القائمة الرئيسية

الصفحات

بعض ملامح الصعوبة في تنفيذ الأحكام

 


بعض ملامح الصعوبة في تنفيذ الأحكام
ـ قراءة للقرار رقم 307 الصادر عن السيد الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف بمراكش

 

بقلم: الستاذ محمد بولمان

محام بهيئة مراكش

 

إذا كان التشريع المغربي كغيره من التشريعات لم يعرف الصعوبة في التنفيذ، فإن الفقه والقضاء وإن كانا بدورهما قد وجدا مشقة كبيرة في الالتفاف حول تعريف موحد لها فإنهما قد نجحا في تحديد ملامحها الكبرى.

 

وسنحاول قدر الإمكان تسليط الضوء على بعض تلك الملامح من خلال قراءة للقرار الصادر عن السيد الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف بمراكش بتاريخ 05/02/92 تحت عدد 307 في الملف عدد: 154/92 ـ غير منشور ـ والذي جاء فيه:" وحيث أن الأسباب التي اعتمدها العارض لإثارة الصعوبة هي نفس الأسباب التي أثارها في دفوعاته أمام المحكمة الابتدائية، كما لا يعدو أن تكون طعنا في الحكم الابتدائي الذي هو معروض الآن أمام محكمة الاستئناف حسبما تضمنه الطلب الأمر الذي يخرج عن اختصاص الرئيس الأول كقاض للمستعجلات، وهو بصدد البث في الأمر الوقتي، كما أن الأسباب المثارة سابقة على إثارة موضوع الصعوبة، والصعوبة هي تلك التي تكون أسبابها لاحقة على صدور الحكم لا سابقة عليه".

 

لهذه الأسباب نصرح ... بعدم وجود الصعوبة المثارة.

 

والمستخلص منه:

أ ـ أن الصعوبة في التنفيذ ليست طعنا في الحكم المراد تنفيذه.

ب ـ وأن أسبابها يجب أن تكون لاحقة لصدوره لا سابقة له.

ج ـ وأن البث في هذه الأخيرة يخرج عن اختصاص قاضي الصعوبة.

وستعتمد هذه القراءة نفس هذه المستخلصات كمحاور أساسية لها.

 

المحور الأول: الصعوبة ليست طعنا في الحكم المراد تنفيذه.

إن الصعوبة في التنفيذ ليست في أساسها إلا اعتراضا على إجراءات التنفيذ غير القانونية، فهي تنصب على النشاط التنفيذي ككل، بما يقتضيه من شروط وما قد يتصل به من عوارض.

 

أما الطعن فهو وسيلة للتظلم من الأحكام شكلا ومضمونا، تحقيقا لفضائل الاطمئنان والاستقرار ودرء الخطأ أو السهو ـ (عبد المنعم حسني ـ طرق الطعن في الأحكام المدنية والتجارية ط الأولى 75 ص 5 ـ ) أو غير ذلك ـ وقد حدد له المشرع طرقا خاصة به وآجالا معينة كما حدد المحاكم المختصة بالنظر فيه.

 

وإذا كان الطعن ـ خاصة بالاستئناف ـ ينقل الدعوى إلى محكمة أعلى درجة لتفصل فيه مجددا من الناحية الواقعية والقانونية، فإن الصعوبة في التنفيذ وهي تتعلق بمرحلة ما بعد صدور الحكم لا تطرح على الجهة المختصة إلا ما تعلق بهذه المرحلة، فكل ما سبق الحسم فيه بحكم لا يمكن إعادة طرحه عن طريق إثارة الصعوبة في تنفيذ ذلك الحكم.

 

علاوة على أن الطعن ـ بصرف النظر عن كون الحكم صحيحا أو باطلا عادلا أم غير عادل ـ هو محاكمة للحكم ومطالبة بإلغائه شكلا ومضمونا، بينما الصعوبة لا تحتمل ذلك بل هي تسليم من طرف المحكوم عليه بصوابية الحكم وسلامته.

 

ولذلك فإن قبول الحكم صراحة من طرفه، ـ المحكوم عليه ـ وإن كان يسقط حقه في ممارسة الطعن فهو لا يمنعه من إثارة الصعوبة في تنفيذ ذلك الحكم.

 

ثم إن الصعوبة في التنفيذ ليس لها في حد ذاتها أثر موقف بل لابد في ذلك من أمر رئاسي بإيقاف التنفيذ ـ الفصل 436 من ق.م.م. ـ ما لم ينص القانون على خلاف ذلك ـ الفصل 482 من ق.م.م.

أما الطعن في الحكم ـ بالطرق العادية ـ فله في حد ذاته أثر موقف ما لم يكن ذلك الحكم مشمولا بالنفاذ المعجل قانونا أو قضاء ـ الفصل 132، 134 من ق.م.م.

 

وعلى ذلك يبدو أن القرار موضوع هذه القراءة قد صادف الصواب لما اعتبر أن الصعوبة المطروحة عليه لا تعدو أن تكون طعنا في الحكم المستأنف تأسيسا على أن أسبابها هي نفس الأسباب التي قدمت في المرحلة الابتدائية كدفوع في القضية والتي يتظلم المستأنف ـ مثير الصعوبة ـ من عدم استجابة الحكم المستأنف لها.

 

المحور الثاني: انبناء الصعوبة على وقائع أسباب لاحقة:

من النتائج الهامة التي تترتب عن التمييز بين مفهومي الطعن في الأحكام والصعوبة في تنفيذها، ضرورة انبناء هذه الأخيرة على وقائع وأسباب لاحقة لصدور الحكم المستشكل فيه.

 

وكما سبق ذكره فالصعوبة في التنفيذ ليست طعنا في الحكم وبهذا الاعتبار فهي لا تنشر أمام القضاء المختص نفس النزاع الذي سبق الفصل فيه من طرف محاكم الموضوع.

والقول بعير ذلك، قد يؤدي إلى المساس بحجية الحكم المستشكل فيه موضوعا وأطرافا وسببا، ولأصبح بإمكان من لم تستجب محاكم الموضوع لطلباته أن يجدد بمناسبة الصعوبة كافة المنازعات التي فصلت فيها تلك المحاكم. ثم إن الجهة التي لها اختصاص البث في الصعوبة ـ رؤساء المحاكم الابتدائية والرؤساء الأولون لمحاكم الاستئناف قم محكمة الاستئناف وهي تبث كدرجة ثانية في المستأنف من الأوامر الصادرة عن رؤساء المحكم الابتدائية في دعاوي الصعوبة ـ ليست مرجعا طعنيا بالنسبة للأحكام غذ المفترض أنها ـ الأحكام المستشكل فيها ـ قد حسمت في كل الوقائع والسباب السابقة لها، أن صراحة أو ضمنا، وسواء دفع بها فعلا أمام المحاكم المصدرة لها أم لم يدفع بها.

 

وهكذا، فإن تأسيس الصعوبة على أن المحكمة المصدرة للحكم المستشكل فيه غير مختصة، أو أنها أخطأت في تكييف الوقائع أو في تقديرها، أو في تطبيق القانون عليها، أو لم تراع الإجراءات التي نص عليها القانون أو أنها لم تستجب أو لم تجب على الدفوعات المثارة، كل هذا إن صح كطعن في خصومة الاستئناف فهو لا يشكل ادعاء مقبولا، في دعوى الصعوبة مادام أنه يستهدف مباشرة سلامة الحكم شكلا ومضمونا ولا يثير أي عيب في إجراءات التنفيذ أو أي عارض من عوارضه على اعتبار أن الصعوبة في التنفيذ ما هي إلا:" منازعة تدور حول الشروط الواجب توافرها لاتخاذ إجراءات التنفيذ الجبري ..." (الدكتور أحمد أبو الوفاء ـ إجراءات التنفيذ ـ ط 82 ص 353) ـ أو إثارة لـ: "عيب أو بطلان شاب السند لتنفيذي" (الأستاذ ليديدي ـ قواعد تنفيذ الأحكام وإشكالياتها في منازعة الشغل ـ مجلة الإشعاع العدد السابع ص 24).

 

وإذا تبين للقاضي المختص أن مبنى الصعوبة سابق على صدور الحكم المستشكل فيه تعين عليه التصريح بعدم وجود الصعوبة والأمر تبعا لذلك برفض طلب إيقاف التنفيذ لكون ما عرض عليه بمقتضى منه الخوض في موضوع سبق الحسم فيه من طرف محاكم الموضوع صراحة أو ضمنيا ولكون القانون لا يسمح له بذلك باعتباره قاضيا للمستعجلات ـ الفصل 152 من ق.م.م.

 

وكما المتفق عليه فقها وقضاء فإن هذه النتيجة ـ ضرورة انبناء الصعوبة على وقائع لاحقة ـ تهدف إلى حماية حجية الشيء المقضي به متى كان السند المستشكل فيه حكما بطبيعة الحال.

 

ولذلك، لا يمكن ـ في إطار الصعوبة ـ قبول أية منازعة ف الحكم المراد تنفيذه إذا استندت على تخطئته أو نقده أو حتى على سبب يتعارض معه لما فيه من مساس بحجيته.

 

وكما سبق القول فإن الجهة المختصة للبث في الصعوبات التنفيذية لا تعتبر محكمة أعلى بالنسبة للحكم القضائي المنفذ به، كما أنها لا تعتبر درجة من درجات الطعن في الأحكام، وبالتالي فهي لا تملك نقضا أو تعديلا لهذه الأحكام (إشكالات التنفيذ الجبري في المواد المدنية والتجارية للدكتور نبيل إسماعيل ط 72 ص.25).

 

وعليه، إذا كان مثير الصعوبة طرفا في الحكم المستشكل فيه فلا يجوز له الاستناد في إشكاله على وقائع أو أسباب لاحقة لصدور الحكم إذ المفترض أن تلك الوقائع والأسباب قد اندرجت ضمن الدفوع في الدعوى وأصبح في غير استطاعة المستشكل التحدي بها على خصمه ـ نفس المرجع ـ.

 

أما الغير ممن لا يمكن الاحتجاج في مواجهته بالحكم المطلوب تنفيذه "لعدم اكتسابه الحجة إزاءه فله أن يبني إشكاله على وقائع وأسباب سابقة لصدور ذلك الحكم، كما يبل ممن لم يستدع للجلسة أو استدعي لها بكيفية غير قانونية ولم يحضر، الاستدلال بالسابق من الوقائع والأسباب حتى ولو كانت طعنا في الحكم الصادر في غيابه.

 

ذلك أن هذه النتيجة مبنية على افتراض اندراج تلك الوقائع والأسباب ضمن الدفوع في الدعوى التي صدر فيها الحكم موضوع الصعوبة.

وإذا انتفى ذلك الافتراض كما هو الشأن بالنسبة للغير أو للمحكوم عليه غير الحاضر ـ المثال السابق ـ انتفت النتيجة بدورها ـ.

وبالإضافة إلى ذلك، فمن الجائز الاستشكال في تنفيذ حكم لم يحسم في مسألة لم تطرح على المحكمة أو طرحت عليها ولم يصدر فيها قضاء بصورة صريحة أو ضمنية طالما أن مبنى هذا الاستشكال لا يمس ما قضت به المحكمة بالفعل من حث موضوع النزاع الذي صدر به الحكم أو سببه أو أطرافه (الدكتور خميس السيد إسماعيل موسوعة القضاء إشكالات وقضاء التنفيذ وإشكالاته ط 90-91 ص 320 ـ الدكتور نبيل إسماعيل عمر إشكالات التنفيذ الجبري ط 1982 ص 238 ـ الدكتور أحمد أبو الوفاء إجراءات التنفيذ في المواد المدنية والتجارية ط 1982 ص 354).

 

وقد جاء في حكم محكمة الأمور المستعجلة بالإسكندرية في 17/01/1955 في القضية رقم 4371 لسنة 1954 قضائية ما يلي:" إن الحكم المستشكل فيه يعتبر سندا تنفيذيا في أن المستشكل ضدهما الأول والثاني أصحاب حق قانوني في حيازة النصف شائعا في المحل ...).

 

وهذا هو الأمر الذي تعرض له الحكم المستشكل فيه، وقضى فيه في حدود طلبات طالب التمكين. أما تحديد مكان الجزاء الواجب تسليمه وموقعه من الدكان فهو لم يكن موضوع طلبات الخصوم ولم يكن بالتالي موضوع حكم المحكمة، فلا يعتبر الحكم المستشكل فيه سندا تنفيذيا في هذا الخصوص لأنه لم يتعرض لهذه المسألة بقضاء ولا هي مطلوبة منه، ومن تم فالتسليم الذي نص عليه الحكم وقضى به يعتبر سندا تنفيذيا فيه هو التسليم الشائع المعنوي ـ أي التسليم الرمزي أما التسليم المادي ف يكفي فيه أن يطلب من المحكمة الموضوعية تمكين من بين بقية أجزاء الدكان وأن تقضي المحكمة بذلك،وهذا أمر يحتاج بطبيعة الحال إلى فحص وإلى نقاش أمام محكمة الموضوع وقد يحتاج الأمر إلى معاينة أو ندب خبير ... ومن تم يكون الإشكال قائما على سند من الجد ...")، (هامش ص 355 من مؤلف إجراءات التنفيذ للدكتور أحمد أبو الوفاء).

 

وإذا كان القرار  ـ المقروء ـ قد كرس هذه الأفكار فيبدو أن لرئاسة محكمة الاستئناف بالرباط ـ بالنيابة ـ رأيا آخر ذلك أنها صرحت بوجود صعوبة جدية، وقررت إيقاف تنفيذ الحكم المستشكل فيه أمامها بناء على أن "الدفع بعدم قبول طلب الصعوبة على أساس أن الأسباب المعتمد عليها في طلب الصعوبة سبق اعتمادها في طلب إيقاف التنفيذ لا يرتكز على أساس مادام أن الأساس القانوني لطلب الصعوبة يختلف عن الأساس القانون لطلب إيقاف التنفيذ".

 

وبناء على ما تبين لها من دراسة الملف ومستنداته ـ صورة لتصفية الحساب ـ من أن الأسباب المعتمد عليها في طلب الصعوبة هي أسباب جدية لها ما يبررها ـ ملف استعجالي عدد: 1812/92 بتاريخ 22/06/92 ـ مجلة الإشعاع العدد الثامن ص 118).

 

وإذا كان من الأكيد أن أساس طلب إيقاف التنفيذ أمام غرفة المشورة يختلف عن أساس طلب إيقاف التنفيذ أمام الرئاسة في قضايا الصعوبة على اعتبار أن:

الأول: يلجأ إلى تفادي التنفيذ المؤقت القضائي ويبنى إما على عدم وجود سند رسمي، أو تعهد معترف به، أو حكم سابق غير مستأنف أو على عدم تعليل أو عدم كفاية التعليل، إذ أن الحكم به يبقى خاضعا لمقتضيات الفصل 50 من ق.م.م. التي توجب تعليل الأحكام.

 

وقد يبنى على عدم توضيح ظروف القضية أو على عدم صحتها أو على مدى ارتباطها ـ الظروف ـ بالنازلة  أو على احتمال إلغاء الحكم المستأنف أو وقوع الضرر الجسيم (الدكتور محمد السماحي ـ نظام النفاذ المعجل للأحكام المدنية في القانون المغربي ط 85 ص 314 إلى 319) وتنظر فيه غرفة المشورة باعتباره فرعا من الاستئناف).

 

أما الثاني، فيلجأ إليه، لإيقاف تنفيذ الحكم المشمول بالنفاذ المعجل قانونا، أو قضاء أو الحكم النهائي القابل للتنفيذ الجبري ولا يمكن أن يؤسس إلا على أسباب أو وقائع لاحقة على صدور الحكم المستشكل فيه تستهدف مباشرة إجراءات التنفيذ أو القوة التنفيذية للحكم المنفذ به.

 

وتختص به الجهة الرئاسية ـ من المحاكم ـ وهو يعكس طلب إيقاف التنفيذ المعجل بحكم القضاء ليس متفرعا عن استئناف، وعرض النزاع في الموضوع على محكمة الاستئناف، ليس إلا شرطا للنظر في الصعوبة من طرف رئيسها الأول، ذلك النظر الذي لا يلتفت فيه الرئيس لا إلى قانونية الاستئناف ولا إلى أسبابه، وإنما ينحصر في تقدير جدية الصعوبة المعروضة عليه وهو من هذه الناحية يختلف كذلك عن إيقاف التنفيذ المطروح على غرفة المشورة ـ الفصل 147 من ق.م.م. ـ التي لها أن تصرح بعدم قبوله ـ طلب الإيقاف ـ إذا بان لها من ظاهر أوراق الملف، أن الاستئناف غير قانوني، أو كان الحكم المطلوب إيقاف تنفيذه مشمولا بالنفاذ المعجل قانونا، والتي لها كذلك أن تنظر فيما إذا كان من شأن أسباب الاستئناف التأثير على الحكم المستأنف أم لا.

 

ثم إن قبول الحكم صراحة من طرف المحكوم عليه، وإن كان لا يسمح له بطلب إيقاف تنفيذه أمام غرفة المشورة ـ الاستئناف شرط أساسي لقبول هذا الطلب ـ فهو بعكس ذلك، لا يمنعه من إثارة الصعوبة في تنفيذه أمام رئيس المحكمة الابتدائية.

 

وتبعا لذلك، فليس هناك ما يمنع المحكوم عليه بحكم نافذ معجلا قضائيا ـ في حالة استئناف ذلك الحكم ـ أن يتقدم بطلب إيقاف تنفيذه إلى غرفة المشورة، وأن يتقدم بطلب آخر إلى الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف لإيقاف تنفيذ نفس الحكم بناء على وجود صعوبة.

 

ذلك " أن إيقاف التنفيذ من أجل الصعوبة في نطاق مقتضيات الفصل 149 من ق.م.م. يختلف في مجمله عن إيقاف التنفيذ في إطار الفصل 147 من ق.م.م. كما أن آثار الصعوبة تنسحب على جميع الأحكام، كانت نهائية أو مشمولة بالنفاذ المعجل بينما الثاني يقتضي المطالبة به في الحكم المطعون فيه فقط " ( من مخطوط غير منشور للأستاذ محمد الغازي الحسيني الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف بمراكش).

 

كما أن رفض طلب إيقاف التنفيذ من طرف غرفة المشورة لا أثر له على دعوى الصعوبة المقامة أمام الرئاسة، لاختلافهما في المسطرة والموضوع والأسباب وجهة الاختصاص، وهو فعلا ما أثبته قرار رئاسة محكمة الاستئناف بالرباط ـ بالنيابة ـ المشار إليه أعلاه ـ إلى أن ما يجعل هذا القرار محل نظر هو تصريحه بوجود صعوبة اسمها رافع المقال على فساد التعليل الوارد بالحكم المستشكل فيه وعلى كون المدعى أنكر توقيعه على وصل تصفية الحساب وأن القاضي الابتدائي لم يأمر بتطبيق الفصل 89 من ق.م.م. رغم مطالبته بذلك، مما يعتبر إخلالا بالمسطرة وإضرارا به.

 

مع أن تلك "الدفوع" سبق أن أثيرت أمام قاضي الموضوع" وليس لقاضي المستعجلات ـ قاضي الصعوبة ـ أن ينظر في دفع ولو كان قانونيا سبق أن أثير أمام محكمة الموضوع" (مخطوط غير منشور للأستاذ محمد الغازي الحسيني الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف بمراكش) زيادة على أن التحدي بعدم تطبيق مقتضيات الفصل 89 من ق.م.م. ليس إلا مؤاخذة بعد تطبيق القانون ومجادلة في رأي القاضي، وبالتالي فهو طعن في حكم لا تجوز إثارته أمام قاضي الصعوبة.

 

وإذا كان هذا القرار لم يبث في قانونية الوصل المذكور ـ وصل تصفية الحساب ت فإنه قد صرح بجدية الدفع بإنكار التوقيع الذي سبق لقاضي الموضوع أن قرر صرف النظر عنه طبقا للفصل 89 من ق.م.م. نفسه).

وعموما فإن الادعاء بعدم تطبيق القانون والمجادلة في تقدير الوقائع والحجج إن كان ممكنا التحدي به أمام محكمة الاستئناف باعتبارها مرجعا طعنيا، فإن تأسيس الصعوبة عليه يبدو غير مقبول، لأن البث قد يتعارض مع حجية الحكم المستشكل فيه ومع عدالته المفترضة، ذلك أن المشرع قد حدد طرقا معينة للطعن في الأحكام ليس من بينها "دعوى الصعوبة في التنفيذ" كما حدد الجهات المختصة بالنظر في ذلك الطعن وليس من بينها الجهة الرئاسية.

 

غير أنه:

إذا كانت قاعدة انبناء الصعوبة على وقائع وأسباب لاحقة لصدور الحكم المستشكل فيه ترمي كما هو متفق عليه في الفقه والقضاء إلى تحصين حجية ذلك الحكم.

فهل بإمكان قاضي الصعوبة ـ في المغرب على الخصوص ـ أن ينزع تلقائيا إلى حماية تلك الحجية، إذا ما تبين له أن مبنى الصعوبة سابق لصدور الحكم مع العلم أن مقتضيات الفصل 452 من ق.ل.ع. لا تسمح بذلك حتى لمحاكم الموضوع؟ أم أن هذه المقتضيات لا تطال قاضي الصعوبة؟

 

وللمقارنة فقط، فإن الفصل 463 من مجلة الالتزامات والعقود التونسية ينص على أن:" المعارضة بالحكم الذي لا رجوع فيه تكون ممن لهم مصلحة في الاحتجاج به لا من المحاكم".

وبخلاف التشريعين المغربي والتونسي فقد نصت المادة 101 من قانون الإثبات المصري على ما يلي:" ... وتقضي المحكمة بهذه الحجية من تلقاء نفسها".

كما نصت المادة 116 من قانون المرافعات المصري كذلك على أن "الدفع بعدم جواز نظر الدعوى لسبق الفصل فيها تقضي به المحكمة من تلقاء نفسها".

 

وهل بالإمكان القول بدلا من ذلك أن قاضي الصعوبة في المغرب لا يطبق القاعدة المذكورة بهدف حماية حجية الشيء المقضي ليحاج بمقتضيات الفصل 452 من ق.ل.ع.وإنما يطبقها كمقتضى فرضته ـ وتفرضه ـ طبيعة الصعوبة وحتى طبيعة اختصاصه ـ على اعتبار أن الصعوبة ليست طعنا في الحكم وهو نفسه ليس مرجعا للطعن في الحكام ـ ومن تم جاز له صرف النظر عن كل ما يمكن أن يشكل طعنا في الحكم المستشكل فيه حفاظا على طبيعة الدعوى وعلى قاضيها ... أم أن الأمر لا يعدو أن يكون تطبيقا لقاعدة عدم المساس بالموضوع المعتبرة من النظام العام والمفروضة حتى على قاضي الصعوبة بوصفه قاضيا استعجاليا ـ الفصل 152 من ق.م.م.

 

أم هل يمكن القول بعكس كل ذلك، أن لقاضي الصعوبة حق الإثارة التلقائية لكل ما يمكن أن يشكل مساسا بالشيء المقضي به، طبقا للفصل 436 من ق.م.م. الذي ينص على ما يلي:" ... ويقدر الرئيس ما إذا كانت الصعوبة مجرد وسيلة ترمي إلى المساس بالشيء المقضي به حيث يأمر بصرف النظر عن ذلك...".

مع ذلك يبقى السؤال حول إمكانية الإثارة التلقائية لما يمكن أن يمس حجية الحكم المستشكل فيه عالقا، وفي حاجة إلى المزيد من التأصيل.

 

المحور الثالث:

ومن جملة مستخلصات القرار الصادر عن السيد الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف بمراكش، موضوع هذه القراءة، أن البث في الدفوعات التي سبقت إثارتها أمام المحكمة الابتدائية والمعروضة أمام محكمة الاستئناف يخرج عن اختصاص الرئيس الأول كقاض للمستعجلات.

فمن الأكيد، أن لكل صعوبة في التنفيذ وجهين: أحدهما موضوعي والآخر وقتي وتختص بالنظر في الأول محاكم الموضوع طبقا للفصل 26 من ق.م.م. ويلتمس منها الحكم ببراءة ذمة المحكوم عليه الذي قام بتسديد الدين مثلا بعد صدور الحكم المستشكل فيه والتصريح بعدم صلاحية الحكم للتنفيذ به.

 

والثاني يختص به رئيس المحكمة الابتدائية أو الرئيس الأول متى كان النزاع في الموضوع معروضا على محكمة الاستئناف ويطلب منه الحكم بوقف التنفيذ ـ كإجراء مؤقت ـ إذا كان رافع الصعوبة هو المحكوم عليه أو الغير ـ أو الاستمرار فيه ـ متى تعل الأمر بطالب التنفيذ الموقوف لسبب من الأسباب).

 

غير أنه، إذا كانت أسباب لصعوبة لاحقة لصدور الحكم فبإمكان رؤساء المحاكم تقدير جدية تلك الأسباب للأمر بإيقاف التنفيذ أو الاستمرار فيه أو برفض الطلب، ولا يمنعهم من ذلك تعلق تلك الأسباب بالموضوع مادام المطلوب إجراء وقتيا وليس حكما في موضوع تلك الأسباب.

فالمحكوم عليه الذي أدى الدين بعد صدور الحكم المستشكل فيه يستطيع مراجعة قضاء الصعوبة للحصول على أمر بإيقاف التنفيذ بناء على ذلك ودون التصريح ببراءة ذمته الذي تختص به محكمة الطعن أو محاكم الموضوع حسب الأحوال.

 

مراكش في: 19/04/1993.


تعليقات