القائمة الرئيسية

الصفحات

سلطة الادعاء في حفظ الدعوى العمومية

 


سلطة الادعاء في حفظ الدعوى العمومية 

المقدمة

الحمد لله والصلاة والسلام على أشرف خلق الله سيدنا ونبينا محمد وعلى أله وصحبه أجمعين ، أما بعد :

إنه بعد الانتهاء من التحقيق يقوم عضو الادعاء العام بالتصرف فيه ، سواء بالإحالة إلى المحكمة المختصة أو بالحفظ عند توافر أسبابه ، وبهذا يجب على عضو الادعاء العام بذل الجهد الواجب عليه لتمحيص القضايا المعروضة عليه ، التمحيص الدقيق والذي ينتج عنه التصرف الصحيح .

       وذكرنا بأنه من أوجه التصرف هو حفظ الدعوى العمومية عند توافر أسبابه وهذه الأسباب عديدة بعضها وجوبيه ومنها جوازيه ( الحفظ لعدم الأهمية ) .

      ونظراً للأهمية التي يتسم بها موضوع الحفظ ؛ حدا بي البحث في هذا الموضوع ، وذلك لكي يكون موضحاً للسلطة الممنوحة لأعضاء الادعاء العام في حفظ الدعوى .

      وفي ضوء ما تقدم سنقسم البحث إلى خمسة مباحث وذلك على النحو التالي :

المبحث الأول : ماهية قرار الحفظ وطبيعته القانونية .

المبحث الثاني : الأشخاص المختصون بإصدار قرار الحفظ .

المبحث الثالث : شروط قرار الحفظ .

المبحث الرابع : أسباب حفظ الدعوى العمومية .

المبحث الخامس : آثار قرار الحفظ وإلغاءه .

 

المبحث الأول / ماهية قرار الحفظ وطبيعته القانونية

المطلب الأول / ماهية قرار الحفظ :

لم يضع الشارع العماني تعريفاً لحفظ الدعوى ، واكتفى ببيان السلطة المختصة بإصداره ، والحالات التي يجوز فيها إصداره ، والآثار المترتبة عليه ، الأمر الذي فتح المجال للفقه لوضع تعريفٍ لحفظ الدعوى العمومية.                                                                    ومن الاجتهادات التي تذكر تعريف الفقه المصري ( للأمر بالأوجه لإقامة الدعوى [1]) ، بأنه أمر بمقتضاه تقدر سلطة التحقيق عدم السير في الدعوى الجنائية؛ لتوافر سبب من الأسباب التي تحول دون ذلك[2] ، والشارع الإماراتي عرف الأمر بالأوجه لإقامة الدعوى بأنه أمر قضائي صادر من (النيابة العامة[3] ) تقدر بمقتضاه عدم السير في الدعوى الجزائية؛ لتوافر سبب من الأسباب التي بينها القانون[4] .

إذن فحفظ الدعوى العمومية هو قرار يصدر من الادعاء العام ، سواء كان التحقيق أجري بمعرفته أو بمعرفة الضبطية القضائية عند الانتهاء من التحقيق الابتدائي ، ووقف الدعوى عند المرحلة التي وصل إليها ، وهو أحد أوجه التصرف في التحقيق[5]  .

المطلب الثاني / الطبيعة القانونية لقرار الحفظ :

قرار حفظ الدعوى العمومية هو الوجه المقابل لقرار الادعاء العام بالإحالة إلى المحكمة المختصة[6] ، وللحديث عن الطبيعة القانونية لقرار الحفظ يقتضي الحديث عن موضوعات ثلاثة هي :

أولا: الادعاء العام يصدر قرار الحفظ بوصفه سلطة تحقيق:

يصدر قرار الحفظ من سلطة التحقيق ( بالمعنى الضيق )[7] ، أي من الادعاء العام بصفته سلطة تحقيق ، عملا بنص المادة (121) من قانون الإجراءات الجزائية حيث نص على أنه " للادعاء العام بعد انتهاء التحقيق الابتدائي أن يصدر قراراً بحفظ التحقيق مؤقتاً أو نهائياً " .

ثانيا: قرار الحفظ تصرف في التحقيق الابتدائي:

بعد انتهاء التحقيق الابتدائي يتم التصرف فيه بالحفظ أو الإحالة[8] ، إذن فإن قرار الحفظ هو تصرف في التحقيق الابتدائي ، يقوم به عضو الادعاء العام كلاً حسب اختصاصه .

ثالثا: قرار الحفظ قرار قضائي:

إن قرار حفظ التحقيق هو قرار قضائي, يصدره الادعاء العام بعد انتهاء التحقيق الابتدائي وذلك بناءً على أحد الأسباب التي حددها القانون بعدم جدوى رفع الدعوى أمام المحكمة المختصة[9] .  

المبحث الثاني / الأشخاص المختصون بإصدار قرار الحفظ :

يصدر قرار الحفظ من قبل أعضاء الادعاء العام ، وقد وضح القانون بأن هناك بعض القرارات مقصور إصدارها على بعض الأعضاء دون الآخر نظراً للدرجة الوظيفية وذلك وفقاً للآتي :

أولاً : قرارات حفظ تصدر من جميع أعضاء الادعاء العام وفقاً للاختصاص المكاني :

تصدر قرارات حفظ التحقيق المؤقت من جميع أعضاء الادعاء العام بدون تحديد ، فلم يشترط القانون من المدعي العام أو من يقوم مقامه ، وهذه الصلاحية تكون للادعاء العام بغض النظر عن جسامة الجريمة المرتكبة[10] ، سواء أكانت جناية أو جنحة أو مخالفة .

لكن التعميم القضائي رقم (21-2004م ) والصادر من المدعي العام، تضمن بأن التوقيع على قرارات الحفظ في الجنايات عدا قرارات الحفظ لعدم الأهمية ، تكون من قبل أحد مساعدي المدعي العام ويعاونه عدد من رؤساء ادعاء عام ووكلاء ادعاء عام أول ، وهو بذلك قيد من السلطة الممنوحة لجميع أعضاء الادعاء العام ( عدا معاوني الادعاء العام ) بحفظ التحقيق المؤقت في الجنايات ، وذلك بنص المادة (122) إجراءات جزائية والتي نصت على أنه : " يكون صدور القرار بحفظ التحقيق نهائيا في الجنايات من المدعي العام أو من يقوم مقامه " ، ومن يقوم مقامه هم المحددون وفق نص المادة (20) من قانون الادعاء .

ثانيا: قرارات حفظ مقصور صدورها على بعض أعضاء الادعاء العام:

إذا كانت الجريمة (محل التحقيق ) جنحة أو مخالفة فإن قرار الحفظ يصدر من عضو الادعاء العام القائم بالتحقيق ، أما إذا كانت الجريمة جناية، فقرار الحفظ النهائي لا يكون إلا من قبل المدعي العام أو من يقوم مقامه[11] ، وذلك كله في غير الحفظ النهائي لعدم الأهمية ، حيث أعطى المشرع للمدعي العام دون غيره سلطة إصدار قرار بحفظ التحقيق نهائيا ، رغم وجود جريمة وكفاية أدلتها وذلك لعدم أهميتها[12] ، بشرط عدم وجود مدعٍ بالحق المدني ، وذلك وفق نص المادة (125) إجراءات جزائية .

المبحث الثالث / شروط قرار الحفظ :

أولا / الكتابة والتوقيع :

يشترط في قرار حفظ الدعوى العمومية أن يكون ثابتا بالكتابة ، وموقعا عليه ممن أصدره[13] ، وذلك ما أشارت إليه المادة (123) إجراءات جزائية حيث نصت على أنه " يبين بقرار الحفظ اسم المتهم ولقبه وسنه ومحل ميلاده ومحل إقامته ومهنته وجنسيته والواقعة المنسوبة إليه ووصفها 

القانوني"، فكيف يكون البيان دون الكتابة ؟! والبيانات والتي تحدد شخصية المتهم تكفي بشكل يكفل عدم الخلط بينه وبين غيره[14].

 أما بالنسبة للتوقيع ، فإنه يجب أن يكون موقعا عليه ممن أصدره حتى يمكن التحقق من صفة مصدره ، وذلك دون توقيع أمين السر، والذي لا يلزم وجود توقيعه في القرار، وهو بذلك يختلف عن الأحكام، ويتميز عن محاضر التحقيق[15]، وذلك لأن القرار يترتب عليه آثار قانونية هامة[16] .

ثانيا/ أن يكون قرار الحفظ صريحا:

يشترط في قرار الحفظ أن يكون صريحا بذات ألفاظه في أن من أصدره لم يجد في أوراق الدعوى وجها للسير فيها[17] ، ويجوز أن يستفاد من تصرف أو إجراء آخر يترتب عليه حتما حفظ التحقيق ضمنا وبطريقة اللزوم العقلي[18] ، وذلك مثل اتهام المجني عليه بالبلاغ الكاذب[19] ، ولا يصح أن يفترض أو يؤخذ به بطريقة الظن[20] .

ثالثا/ التسبيب:

يجب تسبيب قرار حفظ الدعوى العمومية ، وذلك ضمانا لجديته وحرصاً على ألا يصدر إلا بعد تحقيق جدي استخلص منه المحقق أسباب تحول في تقديره دون محاكمة المتهم[21] ، بالإضافة إلى ذلك ، فإن القرار يقبل التظلم منه، ومن ثم كان تسبيبه الوسيلة إلى مناقشته وتحديد قيمته من حيث قبول التظلم منه أو رفضه[22] ، وهذا ما نصت عليه المادة (123) من قانون الإجراءات الجزائية .

رابعا/ سلطة إصداره:

لقد تم التطرق لهذا الشرط ضمن المبحث الثاني .

خامسا/ عدم وجود مدع بالحق المدني عند الحفظ لعدم الأهمية:

أوجبت المادة (125) من قانون الإجراءات الجزائية على المدعي العام عند التقرير بحفظ الدعوى الجزائية لعدم الأهمية أن يتأكد من عدم وجود مدعٍ بالحق المدني ، فإذا وجد من يطالب بحق فإنه لا يجوز للمدعي العام إصدار قراره بالحفظ لعدم الأهمية وإنما عليه إحالة الدعوى إلى المحكمة المختصة[23].

سادسا/ التقرير بحفظ التحقيق والتصرف بالأشياء المضبوطة:

جرى العمل بأن يصدر عضو الادعاء العام في نهاية قرار الحفظ قراره بحفظ التحقيق مؤقتا أو نهائيا وفقا للسبب القانوني المستوجب للحفظ، 

وفي حالة وجود مضبوطات في الدعوى المعروضة ، يتعين في قرار الحفظ ذكر كيفية التصرف في الأشياء المضبوطة[24]، سواء بالمصادرة أو الإتلاف أو غيرها من أوجه التصرف .

سابعا/ الإعلان:

يجب إعلان قرار الحفظ لذوي الشأن لكي يعلموا به[25] ، فيتاح لهم التظلم من القرار خلال عشرة أيام من تاريخ إعلانهم ، والإعلان يكون للمجني عليه وللمدعي بالحق المدني ، وفي حالة وفاتهم يكون الإعلان للورثة جملة دون ذكر أسمائهم ، وذلك في آخر موطن كان لمورثهم ، وهذا ما نصت عليه المادة (124) من قانون الإجراءات الجزائية ، وقد أصدرالمدعي العام التعميم رقم (134-2004م ) يقضي بذكر عبارة الإعلان ضمن قرار الحفظ ، ويسلم أطراف الدعوى نسخة من قرار الحفظ شخصيا[26]

المبحث الرابع / أسباب حفظ الدعوى العمومية :

للادعاء العام أن يحفظ التحقيق عند توافر أسبابه ، وهذه الأسباب وردت على سبيل الحصر[27]،  فقد نصت المادة (121) من قانون الإجراءات الجزائية على أنه " للادعاء العام بعد انتهاء التحقيق الابتدائي أن يصدر قراراً بحفظ التحقيق مؤقتا أو نهائيا ويأمر بالإفراج عن المتهم ما لم يكن مسجونا لسبب آخر ، ويكون قرار الحفظ مؤقتا إذا كان المتهم مجهولا أو كانت الأدلة غير كافية ، ونهائيا متى كانت الوقائع المنسوبة إلى المتهم غير صحيحة أولا يعاقب عليها القانون ، ونصت المادة (125) من ذات القانون على أنه " للمدعي العام أن يصدر قراراً بحفظ التحقيق نهائيا رغم وجود جريمة وكفاية أدلتها إذا وجد في عدم أهمية الجريمة أو في ظروفها ما يبرر ذلك ما لم يوجد مدعٍ بالحق المدني " .

إذن فأسباب الحفظ نوعان : الأول: أسباب موضوعية ( واقعية ) ويدخل في نطاقها عدم معرفة الفاعل ، وعدم كفاية الدليل ، وعدم صـحة

الوقائع، وعدم الأهمية[28] ، ثانيا: أسباب قانونية أوردها المشرع وهي الوقائع التي لا يعاقب عليها القانون ، وتشمل جميع الأسباب التي لا يمكن فيها توقيع العقوبة على المتهم[29] ، بعضها وردت في قانون الجزاء ، وأخرى أسباب وردت في قانون الإجراءات الجزائية ، والأسباب التي وردت في قانون الجزاء تشمل حالة ما إذا كانت الواقعة لا تخضع لنص تجريم أو كان يسري عليها سبب إباحة ( سبب تبرير ) أو كان المتهم مستفيداً من مانع مسؤولية أو مانع عقاب[30]، أما الأسباب التي وردت في قانون الإجراءات الجزائية فتشمل حالات انتفاء أحد شروط قبول الدعوى[31]، وهي حالات انقضاء الدعوى العمومية والتي وردت بالمادة (15) من قانون الإجراءات الجزائية، وعدم جواز رفع الدعوى العمومية ، ونذكر هذه الأسباب بشيء من التفصيل في المطلبين التاليين :

المطلب الأول / أسباب الحفظ الموضوعية :

إن حفظ الدعوى العمومية لسبب موضوعي يسمح بالعودة إلى التحقيق الابتدائي متى ما ظهرت أدلة جديدة ؛ ذلك لأن هذا الحفظ يصدر أصلا حاملا في طياته العودة إلى التحقيق ، وذلك للتحقيق في العناصر الجديدة ، استكمالا للدعوى العمومية ، وذلك فيما عدا الحفظ لعدم الأهمية والحفظ لعدم صحة الوقائع ، فإنهما يحفظان نهائيا . واستكمالا للحديث في الأسباب الموضوعية نقسم هذا المطلب إلى الأفرع التالية :

 

الفرع الأول / الحفظ لعدم كفاية الأدلة :

 الحفظ لعدم كفاية الأدلة يكون إذا كانت احتمالات الإدانة مثلما تبين من محاضر التحقيق ضعيفة للغاية ، أو تكون الأدلة المنسوبة للمتهم هي أدلة ظرفية وغير كافية لإدانته ، أو يكون الشاهد الوحيد في الدعوى حدثا أو

شريكا في الجرم ، حيث لا يمكن للمحكمة أن تحكم بالإدانة ما لم تتأيد تلك الشهادة ببينة مستقلة تؤيد الشهادة من ناحية جوهرية ليس فقط أن الجرم قد ارتكب بل أن المتهم ارتكبه أيضا[32] ، ولهذا فللادعاء العام أن يقرر حفظ التحقيق متى ما تبين له عدم كفاية الأدلة[33] ، ويجب لصدور مثل هذا القرار أن تكون أدلة البراءة قد ترجحت على أدلة الإدانة فلا يكفِ مجرد الشك في ثبوت التهمة[34]، حيث أن قاعدة الشك تفسر لصالح المتهم هي من القواعد التي تراعى في المحكمة أمام قاضي الموضوع ، ولا تراعَ عند الاتهام بمعرفة الادعاء العام[35].

الفرع الثاني / الحفظ لعدم صحة الوقائع :

الحفظ لعدم صحة الوقائع هو أحد الأسباب الموضوعية لحفظ الدعوى، ويعرف أيضا بعدم وقوع الفعل من الناحية المادية ، حيث يتبين للادعاء العام من أوراق الدعوى ، أن هذه الجريمة لم تقع أصلا ، أو أن المتهم لم يرتكب الجريمة ، وأن المجني عليه هو من افتعلها كما هو الحال في الاتهامات الكيدية[36] ( الافتراء ) ، وذلك مثل أن يتهم شخصٌ آخرَ بالسرقة وفي الحقيقة لا توجد جريمة سرقة واقعة[37].

   

    والفرق بين عدم كفاية الدليل وعدم صحة الوقائع هو أن، الأول: ينصب على مدى ثبوت الواقعة قبل المتهم ، والثاني: ينصب على عدم حصول الواقعة أصلا من الناحية المادية أو قبل المبلغ ضده[38].

الفرع الثالث / الحفظ لعدم معرفة الفاعل :

إن عدم معرفة الفاعل هو سبب موضوعي للحفظ يتعلق بثبوت الواقعة المدعى بها ، والتي تشكل جريمة قبل شخص معين ومحدد ، وإن عدم تحديد هذا الشخص سيترتب عليه الحفظ لعدم معرفة الفاعل[39] ، إذن فإن قرار الادعاء العام بحفظ التحقيق لعدم معرفة الفاعل أو عدم كفاية الدليل هو قرار مؤقت وليس نهائي وذلك بنص المادة (121) من قانون الإجراءات الجزائية السابق ذكرها ، وإن الادعاء العام إذا ما استبعد كليا من قامت حوله الشبهات وسئل في التحقيق على أنه متهم ، فهنا إذا لم يكن هناك أي دليل عليه فيكون القرار مبنياً على عدم معرفة الفاعل وليس على عدم كفاية الأدلة[40]، ومن الضروري على عضو الادعاء العام في قرار الحفظ ، أن يشير بأنه على رجال الشرطة أو (مأموري الضبط القضائي عامة ) البحث والتحري عن الفاعل أو عن أدلة جديدة[41].

الفرع الرابع / الحفظ لعدم الأهمية :

إن للمدعي العام دون غيره من أعضاء الادعاء العام في الواقعة بعد الانتهاء من التحقيق فيها ، وتكون ثابتة قبل المتهم ، ولكنها قليلة الأهمية أو

أنها تافهة بالمقارنة بالعقوبة المقررة لها ، أو أن المتهم قد عانَ الكثير في التحقيق أو الحبس الاحتياطي ، وقد تصالح مع المدعي بالحق المدني ،أن يصدر قرار بحفظ التحقيق لعدم الأهمية[42] ، فبموجب نص المادة (125) من قانون الإجراءات الجزائية فإن قرار الحفظ لعدم الأهمية يصدر بقرار من المدعي العام فقط ، ويكون هذا القرار نهائي ، بشرط عدم وجود مدعٍ بالحق المدني .

وفي الحقيقة أن حالات عدم الأهمية مما لا يقع تحت حصر ، وتلك كلها تتوقف على عضو الادعاء العام دارس القضية وحسن تقديره[43] ، وعلى وجه العموم فإن كل ماقد يعد من الظروف القضائية المخففة قد يصلح لدى الادعاء العام سبباً لحفظ الدعوى لعدم الأهمية[44]، وقد نصت المادة (144) من التعليمات القضائية للادعاء العام على إنه :" إذا رأى عضو الادعاء العام حفظ التحقيق نهائيا لعدم الأهمية رغم ثبوت الجريمة فعليه أن يعد مشروعا بأمر الحفظ يبين فيه أسبابه ويحيله للمدعي العام".

المطلب الثاني / أسباب الحفظ القانونية:

وهي أسباب الحفظ الجزائية ( التي وردت في قانون الجزاء )، وأسباب الحفظ الإجرائية ( التي وردت في قانون الإجراءات الجزائية )، وسوف نتطرق إلى هذه الأسباب في الفرعين التاليين :

الفرع الأول / أسباب الحفظ الجزائية .

الفرع الثاني / أسباب الحفظ الإجرائية .

الفرع الأول / أسباب الحفظ الجزائية

وهنا نتطرق إلى سببين هما: الأول: الحفظ لعدم التجريم، والثاني: الحفظ لتوافر مانع العقاب .

السبب الأول / الحفظ لعدم التجريم :

عدم التجريم يعني تلك الأحوال التي يتبين فيها للادعاء العام انتفاء أحد أركان الجريمة أو انعدام النص التشريعي لتجريم الواقعة[45] ، فلا يسأل شخص عن جريمة إلا إذا ارتكبها عمدا أو خطأً وتوافرت في فعله جميع العناصر المكونة للجريمة[46] ، فليس للسلطة القضائية أن تحاكم إنسانا إلا فيما يعتبر سلوكه وفقا للقانون جريمة ، فإن لم يكن هناك نص يبين الجريمة ، ويحدد عقوبتها ، يجب على القاضي أن يحكم بعدم التجريم مهما كان الفعل في نظره خطيراً[47] ، وهذا يعني وجوب حفظ التحقيق لذات السبب من قبل الادعاء العام .

وحالات عدم التجريم هي :

أولاً : عدم التجريم لوجود ( سبب تبرير[48] ):

أسباب التبرير هي الأحوال التي يرتب القانون على توافرها تعطيل نص التجريم في تطبيقه على فعل يخضع له بحسب الأصل ، فتحول دون اكتساب الفعل صفة الجريمة وتجعله في حكم الفعل المباح الذي لم يرد نص بتجريمه[49] ، وعرف الفقه المصري أسباب التبرير بأنها حالات انتفاء الركن الشرعي بناء على قيود واردة على نطاق نص التجريم تستبعد منه بعض الأفعال[50] .

والأساس القانوني لأسباب التبرير يكمن في المادة (35) من قانون الجزاء ، حيث إنها نصت على أسباب التبرير، وهي الدفاع المشروع ، وإطاعة القانون، وأمر السلطة المشروع ، وإجازة القانون ، وحالة الضرورة.

1. الدفاع المشروع :

المادة (36) من قانون الجزاء العماني تطرقت إلى الدفاع المشروع وتعريفه ، حيث نصت على أنه " لا يعد جريمة الفعل المرتكب في ممارسة حق بغير تجاوز ، ويعد ممارسة للحق كل فعل قضت به ضرورة حالية لدفع تعرض غير محق ولا مثار عن النفس أو الملك أو نفس الغير أو ملكه ..." ، ويمكن تعريف الدفاع المشروع بأنه حق يمارس من قبل شخص واجه خطرا حالاَّ يشكل جريمة على النفس أو المال أو اعتقد لأسباب معقولة قيام هذا الخطر ، وتعذر عليه الالتجاء للسلطات العامة لاتقائه في الوقت المناسب[51]، على أن يكون الدفاع مناسباً للخطر الذي تعرض له الشخص.

         إذن فالدفاع المشروع حق مقرر لجميع الأفراد يبيح لهم اقتراف الجريمة استثناء من الأصل العام الذي يمنعها ، وذلك لدرء الأخطار التي تهددهم في وقت تكون الدولة غائبة ، وذلك لصالح المعتدى عليه ضد مصلحة المعتدي والذي تعدى القانون وقواعده .

2. إطاعة القانون وأمر السلطة المشروع وإجازة القانون :

نصت المادة (38) من قانون الجزاء على أن لا يعد جريمة الفعل المرتكب لواجب فرضه القانون أو فرضه أمر شرعي صادر عن السلطات المختصة ، وإذا كان الأمر الصادر غير شرعي برر الفاعل إذا لم تجز له الأنظمة التحقق من شرعيته ، إذن فلا جريمة إذا وقع الفعل عند القيام بواجب فرضه القانون[52].

وبالنسبة لإجازة القانون فإن المشرع فيه اعتبر سلوك مجرم يرتكبه أشخاص حددهم القانون بصفة استعمال الحق المقرر لهم ، فالقانون يغلب في هذا الظرف بالذات مصلحة صاحب السلوك على مصلحة من يتخذ السلوك في مواجهته ، ولكن يشترط لاستعمال الحق شروطاً ثلاثة هي : وجود الحق،  والتزام حدود الحق، وحسن النية[53], ومن أمثلة إجازة القانون ما نصت عليه المادة (38/2-3-4 ) من قانون الجزاء.

3. حالة الضرورة :

إن الفعل إذا ألجأت الضرورة على الفاعل ارتكابه ليدافع به عن نفسه أو عن غيره أو عن ملكه أو ملك غيره من خطرٍ جسيمٍ محدقٍ لم يتسبب هو فيه قصدا ، لا يعد جريمة ، بشرط أن يكون الفعل متناسبا و الخطر وأنه لا يتوجب عليه قانونا مواجهته ، وهذا ما نصت عليه المادة (37) من قانون الجزاء ، ويشترط في حالة الضرورة أن تكون الجريمة التي ارتكبها المتهم هي الوسيلة الوحيدة لدفع الخطر الحال به[54] ، ونذكر هنا بأن المشرع الفرنسي وضع حالة الضرورة ضمن موانع المسؤولية[55] وليس ضمن أسباب التبرير والباحث لا يتفق معه في ذلك .

ثانيا / عدم التجريم لانتفاء أحد أركان الجريمة :

إنه في حالة ما إذا تبين للادعاء العام أن أركان الجريمة لم تتوافر قانونا ، يصرف النظر عن ثبوت الواقعة أو نسبتها إلى شخص معين ، ويقرر بالحفظ لعدم التجريم ، ومن أمثلة ذلك الحريق بإهمال من المالك أو زوجته أو أحد أولاده أو أقاربه المقيمين معه ولا يمتد إلى ملك الغير[56]

ثالثا / عدم التجريم لانعدام النص التشريعي :

لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص ، هو المبدأ الذي كثر تردده على أفواه القانونيين ، وهو ما نصت عليه المادة (21) من النظام الأساسي للدولة ، وطالما أن الجريمة لم يحدد لها عقوبة ، فالفعل ليس مجرما ، وإنما مباح طبقا للمبدأ " الأصل في الأشياء الإباحة "[57] ، ومن أمثلة ذلك الشروع في ارتكاب جنحة لم يرد نص خاص بها يعاقب الشروع فيها وذلك ما نصت عليه المادة (87) من قانون الجزاء .

والباحث يرى بأن المشرع العماني قد أخطأ عندما ذكر في بداية نص المادة السالف ذكرها " لا يعاقب " وكان عليه ذكر " لا يعد جريمة " .

 

رابعا / عدم التجريم لوجود مانع مسؤولية :

لقد اتفق الفقه الفرنسي والفقه المصري على أن موانع المسؤولية هي صغر السن وجنون المتهم والسكر الاضطراري وحالة الضرورة والإكراه[58]، ولقد وقع المشرع العماني في خطأ عندما أدرج بعض موانع المسؤولية ضمن نطاق موانع العقاب في المواد (99-101-102) من قانون الجزاء وبدأت بعبارة لا عقاب ، فثمة فارق كبير بين موانع المسؤولية وموانع العقاب ، فالأخيرة لا تمنع قيام الجريمة ، وكل أثرها هو امتناع عقاب المتهم لعلة خاصة به ، أما موانع المسؤولية فتهدم الركن المعنوي في الجريمة[59].

خامسا / عدم التجريم للعدول الاختياري عن ارتكاب الجريمة :

العدول الاختياري هي حالة يعدل فيها الفاعل بمحض إرادته عن إتمام الجريمة التي شرع في ارتكابها[60] ، حيث نصت المادة (85) من قانون الجزاء على أنه " .. من حاول جرما ثم رجع عنه مختارا لا يعاقب للأفعال التي اقترفها ، إلا إذا كانت تشكل جرائم بحد ذاتها " ، وكان على المشرع هنا أن يقول " لا يعد جريمة فعل من حاول .... " لأن فعله لا يعتبر جريمة بحد ذاته ، وهذا ما تبرره المادة ذاتها في نهايتها " ... إلا إذا كانت تشكل جرائم بحد ذاتها " .

 

 

السبب الثاني / الحفظ لتوافر مانع عقاب :

موانع العقاب هي من الأسباب القانونية الجزائية التي تطرأ على المتهم ، فتمنع إيقاع العقوبة عليه، رغم اكتمال أركان الجريمة ، وبنص القانون يمتنع عن معاقبة المتهم[61] ، حيث أن المشرع قد وازن بين مصلحة المجتمع وعقاب المتهم ، فمصلحة المجتمع تكمن في عدم العقاب[62] ، إذن فإن اعتبارات المنفعة الاجتماعية هي التي تحدد سياسة العقاب ، وهي أسباب خاصة مقتصرة على الجرائم التي ورد نص فيها ، أو على الشخص الذي توافرت فيه الأسباب المانعة[63] .

وموانع العقاب موانع وجوبيه أو موانع جوازيه ، والموانع الوجوبيه هي التي تبرر حفظ التحقيق دون الموانع الجوازيه[64] .

ومن أمثلة الموانع الوجوبيه والتي تبرر الحفظ وردت في المواد (98-103-122) من قانون الجزاء وهي :

1)    لا عقاب على مخبئي الجناة إذا كانوا من أصولهم أو فروعهم أو أزواجهم أو أشقائهم أو شقيقاتهم .

2)    يعفى من العقوبة من اشترك بمؤامرة على أمن الدولة وأخبر السلطة بها قبل البدء بأي فعل ممهد للتنفيذ .

3)    يعفى الراشي أو الوسيط إذا أخبر السلطة قبل الحكم بالدعوى .

 

                   

الفرع الثاني / أسباب الحفظ الإجرائية :

إن أسباب الحفظ الإجرائية تتمثل في انتفاء أحد شروط قبول الدعوى وهي الأسباب التي نصت عليها المادة (15) من قانون الإجراءات الجزائية، ونقسم هذه الأسباب إلى أسباب عامة وأسباب خاصة كالتالي :

أولا / الأسباب الإجرائية العامة :

1) وفاة المتهم :

نصت المادة (15) من قانون الإجراءات الجزائية على أنه " تنقضي الدعوى العمومية بوفاة المتهم .. " فلا تزر وازرة وزرَ أخرى ، فالجرائم لا يؤخذ بها غير جانيها ، والعقوبات شخصية محضة لا تنفذ إلا في نفس من أوقعها القضاء عليه[65] ، فلا يجوز للادعاء العام أن يوقع الدعوى العمومية قبل المتهم إذا تبين وفاته[66] , وإن وفاة المتهم الأصلي لا تأثير لها على شركائه في الجريمة ، فتستمر الدعوى قائمة قبلهم[67] ، ووفاة المتهم كسبب عام لانقضاء الدعوى العمومية ينتج أثره في أية حالة كانت عليها الدعوى الجزائية[68] .

 

 

 

2) العفو عن الجريمة :

يعرف العفو عن الجريمة بأنه تجريد الفعل من الصفة الإجرامية بحيث يصير له حكم الأفعال التي لم يجرمها الشارع أصلا[69] ، والعفو عن الجريمة لا يكون إلا بناءً على قانون[70]، وهو يزيل الصفة الإجرامية عن الفعل المؤثم، وذلك لأنه ينفي الركن الشرعي للجريمة[71]، وهو يتعلق بالنظام العام ، وعلى ذلك لا يجوز للمتهم التنازل عن العفو الصادر لصالحه ، ويطلب محاكمته ليثبت براءته مثلا[72]، ويجب على الادعاء العام حفظ الدعوى إذا صدر القانون بالعفو عن الجريمة[73] .

3)مضي المدة:

انقضاء الدعوى العمومية بمضي المدة ( التقادم ) يعني مرور فترة زمنية معينة من تاريخ وقوع الجريمة ، دون اتخاذ أي إجراء فيها من السلطة المختصة[74]

ولأن الدعوى العمومية هي السبيل الوحيد لإثبات إدانة متهم أو براءته، و انقضائها بمضي المدة يستحيل معه السير فيها ، ومن ثم يستحيل هدم قرينة البراءة لصالح المتهم عملا بمبدأ الأصل في الإنسان البراءة[75]، وتختلف مدة التقادم من جريمة إلى أخرى وذلك وفق ما جاء في نص المادة (16) من قانون الإجراءات الجزائية  .

4) الحكم النهائي ( الحكم البات ) :

ورد النص على أن الحكم النهائي سبب من أسباب انقضاء الدعوى العمومية وذلك في نص المادة (15) من قانون الإجراءات الجزائية ، أما المادة (279) من ذات القانون نصت على أنه " إذا صدر حكم في موضوع الدعوى العمومية ، فلا يجوز إعادة نظرها إلا بالطعن في هذا الحكم بالطرق المقررة في القانون ، ولا يجوز الرجوع إلى الدعوى العمومية بعد الحكم فيها نهائيا بناء على ظهور أدلة جديدة أو ظروف جديدة أو بناءً على تغيير الوصف القانوني للتهمة " ، ومفاد هذان النصان أن الحكم الذي تنقضي به الدعوى العمومية ويمنع إعادة النظر بها ، يجب أن يكون نهائيا بمعنى ألا يكون قابلا للطعن فيه بطريقة المعارضة أو الاستئناف أو الطعن بالنقض ، وعندئذ يحوز حجية الأمر المقضي به[76]، ويترتب على حجية الحكم النهائي وما يستتبعه من انقضاء الدعوى العمومية ، حفظ الدعوى التي سبق الفصل فيها إذا كانت في مرحلة التحقيق نهائيا لسبق الفصل فيها[77] .

وقوة الأمر المقضي به ( الحكم النهائي ) متعلق بالنظام العام ، ويجوز التمسك به أمام الادعاء العام وأمام القضاء[78]، ولكن بشرط توافر شروط معينة للدفع بقوة الأمر المقضي به وهي وجود حكم نهائي سبق صدوره في محكمة جزائية ، ووحدة الدعويين في الموضوع والخصوم والسبب[79].

5) إلغاء النص العقابي :

إلغاء النص العقابي يعني أن الفعل لم يعد مجرما ، فإذا ألغى المشرع النص الذي يعاقب الفعل فإنه يعتبر مباحا ، ولا يكون هناك فائدة من معاقبة متهما على فعل أصبح مباحا ، وهذا تطبيقٌ لمبدأ القانون الأصلح للمتهم[80] .

ثانيا / الأسباب الإجرائية الخاصة:

1) التنازل عن الشكوى:

نصت المادة (15) من قانون الإجراءات الجزائية على انقضاء الدعوى  العمومية بالتنازل عن الشكوى أو الطلب ، ونصت المادة (10) من ذات القانون على أنه : " لمن قدم الشكوى أو الطلب في الجرائم التي يشترط فيها القانون ذلك أن يتنازل عن شكواه أو طلبه في أي وقت قبل أن يفصل في الدعوى نهائياً ".

لذا فإن التنازل عن الشكوى هو حق للمجني عليه ولوليه أو وصيه أو القائم عليه تبعا لتوافر ظرف السن والإدراك أو انتفائه[81]، ولا يجوز الاستمرار في التحقيق أو إعادة تحريك الدعوى العمومية بعد صدور التنازل، وأي إجراء بعد التنازل يقع باطلا[82] ، ولا يشترط تقديم الشكوى بالفعل حتى يثبت الحق في التنازل عنها ، بل يكفي أن الجريمة التي وقعت مما يتطلب تحريكها شكوى ، حتى يكون للمجني عليه أن يتقدم بتنازله عن استعمال حقه في الشكوى فيمتنع نهائيا على الادعاء العام تحريك الدعوى العمومية[83] .

وفي حالة تعدد المجني عليهم فلا يعتد بالتنازل إلا اذا صدر من جميع من قدموا الشكوى[84] ، وفي حالة تعدد المتهمين وشمل التنازل أحدهم فيعد ذلك تنازلا بالنسبة إلى الباقين ، وذلك لأنه ينصب على الدعوى العمومية لا على المتهمين[85] ، ولا تنقضي الدعوى العمومية بالتنازل إلا في الحالات التي ورد النص عليها[86]، وذلك كجريمة استيفاء الحق بالذات ، وفق نص المادة (190) من قانون الجزاء ، وانقضاء الدعوى العمومية بالتنازل من النظام العام ، يجوز التمسك به أمام سلطة التحقيق وقضاء الموضوع وأمام المحكمة العليا ولو لأول مرة[87].

2) التنازل عن الطلب :

الطلب إجراء شأنه شأن الشكوى ، لابد من تقديمه ليتسنى للادعاء العام تحريك الدعوى العمومية[88]، وهو تعبير عن الإرادة يصدر من شخص محدد قانونا ، سواء كان يعبر عن هيئة من هيئات الدولة كمجني عليها ، أو من ينوب عن الهيئة كممثلة لجهة أخرى وقع عليها الاعتداء[89].

ويترتب على التنازل عن الطلب انقضاء الدعوى العمومية، وذلك وفق المادتين (10) و(15) من قانون الإجراءات الجزائية ، وأي إجراء بعد التنازل يقع باطلا[90]، ولا تنقضي الدعوى العمومية بالتنازل عن الطلب إلا في الجرائم التي ورد بها نص بذلك[91]، وهو من النظام العام[92]، ويجب أن يكون الطلب مكتوبا،  ومتضمنا الرغبة في تحريك الدعوى العمومية ، فلا يكفِ مجرد سرد الواقعة ، وإلا أعتبر بلاغا بها ، ويجب أن يكون موقعا عليه من المختص قانونا بإصداره [93]؛ وذلك لكي يكون التنازل عن الطلب وقع صحيحاً قانونا  .

3) عدم جواز رفع الدعوى :

لقد أشار المشرع في المادة (5) من قانون الإجراءات الجزائية على أنه " لا ترفع الدعوى العمومية إلا بناءً على شكوى .. أوبناءً على طلب مكتوب أو بعد الحصول على إذن كتابي من الجهة المختصة في الجرائم التي يشترط فيها القانون ذلك " إذن فإنه لا يجوز رفع الدعوى العمومية في الحالات التالية:

( أ ) عدم وجود شكوى أو طلب أو إذن[94] .

(ب) رفع الشكوى أو الطلب أو الإذن من غير ذي صفة بإصداره[95] .

(ج) رفع الشكوى بعد مضي المدة المحددة لتقديم الشكوى.

 

المبحث الخامس/ أثار قرار الحفظ وإلغاءه:

المطلب الأول / آثار قرار الحفظ :

من أهم الآثار التي تترتب على قرار حفظ الدعوى العمومية ، إنه يكسب المتهم حقا في إلا تعود سلطة التحقيق إلى الدعوى[96] ، وإذا رفعت الدعوى العمومية رغم صدور قرار بحفظها تعين الحكم بعدم قبولها ، ويكتسب  القرار حجية بمجرد صدوره ، ولو لم يعلن به الخصوم طالما ظل قائما ولم يلغي قانونا[97]، وأي إجراء تال للقرار أو الإحالة إلى المحكمة المختصة يكون باطلا[98] ، وفور صدور قرار الحفظ تكون له حجية مؤقتة تظل له مادام قائما[99]، ويترتب على قرار الحفظ أثر آخر ، وهو ضرورة الإفراج عن المتهم المحبوس احتياطا ،مالم يكن محبوسا لسبب أخر، وذلك لأن السند القانوني لاستمرار حبسه قد زال[100] ، وهذا ما أشارت إليه المادة (121) من قانون الإجراءات الجزائية ، والمادة (87) من التعليمات القضائية للادعاء العام .

         ويشترط للتمسك بحجية قرار الحفظ توافر ثلاثة شروط هي :

1. وحدة الواقعة.          2. وحدة الأشخاص.          3. وحدة الموضوع.

 

 

 

المطلب الثاني /  إلغاء قرار الحفظ :

ذكر سابقا أن الحجية تكون لقرار الحفظ طالما إنه قائم لم يلغَ  ، فإذا ما ألغي زالت تلك الحجية ، ويتم إلغاء قرار الحفظ في ثلاثة حالات هي :

أولاً / ظهور دلائل جديدة :

أشار المشرع بأنه للادعاء العام في قرارات حفظ التحقيق المؤقتة إلغاء قرار الحفظ والعودة إلى التحقيق في حالة ظهور أدلة جديدة قبل انتهاء المدة المقررة لانقضاء الدعوى العمومية ، وذلك في المادة (136) من قانون الإجراءات الجزائية ، وهذا ما أشارت إليه المادة (141) من التعليمات القضائية للادعاء العام . ويقصد بالدلائل الجديدة التي أجاز القانون عند ظهورها العودة إلى التحقيق وإلغاء قرار الحفظ هي تلك الدلائل التي تتعلق بالاتهام سواء على وقوع الجريمة أم على نسبتها إلى المتهم[101] .

ومن أمثلة الدلائل الجديدة شهادة الشهود والأوراق التي لم تعرض على عضو الادعاء العام ، وهي وردت في القانون على سبيل المثال لا الحصر فتأخذ في حكمها جميع الدلائل الأخرى ، ولا يتطلب أن تكون الأدلة جازمة بالإدانة وإنما يكفي أن تكون مرجحة لها[102]  .

والضابط في اعتبار الدلائل جديدة هو توافر أحد فرضين وهما أن يكون قد وجد أو اكتشف بعد صدور قرار الحفظ أو يكون موجودا أو معلوما قبل صدور القرار ، ولم يعرض على المحقق[103] .

ويشترط للعودة إلى التحقيق لظهور أدلة جديدة أن يكون بناءً على موافقة الادعاء العام[104] ، وذلك لأنه يعد تحقيقا جديدا فلا يفتح إلا بناءً على موافقة الادعاء العام ، حيث يعود الادعاء العام للتحقيق من تلقاء نفسه وله اتخاذ ما يراه من إجراءات قانونية[105] ، وهذا ما يستفاد من نص المادة (136) من قانون الإجراءات الجزائية .

ثانياً / إلغاء قرار الحفظ  من المدعي العام أو من يقوم مقامه :

لقد نص المشرع العماني في المادة (128) من قانون الإجراءات الجزائية على أنه " للمدعي العام أو من يقوم مقامه أن يلغي قرار الحفظ خلال الثلاثة أشهر التالية لصدروه ما لم يكن قد سبق التظلم منه" ، ويشترط أن لا يكون قد سبق التظلم منه[106] .

ومن الواضح أن حق المدعي العام في إلغاء قرار الحفظ مطلق وغير مقيد بأي سبب ، فقد يبنى الإلغاء على مجرد اختلاف الرأي في تقدير الأدلة ، أو على الخطأ في تطبيق القانون أو تأويله أو على بطلان في القرار أو الإجراءات الجزائية أثر فيه[107] .

ومن الواضح بأن هذا الحق منح لمن يقوم مقام المدعي العام ، بشرط أن لا يكون القرار صادر من ذات العضو, وأن  يكون بوجود تفويض من قبل المدعي العام يخوله الإلغاء .

وهناك قيود على سلطة المدعي في الإلغاء تتمثل في حالتين هما : أولا: ألا يكون القرار صدر منه شخصيا، وثانيا: أن لا يكون قد تم التظلم من القرار أمام المحكمة المختصة[108]

ثالثاً / إلغاءه من المحكمة المختصة :

لقد أجاز المشرع في المادة (126) من قانون الإجراءات الجزائية للمجني عليه وللمدعي بالحق المدني أو ورثتهما التظلم من قرار الحفظ خلال عشرة أيام من تاريخ إعلانهم .

ويرفع التظلم إذا كانت الجريمة التي صدر فيها قرار الحفظ جناية أمام محكمة الجنايات ، وإذا كانت جنحة أو مخالفة أمام محكمة الجنح المستأنفة فإذا أرادت المحكمة إلغاء قرار الحفظ ، عليها أن تعيد القضية إلى الادعاء العام مع بيان الجريمة، والأفعال المكونة لها ونص القانون الذي يطبق عليها، وذلك لإحالتها إلى المحكمة المختصة[109]، وهذا ما نصت عليه المادة (127) من قانون الإجراءات الجزائية ، وفي حالة تعدد المجني عليهم ، والذين صدر ضدهم قرار بحفظ التحقيق في الدعوى العمومية ، وتم التظلم من القرار في الميعاد القانوني من أحدهم دون الآخرين فإنه يعتبر هو المستفيد الوحيد من قرار المحكمة بإلغاء قرار الحفظ , ويعتبر هو المجني عليه الذي تحال القضية إلى المحكمة لصالحه[110] .

 

الخاتمة

من خلال هذا البحث تطرقنا إلى ماهية قرار الحفظ وطبيعته القانونية، والأشخاص المختصون بإصداره ، وشروطه ، وأسباب حفظ الدعوى العمومية وآثار قرار الحفظ ، وأخيراً إلى إلغاءه .

وأتضح لنا من خلال كتابة البحث بأن المدعي العام قد قيد من سلطة وكيل ادعاء عام ثانِ في الحفظ المؤقت من الجنايات خلافاً لنص القانون والذي منحهم هذه السلطة .

وبالنسبة لأسباب حفظ الدعوى العمومية فهناك أسباب عديدة تتيح لعضو الادعاء العام حفظ الدعوى بها ، والتشريع العماني شابه بعض القصور عندما تطرق إلى أسباب الحفظ ، ولم يحددها التحديد الدقيق ، والذي لا يجعل مجالاً للاختلاف فيها .

ونستطيع هنا القول بأن قرار الحفظ الصادر من الادعاء العام يترتب عليه آثار قانونية هامة ، فهو أشبه بالحكم ، يظهر فيه صاحب حق ويقابله متهم حفظت لصالحه القضية لأي سبب كان ، والخطأ وارد به ، ويمكن التظلم منه أمام المحكمة المختصة ويمكن إلغاءه من قبل المحكمة ، أو المدعي العام كلاً حسب اختصاصه .

وفي الختام لا يسعني إلا أن أشكر الله سبحانه وتعالى لإنهاء هذا البحث البسيط ، وراجياً أن يحقق الغاية المنشودة منه ، والشكر موصول لإدارة التدريب بالادعاء العام ، واللجنة المكلفة بمتابعة أعمال وتدريب معاوني الادعاء العام.                  

 والله ولي التوفيق.

قائمة المراجع

1)     أبو عامر ، د. محمد زكي ، الإجراءات الجنائية ، الطبعة السابعة 2005م، دار الجامعة الجديدة .

2)     البادي ، وكيل ادعاء عام ثان محمود بن حمد ، قرار الحفظ وفقا لقانون الإجراءات الجزائية ، سلطنة عمان ، هيئة الادعاء العام .

3)     البوعينين ، علي فضل ، سلطة الادعاء العام في التصرف في الاستدلال والتحقيق ، دراسة مقارنة ، دار النهضة العربية 2001م.

4)     التعليمات القضائية للادعاء العام ، سلطنة عمان ، الادعاء العام، مطبعة الادعاء العام .

5)     الجميلي ، هشام عبدالحميد ، التصرف في التحقيق الجنائي من الوجهة العملية ، موسوعة القوانين المصرية ، طبعة 2002م .

6)     العاني،الدكتور عادل ، من شرح قانون الإجراءات الجزائية ، محاضرات ملقاة بكلية الشريعة والقانون سابقاً وكلية الحقوق حالياً.

7)     القبلاوي ، د. محمود عبد ربه محمد ، الأمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى الجنائية ، دراسة مقارنة ، دار الفكر الجامعي 2005 م.

8)     المستشار . إيهاب عبدالمطلب ، الموسوعة الجنائية الحديثة في شرح قانون الإجراءات الجزائية ( الجزء الثاني ) ، المركز القومي للإصدارات القانونية .

9)     المستشار  فرج علوني هليل ، أعمال النيابة العامة والتعليمات الصادرة إليها وقانون السلطة القضائية ، دار المطبوعات الجامعية 2003م .

10)          المسلمي ، المستشار أحمد ، القيود التي ترد على سلطة الادعاء العام في تحريك الدعوى العمومية ، سلطنة عمان ، الادعاء العام .

11)          الهنائي ، المقدم نبيل بن عبدالله ، مدير إدارة الأدلة الجنائية بشرطة عمان السلطانية ، قانون الإجراءات الجزائية ، مجلة العين الساهرة ، العدد (106) ، أغسطس 2004م .

12)          حجازي ، د. عبدالفتاح بيومي ، سلطة النيابة العامة في حفظ الأوراق والأمر بالأوجه لإقامة الدعوى الجنائية ، دراسة مقارنة ، دار الفكر الجامعي 2004م .

13)          د. عبد المعطي عبدالخالق ، الأمر بأن لا وجه لإقامة الدعوى الجنائية ( علما وعملا ) دار النهضة العربية 2002-2003م.

14)    د. مزهر جعفر عبيد ، شرح قانون الإجراءات الجزائية (الجزء الأول ) الطبعة الأولى ، 1425-2004م، شرطة عمان السلطانية ، أكاديمية السلطان قابوس لعلوم الشرطة .

15)          د. محمود نجيب حسني ، شرح قانون الإجراءات الجنائية ، الطبعة الثالثة 1998م، دار النهضة العربية ، مطبعة جامعة القاهرة والكتاب الجامعي .

16)          فوده ، د. عبد الحكيم ، انقضاء الدعوى الجنائية وسقوط عقوبتها، منشأة المعارف بالإسكندرية 2005 م .

17)          ملف القضية رقم (107/ق/2005م ) مركز شرطة جعلان بني بوعلي ، إدارة الادعاء العام بالكامل والوافي .

 

قائمة القوانين:

1)       النظام الأساسي للدولة والصادر بالمرسوم السلطاني رقم(101/96)  بتاريخ 6 من نوفمبر سنة 1996م .

2)      قانون الإجراءات الجزائية الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (97/99) بتاريخ 1 من ديسمبر سنة 1999م .

3)      قانون الجزاء الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (7/74 ) بتاريخ 16 من فبراير سنة  1974م .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفهرس

الموضوع

الصفحة

المقدمة

1

المبحث الأول : ماهية قرار الحفظ وطبيعته القانونية

المطلب الأول : ماهية قرار الحفظ

المطلب الثاني : الطبيعة القانونية لقرار الحفظ

2

2

3

المبحث الثاني : الأشخاص المختصون بإصدار قرار الحفظ

أولاً : قرارات حفظ تصدر من جميع أعضاء الادعاء العام وفقاً للاختصاص المكاني .

ثانياً : قرارات حفظ مقصور صدورها على بعض أعضاء الادعاء العام .

4

 

4

 

5

المبحث الثالث : شروط قرار الحفظ  .

أولاً : الكتابة والتوقيع .

ثانياً : أن يكون قرار الحفظ صريحاً .

ثالثاً : التسبيب .

رابعاً : سلطة إصداره .

خامساً : عدم وجود مدعي بالحق المدني عند الحفظ لعدم الأهمية .

سادساً : التقرير بحفظ التحقيق والتصرف بالأشياء المضبوطة .

سابعاً : الإعلان .

5

5

6

6

6

 

7

7

7

المبحث الرابع : أسباب حفظ الدعوى العمومية .

المطلب الأول : أسباب الحفظ الموضوعية .

الفرع الأول : الحفظ لعدم كفاية الأدلة .

الفرع الثاني : الحفظ لعدم صحة الوقائع .

الفرع الثالث : الحفظ لعدم معرفة الفاعل .

الفرع الرابع : الحفظ لعدم الأهمية .

المطلب الثاني : أسباب الحفظ القانونية .

الفرع الأول : أسباب الحفظ الجزائية .

السبب الأول : الحفظ لعدم التجريم .

أولاً: عدم التجريم لوجود سبب تبرير.

ثانياً: عدم التجريم لانتفاء أحد أركان الجريمة.

ثالثاً: عدم التجريم لانعدام النص التشريعي.

رابعاً: عدم التجريم لوجود مانع مسؤولية.

خامساً: عدم التجريم للعدول الاختياري عن ارتكاب الجريمة.  

السبب الثاني : الحفظ لتوافر مانع عقاب .

الفرع الثاني : أسباب الحفظ الإجرائية .

أولاً : الأسباب الإجرائية العامة .

1-     وفاة المتهم .

2-     العفو عن الجريمة .

3-     مضي المدة .

4-     الحكم النهائي .

5-     إلغاء النص العقابي .

ثانياً : الأسباب الإجرائية الخاصة .

1-     التنازل عن الشكوى .

2-     التنازل عن الطلب.

3-     عدم جواز رفع الدعوى .

8

9

9

10

11

11

12

13

13

13

16

16

17

17

18

   19

19

19

20

20

21

22

22

22

23

24

 

المبحث الخامس : أثار قرار الحفظ وإلغاءه.

المطلب الأول : أثار قرار الحفظ.

المطلب الثاني : إلغاء قرار الحفظ .

أولاً : ظهور دلائل جديدة .

ثانياً : إلغاءه من المدعي العام أو من يقوم مقامه .

ثالثاً : إلغاءه من المحكمة المختصة .

   25

   25

   26

   26

   27

   28

الخاتمة

   29

قائمة المراجع

   30

قائمة القوانين

   32



تعليقات