي لابد من توافره خاصة في المجال التعاقدي؛ حيث لا يجب أن يسأل أي طرف من أطراف العلاقة التعاقدية إلا في إطار تلك العلاقة واستفادته من كافة البنود الواردة فيها([11]).

الفرع الثاني

احترام المبادئ والقواعد القانونية

         والمجموعة العقدية بطبيعتها العقدية المباشرة بين أطرافها تحقق احترامًا للمبادئ والقواعد القانونية ويتمثل ذلك في جانبين:

الجانب الأول: احترام مبدأ القوة الملزمة للعقد:

 فقد نصت المادة 147/1 مدني مصري بأن: "العقد شريعة المتعاقدين فلا يجوز نقضه ولا تعديله إلا باتفاق الطرفين أو للأسباب التي يقررها القانون" وهو نفس ما جاءت به المادة 211 مدني يمني: "العقد ملزم للمتعاقدين فلا يجوز نقضه ولا تعديله، إلا باتفاق الطرفين، أو للأسباب التي يقررها القانون الشرعي..."([12]) فما إن ينتج العقد صحيحًا فإنه يجب تنفيذه وتصبح له قوة ملزمة، وبالتالي تكون الالتزامات الناشئة عنه واجبة التنفيذ ليس بسبب العقد فحسب بل بسبب قوة القانون نفسه الذي أقر مبدأ القوة الملزمة للعقد([13]).

         وبالتالي فإن الإخلال به يكون إخلالا بالتزام قانوني، ومن نتائج القوة الملزمة للعقد أنه لا يسأل شخص أخل بالتزام عقدي إلا في إطار العقد مصدر ذلك الالتزام وينتج عن هذا أن إقرار المجموعة العقدية هو إقرار واحترام لمبدأ قانوني وهو القوة الملزمة للعقد وأن الأخذ بقواعد المسئولية التقصيرية يؤدي إلى هدم القوة الملزمة للعقد كما أشرنا([14]).

الجانب الثاني: احترام مبدأ عدم جواز الخيرة بين المسئوليتين العقدية والتقصيرية:

         أما الجانب الثاني من جوانب احترام المجموعة العقدية للمبادئ والقواعد القانونية فيتمثل ذلك في احترام مبدأ عدم جواز الخيرة بين المسئوليتين العقدية والتقصيرية، فعدم إقرار المجموعة العقدية بما تحمله من طبيعة عقدية مباشرة بين أطرافها  يؤدي إلى أنه لا يكون أمام الطرف المتضرر أو الدائن في رجوعه على الطرف المسئول أو المدين إلا الخيرة بين المسئولية العقدية غير المباشرة، أو المسئولية التقصيرية، بينما المجموعة العقدية توحد طبيعة المسئولية وتجعلها عقدية، مما يؤدي إلى القضاء على الخيرة السابقة بين المسئولية العقدية والتقصيرية، وهذا بالتالي يؤدي إلى احترام مبدأ عدم الجواز في الخيرة بين المسئوليات، وهو ما أخذ به غالب الفقه المصري واليمني حيث يرون أن هذه هي إرادة المشرع الضمنية، فالمشرع قد قسم صور المسئولية إلى عقدية وتقصيرية، وذلك يقضي أن يكون لكل واحدة منهما مجالا محددًا لا يجب تعديه، أو التعدي عليه من جانب آخر([15]).

 

الفرع الثالث
وحدة القواعد القانونية في الرجوع بين الأطراف

         إذا كان إقرار المجموعة العقدية يقضي على مبدأ الخيرة بين المسئوليتين، فإنه لا يكون أمام الأطراف إلا طريق المسئولية العقدية المباشرة ، وهذا كله وفقًا للمسئولية العقدية،  وأهمية هذا تكمن في وحدة القواعد المنظمة للرجوع بين الأطراف، حيث يختلف ذلك في كل من المسئولتين ويتمثل ذلك في الآتي:

أولا: من حيث توحيد القواعد الخاصة بالتقادم.

تختلف قواعد التقادم بين أطراف المجموعة العقدية في كلا المسئوليتين حسب كيفية الرجوع فإذا كان الرجوع بطريق المسئولية العقدية تكون مدة التقادم الطويل خمسة عشر سنة، مع الأخذ بالاعتبار لبعض الدعاوى كدعاوى ضمان العيب الخفي وضمان صلاحية الشيء المبيع للعمل، ودعوى الضمان العشري([16])، أما إذا كان الرجوع بطريق المسئولية التقصيرية فإن مدة التقادم هي ثلاث سنوات من تاريخ علم الطرف المضرور بالعمل غير المشروع، وإن كان لا يعلم فبمضي خمس عشرة سنة من تاريخ العمل غير المشروع ففي حالة عدم إقرار المجموعة العقدية فإن الطرف المسئول سوف يتضرر من عدم معرفة مدة التقادم التي تؤدي إلى إسقاط المسئولية عنه([17]).


ثانيًا: من حيث توحيد قواعد تقدير التعويض المستحق.

كما تختلف قواعد تقدير التعويض المستحق حسب كيفية الرجوع فإذا كان بطريق العقدية ، نجد أن مصدر ما ينتج عن عدم تنفيذ العقد والذي ينشأ عن إرادة المتعاقدين ومن ثم يكون لهذه الأطراف تحديد مدى التعويض عن الأضرار الناتجة عن العقد وبالتالي لم يدخل الأطراف في حسابهم سوى الضرر المتوقع عند إبرام العقد دون الضرر غير المتوقع إلا في حالتي الغش والخطأ الجسيم. وهذا يعكس ما إذا كان الرجوع بطريق المسئولية التقصيرية فإن مصدر الضر هو الإخلال بالتزام قانوني أنشأه وحدد مداه القانون، ولم تتدخل إرادة الطرفين في ذلك؛ لذلك فإن التعويض يمتد ليشمل كل الضرر، سواء توقعه الطرفان أو لم يتوقعاه، كما أنهما يختلفان أيضًا من حيث نوع الخطأ مصدر التعويض حيث يكفي بالتعويض في المسئولية التقصيرية وقوع الخطأ ولو كان تافهًا، أما في المسئولية العقدية فإنه يشترط فيه أن يكون الخطأ على درجة من الجسامة بحيث لا يقل عن الخطأ اليسير، وفي حالة المسئولية العقدية يكتفي الدائن هنا إثبات وجود العقد دون حاجة لإثبات خطأ المدين، ويكون على المدين هنا أن يثبت أنه أوفى بالتزامه أو أن سببًا أجنبيًا حال بينه وبين الوفاء. أما في المسئولية التقصيرية، فيجب على الدائن أن يثبت خطأ المدين، كما أنه لا يشترط للحكم بالتعويض في المسئولية التقصيرية إعذار المدين، لأن المسئول عن الضرر يكون معذرًا بحكم القانون أما في المسئولية العقدية فالإعذار واجب حتى تنتفي شبهة رضا الدائن الضمني بتأخير الوفاء، وأخيرًا فإنه في المسئولية العقدية لا يقوم التضامن بين المدينين إلا إذا كان قد اتفق عليه في العقد، أما في المسئولية التقصيرية فالتضامن مفروض دائمًا، وبالتالي فإن إقرار المجموعة العقدية يؤدي إلى توحيد قواعد التعويض من حيث تقديره ودرجة الخطأ ومصدره وعبء إثباته وشرط إعذار المدين والتضامن بين المدينين([18]).

ثالثًا: من حيث توحيد قواعد الاختصاص القضائي.

كما تختلف قواعد الاختصاص القضائي فيما بين أطراف المجموعة العقدية حسب كيفية الرجوع فإذا كان بطريق المسئولية التقصيرية فإن محكمة المدعى عليه الطرف المسئول هي المحكمة المختصة بنظر الدعوى، أما إذا كان الرجوع بطريق المسئولية العقدية، فإن أطراف العقد قد يتفقون على محكمة أخرى غير محكمة موطن المدعى عليه وهذا يؤدي إلى الكثير من المشاكل، لا يتم القضاء عليها إلا بتوحيد قواعد الاختصاص القضائي عن طريق المجموعة العقدية([19]).

رابعًا: توحيد القواعد المتعلقة بالقانون الواجب التطبيق في حالة وجود عنصر أجنبي بين أطراف المجموعة العقدية.

حيث يفترض هنا أن يكون هناك اختلاف في الجنسية بين أطراف المجموعة العقدية، فيختلف القانون واجب التطبيق حسبما ما إذا كان الرجوع بينهما، فإذا كان بطريق المسئولية التقصيرية فإنه يكون هو قانون البلد الذي وقع فيه الفعل غير المشروع مصدر المسئولية التقصيرية، وهذا بعكس ما إذا كان الرجوع عن طريق المسئولية العقدية، فإن القانون الذي يسري عليهم هو القانون الذي اتفق عليه الأطـراف، أو مـوقـع العقار إذا كان محل العقد عقار، أو الموطن المشترك، أو مكان العقد حسب القواعد المقررة لذلك([20])، وهكذا نجد اختلاف القواعد في حالة الخيرة بين المسئوليتين الناتج عن عدم إقرار المجموعة العقدية بطبيعتها العقدية المباشرة بين أطرافها.

وهنا تكمن أهمية المجموعة العقدية وما تحققه من مزايا سواء في حماية أطرافها أو باحترام المبادئ والقواعد القانونية أو بتوحيد قواعد الرجوع بين الأطراف. فإذا كان ذلك هو أهمية المجموعة العقدية، فما هو الأساس القانوني الذي ترجع إليه المجموعة العقدية.

 


المطلب الثاني

أساس العلاقة العقدية المباشرة

         فبعد إقرار العلاقة العقدية المباشرة بين أطراف المجموعة العقدية على اعتبار أن أطراف المجموعة العقدية تقوم بينهم علاقة عقدية مباشرة كما لو أنهم في عقد واحد، حيث يستخدم كل طرف حقوقه الناتجة عن ذلك العقد وهنا يثور تساؤل حول ما هو الأساس القانوني لذلك. وذلك ما لمبدأ  النسبية من غموض بسبب تعارض النصوص القانونية في ذلك كما سبق، ولذلك ظهرت نظريات مختلفة محاولة تبرير فكرة المجموعة العقدية واعتبار أطراف المجموعة العقدية كأنهم في عقد واحد، وسنشير إليها كما يلي:

الفرع الأول : حوالة الحق.

الفرع الثاني: الاشتراط لمصلحة الغير.

الفرع الثالث: نظرية المستلزمات.

الفرع الرابع: فكرة المجموعة العقدية.

الفرع الخامس: فكرة التوازن العقدي.


الفرع الأول
حـوالــــة الحــــــق

يرى بعض الفقه أن أساس العلاقة العقدية المباشرة بين أطراف المجموعة العقدية هو فكرة الإرادة الضمنية المتمثلة في حوالة الحق([21])، فالشخص حينما يقوم بالتصرف في الشيء الذي يملكه فإن هذا التصرف يصطحب معه تنازلا- ضمنًا- عن كافة الحقوق والدعاوى المرتبطة بالشيء محل التصرف، فقيام الطرف المتضرر برفع دعوى المسئولية العقدية، إنما يقوم بكافة الدعاوى التي كانت مقررة للمتعاقد معه، فعلى ذلك يكون المشتري الأول من البائع الأول قد تنازل عن حقوقه تجاه هذا المشتري، إلى المشتري الثاني([22]).

ولكن لاقت هذه النظرية انتقادات تتلخص في وجود فروق بين الحوالة وبين فكرة المجموعة العقدية، فالحوالة هي اتفاق بين طرفين هما الدائن بالحق الموجود في ذمة الغير، ويسمى المحيل، والشخص الذي تمت الحوالة لصالحه يسمى المحال إليه، وبمجرد انعقاد الحوالة يصير المحيل أجنبيًا عن المحال إليه والمحال عليه فالحوالة تعد صورة من صور التنازل عن الحق([23])، وهذا بعكس فكرة المجموعة العقدية والتي تعتبر كل شخص له دور ساهم في تنفيذ العقد طرفًا فيه، كما أن الحوالة تتوقف على موافقة الطرف الثالث لكي تتم الحوالة وتقوم العلاقة بين أطرافها([24]).

 بينما في المجموعة العقدية تقوم العلاقة العقدية بين أطرافها دون شرط موافقة الطرف الثالث، وتقتضي الحوالة – أيضًا- أن يكون الطرف المحيل من الغير في العلاقة بين الأطراف الأخرى، وهذا بعكس المجموعة العقدية فإنه لا فرق في العلاقة بين أطرافها ويكونون على السواء ولا يكونوا من الغير([25]).

الفرع الثاني

الاشتراط لمصلحة الغير

وذهـب اتجاه آخر إلى تأسيس المجموعة العقدية على أساس الاشتراط لمصلحة الغير([26])، على اعتبار أن العلاقة العقدية المباشرة بين أطراف المجموعة العقدية لا تعدو سوى تطبيق لفكرة الاشتراط لمصلحة الغير ويكون هذا وفقًا لفكرة الاشتراط الضمني لمصلحة الغير، فالتاجر الذي يقوم بشراء بضاعة من مصنع معين، فإنه يشترط في عقد البيع، أن دعوى ضمان العيب الخفي المتولدة من هذا العقد يستفيد منها شخص آخر، كما قرروا أن موافقة الغير كشرط لثبوت حق الغير، يفهم ضمنًا في المجموعة العقدية، فقيام المتملك النهائي برفع دعوى ضمان العيب ضد المنتج، إنما يكون قبولا ضمنًا منه للمشارطة لصالح الغير([27]).

ولقد لاقت هذه النظرية كقبيلتها نقدًا على اعتبار أن الاشتراط لمصلحة الغير يعد استثناء على مبدأ النسبية فلذا يلزم عدم التوسع فيه وإدخال المجموعة  العقدية ضمن تطبيقاتها([28]). كما أن فكرة المجموعة تقوم على مجموعة من التصرفات تنشأ مستقلة عن بعضها البعض، مما يحول دون القول بوجود إرادة صريحة – أو ضمنية- من جانب إرادة طرفي التصرف انصرفت إلى نشوء حق للطرف المتضرر تجاه الطرف المسئول([29]). ففي عقد المقاولة من الباطن قد لا تنصرف إرادة طرفي عقد المقاولة الأصلي- وقت نشوئه- نحو تعاقد المقاول الأصلي مع مقاول من الباطن مما يحول دون القول بوجود إرادة صريحة أو ضمنية تفيد بنشوء اشتراط لمصلحة هذا الأخير، يخوله حق الرجوع على رب العمل، وفقًا لأحكام الاشتراط لمصلحة الغير، كما أنه في حالة الاشتراط لمصلحة الغير يجوز للمشترط نقض المشارطة وتعيين مستفيد آخر([30])، وينتج عن هذا عدم جواز رجوع من له حق المشارطة الرجوع في المتعهد. وهذا يختلف عن المجموعة العقدية، والتي لا يمكن التخلص من أحكامها([31]).

كما أن الاشتراط لمصلحة الغير لا يكون ملزمًا للمشترط له حيث يمكن له رفضه وعدم خضوعه لأحكام المسئولية العقدية، وهذا بعكس المجموعة العقدية فإنها تكون ملزمة لأطرافها ولا يجوز التحلل منها، والاشتراط لمصلحة الغير لا يجوز فيه للمستفيد من الرجوع إلا على المتعهد فقط، ولا يجوز الرجوع على المشترط، وهذا بعكس المجموعة العقدية، والتي يجوز فيها الرجوع على الطرف المسئول والمتعاقد معه معًا على سبيل التضامم كما أن العلاقة بين المستفيد والمتعهد في حالة الاشتراط لمصلحة الغير، تحكمها قواعد العلاقة بين المشترط أو المتعهد يعني أن حقوق المستفيد يكون مصدرها تلك العلاقة، وهذا بعكس المجموعة العقدية والتي مصدر تلك العلاقة هي مجموع العلاقات التي كونت المجموعة العقدية.

وأخيرًا فإن فكرة الاشتراط لمصلحة الغير تعد استثناء من مبدأ نسبية أثر التصرفات القانونية، بينما المجموعة العقدية لا تعد خروجًا عن مبدأ النسبية وإنما تكون من تطبيقاته ([32]).

الفرع الثالث

نظرية المستلزمات

         ويرى البعض أنه يمكن تأسيس فكرة المجموعة العقدية على أساس فكرة مستلزمات الشيء محل التعاقد، وذلك بتقريره أن تخويل رجوع الطرف المتضرر على الطرف المسئول بمقتضـى دعوى المسئولية العقدية المباشرة، لا تعدو أن تكون سوى تطبيق لفكرة المستلزمات([33])، واستدل أنصار هذا الاتجاه بنص المادة 146 مدني مصري والذي جاء فيها: "إذا أنشأ العقد التزامات وحقوقًا شخصية تتصل بشيء انتقل بعد ذلك إلى خلف خاص فإن هذه الالتزامات والحقوق تنتقل إلى هذا الخلف في الوقت الذي ينتقل فيه الشيء إذا كانت من مستلزماته..." ([34]). كما قرر أنصار هذا الاتجاه بأن فكرة المستلزمات لا تقتصر على الأشياء المادية، ولكن يدخل فيها أيضًا كافة الأشياء المعنوية كالحقوق والدعاوى المرتبطة بها([35])، وكانت مطبقة هذه الفكرة على دعوى ضمان العيب الخفي، على اعتبار أن مالك الشيء معين حينما يتصرف فيه فإنه يكون قد تنازل – ضمنًا- عن دعوى ضمان العيوب الخفية، المرتبطة بالشيء محل التصرف، إلى المتصرف إليه، وأن هذا الأخير حينما يمارس هذه الدعوى فلا توجد له مصلحة سوى أنه مالك للشيء لحظة ظهور العيب، فمصدر هذه الدعوى هو عقد البيع الأصلي، وأنها لا تفرض على البائع، أو المنتج للشيء إلا بسبب كونه طرفًا في هذا العقد، ومن ثم يكون منطقيًا الاعتراف للملاك المتعاقبين بحق الرجوع على البائع الأصلي، بدعوى المسئولية العقدية المباشرة المؤسسة على ضمان العيوب الخفية. ثم طبق أنصار فكرة المستلزمات ذلك على كافة الدعاوى المرتبطة بالشيء كدعوى الإخلال بالالتزام بالتسليم أو ضمان الاستحقاق أو فسخ العلاقة التعاقدية،حيث قالوا بأن هذه الدعاوي تعد من قبل الالتزامات العينية، التي تنقل المال سواء أكان ماديًا أو معنويًا، ومن ثم فإنها تنتقل مع الملكية باعتبارها من مستلزماتها([36]).

         ومثله أيضًا الضمان القانوني الملقى على عاتق المقاول والمهندس المعماري بشأن سلامة البناء من العيب حيث اعتبروه من قبيل الالتزامات العينية التي ترتبط بالبناء- وفقًا لفكرة المستلزمات – ومن ثم فإنه ينتقل إلى الملاك المتعاقبين ويكون لهم الحق في الرجوع على المقاول والمهندس بدعوى المسئولية العقدية المباشرة([37]).

         وقد وجهت انتقادات لهذه النظرية وهي أن فكرة المستلزمات لا تصلح أن تكون أساسًا للمجموعة العقدية؛ لأن هذا يؤدي إلى تشويه أحكام المجموعة العقدية، وفكرة المستلزمات يقصد بها إلزام المتعاقد بتسليم الأشياء التي تكون مرتبطة بالمال الذي تم نقله دون حاجة إلى النص عليها في العلاقة التعاقدية، كما هو الحال بالنسبة لأدوات تركيب السيارات، حيث أن الطرف البائع يلتزم بتسليمها للمشتري حتى إذا كان هناك عرف يقرر ذلك ومعنى هذا أنه لا يمكن القول بفكرة المستلزمات إلا إذا كانت هناك تصرفات قانونية ناقلة للملكية هذا من ناحية ومن ناحية أخرى، إنه لكي يمكن إلزام المتعاقد بتسليم المتعاقد معه الأشياء التي تعتبر من مستلزمات محل التصرف القانوني، يجب أن يكون هناك نص تشريعي، أو عرف يقضى بذلك، فكون فكرة المستلزمات أساسًا للمجموعة العقدية يقتضي الاقتصار على بعض صور المجموعة العقدية وهي التصرفات القانونية الناقلة للملكية المتعاقبة على مال واحد. وبهذا لا تصح أن تكون أساسًا للصور الأخرى للمجموعة العقدية، كالتصرفات القانونية المتعاقبة على منفعة مال واحد كعقود الإيجار من الباطن وكذا التصرفات القانونية المترابطة بقصد تحقيق هدف واحد، كعقود المقاولة من الباطن الواردة على تنفيذ عمل واحد.

         فعلى هذا يحرم الطرف المتضرر من الرجوع على الطرف المسئول بمقتضى المسئولية العقدية المباشرة، متى كان هذا الطرف يخرج من نظرية الاستخلاف الخاص، كالمستأجر من الباطن فإنه ليس خلفًا خاصًا للمستأجر الأصلي([38]) كما أنها تحرم الشخص من حق الرجوع على المتعاقد معه، بمجرد تصرفه في الشيء محل العلاقة التعاقدية التي أبرمت بينهما، حيث أن قيامه بالتصرف يفيد- وفقًا لفكرة المستلزمات- بأنه قد تنازل عن كافة الدعاوى المقررة له، للمتصرف إليه([39])، كما أن هذه الفكرة تحرم المتضرر من الرجوع على المتعاقد معه ومع المسئول على سبيل التضامم، لأن فكرة المستلزمات تقتضي التنازل والذي يفيد بأن المتعاقد مع الطرف المتضرر يعد أجنبيًا عن مفهوم المجموعة العقدية وهذا مخالف لفكرة المجموعة العقدية في جواز رجوع الطرف المتضرر على المتعاقد معه والمسئول معًا على سبيل التضامم كما أنه يؤدي إلى إهدار القوة الملزمة للعقد التي شارك المتضرر في تكوينها([40]).

الفرع الرابع

فكرة المجموعة العقدية

         ويرى بعض الفقه أن أساس المجموعة العقدية تقوم على فكرة المجموعة العقدية ذاتها أي تجد أساسها في فكرة الترابط بين التصرفات القانونية التي تنشأ من أجل تحقيق هدف مشترك أو التعاقب لمجموعة عقود على مال واحد، فالعلاقة العقدية المباشرة إنما تكون نتيجة طبيعية لفكرة المجموعة العقدية أي فكرة تعاقب أو ترابط التصرف القانوني الذي ساهم الطرف المتضرر في تكوينه مع العلاقة التعاقدية التي شارك الطرف المسئول في بنائها.

         ولقد وجهت انتقاد لهذه النظرية تتلخص في أنها خلطت بين المصدر والأساس، حيث أن دعوى المسئولية العقدية المباشرة تجد مصدرها في فكرة تعاقب أو ترابط مجموعة التصرفات القانونية، ولا يمكن القول بأن الحياة العملية هي التي حتمت وجودها بل على العكس من ذلك تمامًا حيث أن هذه الفكرة تجد مصدرها في مبدأ نسبية آثار التصرفات القانونية([41]).

الفرع الخامس

فكرة التوازن العقدي

         و يرى بعض الفقه أن فكرة المجموعة العقدية تقوم أساسًا على مبدأ إقامة التوازن بين الحقوق على اعتبار أن العلاقة التعاقدية تقوم على مبدأ سلطان الإرادة، وإرادة الشخص لا تقوم إلا بعد أن يوازن بين الأداء الذي سيحصل عليه وذلك الذي سيلتزم به، فالعلاقة العقدية عمومًا تقوم على فكرة إقامة التوازن بين الحقوق، والمشرع في تنظيمه لهذه العلاقة، هدف إلى المحافظة على هذا التوازن، ومن هنا قرر قواعد تنظيم التصرف القانوني من ناحية تكوينه وعملية تنفيذه والمتمثلة في المجموعة العقدية([42])، وفي هذا يقول أستاذنا الدكتور فيصل ذكي عبد الواحد: "ولا شك في أن إقرار دعوى المسئولية العقدية المباشرة بين أطراف الأسرة العقدية يؤدي إلى المحافظة على التوازن العقدي الذي اتجهت إليه إرادة أطراف التصرف القانوني وما أكده المشرع في تنظيمه لقواعد المسئولية، حيث أن مقتضى إقرار هذه الدعوى من جهة عدم مساءلة المدين الآخر إطار التصرف القانوني الذي ساهم في بنائه، ومن جهة ثانية استفادته من الأحكام القانونية التي تنظم هذه العلاقة وأخيرًا عدم حصول الطرف الدائن على أكثر مما يكون له من حقوق منبثقة من التصرف القانوني الذي شارك في تكوينه([43]).


تعليقات