القائمة الرئيسية

الصفحات

سلطة حفظ الملف مبدا ملاءمة المتابعة

 


 
                                                          سلطة حفظ الملف
                                                        ( مبدا ملاءمة المتابعة)

 

ذ. الحسن البوعيسي

محام بهيئة القنيطرة ( وزان).

 

تمهيد:

لقد حدد القانون الجنائي وباقي القوانين الخاصة الأفعال التي تحدث ضرارا بالمجتمع وصنفها تصنيفا  دقيقا،  ووضع لكل فعل عقوبة خاصة تتراوح بين حد ادنى وحد ?قصى حسب خطورة الفعل والظروف المحيطة بارتكابه وشخصية الفاعل(1)  وقد كلف هذا التصنيف المشرع والمجتمع بصفة عامة مجهودا كبيرا ومصاريف عديدة،  ومناقشات شاذة، وذلك احتراما لاحد المبادئ القانونية التي اصبحت راسخة وابانت  عن  جدواها،  ويتعلق  الامر  هنا  بمبدا الشرعية. واحتراما لهذا المبدأ فان القوانين توضع لتحترم، وان كل خرق لها يجب ان يعاقب  وذلك  بإحالة  الظنين  حتما  على العدالة لمحاكمته طبقا للقانون.

 

ان احترام مبدأ الشرعية هو ما اخذت به بعض التشريعات المقارنة كالقانون الالماني والايطالي واليوناني، وبمقتضى هذا المبدأ فانه يتعين على النيابة العامة متابعة كل الجرائم واحالة مرتكبيها على العدالة (2).

ومما لا شكل فيه ان التطبيق الحرفي لهذا المبدا من شانه عرقلة سير العدالة وذلك بتكاثر القضايا التي تكون في بعض الاحيان لا تشكل افعالا جرمها القانون، ويصبح مبدا الشرعية فارغا  من  محتواه،  بحيث  يتم احالة العديد  من الناس على العدالة والتسبب لهم في عدة مشاكل ومصاريف ليحكم في الاخير ببراءتهم، كما ان تطبيق المبدا  يسمح بالمتابعة من اجل قضايا مدنية أو قضايا تافهة أو قضايا قد تسبب خللا في المجتمع وتثير البلبلة والفوضى.

 

لكل هذه الاسباب عمدت بعض التشريعات إلى الاخذ بمبدا آخر رأت فيه مصلحة كبيرة للمجتمع، ويتعلق الامر بمبدا ملاءمة المتابعة .

 

أولا : سلطة النيابة العامة في حفظ أوراق الملف :

ان مبدا ملاءمة المتابعة يقتضي ان جريمة ما قد ارتكبت، وان اركانها متوفرة، وان الفاعل  معروف،  وهكذا  فان ما تقوم به النيابة العامة من حفظ للملف بسبب عدم معرفة الفاعل أو لكون الأفعال موضوع الشكاية أو المحضر لا تشكل جريمة أو ان النزاع يكتسي صبغة مدنية، أو ان المتابعة تتوقف على اذن أو شكوى من  المتضرر  أو سلوك  مسطرة معينة تعذر القيام بها فانها تقوم به احتراما منها لمبدا الشرعية، ولا تتوفر على أي سلطة تقديرية،  وبالتالي  فلا مجال للحديث عن مبدا ملائمة المتابعة في مثل هذه الحالات وهذا يسمى بالحفظ القانوني.

 

· الحفظ القانوني :

نقصد بالحفظ القانوني تلك الحالات التي تكون النيابة العامة ملزمة فيها بحفظ القضية، ولا سلطة تقديرية لها في ذلك، ولا تستند على مبدا ملاءمة المتابعة، وتتخذ النيابة العامة قرار الحفظ  القانوني في العديد من الحالات منها :

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1)Voir Lahsen Lbouaissi-Memento des Infractions de Droit pénal Spécial.

2- نص القانون الالماني على مبدا الملاءمة في بعض الجرائم كالجرائم الماسة بسلامة الدولة وبقي على مبدا الشرعية في الجرائم الاخرى.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

- عدم توفر الجريمة على احد اركانها العامة أو الخاصة :

نعني بهذه الحالة تلك التي يتبين فيها ان الجريمة منعدمة الاركان بطريقة لا تقبل أي مجال للشك، كتقديم شكاية إلى النيابة العامة من اجل اداء النفقة، أو من اجل اداء دين، أو من اجل ممارسة الدائن لحق الحبس عملا بمقتضيات الفصل 291 وما بعده من قانون الالتزامات والعقود الخ …

 

كما ان انعدام احد الاركان يجعل المتابعة مخالفة لمبدا الشرعية ومضرة بحقوق الناس وماسة بحريتهم ومعتدية على طمأنينتهم، ذلك ان الإنسان إذا لم يرتكب أي فعل يحرمه القانون فان القانون الجنائي لا يمكن ان يهمه.

غير ان عدم المتابعة في مثل هذه الحالات من شانه ان يتسبب في عدة مشاكل قانونية ذلك ان النصوص القانونية نصوص مجردة وعامة وتبقى دائما محل تفسير وتاويل، الشيء الذي يجعل المتضرر أو محاميه يخالف في بعض الاحيان تفسير النيابة العامة سواء عن حق وصواب أو عن غير ذلك.

 

وغالبا ما تحل مثل هذه الخلافات بالاتصال بالنيابة حيث تعمل اما على تحريك المتابعة إذا ما اقتنعت بوجهة نظر المتضرر أو الابقاء على قرار الحفظ.

وفي جميع الاحوال فانه يبقى للنيابة العامة اعمال مبدا ملاءمة المتابعة ولو توفرت كل اركان الجريمة وذلك على الحد الذي سنتعرض إليه لاحقا.

 

ـ عدم معرفة الفاعل :

إذا تعذر على النيابة العامة بعد اجراء البحث التمهيدي في ميدان الجنح والمخالفات معرفة الفاعل فانه يتعذر عليها  تحريك المتابعة لاستحالة المحاكمة وتوجيه التهم إلى شخص معين بالذات،

اما في القضايا الجنايات فبإمكان النيابة العامة الامر باجراء تحقيق ولو ضد مجهول (3).

 

- الحفظ لعدم وجود شكاية أو بسبب سحبها :

لقد اشترط المشرع في بعض الاحيان ضرورة وجود شكاية لتحريك المتابعة وعلى سبيل المثال نذكر :

جريمة الخيانة الزوجية : ينص الفصل 491 من القانون الجنائي على ان المتابعة لا تجوز الا بناء على شكوى من الزوج المجني عليه(4).

 

جرائم اهمال الاسرة : ينص الفصل 481 انه لا يجوز رفع الدعوى الا بناء على شكوى من شخص مهمل أو مستحق للنفقة أو نائبه الشرعي.

جرائم السرقات والنصب والاحتيال وخيانة الامانة :

بمقتضى الفصول 535 و541 و548 من القانون الجنائي فان الجريمة المرتكبة من فروع أو اقارب أو اصهار الضحية إلى الدرجة الرابعة لا يجوز المتابعة فيها الا بناء على شكوى من المجني عليه وسحب الشكوى يضع حدا للمتابعة.

 

جرائم القذف والسب ضد الأفراد :

حسب الفصل 71 من قانون الصحافة فان القذف والسب الموجهان ضد الأفراد لا تقع المتابعة بشأنهما الا بشكوى من الشخص الموجه إليه القذف والسب.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

3) نصت المادة 806 من التعليمات العامة للنيابة العامة بمصر على ما يلي : " لا تقدم للجلسات قضايا ضد متهمين لا تعرف القابهم اذا لا فائدة من استصدار احكام غيابية لا يتيسر اعلانها ولا تنفيذها وعلى اعضاء النيابة ان يأمروا بحفظ هذه القضايا مؤقتا او التقرير بعدم وجود وجه لاقامة الدعوى حسب الاحوال لعدم معرفة الفاعل.

4) انظر وجهة نظرنا حول هذا الموضوع في كتاب :

Memento des infractions de droit pénal Spécial 1er édition 1999.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

· مبدا ملاءمة المتابعة :

ان سلطة النيابة العامة في متابعة الجاني أو حفظ الملف يقتضي ارتكاب جريمة ثبتت كل اركانها وتم التعرف على مرتكبيها وكل الظروف المحيطة بها، ففي هذه الحالة تعمل النيابة العامة على التامل كثيرا في القضية المعروضة عليها، الشيء الذي يتطلب تكوينا قانونيا دقيقا وضميرا مهنيا عاليا ومعرفة واسعة بالمجتمع، ضمانا للتطبيق السليم للمبدا، وحتى لا يتحول تطبيقه إلى تحكم ويخرق مبدا المساواة بين المواطنين ويتم الإضرار بالنظام المجتمعي والأمن العام.

 

ان القاعدة القانونية قاعدة مجردة توضع في ظروف معينة وقد يخضع واضعوها لتاثيرات ذاتية، والجريمة وقت ارتكابها قد تختلف ظروفها ويتغير تاثيرها على المجتمع، وفي بعض الاحيان قد يحدث هذا التغيير ما بين وقت ارتكاب الجريمة ووقت اتخاذ قرار المتابعة أو الحفظ، وهكذا اخذت جل القوانين بمبدا ملاءمة المتابعة وان كان لا يخلو من عدة عيوب.

 

1-        مزايا مبدا ملاءمة المتابعة :

من مزايا هذا المبدا يمكن ان نذكر ما يلي :

- اصلاح الجاني :

ان عدم متابعة الجاني يشكل بالنسبة إليه انذارا يجعله يراجع تصرفاته وافعاله وبالتالي فقد يكون للامر بالحفظ تاثير ايجابي عليه مع العلم ان قرار الحفظ لا يكون نهائيا ويمكن للنيابة العامة في حالة ارتكاب الفاعل لجريمة ثانية الا تتساهل معه وتخرج الملف من الحفظ ويصبح المعني بالأمر متابع من اجل جريمتين .

- التقليل من عدد القضايا المعروضة على المحاكم :

ان مبدا ملاءمة المتابعة يمكن من حفظ كل القضايا البسيطة والتي غالبا ما تصدر بشانها احكاما بالبراءة أو بغرامة بسيطة وبالتالي فان القضايا المعروضة على المحاكم  تبقى تلك القضايا المهمة مما يسمح بدراستها ومناقشتها مناقشة مستفيضة.

- التقليل من النفقات :

ان التقليل من القضايا يؤدي إلى التقليل من النفقات حيث ان مصاريف الدعوى التي تتحملها الدولة تكون غير مكلفة ونفس الشيء بالنسبة للموظفين سواء بالمحكمة أو بالنيابة العامة.

 

2-        عيوب مبدا ملاءمة المتابعة :

ان مبدا الملاءمة قد يؤدي إلى ما يلي :

- ترك العديد من الجرائم بدون متابعة الشيء الذي يشجع الناس على التهور وارتكاب المزيد من الأفعال المحظورة.

- عدم المساواة بين المواطنين وجعلهم يتشككون في عدالة بلادهم.

- التعسف واصدار قرارات تحكمية من طرف قضاة النيابة العامة.

- الدفع بالمتقاضين إلى فقدان الثقة في جهاز النيابة العامة وإرغامهم على التشكي مباشرة إلى المحكمة عن طريق الاستدعاء المباشر.

 

3-        الطبيعة القانونية للامر بالحفظ

ان الامر بحفظ قضية وعدم احالتها على المحكمة لا يعتبر قرارا قضائيا بل قرارا ولائيا(5) وتبعا لذلك فانه ينتج عنه ما يلي :

- يمكن للنيابة العامة الرجوع عنه في أي وقت وحين، وذلك باحالة الملف من جديد على المحكمة ولا يمكن للمتهم الاحتجاج بحفظ الملف.

- ان احالة الملف على المحكمة يجعل هذه الأخيرة تنظر إليه بطريقة موضوعية ودون ان تتاثر بسبق حفظه(6).

- الامر بالحفظ لا يقطع التقادم:

 

الامر بالحفظ لا يمكن ان يكون موضوع أي طعن عادي أو غير عادي كما لا يمكن ان يكون موضوع طلب الغاء امام المحكمة الإدارية حتى ولو اتسم بالشطط ما دام ان مبدا ملاءمة المتابعة يخضع للسلطة التقديرية لقضاة النيابة العامة غير انه يمكن لمن يهم الامر ان يتقدم بتظلم إلى رؤساء الجهة التي اصدرت الامر كالوكيل العام للملك أو وزير العدل حيث يمكن لهؤلاء الامر بتحريك المتابعة كما يبقى لكل من يهمه الامر ان يتقدم بشكاية مباشرة.

- الامر بالحفظ لا يشترط ان يكون معللا باسباب :

 

4-        بعض اسباب اتخاذ قرار الحفظ :

يمكن ان يستند قرار الحفظ بصفة عامة على ظروف موضوعية واخرى ذاتية :

- الظروف الموضوعية : يمكن تقسيم هذه الظروف إلى قسمين :

- احترام النظام العام : من المعلوم ان أي جريمة تلحق ضررا بالنظام العام، غير ان هذا الضرر يختلف من جريمة إلى أخرى حيث يجب ان يكون رد الفعل متناسقا مع الضرر الحاصل وهنا يتعين على النيابة العامة تقدير رد الفعل ومدى فعاليته ودرجة النفع التي سياتي بها، فاذا تبين ان رد الفعل من شانه ان يحدث بالامن العام ضرار اكبر مما احدثته الجريمة فانه يصبح من الانسب عدم تحريك المتابعة وحفظ اوراق الملف.

 

ومن الامثلة التي يتعين فيها على النيابة العامة حفظ اوراق الملف يمكن ان نذكر بعض الاحتجاجات المبنية على المطالب المشروعة التي قد يتقدم بها مجموعة من المواطنين ففي هذه الحالة ولاطفاء فتيل النار فانه يتعين على النيابة العامة حفظ القضية.

- عدم الاكتراث بالمسائل التافهة : قد تكون الجريمة لا تكتسي اية خطورة أو ن الخطورة غير ذات اهمية وبالتالي فان نتائجها والاضرار التي تحدثها للمجتمع تافهة جدا ففي هذه الحالة فان النيابة العامة تعمل على حفظ القضية وعدم تحريك المتابعة بشانها.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

5) جاء في قرار لمحكمة النقض المصرية ان الامر الصادر بالنيابة العامة بالحفظ هو اجراء اداري صدر عنها بوصفها السلطة الإدارية التي تهيمن على جميع الاستدلالات عملا بالمادة 61 من قانون الاجراءات الجنائية وما بعدها وهو على هذه الصورة لا يقيدها ويجوز العدول عنه في اي وقت بالنظر إلى طبيعته الادارية البحثة ولا يقبل تظلما أو استئنافا من جانب المدعى عليه والمدعي بالحق المدني وكل ما لهما هو الالتجاء إلى طريق الادعاء المباشر في مواد الجنح والمخالفات دون غيرها اذا توافرت له شروطه وهذا الامر الإداري يفترق عن الامر القضائي بلا وجه لاقامة الدعوى الصادر من النيابة العامة بوصفها احدى سلطات التحقيق بعد ان تجري تحقيق الواقعة بنفسها أو  يقوم به احد رجال الضبط القضائي بناء على الانتداب منها على ما تقتضي به المادة 209 من قانون الاجراءات، فهو وحده الذي يمنع من رفع الدعوى ولهذا اجيز للمجني عليه أو المدعي بالحق المدني الطعن فيه ( نقص جلسة 13-31956 قضية 999 مشار اليه بكتاب النيابة العامة وسلطتها في انهاء الدعوى الجنائية بدون محاكمة للدكتور محمود سمير عبد الفتاح منشاة المعاريف بالاسكندرية ص 197.

6) نقل الدكتور محمود سمير عبد الفتاح في كتابه المذكور عن André Vétu قضية فتاة ارتكبت سرقة ورد والدها ما سرقته إلى المجني عليه فسحب هذا الاخير شكواه ثم حفظت النيابة العامة قضية السرقة وبعد اسابيع قدمت شكوى جديدة ضد الفتاة عينها عن سرقة أخرى وقفت منها هذه المرة موقف الانكار فضم المحضر الجديد إلى المحضر السابق حفظه وجرت التحريات في المحضرين معا ثم احيلا سويا إلى محكمة الجنح التي قضت بالبراءة من التهمة الثانية لعدم ثبوت القصد الجنائي وقضت بالادانة من التهمة الأولى السابق ان صدر فيها الامر بالحفظ .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

- كما ان قرار الحفظ قد يتم حتى في بعض القضايا التي تعتبر خطيرة غير ان الظروف اللاحقة لوقوعها تقلل من خطورتها أو تضع حدا بالمرة لهذه الخطورة، وهكذا يمكن ان نذكر جرائم عدم توفير المؤونة اثناء تقديم الشيك للاداء، حيث تعمل النيابة العامة على حفظ القضية في حالة اداء المتهم لقيمة الشيك، وقد تختلف مثل هذه القرارات من مدينة إلى أخرى ومن نيابة عامة إلى أخرى ففي مدينة تعرف الاف القضايا من هذا النوع كالدار البيضاء مثلا فان النيابة العامة تعمل على حفظ القضية كلما وقع الاداء وبحفظها هذا فانها تحول دون اكتظاظ المحاكم بالاف القضايا التي كان يتعين اجراء المحاكمة فيها، وخلافا لذلك ففي مدينة صغيرة تقل فيها مثل تلك القضايا فان النيابة العامة لا تتردد في تحريك المتابعة ولو بعد اداء الساحب لقيمة الشيك.

 

- الظروف الذاتية :

يمكن ان تتعلق هذه الظروف بصفة الجاني أو المجني عليه.

- فيما خص الجاني : قد يكون الجاني مبتدئا أو انه ارتكب الجريمة في ظروف خاصة أو ان الامر يتعلق بشخصية بارزة ارتكبت افعالا غير خطيرة(7).

 

- فيما يخص المجني عليه : قد تحدث الجريمة إلى المجني عليه ضرر ما غير انه لا يبدي اية رغبة في تحريك الدعوى العمومية وعرض قضيته على المناقشة العلنية وإذا كانت رغبته في عدم تحريك المتابعة لا قيمة لها فان النيابة العامة تلقائيا وغالبا بطلب منه تعمل على حفظ الملف وعدم تحريك الدعوى العمومية ويتخذ المجني عليه في اغلب الاحيان مثل هذا الموقف اما بسبب تفاهة الجريمة كسرقة بعض اشيائه التافهة أو بسبب مركزه الاجتماعي حيث لا يرغب ان يعلم الناس بحياته الخاصة، واخيرا بسبب ارتكاب الجريمة من طرف احد اقاربه أو أصهاره أو بسبب اجراء صلح مع الجاني.

 

- وخلاصة القول ان اسباب الحفظ عملا بمبدا ملاءمة المتابعة متعددة وتخضع للسلطة التقديرية للنيابة العامة الشيء الذي يتطلب منها كثيرا من اليقظة والفطنة والحس والضمير المهني وحسن التقدير حتى يعطي تطبيق المبدا النتائج المتوخاة من وضعه.

 

ثانيا : سلطة القاضي المكلف بالتحقيق في الامر بعد المتابعة :

يعتبر القاضي المكلف بالتحقيق سلطة اتهام كما هو الشان بالنسبة للنيابة العامة، ففي القضايا التي يتعين فيها اجراء تحقيق فان النيابة العامة تتقدم بملتمس باجراء تحقيق (réquisitoire Introductif d'instance) إلى القاضي المكلف بالتحقيق.

 

وملتمس اجراء تحقيق الذي تتخذه النيابة العامة يمكن ان يكون ضد شخص معين أو مجهول، الشيء الذي يؤكد الطابع العيني للتحقيق،

وعملا بالفقرة من الفصل 85 فانه يحق لقاضي التحقيق ان يتهم كل شخص شارك بصفة مجرم اصلي أو مساعد في الوقائع المعروضة عليه ( الطابع غير الشخصي للتحقيق).

وبعد انتهاء التحقيق فان القاضي المكلف بالتحقيق يوجه الملف إلى النيابة العامة التي تتقدم بملتمساتها خلال ثمانية أيام على الأكثر ( الفصل 195).

 

وبعد توصل قاضي التحقيق بملتمسات النيابة العامة فانه يصدر امرا بالاحالة إلى المحكمة.

غير انه في بعض الحالات فان قاضي التحقيق يختم تحقيقه دون اصدار امر بالاحالة على المحكمة كما إذا تبين له ان الأفعال لا تشكل جناية أو جنحة أو انه ليس هناك دلائل كافية ضد مجرم أو انه ظل مجهولا حيث يصدر امرا بعد المتابعة وهذا الامر يمكن ان يصدر بعد انتهاء التحقيق أو اثناء سريانه كما يمكن ان يصدر بشان شخص واحد دون الاخرين وبشان فعل معين دون باقي الأفعال موضوع المتابعة ( المادة 201 من ق م ج).

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

7) قد يتعلق الامر بعدم المساواة بين المواطنين ولكن غالبا ما يكون سبب الحفظ هنا موضوعي اكثر من ذاتي ( انظر مثلا كيف حفظت النيابة العامة الفرنسية قضية الوزير الاول الفرنسي الان جوبي بعد ان ثبت انه احتل بناية بطريقة مخالفة للقانون.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

كما انه يمكن للقاضي المكلف بالتحقيق اصدار امر بعدم المتابعة إذا تبين له ان الجريمة تقادمت أو ان هناك عفوا صادرا بشانها، وإذا ارتأى انه غير مختص فانه يصدر امر بعدم الاختصاص.

 

ويجب ان يكون الامر بعدم المتابعة معللا من الناحيتين القانونية والواقعية فيعلل من الناحية الواقعية بعدم وجود دلائل كافية ضد المتهم أو انه ظل مجهولا ومن الناحية القانونية لعدم توفر اركان الجريمة أو ان الدعوى العمومية سقطت بسبب موت المتهم أو بالتقادم أو بالعفو الشامل أو بالغاء القانون الجنائي أو بصدور حكم سابق لا تعقيب فيه أو ان صلحا قد ابرم اذا كان القانون ينص على ذلك بوجه صريح، وكذا الشان في سحب الشكاية اذا كانت شرطا لازما للمتابعة ( الفصل 3 من ق م ج).

 

ومعلوم ان التعليل من ناحية الواقع يجعل الامر بعدم المتابعة غير نهائي، بحيث يمكن في حالة ظهور ادلة جديدة متابعة المتهم بنفس التهمة التي صدرت بشانها الامر بعدم المتابعة وذلك عملا بالفصل 210 من ق م ج.

 

كما يجوز للنيابة العامة ان تبث فيما إذا كان هناك داع لطلب اعادة التحقيق بسبب ظهور ادلة جديدة ( الفصل 212 ق م ج) وتعد ادلة جديدة حسب الفصل 211 ق م ج شهادة الشهود والوثائق والمحاضر التي تعذر عرضها على القاضي المكلف بالتحقيق مع انه من شانها ان تعزز الادلة التي سبق ان وجدت ضعيفة واما ان تعطي الأفعال تطورات جديدة، وفتح التحقيق بناءا على وجود ادلة جديدة لا يمكن ان يتم الا على ملتمس للنيابة العامة الشيء الذي يستثنى أي طلب يتقدم به المطالب بالحق المدني(8).

 

اما التعليل من الناحية القانونية فانه يضع حدا لاية متابعة أو فتح تحقيق جديد ويصبح الامر بعدم المتابعة نهائيا بعد سقوط الحق في الطعن المخول للاطراف ومع ذلك يمكن في بعض الحالات اعادة التحقيق رغم ان التعليل كان ينصب على الجانب القانوني كما إذا تم حفظ القضية بسبب تقادم الجنحة موضوع التحقيق وثبت بعد عرض الادلة الجديدة ان الامر يتعلق بجناية لم يطلها التقادم بعد.

 

نخلص ان مبدا ملاءمة المتابعة يكون له محل عندما تكون النيابة العامة امام جريمة كاملة الاركان، اما إذا لم تتوفر شروط المتابعة كحالة انعدام الشكاية في حالة وجوب توفرها، أو إذا لم تكن الجريمة متوفرة الاركان فان الحفظ يتم احتراما لمبدا الشرعية ويكون واجبا، وبالتالي فلا يتم على اساس تطبيق مبدا ملاءمة المتابعة.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

8) للمزيد من التفاصيل انظر Merle Evétu Procédure pénal Tome 2 P 514 et S.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

مجلة الإشعاع، العدد 22، ص : 129.



تعليقات