القائمة الرئيسية

الصفحات

العواقب المدنية لحوادث السير بالمغرب

 



دراسة حول العواقب المدنية حوادث السير بالمغرب

بقلم : ج ب كانيور

 

ان التذكير باهمية السيارة في حضارتنا، يكاد من المواضيع المبتذلة. فالسيارة تكسو الارض بالمعامل، والطرق والمرائب، والسيارة تاخذ بلب هواتها الى حد انها تغير سلوكهم ونفسيتهم غير انها هي التي خلقت فرصة تشغيل ملايين البشر وتسببت كذلك في جرح ومقتل الالاف منهم، ومن باستطاعته ان يدعي انه لم يتسبب في يوما في حادثة سير او لم يكن ضحية لها ؟

 

هذا وان المشرع يكاد يجهل كل شيء عن هذا الميدان في حين انه يغدق في اصدار النصوص والتقنينات في ميادين اخرى. فنجده كثيرا ما يسند النظر في هذه المادة للاجتهاد القضائي، غير ان القضاة ان كان لهم ان يكيفوا النصوص فليس لهم ان يبتدعوا القوانين. فالاجتهاد المبذول حول الفصل 88 من ظهير العقود والالتزامات معروف بغزارته الى حد انه بلغ مستوى يصعب تجاوزه.

 

ومع ذلك، فان النتائج المحصل عليها، ليست مرضية من وجهة نظر المتقاضي. فتجزئ المسؤولية يتأرجح حسب حذاقة المرافعات، وتشكيل الهيئات الحاكمة. فهذا القاضي اكثر احتراما من غيره للاسبقية، او اكثر صرامة بالنسبة للدراجي المنعدم الانارة او الراجل غير الحذر. ويتطور تحديد مبلغ التعويض على نفس القياس: فالكل يعلم ان تلك المحكمة اكثر سخاء من الاخرى وان التفاوت يمكن ان يكون ذا اهمية بالغة.

 

هل يمكن تدارك هذا الوضع ؟

ان هذه الحالة دامت منذ سنين، واصبحت تجسد تقليدا يصعب معه نجيب على هذا السؤال بالايجاب دون تطاول او عدم تريث. ورغم ذلك، فان هذا ما يتحتم علينا القيام به. لان النتائج التي بلغنا اليها تفرض تدارك الوضع فعلا. ذلك ان ابسط المناهج يسمح لرجل القانون في اطار الظروف الحالية ان يبلغ نتائج اكثر اهمية مما يتصور. فكيف يمكن له ان يقدر ويقيس المسؤوليات دون ان نمده باي كيل او مقياس ما عدا سلطته التقديرية.

 

وهل يستغرب في هذه الحال ان تاتي قراراته مطبوعة بالذاتية ؟

لقياس أي شيء لا بد من مقياس. والتقديرات التي يقوم بها عدة اشخاص لا يمكن ان تصبح قابلة للمقارنة الا اذا كانت خاضعة لمقياس نموذجي واحد. فالنساجون التقليديون سواء بفاس او مراكش او الرباط يقيسون طول محيكاتهم بنفس المقياس، ولذلك يتحدثون نفس اللغة، ويمكن لزبنائهم ان يقارنوا بين الاثمان. لماذا لا يكون لرجال القانون كذلك مقياس مشترك ؟ فليس من المستحيل في ميدان عواقب حوادث السير بالذات ان نبتكر مقياسا. وهذا ما سنبينه. وسيحتوي عرضنا دون شك على كثير من الضمنيات وستبقى عدة أشياء مضمرة. ذلك اننا سنعالج المبادئ الاساسية فقط ونحن واعون ان كثرة الاختزال تؤدي حتما لا الى اغفال بعض النقط فحسب، بل كذلك لعدم الدقة والتحديد : فالواقع يصبح متغيرا عندما يكتفي بابراز هيكله العام.

 

لقد صغنا هذه المبادئ الاساسية في عدة نصوص، تتفاوت في الشمول وحسن التركيب. غير اننا نشير في هذه الدراسة الى نقط الالتقاء منها، آملين ان نضع في متناول القارئ معلومات كافية لتوجيه تفكيره واجتهاده الشخصي.

 

هل من الممكن ان تستبدل اقتناع القاضي الشخصي بطريقة اخرى تمكنه من تقدير المسؤوليات ؟ اذا كان الامر يتعلق بالمسؤولية الجنحية فالجواب بالنفي لا محالة، وربما يكون غير ذلك، ان اعتبر الخطأ من زاوية عواقبه المدنية فقط.

وبالفعل، فان خطورة الخطأ الجنحي تختلف مع اختلاف كل حالة خاصة، في حين انه، مهما كانت ظروف هذا الخطأ، فان عواقبه المدنية تكون مماثلة على العموم.

فمن لم يحترم علامة التوقف مثلا، عمدا، لا يمكن ان يقارن من الوجهة الجنحية بالسائق غير المحتاط الذي لم يحترم هذه العلامة لانه لم يرها. وكذلك فالسائق الذي تعود على استعمال سيارة غير صالحة وبدون انــــــارة، لا يمكن ان يقارن بسائق فوجئ بعطب غير مرتقب وقرر الرجوع الى داره، لكن، ان وقعت حادثة، فان العواقب المدنية تكون مماثلة.

ولهذا ينبغي بادئ ذي بدء، ان نضع بوضوح مبدأ التمييز بين العواقب الجنحية والعواقب المدنية للخطأ، وان نغض الطرف بالمرة  في هذه الدراسة عن الجانب الجنحي.

 

ان الاخطاء المتسببة في الحوادث مذكورة في قانون السير، وينبغي ان نضيف اليها المخالفات للقواعد المتعلقة بالحفاظ على الطريق العمومية. ومن السهل بالنسبة لبضع الأخطاء ان نتوقع بسهولة انعكاسها ان ترتبت عنها حادثة سير.

 

ولم يفت شركات التامين ان تستحدث عدة قرائن يمكن بفضلها ان يوجد بسهولة حل على سبيل التراضي لكثير من النزاعات، ويمكن توسيع نطاق هذه القرائن مع ما ينتج عن ذلك من تعقيد، غير اننا نصطدم في هذا السبيل بعرقلة لها أهميتهما:

ان القرينة تضع قليلا من المشاكل عندما يتعلق الامر بمخطئ منفرد. لكن كيف التوفيق بين عدة قرائن عندما تترتب عن الحادثة الواحدة عدة مسؤوليات. وكيف يمكن اظهار التفاوت في خطورة الاخطاء آنذاك ؟

 

من الممكن ان نجيب عن كل هذه الاسئلة : يكفي ان نعلم كل مخالفة لقواعد السير بما يمكن ان يسمى:"رقمها الاستدلالي". وكل من يؤاخذ بخطأ ساهم في حادثة يتحمل بالتالي جزءا من المسؤولية على قياس رقمها الاستدلالي.

 

لناخذ مثلا على ذلك : لنفرض ان سيارة صدمت ليلا سيارة اخرى كانت متوقفة في موقف غير نظامي، ودون انارة، وان القانون ينص على ان عدم السيطرة يحمل رقما استدلاليا يساوي 20، وان التوقف غير النظامي وبدون انارة يحمل رقما استدلاليا يساوي 100، فان السائق غير المسيطر على سيارته يتحمل نسبة من المسؤولية قدرها 20 على 120، في حين ان المتوقف في مكان ممنوع يتحمل مسؤولية قدرها 100 على 120.

واذا صدم سائق بسبب عدم سيطرته راجلا لم يرتكب أي خطا، فانه يتحمل مسؤولية الحادثة بنسبة 20/20. لكن اذا قطع الراجل الطريق دون احتياط وخارج الممر المخصص للراجلين وارتكب بذلك خطأ نعتبره يساوي 50 درجة، فان السائق في هذه الحال يتحمل من المسؤولية ما تقديره 50 على 70. واذا تدخل غير ثالث وارتكب خطأ من درجة 30، فسيكون تقسيم المسؤولية كالآتي :

سائق السيارة : 20 في المائة .

الراجل : 50 في المائة.

الغير : 30 في المائة.

 

على ان التحديد الموضوعي لاهمية الاخطاء من الناحية المدنية لا يكفي. ذلك ان الاخطاء لا تصدر عنها الحوادث الا على قدر افرازها لطاقة الخطر التي تكمن فيها، أي على قدر تحقيق الخطر المحتمل الذي يمثل السير في الطرق العمومية. فان قطع راجل طريقا خالية، لا يترتب عن ذلك أي شيء. فالحادثة تتولد عن اللقاء الحاصل بين خطأ الانسان والخطر الكامن في الآلة. فان كانت هذه هي الحقيقة في الواقع، فكذلك يجب ان تكون الحقيقة قانونا. يجب اذن ان يتحمل العواقب المدنية للحادثة من ارتكب الخطأ وكذلك من كان مصدر الخطر.

 

كيف يمكن ان يتحقق هذا التركيب وتؤخذ كل هذه العناصر بعين الاعتبار؟

يمكن ذلك اولا باعطاء رقم استدلالي لكل فئة من فئات السيارات التي ساهمت فعلا في تحقيق الحادثة، على ان يدل هذا الرقم على اهمية الخطر الكامن، وكذلك بتصور تركيب يمكن ان يأخذ بعين الاعتبار كلا العنصرين، الخطأ المدني، والخطر الكامن. وهكذا يمكن تقييم قدر المسؤولية التي يتحملها على حدة كل من ساهم في تحقيق الاضرار الناتجة عن الحادثة والتي تعرضت لها الضحية.

 

ويجب ان يأخذ هذا المنهاج بعين الاعتبار عاملا ثالثا، يمكن ان نسميه : الخطر المحتمل. فبعض الضحايا يعرضون بأنفسهم لخطر محتمل شديد، وفي هذه الحالة يضع نفسه من ركب سيارة يقودها رجل طافح السكر. فمن العدل ان يخفض تعويضهم، على قدر ما قبلوه من خطر محتمل يفوق الخطر المحتمل المعتاد الذي يتعرض له ركاب السيارات.

 

فنحن مطالبون اذن بتحقيق تركيب بين ثلاثة عناصر : الخطأ المدني والخطر الكامن والخطر المحتمل. كيف السبيل الى ذلك؟ هناك عدة حلول ممكنة اكثر او اقل تقاربا من قانونيا الوضعي الحالي، ومتفاوتة من حيث سهولة الاستعمال. ويكفي ان يعلم القارئ ان البحوث العملية التي اجريت على ضوء المناهج المعمول بها اسفرت  عن نتائج مرضية لا تبعد عن العدل والانصاف.

يظهر ان المشاكل التي يضعها تقدير الضرر تستدعي حلولا اكثر ملاءمة للتقاليد، ان نحن سلمنا بان الرجوع الى اقتناع القاضي الداخلي، مع إدماج كل اسباب الضرر، ليس اساسا لا يمس لقانوننا.

 

ويجدر التذكير بان الصعوبة التي يجب التغلب عليها تكمن في تقلبات الاجتهاد القضائي، والتفاوت بين تقديرات التعويض الناتجة حتما عن حرية التقدير المتروكة للقاضي. فينبغي اذن ان يستبدل هذا التحكم - مع اعتبار هذه الكلمة في اسمى معانيها - بطريقة حسابية، ستساهم، بفرضها على الجميع، في توحيد الاجتهادات القضائية، وتسهيل الحلول التفاوضية.

 

أليس من قبيل الوهم ان نزعم امكانية تقنين تنوع الحياة اللامتناهي ؟ فهل هناك ميدان اكثر تنوعا وابهاما من عواقب حادثة ؟ أليست أنامل الضارب على البيان اكثر قيمة من أنامل البناء ؟ كل هذا صحيح . غير ان ما يشكل صعوبة عمل من الاعمال لا يجعله مستحيل الوقوع، يجب ان تنصب الجهود في اتجاهين :

من جهة : وضع قواعد دقيقة بما فيه الكفاية لاجتناب الصعوبات في اغلبية الاحوال.

ومن جهة اخرى : استحداث وسيلة تسمح بادماج الحالات الاستثنائية في تشريع لم يوضع لها.

 

والواقع ان هذا العمل بسيط في مبدئه. فيكفي ابراز المقاييس التي توجه الاجتهاد القضائي وتقننه. ذلك ان تنوع الاجتهادات القضائية ليس وليد الصدفة. واذا كان المشرع قد ترك القاضي لوحده في مواجهة صعوبات التعويض دون مده باي وسيلة، فان التجربة على العكس من ذلك قد شكلت تقاليد وقواعد تختلف مع اختلاف الاماكن والاشخاص. والجزء الثاني من دراستنا سيتناول هذه القواعد ليوحدها ويحدد طرق استعمالها بصفة دقيقة وبسيطة في نفس الوقت.

 

يظهر من اول وهلة ان من الصعب وضع قواعد عامة. فما هو الشيء المشترك  بين ضرر معنوي، وضرر جمالي، وعجز دائم وجزئي عن العمل واسترجاع نفقات ؟ بالتفكير يتضح ان هناك نوعين من الأضرار : هناك الاضرار المعروفة قيمتها عند التعويض، كالنفقات المصروفة، وعواقب عجز كامل مؤقت عن العمل من جهة، وهناك من جهة اخرى الاضرار التي تدوم اهميتها مدة غير محددة، أي الاضرار التي ستعاني منها الضحية على مدى الحياة، والعجز الدائم عن العمل مثال نموذجي على ذلك.

 

ان تعويض الاضرار المرتبة في الفئة الاولى لا يضع أي مشكل. اما فيما يخص الاخرى فان المنطق يفرض اعتبار عنصرين : الخطورة الموضوعية ( ضياع ذراع اكثر خطورة من ضياع اصبع) والمدة ( كلما كانت الضحية صغيرة السن، عانت اكثر من حيث الزمن من عواقب الحادثة، ووجب بالتالي رفع قيمة التعويض المستحق لها).

 

واذا كان هذا المبدأ صالحا في كل الحالات، فان تطبيقه يختلف حسب خصائص هذا الضرر او ذاك. لنعرض، على سبيل المثال، طريقة يمكن ان يرجع اليها لتقدير قيمة التعويض المستحق عن عجز دائم جزئي عن العمل ( مع حفظ الحالات الخاصة) ان الضرر يكون على قياس :

1- خطورة العجز.

2- مدته، أي عمر الضحية.

3- اهمية المداخيل الشخصية.

 

لتقدير خطورة العجز يلجأ رجال القانون والخبراء في الطب الى جداول تدلهم على معدل نسبة العجز. والكل يعلم ان خطورة العجز تختلف بصفة ملموسة باختلاف مهنة الضحية، فيحصل التقدير، على قدر الامكان، لكن دون التقيد بأي مرجع مدقق. فالعرقلة الاولى التي ينبغي التغلب عليها هي استحداث هذه المراجع، وهكذا يقل التفاوت في التقدير، ويقترب من الواقع اكثر. ومن هنا جاء تحرير الجداول التي تدل بالنسبة لكل ضرر جسدي على نسب عجز مختلفة او بصفة ادق اعداد مختلفة تدل على الضرر المهني اللاحق  بالضحية حسب ارتباطها بهذه الفئة او تلك من المهن المختارة على سبيل القياس.

 

وبعدما تحدد عدد نقط الضرر المهني، بقي لنا ان نحدد قيمة النقطة. ينبغي ان ترفع هذه القيمة على قدر صغر سن الضحية من جهة وعلى قدر اهمية مداخيلها المهنية من جهة اخرى. ومن اجل اعتبار هذين العنصرين يكفي ان نتوفر على جدول (على شكل اطار) يعتمد على مدخلين يمكننا بمجرد التلاوة ان نعرف قيمة النقطة باعتبار سن الضحية ومدخولها.

 

وحسبنا فيما بعد ان نضرب  قيمة النقطة في عدد النقط لنحصل على مبلغ التعويض :

ليست الاشياء سهلة بهذا الشكل، في الواقع. ليس في ذلك من شك. فعدد واهمية ذوي الحق بالنسبة للضحية، يدخل مثلا في عين الاعتبار عند تحديد مبلغ التعويضات. غير ان المبدأ العام يبقى قارا، وبفضله تكمن المقارنة بين مختلف التعويضات.

 

فهل هذا يعني ان حرية تقدير رجل القانون تضمحل ؟

لا. لكن عوض ان يحاول رجل القانون التكهن بمبلغ التعويض يمكنه ان يعرفه عن طريق حساب. فلا بد لرجل القانون ان يقدر واقع الخطأ واهمية الضرر ومدته. الا انه بمجرد ما يضع في قرارة نفسه معطيات المشكل، ينتج عن ذلك حله، أي مبلغ التعويض بصفة منطقية. وبعبارة اخرى، فعندما يلجأ الى حكمه، يمكنه ان يقول حسب تقديره ان 2+2=4، او 2+2=5 لكنه لا يستطيع ان يقول 2+2=5 ومن يستطيع بعد هذا ان يزعم ان هذه الطريقة تحد من حريته وتمس بضميره ؟ يجب ان نقوى على القول بان رجل القانون، شأنه شأن كل البشر، خاضع لحقيقة الرياضيات. فلا يسوغ الخلط بين اداة الحكم وآلة الحكم. فالاداة ضرورية للبشر في كل الميادين، ورجل القانون وحده مفتقر لها. ان التجربة تدل على ان المطرقة او العداد الاليكتروني لا يحلان محل العامل او العالم وانما يساعدانهما على الاستفادة اكثر ما يمكن من حذاقتهما او ذكائهما. فمن هذا الجانب وقع تناول هذه البحوث. فان بلغت القصد منها وجد الحل لنزاعات حوادث السير في احسن الشروط لان رجال القانون المكلفين بها سيجدون بيديهم اداة للعمل القانوني سترفع من مستوى فعاليته ونفعه.

 

* مجلة المحاكم المغربية، عدد 7/8، ص 5.

تعليقات