المحاضر: الأستاذ الدكتور أشرف توفيق شمس الدين - أستاذ القانون الجنائي.
تناول المقال دراسة تفصيلية لكافة أحكام الشروع في الجريمة وفقاً لآراء الفقه الجنائي وقرارات المحاكم.
محتويات المقال
ماهية الشروع وأنواعه والجريمة الظنية
الشروع هو جريمة ناقصة تخلفت عنها النتيجة الإجرامية، حيث يفترض توافر كافة عناصر الجريمة التامة باستثناء النتيجة.
وبناءً على ذلك، يتماثل الشروع مع الجريمة التامة في سائر العناصر الأخرى، وتحديداً من حيث الركن المعنوى، حيث يتوافر القصد الجنائي في الشروع بنفس الكيفية التي يتوافر بها في الجريمة التامة.
الشروع والجريمة الظنية
الجريمة الوهمية أو الظنية هي ارتكاب الجاني فعلاً لا يجرمه القانون، ولكنه يعتقد أنه يشكل جريمة قانونية.
ومن أمثلتها: استيلاء الجاني على مال يعتقد أنه ملك لغيره ثم يثبت أنه ملكه بالميراث، أو حيازة مادة منومة غير محظورة مع الاعتقاد بحظرها.
أنواع الشروع
- الشروع الناقص (الجريمة الموقوفة): يعني أن الجاني لم يأتِ كل الأفعال التنفيذية اللازمة للجريمة، كمن يصوب سلاحه نحو المجني عليه فيتدخل شخص ثالث ليمنعه من الضغط على الزناد.
- الشروع التام (الجريمة الخائبة): يفترض أن الجاني أتى كل الأفعال اللازمة لتنفيذ الجريمة ولكنها لم تتحقق رغم ذلك، كمن يطلق النار ويخطئ الهدف لعدم الدقة في التصويب.
للشروع التام ذات عقاب الشروع الناقص، وتظهر أهمية التفرقة بينهما في مجال العدول الاختياري.
الركن الأول: البدء في التنفيذ ومراحل الجريمة
تتمثل أركان الشروع في ثلاثة عناصر: البدء في تنفيذ فعل، توافر قصد ارتكاب جناية أو جنحة، وإيقاف أثر الفعل أو خيبته لأسباب لا ترجع لإرادة الجاني.
مراحل الجريمة التامة
لتحديد البدء في التنفيذ، تمر الجريمة بالمراحل التالية:
- التفكير والتصميم: ظواهر نفسية محضة لا عقاب عليها لعدم وجود مظهر خارجي يهدد المجتمع.
- إعلان الإرادة الإجرامية: الأفصاح عن النية، ولا يعاقب عليها كأصل عام إلا إذا شكلت جريمة مستقلة كالتهديد والتحريض غير المتبوع بأثر.
- التحضير للجريمة: كل فعل يمكن الجاني من ارتكاب جريمته (كشراء سلاح أو مادة سامة)، والقاعدة عدم العقاب على الأعمال التحضيرية لغموضها وصعوبة إثبات النية وتوفيراً لفرصة العدول.
- البدء في التنفيذ: المرحلة التي يتدخل فيها القانون بالعقاب بوصف الشروع.
استثناءات العقاب على العمل التحضيري
- جريمة مستقلة بذاتها: لتوافر الخطورة، كحيازة سلاح بدون ترخيص، أو دخول منزل مسكون بقصد ارتكاب جريمة، أو عرض رشوة دون قبولها.
- ظرف مشدد: اعتبار العمل التحضيري ظرفاً مشدداً في الجريمة المنفذة.
- وسيلة اشتراك: كتقديم الجاني سلاحاً لحائزه بقصد استخدامه في القتل من قبل شخص آخر.
معايير التمييز بين العمل التحضيري والبدء في التنفيذ
- المذهب الموضوعي: يتطلب ارتكاب أفعال خطرة في ذاتها تشكل البدء في الركن المادي للجريمة، وقد انتقد هذا المذهب لأنه يضيق من نطاق الشروع.
- المذهب الشخصي: ينظر إلى نية الجاني وخطورة شخصيته، ويعرف البدء في التنفيذ بأنه العمل الذي يؤدي حالاً ومباشرة إلى الجريمة بحيث يحرق الجاني سفنه.
- مذهب القضاء: هجر القضاء المصري والعربي المذهب الموضوعي وأخذ بالمذهب الشخصي، حيث يكفي أن يبدأ الفاعل بتنفيذ فعل سابق مباشرة على الركن المادي ومؤدٍ إليه حتماً.
تطبيق معيار البدء في التنفيذ على الجريمة المستحيلة
وتطبيق معيار البدء في التنفيذ يبين مفهوم الجريمة المستحيلة وحكم الاستحالة في القانون.
تحدث الجريمة المستحيلة عندما يقوم سبب يجهله الجاني ينفي إمكانية تحقق النتيجة منذ لحظة البدء، كإطلاق النار على شخص تبين وفاته سابقاً، أو الاستيلاء على مال مملوك للفاعل، أو إطلاق النار بسلاح فارغ.
اتجاهات الفقه والقضاء في الجريمة المستحيلة
- التفرقة بين الاستحالة المطلقة والنسبية: تكون الاستحالة مطلقة إذا انعدم الموضوع كلياً أو كانت الوسيلة غير صالحة بصفة عامة، وتكون نسبية إذا كان الموضوع في غير المكان المعتقد أو ألمّ بالوسيلة عطل عارض.
- التفرقة بين الاستحالة القانونية والمادية: الاستحالة القانونية لانتفاء عنصر قانوني للجريمة (كوفاة المجني عليه قبل القتل) فلا عقاب عليها، والمادية لظروف عارضة منعت النتيجة فيعاقب عليها.
يأخذ القضاء المصري وأغلب القضاء العربي بمذهب التفرقة بين الاستحالة المطلقة (غير مؤثمة) والاستحالة النسبية (معاقب عليها بوصف الشروع).
الركن الثاني: القصد الجنائي والجرائم التي لا يتصور فيها الشروع
ويشترط الشارع توافر القصد الجنائي في الشروع كشرط أساسي لمساءلة الفاعل.
يتطلب القصد الجنائي انصراف إرادة الجاني إلى إحداث نتيجة جريمة محددة، فلا وجود لشروع مجرد في غير جريمة معينة.
طوائف الجرائم التي يمتنع فيها الشروع
- الجرائم غير العمدية: لأن الركن المعنوي فيها يبتني على الخطأ لا القصد، فمن يقود بسرعة لا يسأل عن شروع في قتل خطأ.
- الجرائم المجاوزة القصد: كجريمة الضرب المفضي إلى الموت أو العاهة المستديمة (إذا لم تقصد العاهة ابتداءً)، لعدم انصراف الإرادة للنتيجة الأشد.
- الجرائم ذات الركن المادي غير القابل للتجزئة: كجريمة الرشوة في صورة القبول أو الطلب، وخيانة الأمانة، والشهادة الزور.
- الجرائم السلبية البسيطة: كعدم تقديم الإقرار الجمركي أو امتناع الطبيب عن الإبلاغ، بينما يتصور الشروع في الجرائم السلبية ذات النتيجة كامتناع الأم عن إرضاع طفلها بقصد قتله.
الركن الثالث: عدم إتمام الجريمة والعدول الاختياري
يشترط الشروع عدم تحقق النتيجة لأسباب لا دخل لإرادة الجاني فيها.
العدول الاختياري وأثره
إذا عدل الجاني باختياره عن إتمام الجريمة، فإن الشروع يفقد أحد أركانه الأساسية ولا يعاقب عليه تشجيعاً له على التراجع.
- شرط الزمان: يجب أن يقع العدول الاختياري في لحظة سابقة على اكتمال الشروع وإتمام الأفعال التنفيذية.
- العدول المختلط: يعود لقاضي الموضوع تقدير ما إذا كان المتهم قادراً على الاستمرار وأوقف نشاطه باختياره أم تحت تأثير واقعة خارجية، مع تطبيق قاعدة تفسير الشك لمصلحة المتهم.
- الآثار القانونية: العدول يحول دون العقاب على الشروع في الجريمة المقصودة، ولكنه لا يمنع من العقاب على الأفعال السابقة إذا كانت تشكل جرائم أخرى مستقلة (كإعطاء مواد ضارة عند إعطاء ترياق لإبطال السم).
العقاب على الشروع
الأصل أن يعاقب على الشروع بعقوبة تقل عن عقوبة الجريمة التامة وفق قاعدة التدرج، نظراً لأن الشروع يمثل تهديداً بخطر دون إهدار كامل للحق المحمي.
وقد يخرج الشارع على هذه القاعدة ويساوي بين عقوبة الشروع وعقوبة الجريمة التامة في بعض الحالات نظراً لخطورتها الجسيمة والمهددة للحقوق.
أسئلة شائعة حول الشروع في الجريمة
- الأستاذ الدكتور أشرف توفيق شمس الدين
- القضاء المصري
شكرا جزيلا
للاستفادة من موقعنا ابحثوا على الموضوع الذين تريدون، بمربع البحث. نسعى دائما لتطوير موقعنا، شكرا لكم