القائمة الرئيسية

الصفحات

قراءة في المادة 12 من قانون الملكية المشتركة للعقارات المبني

 


 

 قراءة في المادة 12 من قانون الملكية المشتركة للعقارات المبنية


 

هل تحرير العقود يشمل جميع المحامين؟

 

لماذا أسند تصحيح إمضاءات العقود لرئيس كتابة الضبط؟


ذ. عمر الاسكرمي
- محام متمرن بهيئة تطوان
أستاذ زائر بكلية الحقوق السويسي ـ الرباط

يعتبر القانون رقم 00.18 المتعلق بنظام الملكية المشتركة للعقارات المبنية، من القوانين الجديدة التي استجابت في حدود معينة لمطالب جمعية هيئات المحامين بالمغرب، حيث عبرت هذه الأخيرة وعبر مؤتمراتها على دور المحامي في حماية الحقوق والحريات داخل المجتمع.
وإذا كان هذا القانون قد حمل في طياته مجموعة من  التعديلات، فإن أهم ما جاء به هو دور المحامي في تحرير العقود المتصلة بالملكية المشتركة، من خلال تنصيصه في المادة 12 منه على أنه: »يجب أن تحرر جميع التصرفات المتعلقة بنقل الملكية المشتركة أو إنشاء حقوق عينية عليها أو نقلها أو تعديلها أو إسقاطها بموجب محرر رسمي أو محرر ثابت التاريخ يتم تحريره من طرف مهني ينتمي إلى
مهنة قانونية ومنظمة يخولها قانونها تحرير العقود وذلك تحت طائلة البطلان. يحدد وزير العدل سنويا لائحة بأسماء المهنيين المقبولين لتحرير هذه العقود. يقيد باللائحة المحامون المقبولون للترافع أمام المجلس الأعلى طبقا للفصل 34 من الظهير الشريف رقم 162.93.1 الصادر في 22 في ربيع الأول 1414 (10 سبتمبر 1993) المعتبر بمثابة قانون يتعلق بتنظيم مهنة المحاماة. يحدد نص تنظيمي شروط تقييد باقي المهنيين المقبولين لتحرير هذه العقود. يجب أن يتم توقيع العقد والتأشير على جميع صفحاته من الأطراف ومن الجهة التي حررته. يتم تصحيح الإمضاءات بالنسبة للعقود المحررة من طرف المحامي لدى رئيس كتابة الضبط للمحكمة الابتدائية التي يمارس المحامي بدائرتها«.
وإذا كانت هذه المادة الفريدة تعتبر، في حد ذاتها، مكسبا للمحامين بصفة خاصة ومنهم لباقي المهنيين القانونيين المخول لهم بموجب القانون المنظم لمهنهم تحرير العقود، فإنها في نظرنا تطرح مجموعة من الإشكالات العملية والقانونية نوردها كالآتي:
هل المحامي المقبول للترافع أمام المجلس الأعلى مخول له وحده تحرير العقود المتعلقة بالملكية المشتركة؟ وهل يعتبر رئيس كتابة الضبط للمحكمة الابتدائية مؤهلا قانونا للمصادقة على
الإمضاءات؟ وهل بإمكان المحامي محرر العقد أن يتنصب للدفاع عن أحد الأطراف المتعاقدة أمامه في حالة نـشوء نزاع بينهم بصدد تنفيذ العقد؟ وهل صفة المحامي تغير من الطبيعة القانونية للعقد الموقع من طرفه؟
سنحاول الإجابة عن هذه الإشكالات وغيرها من خلال هذا المقال وذلك بتخصيص نقطة مستقلة لكل إشكال. لكن قبل ذلك تستوقفنا بعض الملاحظات ارتأينا أنه من الضروري إثارتها:
خول القانون المنظم لمهنة المحاماة لجميع المحامين، تحرير العقود العرفية بصريح المادة 30 منه، في حين أن المادة 12 من قانون رقم 00.18 اقتصرت على المحامين المقبولين للترافع أمام المجلس الأعلى.
ويلاحظ أن هذا القانون أخضع تحرير العقود المتعلقة بالملكية المشتركة، إلى كل من  يمتهن مهنة قانونية يسمح القانون المنظم لها بتحرير العقود، مما يفهم معه استثناء الأشخاص الذين يمارسون مهنا قانونية والتي لايسمح القانون المنظم لها بتحرير العقود كالخبرة مثلا.
وتعتبر المادة 12 من بين القواعد الآمرة، التي لايمكن للأطراف الاتفاق على مخالفتها وبالتالي لايمكن  لأطراف العقد تحريره   اعتمادا على خبرتهم في مجال تحرير العقود، حيث  يعتبر العقد والحالة هذه باطلا. هذا، ونظرا للإشكالات العملية التي تطرحها المادة 12 من قانون رقم 18
.00رأينا أن نخصص لها المناقشة التالية:

ـ أولا: هل المحاموم المقبولون للترافع أمام المجلس الأعلى وحدهم المؤهلون قانونا لإبرام العقود المتعلقة بالملكية المشتركة؟

إذا اعتمدنا المادة 12 في التحليل، لاسيما البند الثاني والثالث نبادر إلى القول: »إن اللائحة التي يمسكها وزير  العدل، لتحديد المهنيين المخول لهم أساسا تحرير عقود الملكية المشتركة، يمكن أن تتضمن فضلا عن جميع المحامين المقبولين للترافع أمام المجلس الأعلى، محامين غير مقبولين لذلك«. ذلك أن البند الثاني ينص على أنه »يحدد  وزير العدل سنويا لائحة بأسماء المهنيين المقبولين لتحرير هذه العقود«. والنبذة الثالثة تنص على أنه »يقيد باللائحة المحامون المقبولون للترافع أمام المجلس الأعلى طبقا للفصل 34 من الظهير المعتبر بمثابة قانون يتعلق بتنظيم مهنة المحاماة.
وباعتماد الفقرتين معا في التحليل، يتبين أن وزير العدل ملزم بتسجيل جميع المحامين المقبولين للترافع أمام المجلس الأعلى في اللائحة السنوية التي يعدها لتحديد المهنيين المقبولين لتحرير العقود المتعلقة بالملكية المشتركة، فضلا عن أي محام آخر غير مقبول لذلك، إما بناء على طلب من هذا الأخير يحدد فيه مؤهلاته القانونية أو اعتمادا على معطيات مسبقة يتوفر عليها وزير العدل بشأن محام معين. ذلك أن المشرع لو أراد حصر الاختصاص وجعله فقط بالنسبة للمحامي المقبول للترافع أمام المجلس الأعلى لاستعمل صيغة تفيد ذلك، مثل »المحامون المقبولون للترافع أمام المجلس الأعلى وحدهم المؤهلون لتحرير العقود المتعلقة بأحكام هذا القانون«.
إن التخصيص الذي جاء به النص القانوني في البند الثالث »يقيد باللائحة المحامون المقبولون للترافع أمام المجلس...«  يعتبر في نظرنا انه حد من صلاحية وزير العدل، التي استمدها من البند الثاني من نفس المادة، والتي تنص على أنه: »يحدد وزير العدل سنويا لائحة بأسماء المهنيين..«. وما يعزز وجهة النظر هذه، هو أن الفرق بين المحامي المقبول للترافع أمام المجلس الأعلى وزميله غير المقبول لذلك، هي المدة التي قضاها الأول مقيدا في جدول إحدى نقابات هيئات المحامين، وإذا كان لهذه المدة ما يبررها  للترافع أمام المجلس الأعلى، فهي  تبقى فارغة من أي أساس سليم ومعقول، كلما أردنا إعمالها والاعتماد عليها في مجال تحرير العقود.
وفكرة التخصيص التي هيمنت على محيط مهنة المحاماة، أظهرت وجود محام حاصل على شهادات عليا في القانون وله خبرة نظرية واسعة في مجال تخصصه، الشيء الذي يصعب معه من الناحية المنطقية عدم تأهيله لتحرير العقود، بعلة كونه غير مقبول للترافع أمام المجلس الأعلى. وفي هذا الخصوص، نعزز رأينا بالفرضية التالية: فلو تدخل المشرع بنص مماثل، من خلال إصلاح قانون الشركات، وأسند للمحامي  تحرير النظام الأساسي لهذه الشركات بكل ما يمليه القانون من تقنية مزدوجة تأخذ في الاعتبار الجانب العملي والنظري، فهل سيكون الاحتكام إلى المدة الزمنية التي قضاها المحامي مسجلا في جدول إحدى هيئات المحامين أساسا سليما وكافيا لمنح الاختصاص بالنسبة لتحرير هذه العقود؟
كما أن هناك إشكالا عمليا آخر مفاده أنه إذا كان المحامي قد سجل، باعتباره محاميا رسميا في إحدى نقابات هيئات المحامين، بتاريخ 5 يناير 1994 فإن هذا المحامي طبقا للمادة 34 من القانون المنظم لمهنة المحاماة سيصبح مقبولا للترافع أمام المجلس الأعلى يوم 6 يناير من سنة 2004، هذا، واللائحة التي يمسكها وزير العدل تصدر مرة في السنة، فإذا صدرت هذه اللائحة يوم 3 يناير من سنة 2004، فمن المنطقي أن المحامي الذي سار مقبولا بعد هذا التاريخ ولو بيوم واحد لن تشمله هذه اللائحة، من هنا يطرح السؤال الآتي، هل هذا المحامي وبعد صيرورته مقبولا أمام المجلس لا يمكنه تحرير العقد المتعلق بالملكية المشتركة؟ وهل إذا حرره سيرتب عليه القانون البطلان؟
لأجل ذلك كان حريا بالمشرع أن يستعمل صيغة أخرى في تحرير هذا النص، ويجعل من كل محام مقبول أمام المجلس الأعلى شخصا مؤهلا بقوة القانون لتحرير هذه الطائفة من العقود دون أن يتوقف ذلك على لائحة يصدرها وزير العدل، خاصة وأن هناك لائحة يصدرها المجلس الأعلى بواسطة نيابته العامة بأسماء المحامين المقبولين للترافع أمامه، يسهر على إعدادها الوكيل العام للملك به.

ثانيا: هل يعتبر رئيس كتابة الضبط للمحكمة الابتدائية التي يمارس المحامي بدائرتها، مختصا من الناحية القانونية بتصحيح الإمضاءات بالنسبة للعقود المحررة من طرف المحامي؟

إن أول ملاحظة تستدعي الانتباه في هذا الصدد هي أن المحامي يمارس في دائرة محكمة الاستئناف وليس في دائرة المحكمة الابتدائية، ومن تم فإن النقابة المسجل بها المحامي ترتبط عضويا بمحكمة الاستئناف ولا علاقة لها بالمحكمة الابتدائية، وارتباطا بالإشكال أعلاه، فهل المحامي مؤهل فقط لتحرير العقود المتعلقة بالملكية المشتركة الواقعة في دائرة نفوذ المحكمة الابتدائية التي يمارس فيها أم أنه يجوز له القيام بذلك في جميع أرجاء المملكة؟
في نظرنا، أن المحامي مؤهل قانونا لتحرير جميع العقود المتعلقة بالملكية المشتركة في جميع أنحاء المملكة وأن تقييده بتصحيح الإمضاءات لدى رئيس كتابة الضبط بالمحكمة الابتدائية التي يمارس في دائرتها، ما هو إلا عرقلة قانونية تتعارض بجميع المقاييس مع عولمة الخدمات، تلك التي تتطلب من المحامي أن يكون متنقلا مع زبنائه لاسيما وأن المحاماة تقوم على الاعتبار الشخصي.
ولا معنى للقول، في حالة شركة    متخصصة في البناء، يقع مقرها الاجتماعي في مدينة تطوان، ترغب في بيع عقارات جديدة شيدتها في مدينة أكادير وأوكلت تحرير العقود، بعد اتفاق مع زبنائها، لمحام مسجل في هيئة تطوان، بأن تطلب من الأطراف والمحامي الانتقال إلى مدينة تطوان للتصديق على الإمضاءات لدى كتابة الضبط، ذلك أن صيغة البند الأخير من المادة 12، تفيد أن جميع الإمضاءات التي يتضمنها العقد المحرر من طرف المحامي، تصحح لدى رئيس كتابة الضبط للمحكمة الابتدائية التي يمارس المحامي بدائرتها.
لتفادي هذه الإشكالات وغيرها، التي يمكن أن يطرحها التطبيق العملي لهذا النص، تبادر إلى القول بأن المصلحة المختصة قانونا بالمصادقة على الإمضاءات هي أقسام تصحيح الإمضاءات في البلديات والمقاطعات لأنهم ذوو الاختصاص ويبقى كاتب الضبط غير مختص قانونا لذلك.
وفي نظرنا يرجع إسناد الاختصاص لكتابة الضبط للمصادقة على هذه الإمضاءات إلى مسألة حساسة جدا طالما تظلم منها المحامون، وتتعلق بالضرائب، ذلك أن المعيار سيكون حسابيا أكثر منه قانونيا وستخضع جميع العقود المحررة من طرف المحامي للضريبة على المعاملات، وما يعزز هذا الطرح هو أن تواصيل المخالصة التي ترسلها شركات التأمين للمحامين والتي تحتوي على مبالغ مهمة لايتطلب المشرع فيها سوى المصادقة على الإمضاءات لدى مصالح السلطات المحلية المختصة، فلماذا عقود المحلية المختصة، فلماذا عقود الملكية المشركة فقط هي التي ستخضع للمسطرة الخاصة؟
ثالثا: هل العقد المخاطب عليه من طرف المحامي يغير من طبيعته القانونية كما هو الحال بالنسبة للموثق؟
ينبغي التذكير بأن العقد إما رسمي  أو عرفي، فالعقد الرسمي هو الذي يتلقاه الموظفون العموميون الذين لهم صلاحية التوثيق، طبقا للفصل 418 من قانون الالتزامات والعقود، أما العقد العرفي فهو بمفهوم الفصل 424 من قانون الالتزامات والعقود، العقد المحرر بين طرفيه والمعترف به ممن يقع التمسك به ضده أو المعتبر قانونا في حكم المعترف به.
ويتبين من هذين الفصلين أن توقيع المحامي على العقد لايغير من الطبيعة القانونية له، باعتبار أن صفة الرسمية تستلزم صفة موظف عمومي مؤهل قانونا لتحرير العقود، والمحاماة تتنافى بطبيعتها مع هذه الصفة، لذلك يبقى العقد المحرر من طرف المحامي عقدا عرفيا.
رابعا: هل المحامي الذي ابرم العقد، يمكنه ان يدافع عن مصالح أحد الطرفين كلما حدث نزاع بشأن تنفيذ بند من بنود هذا العقد؟
إن إسناد مسألة تحرير العقود المتعلق بالملكية المشتركة للمحامي، تقوم في نظرنا على أساسين، وهما الكفاءة والثقة. وذلك ان المحامي، وعند تحريره للقعد، لامحالة انه سيراعي المصالح المتعارضة لطرفيه، وسيحرر العقد بما تمليه عليه قواعد العدالة والإنصاف، فهو تبعا لذلك يكون في موقع المحايد ويحافظ على حقوق الطرفين معا، لأجل ذلك فليس هناك ما يمنع من الناحية القانونية من أن يكون ممثلا لأحد الطرفين كلما ثار نزاع بشأن تنفيذ العقد المتعلق بالملكية المشتركة للعقارات المبنية.
هذا، وفي نظري أن أية إجابة الآن سوف لاتسع حجم الإشكالات وأن العمل القضائي ربما هو الذي سيقول كلمة الفصل، وهكذا تبقى دائما الأحكام القضائية عنوان الحقيقة التشريعية والقانونية.
وفي الأخير، لايسعنا إلا التنويه بهذه المبادرة التشريعية التي عززت من دور المحامي واعترفت بمكانته داخل المجتمع، وسيزيد هذا الاعتراف بإدراج المحامي ومهنة المحاماة بين الأخصائيين كخبراء في الشؤون القانونية، كلما ظهرت ظواهر قانونية حديثة يسعى المشرع المغربي الحديث الى تأطيرها عن طريق وضع ترسانة قانونية تحمي المتعاملين في الميادين التجارية. ويبقى دائما الأمل منعقدا في إسناد  الاختصاص للمحامي لتحرير كافة العقود المتعلقة بمواد قانونية حديثة كمادة الملكية الصناعية والتجارية...، كما أن دور المحامي لامحالة سيعزز كثيرا إذا ما تم الاعتراف له قانونا بممارسة مهام التحكيم والتوفيق.

تعليقات