غسيل الأموال في المنطور القانوني الجزائر

مداخلة من إعداد: أ جمال عياشي

مقدمة

استُغلت العشرية السوداء من قِبل بعض الأشخاص لتكوين ثروات، وبمجرد إصدار القوانين المتعلقة بـ المصالحة الوطنية تأسيساً على ميثاقها المنشود، وتراجع المشاكل الأمنية، بدأ غسيل الأموال وتبييضها يطفو بين المجرمين.

ولجريمة غسيل الأموال عوامل أنشأتها وأسباب رسختها ونتائج كرستها؛ حيث تم علاجها في محافل دولية وإقليمية ووطنية، وتمر عبر مراحل تبدأ بالتوظيف، مرورا بالتجميع، وانتهاء بالإدماج للأموال غير المشروعة.

تتعدد أساليب الجريمة كالتهريب وإنشاء الشركات والصفقات الوهمية واستغلال أجهزة الصرف الآلي والبطاقات الذكية. ويمتد أثرها السلبي إلى المجالات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.

أقام المقنن الجزائري الجرم على أركان ثلاثة: المشروعية في التجريم، والركن المادي، والركن المعنوي. كما حدد الحالات المكونة للجرم بموجب القانون رقم 04-15 المتعلق بتبييض الأموال، والقانون رقم 05-01 المتعلق بالوقاية من تبييض الأموال وتمويل الإرهاب ومكافحتهما.

ملاحظة: أقام المقنن الجزائري هيئات رقابية إدارية وقضائية تباينت أدوارها وصلاحياتها بهدف وقاية المال العام وحماية الذمة المالية للخزينة العامة.

المبحث الأول: مفهوم غسل الأموال

يتطلب كشف ماهية غسل الأموال تحديد تعريفه والمراحل التي يمر بها، ثم إبراز خصائصه القانونية المميزة له عن الأفعال المشابهة.

المطلب الأول: تعريف غسل الأموال

الفرع الأول: غسل الأموال لغة واصطلاحا

غسل الأموال لغة: الغسل هو تنقية الشيء لإزالة ما علق به من قذارة حسية أو معنوية، والغالغالغسيل لغة هو الشيء المغسول. أما الأموال فهي جمع مال، وهو كل ما يملكه الإنسان. والأصل اللغوي الأصح هو قول "غسل الأموال" كناية عن تنقيتها من عدم المشروعية.

غسل الأموال اصطلاحاً: برز المصطلح أول مرة في الولايات المتحدة الأمريكية إثر اكتشاف مؤسسات مالية تملكها المافيا لغسل أموال غير مشروعة. ثم تعورف عليه دولياً في اتفاقيات الأمم المتحدة (كـ اتفاقية فيينا لمكافحة الاتجار غير المشروع بالمخدرات، واتفاقية مكافحة الجريمة المنظمة، واتفاقية مكافحة الفساد) وإقليمياً في مشروع القانون العربي الاسترشادي.

استبدل المقنن الجزائري مصطلح "غسيل" بـ "تبييض الأموال" في نصوصه، مثل المرسوم التنفيذي رقم 02-127 والقانون رقم 05-01. وتعد التعريفات متعددة وأدقها التعريف الأمريكي لسنة 1986 الذي اعتبره: "كل عمل يهدف إلى إخفاء طبيعة أو مصدر الأموال الناتجة عن النشاطات التجريمية".

الفرع الثاني: مراحل ونتائج غسل الأموال

تعتبر جريمة غسيل الأموال من الجرائم المركبة التي تشترط أفعالاً متتابعة لتشكيل ركنها المادي عبر ثلاث مراحل:

  • مرحلة التوظيف: إقحام المال المشبوه في مؤسسات مالية أو صفقات أو مشاريع، وهي الخطوة الأخطر على المجرمين لاحتمال تعرضهم للمسائلة، فيلجأون لتقسيم الأموال على ذمم متعددة، أو فتح دور القمار والشراء بالسوق الموازية والنفائس.
  • مرحلة التجميع: السعي لدمج الأموال اللامشروعة مع المشروعة عبر تهريب الأموال أو إنتاج شركات وهمية وصفقات مشبوهة وتحويلات إلكترونية وبرقية سريعة لفصل المال عن مصدره الأصلي.
  • مرحلة الإدماج: الدمج النهائي للأموال غير المشروعة في السوق لإعطائها مظهراً مشروعاً، وتتجسد في الجزائر غالباً بشراء العقارات وإعادة بيعها أو شراء سندات الخزينة.

ينتج عن هذه الجريمة آثار سلبية على مجالات عدة:

  • الجانب الاجتماعي: خلق البطالة نتيجة سحب كميات ضخمة من المؤسسات المالية، واستغلال اليد العاملة بأجور بخسة وتدني مستوى المعيشة وانتشار الفقر والأوبئة.
  • الجانب الاقتصادي: إحداث التضخم نتيجة زيادة السيولة مقابل تراجع الإنتاج والخدمات، وهبوط قيمة العملة الوطنية بسبب تحويل الأموال إلى مؤسسات مالية أجنبية.
  • الجانب السياسي: تحول الجماعات الإجرامية إلى قوى فاعلة قد تصل إلى ذروة السلطة الحاكمة، أو التأثير في العمليات الانتخابية بدعم منتخبي جشعين، وإثارة النزاعات لترويج تجارة الأسلحة.

المطلب الثاني: الطبيعة القانونية لغسل الأموال

الفرع الأول: التصنيف القانوني لجرم غسل الأموال

جريمة عالمية: يسعى المجرمون لنشر أفعالهم عبر مختلف الدول لطمس معالم الجريمة، وتفضل الجماعات الإجرامية الدول ذات النظم القانونية التائهة أو التراخي الشرطي كما أشار "يوم براون".

جريمة اقتصادية منظمة: هي جريمة اقتصادية لأنها تحدث عجزا بالخزينة وخللاً في السوق المالية والتضخم، وهي منظمة لأن تنفيذها يتطلب تعدداً في الجناة وتضافر جهودهم مع وحدة المقصد الإجرامي.

الفرع الثاني: التكييف القانوني لجرم غسل الأموال

انقسم الفقه في تكييف الجريمة بين اتجاهين:

  1. اعتبارها من جرائم المشاركة: إما كـ جريمة تبعية (حيث تم استبعاد ذلك لعدم توافر وحدة المكان والزمان بين المؤسسة المالية والجناة الأوائل)، أو كـ جريمة إخفاء (وفق المادة 387 من قانون العقوبات الجزائري، واستُبعدت أيضاً لما تثيره من صعوبة إثبات قصد المؤسسة المالية).
  2. اعتبارها من الجرائم الخاصة: وهو المنحى الذي اعتمد عليه المقنن الجزائري بتأطير الفعل بنصوص قانونية خاصة ومستقلة كـ القانون رقم 04-15 والقانون رقم 05-01 إعمالاً لمبدأ "لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص".

المطلب الأول: النصوص القانونية المجرمة لغسل الأموال

الفرع الأول: المواثيق الدولية المجرمة لغسل الأموال

شهد الصعيد الدولي صدور نصوص مكثفة، أبرزها اتفاقية فيينا لسنة 1988 التي نصت في المادة الثالثة على التزام الدول بتجريم أفعال إنتاج ونقل المخدرات، وتحويل الأموال أو إخفاء حقيقتها ومصدرها مع العلم بكونها متحصلة من جريمة.

كما أسست مجموعة الدول السبع الأكثر تقدماً مجموعة العمل المالي (G.A.F.I) التي أصدرت الأربعين توصية كقواعد استرشادية، إضافة إلى قرارات الدورة 38 للجنة الأمم المتحدة لمكافحة المخدرات بالنمسا، والمؤتمر الوزاري العالمي بإيطاليا، والمؤتمر الدولي التاسع بالقاهرة.

وعلى المستوى الإقليمي العربي، صدرت اتفاقية مجلس وزراء الداخلية العرب لإستراتيجية مكافحة الاتجار غير المشروع بالمخدرات، ومؤتمرا وزراء الداخلية العرب بتونس.

الفرع الثاني: النصوص القانونية الجزائرية

أقام المقنن الجزائري الجريمة على ثلاثة أركان أساسية:

  • ركن المشروعية: استناداً للمادة 1 من قانون العقوبات (لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص)، إذ قنن المقنن أفعال الغسل وعقوباتها صراحة.
  • الركن المادي: نصت عليه المادة 389 مكرر من قانون العقوبات في ثلاث صور: 1. تحويل الممتلكات أو نقلها. 2. إخفاء أو تمويه الطبيعة الحقيقية للممتلكات. 3. اكتساب الممتلكات أو حيازتها أو استخدامها.
  • الركن المعنوي: اشترط المقنن القصد الجنائي وعنصر العلم، ويتجلى ذلك في نص المادة 389 مكرر باستعمال عبارة "مع علم الفاعل بأنها عائدات إجرامية".

المطلب الثاني: إستراتيجية مكافحة غسل الأموال

الفرع الأول: عقبات مكافحة غسل الأموال

العقبات القانونية: تمثلت في التزام الموظفين بالسر المهني بموجب المادة 117 من قانون النقد والقرض، مما حال دون الاطلاع على العمليات المالية المشبوهة، إضافة إلى الشغور القانوني وضعف التنسيق بين الهيئات.

العقبات المادية: تمثلت في إخلال بعض الموظفين والمؤسسات البنكية بملف الرقابة والتحقيق، وعدم التزام بعض المصارف والوزارات بالتحري الدقيق مما يتيح للمجرمين منفذاً لتنفيذ الجريمة.

الفرع الثاني: حلول عقبات مكافحة جرم غسل الأموال

تذليل العقبات القانونية: أنشأ المقنن الجزائري خلية معالجة الاستعلام المالي بموجب المرسوم التنفيذي رقم 02-127، وتتلخص صلاحياتها في:

  1. تسلم تصريحات الاشتباه المتعلقة بتمويل الإرهاب وتبييض الأموال.
  2. معالجة تصريحات الاشتباه بكافة الوسائل.
  3. إرسال الملفات عند الاقتضاء إلى وكيل الجمهورية المختص إقليمياً.
  4. المطالبة بالوثائق وتبادل المعلومات مع الهيئات الأجنبية بشرط المعاملة بالمثل.
ملاحظة: خول قانون المالية (المادة 105) إمكانية التجميد التحفظي للأرصدة وتأجيل العمليات البنكية المشبوهة لمدة أقصاها 72 ساعة.

كما فرض القانون رقم 05-01 والنظام رقم 05-05 واجب الإخطار بالشبهة على البنوك، والمؤسسات المالية، ومصالح البريد، وشركات التأمين، ومكاتب الصرف، والمهن الحرة المنظمة (كالمحامين والموثقين والمحاسبين وتجار المعادن الثمينة والأثريات).

تذليل العقبات المادية: استثنت الفقرة الثانية من المادة 117 (المعدلة بالفقرة الثانية من المادة 177) من السر المهني كلاً من: السلطات القضائية في الإجراءات الجزائية، السلطات العمومية المخولة بتعيين القائمين بالإدارة، السلطات المكلفة بتبليغ الهيئات الدولية، واللجنة المصرفية لبنك الجزائر.

خلاصة

تعد جريمة غسل الأموال سلوكاً إجرامياً يهدف لتغيير الصفة غير المشروعة للأموال الناتجة عن أفعال تجريمية عبر مراحل التوظيف، التجميع، والإدماج.

وقد قنن التشريع الجزائري هذه الجريمة كجريمة خاصة في القانون رقم 05-01 والنظام رقم 05-05، مقيماً إياها على الأركان الشرعية والمادية والمعنوية، كما عالج العقبات القانونية والمادية بإصدار المرسوم رقم 02-127 وتأسيس خلية معالجة الاستعلام المالي وتفعيل آليات الإخطار بالشبهة.

قائمة المراجع

الكتب والمقالات:

  1. ابن العساكر . الفروق اللغوية . المجلد 1 . ص 472 .
  2. ابن منظور . لسان العرب . دار صادر . بيروت . الطبعة الثالثة . سنة 1994 . المجلد 11 . ص 494 .
  3. صلاح الدين حسن السيسي . غسل الأموال الجريمة التي تهدد استقرار الاقتصاد الدولي . طباعة دار الفكر العربي . القاهرة . مصر . الطبعة الأولى. سنة 2003 .
  4. عباس أبو شامة . الظواهر الإجرامية المستحدثة وسبل مواجهتها . مجلة مركز الدراسات والبحوث . أكاديمية نايف للعلوم الأمنية . سنة 1999 .
  5. أحمد سفر . جرائم غسل الأموال وتمويل الإرهاب في التشريعات العربية . المؤسسة الحديثة للكتاب . طرابلس . لبنان . طباعة سنة 2006 .
  6. خلق الله عبد العزيز . جريمة تبييض الأموال . مذكرة ماجستير . فرع القانون الجنائي والعلوم الجنائية . كلية الحقوق . بن عكنون . الجزائر . سنة 2002-2003 .
  7. د.عبد الله سليمان . شرح قانون العقوبات الجزائري . القسم العام . الجزء الأول ( الجريمة ) . ديوان المطبوعات الجامعية . سنة 1998 .
  8. د. عبد الله أوهايبية . شرح قانون العقوبات الجزائري . القسم العام . مطبعة الكهينة . طبعة سنة 2003 .
  9. لعشب علي . الإطار القانوني لمكافحة غسل الأموال . ديوان المطبوعات الجامعية . سنة 2007.
  10. تبييض الأموال . دراسة مقارنة . منشورات الحلبي الحقوقية . لبنان . سنة الطباعة 2000 .
  11. ممثلون عن العروش في منتدى الشروق . نرفض استثمارات الملاهي والحانات وتبييض الأموال في منطقة القبائل . جريدة الشروق اليومي . الصادرة بتاريخ: 09 فيفري 2009 . عدد 2527 . ص 7 .

القوانين والنصوص الرسمية:

  1. القانون رقم 02-11 المؤرخ في 24 ديسمبر 2002 المتضمن قانون المالية . الجريدة الرسمية رقم 86 . ص 38.
  2. قانون رقم 90-614 المؤرخ في 12-07-1990 والقانون رقم 96-392 المؤرخ في 13-05-1996.
  3. قانون رقم 03-11 المتعلق بالنقد والقرض . مؤرخ في 27 جمادى الثانية عام 1424 الموافق 26 غشت سنة 2003 . منشور في الجريدة الرسمية عدد 52 . ص 3.
  4. القانون رقم 04-15 المؤرخ في 10 نوفمبر 2004 المعدل والمتمم للأمر 66-156 المؤرخ في 8 جوان 1966.
  5. المرسوم الرئاسي رقم 95-41 المؤرخ في 28 يناير 1995 والصادر في الجريدة الرسمية عدد 7 لسنة 1995.
  6. القانون المصري رقم 80 الصادر بتاريخ: 22-05-2002 والمتعلق بمكافحة غسيل الأموال.
  7. المرسوم التنفيذي رقم 02-127 المؤرخ في 24 محرم عام 1423 الموافق 7 أبريل سنه 2002 والمتضمن إنشاء خلية معالجة الاستعلام المالي وتنظيمها وعملها. الجريدة الرسمية رقم 23 . ص 16.
  8. نظام رقم 05-05 مؤرخ في 13 ذي القعدة عام 1426 الموافق 15 ديسمبر سنة 2005 يتعلق بالوقاية من تبييض الأموال وتمويل الإرهاب ومكافحتهما. جريدة رسمية رقم . 26 . ص 20
  9. دليل الإرشادات لمكافحة عمليات غسيل الأموال الأردني .

أسئلة وأجوبة شائعة

ما هو تعريف جريمة غسيل الأموال وفق التشريعات والقانون الأمريكي لعام 1986؟

تُعرف جريمة غسيل الأموال وفقاً للقانون الأمريكي الصادر سنة 1986 والمتعلق بالسيطرة على غسل الأموال بأنها: "كل عمل يهدف إلى إخفاء طبيعة أو مصدر الأموال الناتجة عن النشاطات التجريمية".

ما هي المراحل الثلاث التي تمر بها عملية غسل الأموال؟

تمر الجريمة بثلاث مراحل متتالية: أولاً مرحلة التوظيف (إقحام المال المشبوه في المؤسسات المالية)، ثانياً مرحلة التجميع (فصل الأموال عن مصادرها غير المشروعة وخلطها مع المشروعة)، وثالثاً مرحلة الإدماج (الدمج النهائي للأموال في السوق بصفة ظاهرة ومشروعة).

ما هي الأركان القانونية للجريمة في قانون العقوبات الجزائري؟

تتمثل الأركان في: ركن المشروعية (استناد التجريم للنص القانوني)، والركن المادي (صور التحويل والنقل والإخفاء والتمويه والحيازة والاكتساب بموجب المادة 389 مكرر)، والركن المعنوي الذي يستلزم عنصر العلم والقصد الجنائي لدى الفاعل.

ما هو دور خلية معالجة الاستعلام المالي في التشريع الجزائري؟

تتولى الخلية (المنشأة بموجب المرسوم 02-127) تسلم وتجميع وتعديل تصريحات الاشتباه المتعلقة بتمويل الإرهاب وتبييض الأموال، وتحليل المعلومات وإحالة الملفات إلى وكيل الجمهورية المختص إقليمياً عند قيام المتابعة الجزائية.

المصدر:
  • أ جمال عياشي
  • القانون رقم 04-15 المؤرخ في 10 نوفمبر 2004
  • القانون رقم 05-01 المتعلق بالوقاية من تبييض الأموال وتمويل الإرهاب ومكافحتهما
  • المرسوم التنفيذي رقم 02-127 المتضمن إنشاء خلية معالجة الاستعلام المالي
  • قانون النقد والقرض رقم 03-11
  • اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الاتجار غير المشروع في المخدرات والمؤثرات العقلية 1988
  • المادة 389 مكرر من قانون العقوبات الجزائري
تعليقات