القائمة الرئيسية

الصفحات

الحوز الفعلي في العقار الموقوف في التشريع المغربي

 


 الحوز الفعلي في العقار الموقوف في التشريع المغربي"


 

 إعداد  طلبة الماستر:

 - محمد لفريخي - رشيد الفرخي - عبد الوهاب مسرار - عزيز طرفة.

إن الأصل في التصرفات هو رضائية العقود، فالعقد ينعقد وينتج أثاره بمجرد اتفاق الإرادتين أي بمجرد تراضي عاقديه، ودون اشتراط شكل ما لانعقاده، غير أن بعض التصرفات يشترط فيها شكليات معينة كوجوب الإشهاد وحوز الشيء موضوع التصرف وذلك راجع إما لطبيعة هذه التصرفات كالرهن، أو لتعلق حق الغير بها كعقود التبرع ومنها الحبس.

وقد عرف ابن عرف الحوز بأنه: وضع يد المعطي من التصرف في الملك ورد ذلك إلى يد المعطى له أو نائبه(1). " وفي شرحه يقول الرصاع التونسي: هو رفع يد المعطي عن التصرف في الملك ورد ذلك إلى المعطى أو نائبه(2).

والحوز إما فعلي أو حكمي، فالفعلي هو ما ذكرناه والحكمي قال عنه ابن عرفة: هو حوز ذي ولاية لمن هي عليه فيدخل فيه حوز الولي أبا أو وصيا أو مقدما.

والحوز شرط أساسي في الحبس قبل حدوث المانع كموت المحبس أو مرضه أو فلسه بعد إنشاء الوقف ولو تمثل الفلس في التوقف عن الدفع بالنسبة للمقاولة التي تعتريها صعوبات مالية بمفهوم مدونة التجارة بعد إنشاء الوقف(3).

والأصل في الحكم من وراء اشتراط الحوز ما ورد في الموطأ أن أبا بكر رضي الله عنه حيث حضرته الوفاة قال لابنته عائشة رضي الله عنه: والله يا بنية ما من الناس أحد أحب إلي غنى بعدي منك وأعز علي فقرا بعدي منك وإني كنت نحلتك جاد عشرين وسقا فلو كنت جددتيه واحتزتيه  كان لك وإنما هو اليوم مال وإرث..."

وكذا ما ورد عن عمر رضي الله عنه: ما بال رجال ينحلون أبنائهم نحلا ثم يمسكونها فإن مات ابن احدهم قال مالي بيدي لم أعطيه أحدا وان مات هو قال هو لابني قد كنت أعطيته إياه، من نحل نحلة فلم يحزها الذي نحلها حتى يكون إن مات لورثته فهي باطل"

والحوز في الوقف يخضع لقواعد الفقه المالكي بحيث وضع الفقهاء أحكاما تنظم الحوز ورتبوا جزاءات عن تخلفه، لكن بدخول المستعمر ونقله تجريبه التحفيظ العقاري بالمغرب عن طريق إصدار ظهير 12 غشت 1913، وقعت هناك تعارضات بينما هو معهود به فقها وما هو عليه الأمر في هذا نظام(1).

وإن كان المشرع نص في الفصل 75 من ظهير 2 يونيو 1915 على أن الوقف يبقى خاضعا لأحكام الفقه الإسلامي، إلا أن الإشكال مازال مطروحا بخصوص وقف العقار المحفظ بحيث هل يغني التسجيل لدى المحافظة (الحوز القانوني) عن الحيازة الفعلية التي اشترطها الفقهاء؟ أم انه لابد من وجوب الحوز الفعلي للعقار سواء كان العقار محفظ أو غير محفظ؟

وبذلك تقتضي طبيعة هذا الموضوع تقسيمه إلى محورين نتناول في الأول الحوز في العقارات غير المحفظة على أن تناول في الثاني الحوز في العقارات المحفظة.

المحور الأول : الحوز في العقارات غير محفظة

إن مما لاخلاف فيه بين المذاهب الفقهية – باستثناء الظاهرية – أن الحوز شرط في الوقف ومن هذه المذاهب المذهب الملكي إلا أن هذا الشرط المتفق عليه داخل المذهب من حيث شرطيته اختلاف في جهة هذه الشرط أي في طبيعة هذا الشرط وإذا كان الأمر يكاد يكون محسوما في المذهب المالكي وفي طبيعة هذا الشرط فإنه قد أثار جدالا فقهيا وقضائيا في تحديد هذه الطبيعة بالإضافة إلى مدى اشتراط الإثبات بالمعاينة الحوز  وهذه الجدال الفقهي لم يقتصر على طبيعة الحوز وإثباته وإنما أيضا حول كيفية التي تختلف بحسب العقار والمحبس عليه وكل هذا مالم يحصل مانع من موانع  الحوز وإلا بطل الحوز ولمقاربة الإجابة عن هذه الإشكالات تقترح تحديد طبيعة الحوز وإثباته (أولا) ثم كيفيته وموانعه (ثانيا).

أولا: طبيعة الحوز وإثباته.

يعني قبل الحديث عن إثبات الحوز (2) بيان طبيعة هذا الحوز (1)

1-       طبيعة الحوز:

ينبغي  الحديث عن موقف الفقه المالكي من تحديد طبيعة الحوز قبل أن نقف على العمل القضائي في كيفية بلورة هذه الطبيعة.

أ‌.            طبيعة الحوز في الفقه المالكي:

قال ابن رشد: "وقال مالك ينعقد بالقول ويجبر على القبض كالبيع سواء" : والأصل في العقود أن لا قبض مشترط في صحتها حتى يقوم الدليل على اشتراط القبض (1) وهكذا فالذي عليه المذهب أن التحبيس يصح ويلتزم بالقول ما لم يحصل مانع أما قبل المانع فليس إلا شرط تمام قال ابن أبي زيد القيرواني: " ولا تتم هبة ولا صدقة ولا حبس إلا بالحيازة"(2) واستدل المالكية على ذلك بما يلي:

v               عموم قوله تعالى: "يأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود"(3) والعقد هو الإيجاب والقبول، وليس القبض والحوز.

v                     عموم قوله صلى الله عليه وسلم: لا محل لواهب أن يرجع في هبته إلا الواهب في ما يهب لولده(1).

v               القياس قال ابن رشد الجد إن هذه التبرعات لو لم تنعقد بالقول لما لزمت بالقبض لأن مجرد القبض إذا ألغي القول لا يوجب بانفراده حكما"(2) وماروي عن الصحابة أبي بكر وعمر أخذ به الإسلام مالك أيضا لكن وفق قاعدة إعمال الدين خير من إهماله، وذلك أنه "من حيث هي – العصبة ومثلها الحبس – عقد من العقود لم يكن عنده شرطا من شروط صحتها القبض، ومن حيث شرطت الصحابة فيها القبض لسد الذريعة التي ذكرها عمر جعل القبض فيها شرط تمام وما قد يوحي به ظاهر قول المتحف فالأمر بخلافه قال ابن عاصم  :       

والحوز شرط صحة التحبيس      قبل حدوث موت أو تفليس

"وظاهره أن التحويز ... غير شرط في صحتها وهو كذلك بخلاف الرهن" وهذا صريح  بخلاف ما ذكره ميارة ففيه احتمال وإن كنت أعتقد أنه لم يشرحه بأنه شرط صحة وإنما هو كذلك عند حصول المانع، أما قبل حصول المانع فهو شرط تمام (3) والدليل على ذلك أنه المحبس إذا طلبه المحبس عليه أجبر عليه المحبس . ولو كان الشرط للصحة لما صاغ الإجبار على التحويز لأنه لا إيجاز على شيء غير موجود، وهذه أقوى ما ينبغي أن يحتج به . جاء في العمل المطلق:

وقد تخلى عته بالكلام من     محبس عنه فالحوز ذو تمام      

 وهكذا فالحوز في الحبس هو شرط تمام فقط(4) إذا ثبت هذا بالنسبة للفقه فإن التساؤل يبقى مطروحا عن موقف القضاء.                         

ب‌.       طبيعة الوقف في القضاء المغربي

إن الإطلاق الذي يرد في قرارات المجلس الأعلى غالبا ما يفسر حسب النظرة الظاهرة لهذه القرارات على أن المجلس الأعلى يعتبر الحوز شرط الصحة وليس شرط تمام والأمر على خلاف ذلك، ولعل إطلاق مجلس الأعلى هذا بسبب ما هو ظاهر من ابن عاصم فقط وإلا فالمقصود خلاق الظاهر، بل إن المجلس الأعلى قد صرح في بعض قراراته بأن الحوز قبل حصول المانع شرط تمام مما هو ظاهر في الصحة ما جاء في أحد قرارات المجلس الأعلى "حيث يشترط في صحة الهبة كما في سائر التبرعات الإشهاد المتضمن لبيان الموهوب كما تشترط حيازة من طرف الموهوب له..."(1) وجاءفي قرار آخر أيضا "يشترط لصة التبرعات حيازة المتبرع عليه لما وقع به التبرع قبل حصول المانع"(2) ومما هو صريح في كونه شرط تمام ما جاء في قرار آخر "حيث إنه من المقرر فقها وقضاء أن الحيازة شرط لإتمام الهبة..."

وأكد ذلك أيضا في القرار أخر عدد 638 بتاريخ 6 يوليوز 1999 غير مشور، وهكذا فالمجلس الأعلى لم يشرط كون الحوز شرط صحة وإنما اعتبر أن عدم توفر الحوز عند ابرام عقد الهبة أو الصدقة وكذا الحبس لا يعني عدم وجود عقد التبرع بالمرة بل أنه يكفي أن يحصل في حياة الواهب قبل حصول المانع مما يعني أنه شرط لتمام التبرع وليس لقيام على اعتبار أنه ممكن الحصول بصورة لاحقة  للتبرع (3).

وإذا كان الحوز شرط في تمام الحبس فإن ذلك يقتضي إثبات حصوله دفعا لبطلان الحبس جراء انتقاء الحوز.

2-       اثبات حصول الحوز

إن إثبات الحوز في العقارات غير المحفظة تتجاذبه اتجاهات أولهما يعتبر مبدأ (أ) وثانيهما أستاذ من هذا المبدأ (ب).

ويتبلور هذا المبدأ في ضرورة إثبات الحوز بالبينة المقترنة بالمعاينة والمقصود بمعاينه البنية للحوز هو طواف الشاهدين العدليين مع الواقف والموقوف عليه بالعقار الموقوف ومعاينتهما للحوز وأنه جرى الإطلاع والطواف بالعقار موضوع العقد من سائر جهاته حتى ولو لم يعاينا بدء استغلال والانتماء على هذا العقار.

وإثبات الحيازة بمعاينة البنية الشاهد بالتبرع هو المأثور عن إمامنا مالك حيث جاء في المدونة أنه لا يقضي بالحوز (الحيازة) إلا بمعاينة البينة لحوزه في حبس أو رهن أو هبة أو غيره (1) وهو ما أشار به صاحب العمل المطلق بقوله:

وإن تطوف مع الشهود      في وقف كالأرض على الحدود.                          هذا ولا يشترط أن يكون الإشهاد بالمعاينة قد تم في صلب وثيقة التحبيس بل قد يتم ذلك في وثيقة أخرى تعتبر ملحقا لعقد الإشهاد الأصلي بالتحبيس شريطة أن يكون هذا الملحق محررا من عدليين منتصبين بالإشهاد وأن يحصل ذلك قبل حصول المانع.

وقد يتبادر إلى الذهن سؤال يتعلق بمدى إمكانية الاعتداد بإقرار الواقف بحصول الحوز رغم عدم معاينته بالبينة؟

فيرد على ذلك بأن هذا الإقرار أو الإعتراف لا يكفي باجماع فقهاء المالكية ويقول الصنهاجي في إثبات الحوز بالمعاينة وأنه لا يثبت بإقرار المعطي " ولا يكفي في الحوز اعتراف المحبس به لأن الذي ينازع في صحة الحبس إما ورثة المحبس أو دائنه فلو اكتفى في حوزه بمجرد إقرار المحبس به لزم  قبول إقراره على غيره وهو باطل إجماعا فلا يصح قول العدل الموثق "وحازه حوزا تاما اعترافا"(2).

كما أضاف الفقيه التسولي بأن المذهب – المالكي- لابد فيه –الحوز – من المعاينة ولا يكفي الإقرار بالحوز من المحبس والمحبس عليه، فلو قالوا في الوثيقة حوزا تاما ولم يقولوا معاينة لم يكن ذلك لأنه محتمل للمعاينة والإقرار فإن كان الشهود أحياء استفسروا وإن ماتوا بطل الوقف(3).

وهذا ما جرى به العمل أمام القضاء المغربي حيث جاء في قرار صادرعن المجلس الأعلى بتاريخ 20/10/1999(1): " أنه لا يكفي لتحقق شرط الحوز لصحة الهبة  - وهي تبرع كالوقف- مجرد اعتراف الموهوب له بتسليم الدار فارغة من شواغل الواهب وأمتعته بل لا بد من معاينة الإفراغ والحوز في حياة الواهب

ب.  الاستثناء هو إثبات الحوز بكافة وسائل الإثبات:

إن الحوز في حقيقته ما هو إلا مجرد واقعة مادية يكفي إثباتها بجميع الوسائل القانونية المعتبرة حجة في الإثبات.

و يدخل ضمن هذه الوسائل كل من شهادة اللفيف أو تصرف المحبس عليه في العقار إنشاء حياة المحبس أو شهادة الشهود أمام القاضي.

فعن اللفيف وهو المتكون من 12 شاهدا غالبا بعد أن كان يكفي فيه شاهدان أو شاهد و امرأة، قبل أن تفسد الذمم و ينقص الوازع الديني، فيلاحظ أن المجلس الأعلى قد اعتمدها كوسيلة لإثبات الحوز في الصدقة كتبرع شأن الوقف، حيث جاء في قرار صادر بتاريخ 12/11/1999 "أن الإدلاء بلفيف يشهد شهوده بحوز المتصدق عليها للعقار المتصدق به في حياة المتصدق  كافيا للإثبات شرط الحوز و يعني عن الإشهاد في رسم الصدقة عن معاينة تلك الحيازة.

أما إثبات الحوز بتصرف الموقوف عليه في الوقف خلال حياة الواقف فإنما يعتبر توسعا في الفقه الما لكي و مراعاة منه لظروف الحال و اختلاف الأحوال و يدخل في هذه التصرفات كل من الكراء و المغارسة و المساقاة(2)

و حتى أداء ضريبة النظافة و مصاريف الانتفاع لفواتير الماء والكهرباء. وهو ما أكده المجلس الأعلى في قرار حديث صادر عنه بتاريخ 6/4/2005 و الذي جاء فيه: إذا أثبتت حيازة الصدقة بقبض العقار المتصدق به و تسجيله بإدارة الضريبة على اسم المتصدق به عليه فان ذلك يغني عن معاينة الحيازة و إفراغ المتصدق من المتصدق به.

و يلاحظ أن هذا القرار ما هو إلا تطبيق لما جاء في قول صاحب العمل المطلق من أنه:

و عن معاينة حوز يكفي            عقد كراء و نحوه في الوقف (1)

لا بل الأكثر من ذلك فان تعذر الحوز لسبب من الأسباب يغني هو كذلك عن معاينته بالبينة فيكفي فيه الإشهاد بالوقف فقد جاء في نظم ابن عاصم:

                         ويكتفي بصحة الإشهاد.         إن أعوز الحوز لعذر بادي.(2)

و نقول بلغة الحال إن تقدير مدى تعذر الحوز و أسبابه متروك لسلطة القاضي التقديرية حسب كل حالة على حدة شريطة أن يبدي الموقوف عليه حزمه و عزمه وحده في حوز العقار لكن دون جدوى.

وقد أضافت المادة 35 من مشروع مدونة الأوقاف حالات أخرى يكفي فيها بالإشهاد عن الحوز كاستثناء من المبدأ اشتراطه لتمام الوقف و هي:

أولا: إذا صرح الواقف بإخراج المال الموقوف من ماله عاش أو مات.

ثانيا: إذا كان الواقف في حالة مرض الموت (مع مراعاة المادة 11).

ثالثا: إذا كان الوقف معلقا على تحمل خيري ينجزه الموقوف عليه، وقد علق الأستاذ محمد شيلح على هذه الاستثناءات أنها من إملاء المنطق و هو المنطق الغالب على ما صيغ من أحكام الوقف في ضوء ما جرى به العمل من الذهب المالكي كما تمت صياغته في مشروع مدونة الأوقاف، و كل هذا يكفي ما لم حصل مانع  من الموانع. 

 ثانيا: كيفية الحوز و موانعه:

قبل معرفة موانع الحوز 2 لا بد من بيان كيفية حصوله. 1

1- كيفية ممارسة الحوز:

 نبحث هذه الكيفية من خلال موضوع الحوز(أ) و من جهة من له صلاحية الحوز (ب).

(أ) كيفية ممارسة الحوز في النظر لموضوعه:

سبق القول بأن هذه الدراسة ستقتصر على العقارات كموضوع لها و بالتالي بيان كيفية ممارسة الحوز يتم من خلال التمييز بين أنواع العقارات.

و العقارات إما دار سكنى الواقف و إما غيرها، ذلك أن حوز دار الواقف يكون بوضعها تحت يد الموقوف عليه بعد أن يقوم الواقف بإخلائها و إفراغها من شواغله ما لم يكن الوقف شاملا لهذه الشواغل من شواغله.

و بهذا نظم ابن العاصم قائلا:

             ومن يحبس دار سكناه فلا.         يصح إلا أن يعاين الخلا.(1)

أما إذا لم يخل الواقف إلا جزءا من الدار فهنا يجب التمييز بين الحالات التالية:

الحالة الأولى: إذا كان الموقوف عليه محجوره أي كان الموقوف عليه ولدا قاصرا للواقف فإذا كان الجزء الأكبر هو الذي تم إخلائه فان ذلك يصحح الوقف و العكس بالعكس.

الحالة الثانية: إذا ما تم إخلاؤه بشكل نصف الدار فان الوقف جائر في النصف المخلى و باطل في نصفه الآخر و بهذا قال الشيخ التسولي "إلا لمحجوره....و دار سكناه إلا أن يسكن أقلها، ويكري له الأكثر و إن سكن النصف بطل فقط و الأكثر بطل الجميع (2).

الحالة الثالثة: إذا كان الموقوف عليه راشدا سواء كان ابنا للواقف أو ليس كذلك فان الوقف يصح في الجزء المفرغ من شواغل الواقف كبر فهذا الجزء أم قل.

هذا ويشترط في هذا الإخلاء أن يدوم لمدة لا تقل عن البينة فان عاد الواقف لداره قبل تمام البينة بطل الحوز، و إلى هذا أشار في التحفة:

و نافذ تحبيس ما قد سكنه   .:    بما كالاكتراء من بعد البينة.(1)

و يلاحظ أن الاكتراء هنا جاء على سبيل المثال بل مهما رجع بعد البينة فالحيازة تامة على المشهور المعمول به، و لو رجع بغير كراء.

هذا و قد جاء في التحفة تتمة لهذا البيت أنه:

                       إن كان ما حبس للكبار:       ومثل ذلك في الهبات جاز.

بمعنى أن إمكانية رجوع الواقف للدار الموقوفة بعد البينة إنما هو مقصور على الحالة التي يكون فيها الوقف قد أجري للكبار الرشداء دون الموقوف عليهم المحاجير/ القاصرين و هذا الرأي أخذ به ابن عاصم عن ابن رشد الذي ميز بين الصغير و الكبير، فالرجوع في حق الكبير لا يؤثر لأنه يملك زمام أمره لكن في حق الصغير فانه يؤثر عليه و يجعل الوقف باطلا.

لكن الفقيه التسولي رأى خلاف ذلك فعلى المشهور لا مفهوم للشرط المذكور، لا فرق بين الصغار و الكبار في صحة الحبس إن رجع بعد العام كان رجوعه بكراء أو إرفاق أو غير ذلك مستشهدا بنظمه الإمام ابن المزواري بقوله

  رجوع واقف لما قد وقفا         بعد مضي سنة قد خففا                                         صبي كان أو ذي رشد                                    و اعترضت طريقة ابن رشد

قال المواق : و في نوازل ابن الحجاج أن هذا القول جرى العمل وعليه عول المتيطي.

و تجدر الإشارة الى أنه اذا لم يثبت تاريخ رجوع المحبس لداره بشكل مضبوط بل قبل العام أم بعده و في هذا الأمر يوجد قولان(2) أحدهما يرى أن ذلك يحمل على عدم تمام البينة تغلبا لارادة الواقف و هو قول ابن العباس الونشريسي و ثانيهما فانها يحمل على تمام البينة لأنه لا يعارض صريح بظاهر ولا بمحتمل حسب ما استنتجه التسولي و يبدو أن القول

الأول هو المعتمد لأن الفصل 473 ق.ل.ع.م قضى بأنه عند الشك يفسر الالتزام بالمعنى الأكثر مصلحة للملتزم و هو الواقف هنا.

فأما باقي العقارات فيكون حوزها بتخلي الواقف عن العقار ووضعه تحت يد الموقوف عليه الذي يتحقق له القبض بشروعه في التصرف فيه تصرفا ماديا كالحرث أو الغرس أو قانونيا كالكراء.(1)

و إذا كان العقار محلا غير سكنى الواقف فان التخلي أو التحويز يكون بتسليم مفاتيحه للموقوف عليه أو نائبه تطبيقا لمقتضيات الفصل 500من ق.ل.ع الذي جاء فيه أنه يتم تستليم العقارات بتخلي البائع عنها و يسلم مفاتيحها إذا كانت من المباني شرط ألا يكون تمت عائق يمنع المشتري من وضع اليد عليها.

و قد أكد الأستاذ محمد الشيلح بأن هذا الفصل و إن كان ينطبق على البيع فان عملية التسليم أو الحوز واحدة لأنها عبارة عن واقعة مادية يتم بها النقل المادي للعقار.(2) 

2- من له صلاحية القبض:

اذا كان الموقوف عليه راشدا كامل الأهلية فان له أن يحوز العقار بنفسه أو يوكل عنه غيره في ذلك و لهذا أشار صاحب التحفة بقوله:

لجائز القبض وفي المشهور       *      إلى الوصي القبض المحجور.

أما عجز البيت فانما يختص بالحالة الثانية التي يكون فيها الموقوف عليه قاصرا لم تكتمل أهليته أو أصابه عارض من عوارض الأهلية، فهذا الأخير لا يصح حوزه لذلك كان المشهور في المذهب أن يحوز عنه وصيه أو مقدمه هذا على قول ويصح حوز الأم عن أبنائها القاصرين سواء كان الواقف أبا لهم أو غيره دون أن تحتاج في ذلك لإذن من القاضي باعتبارها صاحبة الولاية القانونية على أبنائها بعد الأب حسب ما تقتضي به المادة (231) من مدونة الأسرة.

و قد يحدث أن الموقوف عليهم من أبناء الواقف منهم الرشيد و منهم من ليس كذلك فهنا يحوز الرشيد الكبير عن الصغير ويسري هذا الحكم حتى و لو كان الموقوف عليه هو الصغير دون الكبير و بهذا جاء في التحفة:

                  و الأخ للصغير قبضه وجب     *      مع اشتراك و بتقييم من الأب

بل الأكثر من ذلك فيجب أن يحوز الأخ الكبير عن الأخ الصغير حتى و لو لم يقدمه الأب أو لم يأذن له لأن الأب لو امتنع عن التحويز لأجبر عليه  أما اذا حبس الأب على كبير أو صغير من بنيه فالأب لا يحوز للصغير مع الكبير.

فان وقع بطل الحبس كله و صار ميراثا إلا إذا أمكن تجنب ذلك قبل موت الأب الواقف أو فلسه حاز الكبير بشهادة البينة بالمعاينة، قال ابن عاصم:

و الأب لا يقبض للصغير مع     *     كبيره و الحبس ارث ان وقع

إلا إذا أمـكــن الــــــتــلاقــــــي    *     و صحح الحوز بوجبه كافي

كما جاء في التحفة أيضا أن:

و نـافــذ مــا حــازه الصـغـير   *      لنفــسه وبــالغ محجور.

بمعنى أن الصغير و كذا السفيه المحجور عليه اذا حاز ما يحبس عليهما فحيازتهما نافذة ماضية.

و قد يبدو أن هناك نوع من اللبس عند مقارنة هذا البيت مع البيت المشار إليه سابقا و الذي جاء فيه أن الحوز:

لجائز القبض و في المشهور      *       الى الوصي القبض للمحجور.

أي أن الصغير و المحجور لا يصح حوز و يجب أن يحوز عليه وصيه. لكن بعض الفقهاء المالكين يؤكدون على أن الأمر في حوز الصغير أو المحجور يختلف بحسب ما اذا كان هذا المحجور مهملا أو ليس كذلك أي هل له وصي أو مقدم  أم لا و صي له و لا مقدم معللين ذلك بأن المقصود بالحوز هو خروج ذلك الشيء من يد مالكه الواقف و قد حصل، ثم ان الحوز شرط و الشرط من خطاب الوضع فلا يعتبر الا حصوله و ليس من خطاب التكليف

فيعتبر فيهما البلوغ أو عدم الحجر(1)، و بلغة الحال فان الحوز يكفي فيه أهلية الوجوب لا أهلية الأداء لذلك يصح حصوله من القاصر المهمل.

1.  ميارة الفاسي الجزء الثاني ص 146.

أما اذا كان الواقف هو أب الموقوف عليه المحجور فليس هناك ما يمنع الأب اشتراط الحوز الفعلي عن محجوره شريطة أن يشهد بذلك عدلين منتصبين للإشهاد و أن يصرف غلة العقار الموقوف على محجوره كما يجب أن لا يتعلق الأمر بدار سكنى الواقف لأن ذلك يقتضي إخلائها من جميع شواغله لمدة عام على الأقل كما تم بيانه سابقا أما اذا كان الواقف أمًا لمحجور فيصبح الوقف حتى و لو تعلق الأمر بدار سكناه لأنها انما يحوزها باعتبارها خاصة له و ليست واقفة عليه (1)، دون أن ننسى الإشارة إلى الحالة الثالثة.

و هي التي يعين فيها الواقف شخصا يتولى النظارة للدولة باعتبار العقارات الموقوفة إما مساجد أو قناطر أو مقابر ما لم تكن هذه الأخيرة مقابر عالية خاصة أما إذا كان الموقوف عليه جمعية خيرية أو مؤسسة تربوية أو شركة أو غيرها مما يعتبر من أشخاص القانون الخاص فان الذي يحوز عليها مبدئيا هو ممثلها الإثفاقي أو القانوني.

هذا فيما يتعلق بشروط الحوز في العقارات الموقوفة فماذا عن موانع هذا الحوز؟

2- موانع الحوز:

ترتد هذه الموانع الى كل ما من شأنه أن يؤثر على الغير بسبب تعلق حقوقهم بالعقار موضوع الوقف سواء تمثل هذا الغير في الورثة أو الدائنين و يدخل ضمن هذه الموانع  

كل من الموت و المرض و إحاطة الدين أو الإفلاس و السفه و الجنون فالموت مانع من الموانع نفاذ الوقف الذي تتم حيازته حال حياة الواقف و هو ما أشار اليه صاحب التحفة بقوله:

و الحوز شرط صحة التحبيس      *      قبل حدوث موت أو تفليس.

و قد قال الشيخ ميارة في شرطه لهذا البيت بأن قاعدة الشرط أن يلزم من عدمه العدم فإذا لم يحز أصلا أو حاز بعد موت المحبس فلا يصح ذلك الحوز (2).

و هذا الشرط ليس خاصا بالوقف بل يشمل حتى الهبة و الصدقة و النحلة لأنها جنس واحد. لذلك يمكن اعتماد أقوال فقهاء المالكية المعتبرين حجة في هذا المجال و منهم قول الشيخ خليل في باب الهبة: "و الا بقيت عنده" و شرحه الخرشي بقوله "و المعنى أن الهبة اذا بقيت عند الواهب الى أن أفلس أو الى أن مات فانها تبطل لفوات الحوز.

أما احاطة الدين فتكون عندما نتجاوز خصوم الواقف أصوله و هي مقدمة لإفلاسه فان كان مقاولة تجارية فهو اذا في فترة توقف عن الدفع توجب التمييز بين التصرفات التي يجريها بحسب ما إذا كانت بعوض أو بغيره و يدخل ضمن هذه الأخيرة الوقف باعتبارها تبرعا.

 و العلة في تقديم الدين على الوقف تكمن في أن الدين واجب و الوقف مندوب فالواجب يقدم على المندوب.

أما مرض الجنون و السفه فهي من موانع الحوز رغم عدم ذكرها في تحفة ابن عاصم و ذلك تصريح قول الشيخ خليل في معرض بيانه لموانع الحوز في الهبة حيث جاء في مختصره:"أو جن أو مرض و اتصلا بموته" وهو أوضحه الخرشي بقوله:" و المعنى بأن الواهب اذا حصل له مرض و اتصل بموته فان الهبة تبطل و لو قبضها الموهوب له قبل الموت لأن شرط الحوز كونه في صحته و عقله" فان أفاق أو برء من مرضه و مكن الموقوف عليه من الحوز ثم وافته المنية جاز الحوز نفذ الوقف.

و رب متسائل عن ابطال الوقف - و هو عطية- المنعقد قبل المرض اذا لم يحز الوقوف الا بعد المرض المتصل بالموت و عدم تصيره وصية في حدود الثلث قياسيا على حكم الوقف المنعقد في حالة مرض الموت.

لقد ميز الإمام مالك بين حالتين و حكمهما، فالأولى عطية انعقدت قبل المرض و الثانية بعده –أثناءه- فلو رغب المريض في الإبقاء على عطيته قبل المرض لعقد لكان عقدا جديدا أو على الأقل لطلب، انفاذها، كما أن مرض الموت في حكم الموت، و العطية –الوقف- اذا لم تحز قبله، كما في واقعة أبي بكر الصديق مع عائشة رضي الله عنها.

و جاء في المدونة الكبرى ما يلي:"قلت": أرأيت ان وهبها وهو صحيح فلم يقم الموهوب له على أخذها  حتى مرض الواهب، قال، قال مالك، لا أرى له فيها شيئا و لا يجوز قبضه الآن حين مرض الواهب لأنه قد منعه هبته حتى أنه لما مرض أراد أن يخرجها من يد صاحبها بلا وصية فيها وهو يستمتع بها في الصحة فيريد أن يخرجها الآن من رأس المال فهذا لا يجوز..." (1).

و يستنتج من ذلك أن مناط الحوز هنا اذا كان الوقف قد وقع في حالة صحة الواقف، فان كان قد وقع في مرضه فينفذ ويكون الوقوف في حدود الثلث قياسيا على أحكام الوصية، ولا يقال أن وقفه باطل لأن مرضه اتصل بموته اذا الوقف من أعمال البر و الإحسان التي ينبغي منها التقرب الى الله و الزيادة في الأجر و التواب (2).

المحور الثاني: الحوز في العقارات المحفظة

لقد أدى تطبيق نظام التحفيظ العقاري المؤرخ في 12 غشت 1913الى اصطباغ البنية العقارية المغربية بالازدواجية ذلك أن العقارات إما أن تكون محفظة أو غير محفظة.

وإذا كان الحوز في العقارات المحفظة لا يطرح كبير إشكال حيث يكفي فيها الحوز الثابت بالمعاينة وبوضع اليد على العقار الموقوف قبل حدوث المانع وهو المستقر عليه حتى على مستوى الاجتهاد القضائي المغربي، فإن الحوز الذي يكون موضوعه عقارا محفظا أثار ويثير إشكالات جمة لعل أهمها هو ذلك المتمثل في مدى ضرورة توفر كل من الحوز المادي إلى جانب الحوز القانوني؟ أم أن أحدهما يغني عن الأخر؟

ولعل الإجابة عن هذا التساؤل القديم الجديد تقتضي (أولا) بيان مظاهر خصوصية الحوز في العقارات المحفظة، قيل توضيح موقف القضاء المغربي من هذا الحوز(ثانيا).

أولا: مظاهر خصوصية الحوز في العقارات المحفظة محل الوقف.

قبل إبراز خصوصية الحوز في العقارات المحفظة  لابد بداية من بيان العلاقة التي تربط الوقف كتبرع خاضع في أحكامه للفقه الإسلامي المالكي بنظام التحفيظ العقاري وذلك باستعراض لأهم النصوص القانونية التي تؤسس لهذه العلاقة ومنها:

الفصل 8 من ظهير 2 يونيو

 


تعليقات