القائمة الرئيسية

الصفحات

حدود سلطة الرقابة القضائية على التحريات فى الظروف الاستثنائية

 


 

حدود سلطة الرقابة القضائية على التحريات فى الظروف الاستثنائية

 

الفصل الأول : صور الظروف الاستثنائية فى الأنظمة القانونية الحديثة 0

 

المبحث الأول : نظرية الظروف الاستثنائية التقليدية 0

 

تمهيد وتقسيم :

هناك أخطار تواجه المجتمع فى وقت من الأوقات ولا يكفى لاحتواها مجرد للوسائل الردعية العادية التى ينص عليها القانون العام فى المجتمع مثال ذلك أعمال الشغب والثورات والحروب ما بين الدول أو حدوث كوارث طبيعية – كالفيضانات والزلازل وانتشار الأمراض – أو كوارث صناعية – كحدوث نووى أو حوادث إرهابية وغالبا ما تؤدى هذه الحوادث أو الأفعال إلى حدوث خلل فى النظام العام ، وقد يؤثر على كيان الدولة بأكملها ولا تستطيع الوسائل العادية المتاحة للسلطات التنفيذية مواجهة مثل هذه الظروف ، لذلك فقد اتفق الفقه وأقرت التشريعات الدستورية فى معظم دول العالم على حق الدولة فى الدفاع عن نظامها وأمنها بالخروج على قواعد القانون والمتاحة لمواجهة الظروف العادية لتتزود بقواعد قانونية جديدة استثنائية لمواجهة مثل هذه الظروف ([1]) 0

 

وقد أقرت مواثيق المنظمات الدولية بحق الدولة فى الدفاع عن كيانها ونظامها العام ، وأقرت بحقها فى إعلان حالة الطوارئ فالمادة (4) من ميثاق الأمم المتحدة الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الصادر فى عام 1966 تنص على أنه " فى الأوقات التى تمثل الظروف الطارئة تهديداً لحياة الأمة فأنه من خلال حالة الطوارئ فأن الدولة تستطيع أن تقيد الحقوق والحريات العامة للأفراد والموجودة فى دستور الدولة السارى ، بشرط إلا يكون هذا التقييد متعارض مع القانون الدولى وأن لا تحتوى على عدم المساواة بسبب اللون أو الأصل أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الأصل الإجتماعى ([2]) ويوجد نص مشابه فى المادة 15 " الفقرة الأولى ([3]) من المعاهدة ألأوروبية الخاصة بحقوق الإنسان الصادر عام 1950 ، وكذلك الفقرة الأولى من المادة 27 من المعاهدة الأوروبية بحقوق الإنسان الصادر عام 1969 ([4]) 0

 

وإذا كان فى الوقت الحاضر معظم الدول أقرت بحق الدولة فى إعلان حالة الطوارئ لمواجهة ظروف تتطلب منح السلطة التنفيذية سلطات استثنائية واسعة ، و إلا أن هناك مخاطر واضحة من استخدام حق الضرورة تتمثل فى تحول تلك السلطات الاستثنائية الممنوحة هذا الحق لأغراض معادية للديمقراطية ، حيث يمثل استخدام هذا الحق فى حالة قيام انقلاب عسكرى كأداة لاغتصاب السلطة وحتى فى غير ذلك فإن اللجوء إلى استخدام حق الضرورة يؤدى حتما إلى زعزعة استقرار مبدأ المشروعية بتقوية السلطة التنفيذية على حساب باقى السلطات فى الدولة ، مما قد يؤدى فى النهاية إلى إنتهاك حقوق وحريات المواطنين ، وهذا الانتهاك يختلف بشكل واضح وفقاً للمعطيات السياسية والاجتماعية 0

 

المبحث الأول :

 

المطلب الأول : النظرية المصرية للظروف الاستثنائية 0

 

رجال الفقه الدستورى والإدارى فى مصر حاولوا استخلاص شروط نظرية الظروف الاستثنائية من أحكام القضاء الادارى الفرنسى باعتباره صانع هذه النظرية ولكنهم ساروا فى هذا فى عدة مذاهب 0

 

فيذهب أصحاب الاتجاه الأول إلى القول بأن نظرية الظروف الاستثنائية وسلطات الحرب هى نظرية ابتدعوا القضاء الإدارى الفرنسى وتتلخص فى أن القرارات الإدارية الغير مشروعة فى الظروف العادية تعتبر مشروعة فى الظروف الاستثنائية وبالتالى فإن هذه النظرية ليست تطبيقا عادياً لحالة الضرورة بل تقوم على أساس واجبات السلطة الإدارية فى المحافظة على النظام العام وسير المرافق العامة ([5]) 0

 

فيما يرؤى أصحاب الاتجاه الأخر ، أن هذه النظرية تعتبر نظرية قانونية ، وهى تعتبر تطبيق عادى للضرورة على أساس أن الضرورات تبيع المحظورات ، أو على أساس الحق الشرعى فى الدفاع عن النفس ([6]) 0

 

فيما اكتفى أصحاب اتجاه ثالث باعتبار أن نظرية الظروف الاستثنائية ما هى إلا نظرية الضرورة وأن ألبسها مجلس الدولة الفرنسى ثوبا جديدا وهو سلطات الحرب والظروف الاستثنائية ([7]) 0

 

فيما ذهب اتجاه رابع إلى أن نظرية الظروف الاستثنائية هى صورة خاصة من نظرية الضرورة وليست تطبيق عادى لنظرية الضرورة ([8]) وهذه الصورة الخاصة تستمر فترة طويلة من الزمن على عكس حالة الاستعجال وحالة القوة القاهرة إلى لا تدوم طويلا ([9]) 0

 

وذهب اتجاه أخير إلى التفرقة بين نظرية الضرورة ونظرية الظروف الاستثنائية حيث قرر أن نظرية الضرورة ليست اصطلاحاً مرادفا لنظرية الظروف فهى اعم من نظرية الظروف الاستثنائية وسابقة عليها فى الوجود ولكن مع ذلك فإن نظرية الظروف الاستثنائية لا تعتبر تطبيقاً عادياً لنظرية الضرورة وانتهى أصحاب هذه الاتجاه إلى اعتبارها حالة خاصة او تطبيقاً خاصاً لنظرية الضرورة ([10]) 0

 

والواقع من وجهة نظر الباحث ، أن اختلاف الفقه سواء المصرى أو الفرنسى فى تعريف محدد لنظرية الظروف الاستثنائية مرجعة إلى أن نظرية الظروف التى وجدت قبل ظهور نظرية الظروف الاستثنائية كانت هى السائدة فى الفكر القانون حتى ابتدع القضاء الفرنسى فى مجلس الدولة نظرية سلطات الحرب والظروف الاستثنائية والتى تشابهت معها أول الأمر إلى الحد الذى اختلف فيه الفقه تدرجاً من اعتبارها هى ذات النظرية إلى حد اعتبارها تطبيقاً للضرورة أو إلى اعتبرها تطبيقاً خاص بها أو إلى اعتبارها حالة خاصة أو تطبيقاً خاصا لنظرية الضرورة ([11]) 0

والباحث يرى أن هذا الارتباط قد يكون مقبولاً فى بادئ الأمر عند نشوء النظرية ولكنة لا يبدو كذلك بعد استقرار الأوضاع القانونية ، فنظرية الظروف الاستثنائية ظهرت حينه طبقها مجلس الدولة الفرنسى لأول مرة فى حكمة الصادر فى 3 يونيو 1915 قى قضية General Verrier وأيضاً فى حكمة الصادر فى 6 أغسطس 1915 فى قضية Jenmartin De lmott et أى منذ حوالى سبعون عاما تقريباً وهى فترة كافية لاعتماد نظرية الظروف الاستثنائية وظهورها ككيان مستقل عن النظرية الاخرى حتى ولو تشابهت معها كالضرورة ، لذا فالباحث يرى أنها نظرية لها كيان قانونى مستقل 0

 

وللبحث فى تحديد مدلول هذه النظرية ينبغى أن تحدد الهدف الذى يبغى من الاعتراف بها ككيان مستقل ، وفى تقديرنا أن محاولة ايجاد التوازن بين السلطات الضبط وهيئاته عند ممارسة هذه الأخيرة للسلطات اثناء مواجهة ظروف استثنائية ، هذا التوازن هدفه عدم طغيان ممارسة هيئات الضبط للسلطات على حريات الأفراد وحقوقهم وكل ذلك ينبغى أن يكون فى اطار من المشروعية الاستثنائية ولقد وجد الفقه أن الحل هو أتساع مبدأ المشروعية ليشمل هذا الجانب الاستثنائى ، ولقد ايد القضاء ذلك المسلك من الفقه 0

 

 

المطلب الثانى : شروط تطبيق نظرية الظروف الاستثنائية

 

وسوف نتناول الآن الشروط التى اتفق الفقه المصرى عليها لتطبيق النظرية وهى :

 

الشرط الأول : وجود ظرف استثنائى :

 

وهو ما يقصد به الحالة الشاذة الغير عادية ، بحيث يؤدى التطبيق العادى للقواعد التشريعية على هذه الحالة الى احداث تهديد خطير للنظام العام وتعطيل لسير المرافق العامة 0

 

والواقع أن تعريف هذه الحالة الشاذة من اختصاص القاضى الإدارى الذى لا صعوبة لديه حالة التنظيم القانونى لبعض الصور الاستثنائية ولكن الصعوبة لديه فى عدم هذا التنظيم القانونى هنا يكون على القاضى أن يكون قاضى مشروعية وقاضى ملائمة النصوص التشريعية للحالة موضع البحث 0

ويسترشد القاضى هنا بالظروف المحيطة بالواقعة المعروضة عليه لقياس عدم ملائمة النصوص التشريعية لها 0

 

ويترتب على الاعتراف بوجود ظرف استثنائي شاذ هو مشروعية تدخل الإدارة لحماية النظام العام وضمان سير المرافق العامة أثناء هذا الظرف 0

 

ولقد استقر الفقه والقضاء على عدم استلزام شمول الوضع الاستثنائي إقليم الدولة كلها يكفى أن يكون ذلك محلياً ([12]) 0

 

 

 

 

الشرط الثاني : وجود مصلحة جديدة ومحققة :

 

وبالإضافة إلى الشرط الأول المتطلب وجود ظرف استثنائي استلزم الفقه أن توجد مصلحة جديدة تبرر اتخاذ الإجراءات الاستثنائية وهذه المصلحة تكون محققـه 0

 

والقاضى الإدارى لا يجد صعوبة أيضا إذا كانت هذه المصلحة محددة شرعا كما فى القوانين المتعلقة بالتعبئة العامة أو الطوارئ  ولكن يصعب الأمر حالة عدم تحديدها فهنا ولضمان عدم تعسف الإدارة فإنها هى التى عليها أثبات جديدة المصلحة وتحقيقها الفعلى 0

 

والمصلحة الجدية هو أن تعتمد الإدارة على أسباب جوهرية فى تبرير تصرفاتها بحيث لو لم تتصرف الإدارة على هذا النحو الذى اتخذته لاختل النظام العام ولتوقف سير المرافق العامة بينما المصلحة المحققة هى أن تكون الأسباب التى اعتمدت عليها الإدارة لتبير تصرفاتها وفق إجراءاتها الاستثنائية حقيقة وليست وهمية ([13]) 0

 

ولقد أكدت المحكمة الإدارية العليا ذلك حيث قررت انه لا يكفى ان تثبت ادارة او القاضى الادارى أن هناك مصلحة جديدة ومحققة لتبرير استخدامها للوسائل الغير شرعية بل لابد أن تقيم الدليل على أن هناك تهديد خطير لهذه المصلحة ، فإذا لم تستطع تقديم هذا الدليل فإن تصرفها يكون معيب وغير مشروع وهذا التهديد الخطير يقاس بالآثار الخطيرة التى تترتب عليه الإخلال بالنظام العام وسير المرافق العامة ([14]) 0

 

وأخيرا فأنه يكفى أن تكون الوسائل التشريعية المنصوص عليها فى القانون غير كافية أو عاجزة عن حماية النظام العام ولا يشترط أن تكون مستحيلـة 0

 

 

 

الشرط الثالث : التزام السلطة الإدارية بالتصرف تنفيذاً لواجباتها :

 

وإذا ما طرأ ظرف استثنائى نتج عنه تحقق تهديد خطير للنظام العام وسير المرافق العام فإن السلطات الضبطية تتدخل لأداء واجباتها المفروضة عليه – فالتزام السلطات الإدارية بالتدخل حماية النظام العام والعمل على سير المرافق العامة واجب وطنى يحتمة عليه طبيعة عملها ([15]) 0

 

الشرط الرابع :        اقتصار الإجراءات المستحدثة بمقتضى الظروف الاستثنائية عليها وبالقدر اللازم لمواجهتها :

 

أوجب القضاء الإدارى بالإضافة الى الشروط الثلاثة السابقة وهى التحقق من وجود ظرف استثنائى وأن الإدارة ملزمة بالتدخل لواجباتها القانونية وأن الإجراءات التى استخدمت كانت خلال هذه الظروف ، فقد أوجب أيضاً أن تكون الإجراءات متناسبة مع درجة الخطر ، فالقاضى الإدارى يقوم بملاءمة الوسيلة المستخدمة درجة جسامة الخطر حكم بعدم شرعية هذه الإجراءات الاستثنائية من جانب الإدارة 0

 

المبحث الثانى من الباب الثانى : مشكلة الإرهاب :

 

تقديم :

 

يمثل الإرهاب تهديداً خطيراً لسائر الدول وكافة الشعوب ، وهجوماً مباشراً على القيم الإنسانية والاحترام المتبادل بين الناس من مختلف الأديان والثقافات ، وانتهاكا صارخاً لسيادة القانون والمواثيق والاعراف الدولية 0

 

وقد شهد العالم فى الآونة الأخيرة العديد من الأنشطة الإرهابية التى تجاوز مداها حدود الدولة الواحدة مما جعل منها جريمة ضد النظام الدولى ، ومصالح الشعوب ، وأمن وسلامة البشرية ، وحقوق الأفراد الأسياسية 0

 

ويؤكد لنا التأصيل التاريخى لظاهرة الإرهاب أن هذه الظاهرة ليست وليدة منطقة بعينها أو ديانه بذاتها ، وإنما هى انعكاس مادى لعوامل القصور فى التعامل الدولى مع المشكلات السياسية والإقتصادية والاجتماعية 0

 

وتتعد الجهود الوطنية والإقليمية والدولية لمواجهة ظاهرة الإرهاب ، إذ توضح أيه قراءة مـأنية فى تاريخ العلاقات الدولية أن الحاجات الأمنية كانت أسبق الحاجات إلحاحاً واستلزماً لايجاد تنسيق إقليمى ودولى يكفل التعاون والفاعلية فى مواجهتها 0

 

وما من شك فى أن التشريع ما زال يمثل أساس مواجهة هذه الظاهرة الإجرامية ، وصفة الوسيلة الفاعلى والأداة الرادعة التى تتمكن الدولة من خلالها من تأكيد سيادة القانون وحفظ الأمن والسلم ، وحماية الحقوق والحريات فى مواجهة أية ظواهر شاذة تهدد أمن واستقرار وسلامة البلاد ، وفى هذا الإطار تأتى أهمية درلااسة مشكلة الإرهاب كصورة من صور الظروف الاستثنائية الحديثة 0

 

المطلب الأول : تعريف الإرهاب

يعد تعريف الإرهاب من أعقد المشكلات التى تواجه الدول ، بل وتلقى بظلالها على الجهود الدولية فى مكافحته ، حتى أن بعض الدول ما زالت تصر على عدم وضع تعريف للإرهاب ، حيث أصبح الإرهاب – من وجهة نظرها – هو ما تراه هى كذلك ، ومن ثم أضحى تعريف الإرهاب من المناطق المظلمة التى يثنى الكثير من الباحثين عن الدخول فيها رغم أعميتها بل وضرورتها فى شرعية مواجهة العمليات الإرهابية ([16]) ، وسوف تعرض فيما يلى للمعنى اللغوى والاصطلاحي للإرهاب 0

 

 

(1)          معنى الإرهاب فى اللغة :

لم تعرف المعاجم القديمة كلمة " إرهاب " ولكنها عرفت الفعل " رهب " أى خاف ، والرهبة هى الخوف والفزع 0

 

أما كلمة " رعب " ( Terreur ) فظهرت لأول مرة فى اللغة الفرنسية عام 1355 ، وجاءت من اللغة اللاتينية ( Terror ) وهى تعنى خوفاً أو قلقاً متناهيا ([17]) 0

 

وفى المعاجم المترجمة إلى اللغتين الإنجليزية والفرنسية ، ورد لفظ الإرهاب بما يفيد أنه وسيلة لنشر الذعر والخوف باستعمال وسائل عنيفة لتحقيق أهداف سياسية ([18]) 0

 

ويظهر من المعنى اللغوى للإرهاب أنه يعنى الرعب ، فأصل كلمة إرهاب هو " إرعاب " ولكن المعاجم أقرت كلمة " إرهاب " والتى تفيد معنى الرهبة ، ولقد بلغت أهمية التعريف اللغوى للإرهاب شأناً جعل البعض يتخذها اساساً لتعريفة اصطلاحى للإرهاب ، واستنباط عناصره وخصائصه المميزة ([19]) ومالت بعض التعريفات اللغوية إلى الربط بين الإرهاب واستخدام العنف لتحقيق سياسة على الرغم من عدم تطابق المعنى اللغى للإرهاب مع العنف السياسى 0

 

(2)          معنى الإرهاب فى الإصطلاح :

 

وقد اختلف الفقهاء حول تعريف الإرهاب – ليس فقط من حيث طبيعة التعريف وماهيته ولكن من حيث قبول التعريف أو رفضه ، ومن حيث اتجاه التعريف ومداه ، وأخيراً من حيث اساس التعريف ، فمن الفقهاء من يرفض وضع تعريف للإرهاب ويرى أن أسهل من تعريفه وأنه لا توجد تعريفات بريئة أو مقنعة ، وكان لهذا الاتجاه صداه فى المؤتمرات والملتقيات الدولية ([20]) ، ومنها المؤتمر الثامن لمنع الجريمة ومعاملة المسجونين فى هافانا بكوبا عام 1999 ، ومن الفقهاء يؤيدون ضرورة وضع تعريف للإرهاب من يتخذ منحى وصفى بحيث يعدد خصائص وعناصر الإرهاب ، ومنهم من يتبنى الإتجاه التحليلى فيركز على طبيعة الأفعال المكونة للإرهاب ، وأخيراً منهم من يتبنى اتجاه حصرى حيث يحصر الأفعال الإجرامية التى تعد إرهابية 0

 

ومن التعريفات التى تبنى الإتجاه التحليلى المادى للإرهاب ، تعريف الفقه " جون ليفاسير " ([21]) بأنه " الاستعمال العمدى والمنظم لوسائل من طبيعتها إثارة الرعب بقصد تحقيق أهداف معينة ، حيث يركز على طبيعة الأفعال المكونة للعمل الإرهابى  0

 

ويتبين مما سبق أن للإرهاب مجموعة من الخصائص هى :

(أ)      أن الإرهاب سلوك أو أسلوب منظم لا يقتصر على مجموعة بعينها أو دولة محدد ولكنة عابر للحدود 0

(ب)    يتسم الإرهاب بالرعب والعنف غير المتوقع والمفاجئ 0

(جـ)    يستهدف الإرهاب تحقيق أعراض متباينة سياسية أو أيديولوجية أو فرديــة 0

(د)     أن الوسائل المستخدمة فى ارتكاب الجريمة الإرهابية من طبيعتها أن تثير الرعب والفزع بين عدد غير محدد من الأشخاص ، بحيث تضعف لديهم الثقة فى قدرة حكوماتهم على حمايتهم وتوفير الأمن لهم ، فتهيئ نفوسهم لقبول الغير أو الخروج على حكوماتهم التى لم تستطع أن توفر لهم الطمأنينة 0

(هـ)    أن الجريمة الإرهابية تخلق خطراً عاماً شاملاً ، حيث يشعر الجميع بذلك سواء من تعرض لها أو من لم يتعرض لها ويشعر أنه الضحية       القادمة ([22]) 0

 

المطلب الثاني صور الإرهاب وأساليبه :

 

 

من الصعوبة بمكان الإحاطة بصور وأشكال الإرهاب ، مع ذلك فإنها فى مجموعها تستخدم وسائل العنف والتدمير ، وتتسم بالوحشية الاستثنائية فى الفعل الإجرامى ، تحدث اضطراباً عميقاً فى المجتمع ، ولا شك أن هناك فارقاً جوهرياً بين صور الإرهاب وأساليبه لتحقيق تلك الصور ، ومن ثم سوف نعرض فيما يلى لصور الإرهاب ثم لأساليب الإرهاب 0

 

(1)      صور الإرهاب :

تتعدد صور وأشكال الإرهاب بالنظر إلى تعدد الباحثين الذين تناولوه واختلاف أطرهم الفكرية والمرجعية والزاوية التى ينظر بها كل منهم إلى    الإرهاب 0

ويمكن رصد العديد من التقسيمات لهذه الصورة 0

 

1-1 صور الإرهاب وفقاً للقائم به :

ويمكن تقسيم الإرهاب من هذه الوجهة إلي إرهاب الأفراد والمجموعات ، وإرهاب الدولة 

 

(أ)      إرهاب الأفراد والمجموعات :

         ويمارسه الأفراد أو مجموعات منهم ضد الدولة وأجهزتها وقد ظهر في البداية كرد فعل لإرهاب الدولة ، ويسمي بالإرهاب السلطوي أو إرهاب الضعفاء بالنظر إلي أنه يصدر عن يأس في نفوس ممارسية فيخاطرون بأنفسهم من أجل زعزعة الإستقرار السياسي والأمني ، في حين يري البعض أن هذا الإرهاب لا يعكس ضعفاً بقدر ما يعكس مبالغة في الطموح والأهداف مقارناً بقلة الموارد لدي القائمين به وتتعدد صور وأشكال الإرهاب الفردي فمنه الإرهاب الثوري وشبه الثوري والعدمي والعادي [23]0

 

         ويوجه هذا الإرهاب ضد الأموال وضد الأشخاص علي السواء ، والأعمال الإرهابية المرتكبة ضد الأموال قد تكون بتدمير الأموال ( تدمير المحلات العامة – البنوك – المخازن ) ، والحرائق العمدية في أماكن معينة ، أو التفجيرات في الطرق العامة ( المقاهي – المحلات الكبري – دور السينما ) والتدمير العنيف لوسائل وطرق المواصلات ، أما الأفعال المرتكبة ضد الأشخاص فهي إما تكون ضد حرية الأشخاص ( خطف – إحتجاز رهائن ) ، أو ضد السلامة الجسدية للأشخاص ( إعتداءات مباشرة : كالقتل ، وأخذ الرهائن ) ، أما التهديدات المختلفة فتتمثل في التهديدات الإفتراضية بتدمير ونسف المراكز النووية ومعامل النشاطات المشعة 0

 

(ب)    إرهاب الدولة ( الإرهاب الرسمي ) :

         ويقصد به الإرهاب الذي تمارسه الحكومة وينقسم إلي : رسمي داخلي تقوم به الحكومة بقصد تخويف المعارضة وإجبارها علي إطاعتها وهو يظهر في صور متعددة منها أعمال التعذيب والمعاملة اللا إنسانية وتقييد الحريات الأساسية ، أو التطبيق التعسفي للقوانين ، ويرتدي هذا الإرهاب – عادة – ثوب الشريعة الذي يضفيه عليه ممارسوه من خلال تقنين مثل هذه الأعمال بتشريعات مطاطة وغير محددة ، وهناك ارهاب رسمي خارجي تقوم به الدولة ويأخذ صورتين أحدهما مباشرة تتمثل في العمليات التي تتخذها وحداتها العسكرية ضد المدنيين في دولة أخري ، والأخري غير مباشرة من خلال دعم الإرهاب وجماعاته في بعض الدول وتوفير السلاح وأماكن التدريب ، وتسهيل عمليات انتقال الأموال والأشخاص من دولة لأخري وتقديم المأوي والملاذ لأفراد المجموعات الإرهابية 0

 

1-2 صور الإرهاب وفقاً لنطاقه :

         يمكن تقسيم الإرهاب من حيث مداه وإمتداد آثاره إلي نمطين هما : الإرهاب الوطني والإرهاب الدولي 0

 

أ – الإرهاب الوطني ( الداخلي ) :

 

         ينحصر هذا النوع من الأعمال داخل إقليم محدد ، حيث يتم إعداد الفعل الإجرامي وتنفيذه وتحقيق أهدافه وآثاره داخل الإقليم ، وهذا النوع قد يختلط بأشكال من الإرهاب السياسي أو الإجتماعي ، فعندما تنحصر أهداف وآثار الإرهاب السياسي أو الإجتماعي داخل الإقليم ، يكون إرهابياً داخلياً ، كما لو كان موجهاً ضد التنظيم السياسي لأحد البلدان ، أو إلي شكل الدستور أو ممثلي السلطة مثل رئيس الدولة أو أحد أعضاء الحكومة ، أو ضد التنظيم الإجتماعي ( طبقاً لوجهة نظر الفوضويين ) ، وكذلك التحريض علي الثورة ( كما في المذهب الشيوعي والإشتراكي والثوري ) وضد أمن الدولة أو مصالحها الأساسية الجوهرية 0

 

ب – الإرهاب الدولي :

 

         هو عبارة عن إستراتيجية عنف متصلة ومنظمة يهدف القائمون بها إلي تحقيق أغراض معينة ذات طابع سياسي ، فهو ذلك النشاط المتصل الذي يتعدي تأثيره حدود الدولة الواحدة ويرتبط بمجموعة أفراد تعمل وفق هيكل تنظيمي محدد في مجتمع ما ، وتعتنق أيديولوجية سياسية ، وتسعي إلي فرضها من خلال ممارسة عنيفة تخلق مناخاً من التهديد العام [24] ، وهذا النوع من الإرهاب يكون التحضير له وتنفيذه والغاية منه ودوافع النشاط وأسبابه وآثاره تتعلق وتمس بأكثر من دولة واحدة [25] 0

 

1-3 صور الإرهاب من حيث الهدف منه :

         تتعدد أهداف الإرهاب ويمكن أن ترصد ثلاث أهداف أساسية له وهي : الأهداف الأيديولوجية ، والأهداف الإنفصالية ، والأهداف الإجرامية ، ومن ثم فإن صور الإرهاب وفقاً للهدف منه هي : 

 

أ – الإرهاب الأيديولوجي :

 

         عرف هذا الإرهاب قديماً في صورة الإرهاب الفوضوي ، والإرهاب الفاشي في إيطاليا ، ومنه الإرهاب الثوري والعنصري والديني ، وفيه يؤمن الإرهابيون بأيديولوجية معينة فينذرون أنفسهم لها .

 

ب – الإرهاب الإنفصالي ( الإنثي ) :

 

         يهدف إلي الإنفصال عن دولة معينة والاعتراف بالاستقلال السياسي والإقليمي لمجموعة أو جنس معين ، ومنه إرهاب منظمة إيتا الانفصالية التي تطالب بانفصال إقليم الباسك عن أسبانيا .

 

ج – الإرهاب الإجرامي :

 

         وهو الإرهاب الذي تحركه دوافع أنانية وشخصية اقتصادية أو اجتماعية .

 

(2)      أساليب الإرهاب :

 

أياً كان الشكل أو الصورة التي يتخذها الإرهاب فإن هناك العديد من الأساليب التي يتبناها لتحقيق أهدافه ، ومن هذه الأساليب :

 

2-1 عمليات الاختطاف :

وهي وسيلة تقليدية لتوفير المال اللازم لدعم التنظيمات الإرهابية أو لإحداث صدى واسع والإعلان عن مطالب بعض الجماعات ، وهي تشمل خطف وسائل النقل وخطف الأشخاص ، ومن أبرز وسائل النقل التي تتعرض للاختطاف هي الطائرة حيث يعرض أرواح المئات من الركاب للخطر ويمثل تهديداً كبيراً للدول في ظل وسائل الأمان في المطارات وإمكانية تأثير مثل هذه العمليات على حركة الملاحة الجوية والتجارة العالمية وحرية انتقال الأفراد ، وقد عقدت العديد من الاتفاقيات الدولية لمواجهة عمليات خطف الطائرات ، كما اهتمت العديد من الدول بتضمين تشريعاتها الجنائية نصوصاً تحرم هذه الأعمال وتعاقب عليها بأشد العقوبات .

 

2-2 عمليات الاغتيال السياسي :

توجه هذه العمليات إلي الحكام والأعضاء البارزين في النظام السياسي ، ولكنها تطورت في الآونة الأخيرة ، وأصبحت توجه إلي شخصيات عامة من كتاب ومفكرين وفنانين وصحفيين لإحداث أكبر قدر من الدعاية الإعلامية للجماعات القائمة على مثل هذه الاغتيالات ، ولإضعاف الإحساس بالأمن والطمأنينة لدى جموع الناس .

 

2-3 استخدام المتفجرات :

تعد من أكثر الوسائل استخداماً لسهولة استخدامها والحصول عليها والقدرة على التحكم فيها عن بعد ، ولقد دفعت خطورة هذه الوسيلة بالولايات المتحدة إلي الدعوة لإبرام معاهدة دولية تنظم التعاون بين الدول في سبيل مكافحة هجمات التفجيرات الإرهابية في الأماكن العامة .

 

وقد أفرزت السنوات الأخيرة أساليب جديدة نشأت عن طريق المزج بين أسلوبين أو أكثر من الأساليب التقليدية مثل : اختطاف الطائرات واستخدامها في تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر 2001 بأمريكا ، فضلاً عن استخدام وسائل جديدة مثل تسميم الهواء بغازات سامة مثل ما حدث في مترو أنفاق طوكيو ، وسوق هارفورد بأمريكا .

 

 

المطلب الثالث : الإرهاب وما يختلط به من صور :

 

في هذا الصدد ، نميز بين الإرهاب والعنف ، والإرهاب والجريمة السياسية ، والإرهاب والجريمة الدولية ، على النحو الآتي :

 

(1)      الإرهاب والعنف :

 

العنف من الناحية اللغوية هو الإكراه المادي الواقع على شخص لإجباره على سلوك أو التزام ما ، وبعبارة أخرى سوء استعمال القوة ، وطبقاً لهذا التعريف يفترض العنف استخدام التفوق المادي الطبيعي لإنسان ضد الإنسان .

 

ويقترن الإرهاب بمفهوم العنف ، ويعد إشارة له ، ولكن ليس أية درجة من العنف ، بل بدرجة جسيمة تخرج عن نطاق التجريم العام لجرائم العنف لتندرج في إطار التجريم الخاص بجرائم الإرهاب [26].

 

فالعمل الإرهابي يعني نوعاً من العنف ، بوضع الإنسان في حالة رعب أو خوف شديد ، سواء استعمال قوة حالة أو قوة وشيكة الحلول حيال فرد أو مجموعة من الأفراد ، بقصد الوصول إلي هدف معين .

 

وإذا كان العنف إيجابياً يتمثل في إرادة الفاعل نحو الإيذاء والإضرار بالمجني عليه ، يكون كذلك متمثلاً في عمل عدواني – وهنا يقترب من الإرهاب – أو قد يرتبط بنوع من الإهمال أو التصرفات السلبية ، ولكن في كل الأحوال فالعمل الإرهابي لا يمكن أن يكون عمدياً وبتصرف إيجابي ، يرمي إلي تحقيق هدف حال في نفس المجني عليه ببث الرعب ، وهذا الهدف الحال يرتبط مع الهدف النهائي للفعل بعلاقة وطيدة ، ويتعدى الضرر فيه نطاق الفرد إلي العامة ، أو إلي جزء من العامة .

 

 

 

 

(2)      الإرهاب والجريمة السياسية :

تنقسم الجرائم – بالنظر إلي الحق المعتدى عليه ونوع الباعث الدافع إليها – إلي جرائم سياسية وجرائم عادية[27] .

 

فالجريمة – وفقاً للمذهب المادي أو الموضوعي – تعد سياسية متى تضمنت العدوان على مصلحة سياسية للدولة ، [28] أو على حق سياسي لفرد من الأفراد ، فالعبرة بموضوع الحق المعتدى عليه ، بصرف النظر عن الباعث الجنائي ، أما بحسب المذهب الشخصي – وهو أكثر شمولاً وحداثه من سابقه – فتعتبر الجريمة سياسية مادام الباعث عليها سياسياً بصرف النظر عن موضوعها .

 

والتمييز بين الجريمة الإرهابية والجريمة السياسية ، إنما يقوم على أساس النظر إلي خصائص وأوصاف كل منهما .

 

فمن الملاحظ أن ثمة رابطة عضوية بين الإرهاب ( كأسلوب ) وبين الجريمة السياسية ( من حيث الهدف والغاية النظرية ) .

 

فإذا كانت الجريمة السياسية تعبير عن أيديولوجية سياسية معينة ، فإن أسلوب تنفيذ الفعل ( الإرهابي ) لا يمكن أن يتأتي بطريقة أيديولوجية ، وبالتالي لا يمكن أن يكون الإرهاب طريقة أيديولوجية ، حيث أن هذه الطريقة أو الأسلوب يجرد الجريمة من صفتها السياسية ، ويحولها إلي جريمة من جرائم القانون العادي .

 

ومما تقدم ، فإن أسلوب تنفيذ الجريمة إنما يعد مناطاً أو حداً فاصلاً لتمييز الجريمة الإرهابية عن الجريمة السياسية ، من حيث أن الأولى تتبدى فيها القسوة والوحشية بما يعرض النظام كله للخطر .

 

وإذا كانت الدوافع في الجريمة السياسية ترتقي بها كجريمة ذات امتياز ، نظراً لنبل هذه الدوافع ، فعلى النقيض من ذلك نجد أن الجريمة الإرهابية تحركها دوافع دنيئة وأنانية خالصة حتى وأن حاول مرتكبوها طبعها بالطابع السياسي من حيث الظاهر .

 

(3)      الإرهاب والجريمة الدولية :

 

تصاعد النشاط الإرهابي في الفترة الماضية ، وتجاوز مداه وحدوده الإقليم الواحد ، ليشمل عدة أقاليم متجاورة أو متباعدة ، وتجاوزت آثاره المساس بالحياة والملكية إلي الخطر الشامل المجرد ، أو التدمير الحضاري ، وأصبح من طبيعته الإضرار بالنظام الاجتماعي بصفة عامة ، والأمن والمصالح الأساسية للدول ، بل والنظام العام والدولي .

 

وهناك معياران لتعريف الجريمة الدولية ، الأول : شخصي يركز على مرتكب الجريمة وما إذا كان من اللازم أن يكون هو الدولة أو أحد الأشخاص المعنوية التي تمثلها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة ، والثاني : يركز على طبيعة المصلحة المعتدى عليها ، وإنها مصلحة يحميها النظام القانوني الدولي أو تهم المجتمع الدولي بأسره ، وأمام صعوبة التعريف ، فإنه يمكن رصد بعض خصائص الجريمة الدولية على النحو التالي :

(1)   أنها مخالفة للقانون الدولي ولا يشترط أن يكون الفعل محظوراً في القانون الداخلي .

(2) أن تكون الجريمة ذات عنصر دولي ، أي وقعت من دولة أو بعلمها أو مساعدتها بصورة مباشرة أو غير مباشرة ضد المجتمع الدولي .

(3)   أن يكون الفعل من الممكن مجازاة مرتكبه طبقاً للعرف الدولي أو المعاهدات الشارعة .

 

فإذا ما اشتملت الجريمة الإرهابية على هذه العناصر كانت جريمة دولية ، مع ملاحظة أن العمل الإرهابي قد يتصف بالطابع الدولي إذا تعددت جنسية الضحايا أو المرتكبين ، أو تعددت أماكن الإعداد والتحضير والتنفيذ ، والآثار الناجمة عن الفعل .

 

فالجريمة الإرهابية الدولية ، قد تقع على النظام السياسي الدولي " أو ضد الدولة " ، فتكون إرهاباً سياسياً ، وتقع على الأفراد أو الملكيات أو الأموال في أكثر من دولة ، فتكتسب العنصر الدولي .

 

وفضلاً عن ذلك ، فإن الجرائم الإرهابية تعد مخالفة للقوانين الداخلية ومبادئ وأحكام القانون الدولي ، وقد أثبتت الأحداث الأخيرة التقارب بين الإرهاب والجريمة الدولية حيث يمثل الإرهاب إحدى الجرائم المخلة بسلم وأمن الإنسانية ، واعتبرته لجنة القانون الدولي في الأمم المتحدة من بين الجرائم الدولية [29] .

 

والإرهاب يصبح دولياً – وفقاً لتقرير لجنة الخبراء المنبثقة عن الاتحاد الدولي لتوحيد القانون الجنائي في الأحوال الآتية :

 

-      إذا أثار اضطرابات في العلاقات الدولية .

-      إذا وجه ضد دولة أخرى .

-      أن يكون الفاعلون من خارج الدولة .

-      أن يتم التجهيز لعملياته في دولة أخرى [30]

 

 

المبحث الثالث : السياسة التشريعية لمواجهة الإرهاب في مصر

 

عندما تغلغلت الظاهرة الإجرامية للإرهاب في معظم دول العالم ، إضطر المشرع في كل دولة ترسخت فيها هذه الجرائم بصورة ظاهرة أن يتدخل بنصوص جديدة ، وقد قام المشرع المصري ، وبعد أن أصبحت جرائم الإرهاب شبه ظاهرة ، بمحاولة التدخل بسياسة جديدة لمحاولة القضاء عليها مستقبلاً ، ولهذا أصدر القانون رقم 97 لسنة 1992 متضمناً العديد من الجرائم التي تعتبر جرائم إرهابية ، وشدد عقوبات جرائم أخرى في إطار تجريمه لظاهرة الإرهاب ، ويمثل هذا القانون السياسة الجنائية للمشرع المصري ، وقد رؤى سرعة إصداره عندما استفحل أمر الإرهاب في الشهور الأخيرة السابقة على صدوره ، ولهذا فهو من القوانين القليلة التي أقرت من السلطة التشريعية وأصدرها رئيس الجمهورية في اليوم التالي [31]، وكل هذه الإجراءات الاستثنائية تشير إلي خطورة ظاهرة الإرهاب ، وضرورة إتباع سياسة جنائية سريعة وحازمة لمواجهته [32].

 

وسنعرض فيما يلي لتطور السياسة التشريعية المصرية إزاء جرائم الإرهاب ، من خلال عرض موقف المشرع المصري من الجريمة الإرهابية في ظل قانوني العقوبات والإجراءات الجنائية قبل تعديلهما بالقانون رقم (97) لسنة 1992 ، وسياسة المشرع المصري في مواجهة جرائم الإرهاب في ظل أحكام القانون رقم (97) لسنة 1992 .

 

أولاً :   السياسة الجنائية إزاء الجريمة الإرهابية في مرحلة ما قبل صدور القانون رقم (97) لسنة 1992 :

 

من الأهمية بمكان – في هذا الصدد – الوقوف على السياسة التي انتهجها المشرع الجنائي المصري في صدد الجريمة الإرهابية في ظل قانون العقوبات رقم (58) لسنة 1937 ، وقانون الإجراءات الجنائية رقم (150) لسنة 1950 ، وتأتي تلك الأهمية من منظور قياس مدى فاعليتها في مواجهة الجريمة الإرهابية ، إضافة إلي محاولة استظهار أوجه القصور فيها [33] .

 

 

وتنقسم دراستنا في هذا الصدد على النحو التالي :

 

أ- موقف قانون العقوبات المصري قبل تعديله .

ب- موقف قانون الإجراءات الجنائية قبل تعديله .

 

‌أ-      موقف قانون العقوبات المصري من الجريمة الإرهابية قبل تعديله :

 

يبدو من دراسة قانون العقوبات المصري ، الصادر بالقانون رقم (58) لسنة1937 ، أو القوانين المكملة له ، أنه لا أثر للجريمة الإرهابية في نصوص ، ولكن يمكن تلمس اتجاه المشرع نحو تشديد العقاب بشأن بعض الجرائم المنصوص عليها في الباب الأول من الكتاب الثاني ، وهي الجنايات والجنح المضرة بأمن الدولة من جهة الخارج ، وكذلك الجرائم المنصوص عليها في الباب الأول من الكتاب الثاني ، وهي الجنايات والجنح المضرة بأمن الدولة من جهة الخارج ، وكذلك الجرائم المنصوص عليها في الباب الثاني من الكتاب الثاني ، وهي الجنايات والجنح المضرة بأمن الحكومة من جهة الداخل ، وهي تلك الجرائم التي ترتكب لسبب أو لغرض سياسي ، حيث خرج المشرع على القواعد العامة الجنائية وحدد عقوبات لهذه الجرائم تصل إلى حد الإعدام ، واعتبار هذه الجرائم من جرائم الخطر حيث لا يعد تحقيق النتيجة ركناً فيها ، كما جرم قانون العقوبات كل صور المساهمة الجنائية سواء بالاتفاق أو التحريض أو المساعدة ، أو حتى مجرد الترويج أو التحيز لمنظمات أو لأفعالها [34] .

 

بيد أنه من الملاحظ أن نصوص التجريم والعقاب في التشريع المصري لا تفرق بين الجريمة العادية والجرائم الإرهابية ، فهي لا تدخل الإرهاب كعنصر أو ظرف مشدد يمكن به ابتداء التفرقة بين الجريمة الإرهابية وسواها من أنواع - الجرائم ، وبالتالي فهي لا تخصها بعقاب مناسب وعلي سبيل المثال [35] :

-      المادة 102 عقوبات التي تجرم إحراز أو حيازة أو استيراد أو صنع مفرقعات دون ترخيص مقررة عقاباً موحداً ، دون تفرقة بين مرتكب الأفعال لأغراض الصيد أو لأغراض الإرهاب .

-      كذلك الشأن بالنسبة لحيازة وإحراز الأسلحة بغير ترخيص ، لا تفرق النصوص العقابية في القانون 349 لسنة 1904 في شأن الأسلحة والذخائر بين الحيازة أو الإحراز لارتكاب أفعال الإرهاب أو لغرض آخر .

-      جرائم تعطيل المواصلات وتعريض وسائل النقل والمواصلات للخطر والتي تحكمها المواد 167 – 169 عقوبات ، وغالبيتها جرائم عمدية تتعلق بكافة أنواع المواصلات وسلامة ركابها – الأمر الذي يرشحها أن تكون مناسبة لإعمال الإرهاب ، حيث لم يفرق المشرع بين عقاب مرتكب الجريمة بغرض الإرهاب وبين مرتكبها لأغرض لا تمثل الخطورة ذاتها .

-      أيضاً جرائم القتل والجرح والضرب المنصوص عليها بالباب الأول من الكتاب الثالث بقانون العقوبات ، لم يلتفت المشرع إلي التفرقة بين عقاب مرتكبها بغرض الإرهاب ومن سواه من مرتكبي تلك الجرائم لأسباب أخرى ، مع العلم بأن تلك الجرائم قد يرتكبها الإرهابيون قاصدين تحقيق أهدافهم عن طريق نشر الرعب بين الأفراد .

-      جرائم القبض على الناس وحبسهم بدون وجه حق ، والمنصوص عليها في الباب الخامس من الكتاب الثالث من قانون العقوبات ، فرغم أن بعضها من الجرائم التي يتخذ منها الإرهابيون أداة لتحقيق أغراضهم ، فإن المشرع لم يميز بين ما يقع بقصد الإرهاب وما يرتكب لغير ذلك من الأهداف .

 

ورغم أن المشرع قد جرم في العديد من مواد قانون العقوبات إنشاء أو تأسيس أو تنظيم أو إدارة أو الانضمام إلي الهيئات أو المنظمات أو الجمعيات التي ترمي إلى أغراض غير مشروعة ، كقلب نظم الدولة الأساسية الاجتماعية والاقتصادية وغيرها فإنه لم يلتفت إلى الإرهاب كغرض وهدف قد تستهدفه الجماعات الإرهابية أو كوسيلة يمكن اتخاذها للوصول إلي تحقيق تلك الأهداف .

 

وحاصل ما تقدم جميعه ، أن الشارع لم يواجه الجريمة الإرهابية في قانون العقوبات ، فلم ينص على جرائم خاصة بالإرهاب ولم يجعل من الإرهاب ظرفاً مشدداً عاماً في الجرائم سواء كان وسيلة لارتكابها أو غاية لمن يرتكبها ، وقد يكون مرد ذلك أن الجريمة الإرهابية لم تظهر بصورتها المألوفة إلا منذ فترة قصيرة ، كما أن في نصوص قانون العقوبات ما يغني عن إيراد نصوص تجرم الأفعال الإرهابية .

 

‌ب-   موقف قانون الإجراءات الجنائية قبل تعديله :

 

جاء قانون الإجراءات الجنائية الصادر بالقانون رقم (150) لسنة 1950 خلوا من أية أحكام خاصة تحكم المسار الإجرائي بالنسبة للجريمة الإرهابية ، ومرد ذلك أن قانون العقوبات لم يلتفت إلي الجريمة الإرهابية [36] .

 

واتساقاً مع ما تقدم ، جاء قانون الإجراءات الجنائية متضمناً القواعد التي تلتزمها السلطات عند وقوع الجريمة ، دون أن تخص الجرائم الإرهابية بقواعد إجرائية مغايرة لتلك المقررة بالنسبة للجرائم العادية ، وهو ما يمثل قصوراً في قانون الإجراءات لعدم مناسبة قواعده لمواجهة ومكافحة الجريمة الإرهابية ، التي يجب لتحقيق النجاح في مكافحتها التوسع في سلطات الهيئات القائمة بالضبط والتحقيق والحكم ، بل وتستلزم تنظيماً خاصاً في التنفيذ .

 

إضافة إلي ما تقدم ، فإن مكافحة الجرائم الإرهابية لم تكن محل اعتبار عندما أصدر المشرع قانون الطوارئ رقم (162 لسنة 1958) ، وقد وردت أحكامه خالية من القواعد الإجرائية اللازمة والمناسبة لنجاح مكافحة جرائم الإرهاب .

 



تعليقات