القائمة الرئيسية

الصفحات

النظام القضائي المستقل

 


النظام القضائي المستقل

 

         يحتل القضاء المستقل والنزيه والعادل مكانا" مركزيا" في المسعى الرامي الى إيجاد حكومة عادلة ونزيهة ومنفتحة ومسؤولة.

   والقضاء يجب ان يكون مستقلا" عن السلطات الأخرى(التشريعية والتنفيدية) إذا كان له أن يؤدي دوره الدستوري في الرقابة على الإجراءات التي تتحدها الحكومة أو المسؤولون الحكوميون لكي يحدد ما اذا كانت تراعي المعايير التي تم تأكيدها في الدستور، والقوانين التي تم سنها بواسطة المجلس التشريعي. ففي الديموقراطيات الناشئة يتعين على القضاء القيام بمهمة إضافية وهي ضمان ان القوانين الجديدة التي يتم إقرارها بواسطة السلطة التنفيذية أو المؤسسات التشريعية لا تنتهك الدستور ولا تؤدي الى الانتقاص من الحقوق الأساسية التي يكفلها الدستور نفسه.

فالقضاء الدستوري الذي يراقب مدى صحة انطباق القوانين والتشريعات الموازية على الدستور يلعب دورا" مهما" على هذا الصعيد. ولقد تمثل هذا بالقضاء الدستوري في العالم العربي حديثا" ( مصر ولبنان والجزائر... الخ) كما يمكن ان تعطى المحاكم العادية صلاحية النظر في مدى صحة انطباق القوانين على الحقوق الدستورية وذلك عن طريق حق الدفع بعدم دستورية القانون موضوع التطبيق.

الا ان استقلال السلطة القضائية ودورها في الرقابة على السلطتين التنفيذية والتشريعية له أهمية اكبر من ذلك بكثير في النظام الديموقراطي الحديث. ان مبدأ الفصل بين السلطات يجد تجسيده الأمثل في قيام سلطة قضائية بدور الرقابة والمرجعية على السلطات الأخرى حيث تهيمن الأحزاب السياسية على السلطتين التنفيذية والتشريعية في آن معا". لذا فان استقلال السلطة القضائية يشكل معيارا" اساسيا" لمبدأ الفصل بين السلطات في النظام الديموقراطي. وفي هذا النظام تعتبر السلطات الدستورية السياسية مسؤولية امام الشعب بصورة اساسية، في حين ان السلطة القضائية تعتبر مسؤولية امام قيم سامية وامام معايير النزاهة القضائية التي يحددها القانون نفسه. فالسلطة القضائية هي ايضا" تخضع لاصول المحاسبة والمراقبة والمساءلة ولكن وفق اصول يحددها القانون.

ان استقلال السلطات، واستقلال القضاء وخضوعه للمسؤولية في النظام الديموقراطي مفاهيم تقوي بعضها بعضا". فاستقلالية القضاء لا تخص المؤسسة

 

القضائية (أو المرفق القضائي وحده) وليست مصممة لمصلحة قاض بعينه، ولا حتى لمنفعة القضاء كهيئة، بل انها مصممة لخدمة الشعب وتحقيق العدالة.

   والمسؤولية القضائية لا تمارس في فراغ، فالقضاة يجب ان يعملوا ضمن حدود قواعد وقوانين، وبما يتفق مع اليمين التي حلفوها والتي تردعهم عن التفكير بأنهم يستطيعون ان يفعلوا ما يشاؤون، ولكن كيف يمكن محاسبة القضاة من دون تقويض المفهوم الأساسي والمركزي لاستقلال القضاء؟

  يحاسب القضاة من خلال الأصول الخاصة والإجراءات التي يعملون وفق معاييرها وشروطها ويمارسون سلطتهم من خلالها.

- فالقضاة يمارسون أعمالهم في إطار من العلانية الكاملة. اي في أماكن معدة خصيصا" لهذا العمل مفتوحة ومباحة للجمهور، ولا سيما جمهور المتقاضين والمحامين. والعلانية مبدأ اساسي من مبادىء المحاكمة العادلة.

- تخضع أحكام القضاة للمراجعة أمام محكمة اعلى. ان من المبادىء الاساسية للمحاكمة العادلة ضمان حق المراجعة والطعن بالاحكام لدى هيئة أعلى تمارس رقابتها على الوقائع والقانون. وفي النظم القضائية العربية غالبا" ما يضمن حق المراجعة الاستئنافية والتمييزية.

- القضاة مجبرون على تعليل احكامهم وقراراتهم الامر الذي يفرض قياساً قانونياً لها  وهي عرضة للنشر. وينشأ عن ذلك رقابة علمية خاصة من زملاء القضاء ومن المحامين ورجال القانون وتلعب المجلات العلمية والابحاث الفقهية دورا" مهما" في الرقابة على اعمال القضاة.

- خضوع القاضي للمساءلة أمام هيئات التفتيش القضائية وأمام المجالس التأديبية وبالتالي للعقوبات التأديبية والجزائية واحيانا" العزل.

- هناك مبدأ مخاصمة القضاة انفسهم عن الخطأ الذي يرتكبونه سواء كان خطأ في فهم القانون أو تطبيقه أو بسبب الغش والخداع والرشوة واستغلال السلطة والنفوذ. وتسمى هذه المراجعة في بعض الدول مخاصمة القضاة او مساءلة الدولة عن اعمال قضاتها.

- يخضع القضاة لمبدأ ردهم من قبل الفرقاء بسبب القرابة او المصلحة وكذلك يخضعون لمبدا التنحي من قبلهم بداعي الحرج .

وبالمقابل تكفل بعض الانظمة القضائية حق هؤلاء القضاة في مراجعة القضاء الاداري طعنا" في القرارات التأديبية الصادرة بحقهم.

-         يخضع القضاة للقوانين التي يسنها المجلس التشريعي ولا سيما قوانين

اصول المحاكمات او الاجراءات. كما يلزمون حكما" بتطبيق القانون حيث لا مساغ للاجتهاد في مورد النص الصريح. كما يخضعون لآليات المراقبة والمحاسبة التي ينص عليها التشريع.

- يكونون عرضة للانتقاد من الآراء الفقهية ومن رجال القانون ومن وسائل الاعلام. رغم ان هذا الشكل من الرقابة يفترض تنظيمه بعناية ودقة فلا يشكل ضغطا" معنويا" على قرار القاضي وقناعاته. فبعض القوانين تنص على منع نشر وتداول التحقيقات الجزائية والتأديبية قبل ان تتبلور في قرار ظني أو تأديبي وكذلك عدم نشر القضايا المتعلقة بالاحوال الشخصية التي تمس في اعتبار وكرامة الاشخاص.

- ويكون القضاة ايضا" في بعض النظم مسؤولين أمام اقرانهم وزملائهم. ليس فقط مسؤولية معنوية عن نتاج عملهم، بل يخضعون للتقويم في جلسات الانتخاب والترشيح للمناصب العليا.( وهذا النظام موجود في مصر) وفي بعض الدول يخوض القضاة معارك انتخابية للوصول الى الهيئات العليا او الهيئة العليا المشرفة على اعمال القضاء. لقد تم اعتماد مبدأ انتخاب بعض القضاة الى مجلس القضاء الاعلى في لبنان مؤخرا" ويعد ذلك من الامور الاصلاحية الاساسية لبلورة السلطة القضائية المستقلة. في حين ينتقد البعض هذا المسعى وينزهون القضاة عن مبدأ المنافسة الانتخابية.

والحقيقة هي ان سلوك هذا الطريق لاختيار القضاة خصوصا" للمناصب العليا، بواسطة الانتخاب من زملائهم، يعزز استقلال القضاء ويمنحه شخصيته المستقلة.

ان وجود جمعية عامة للقضاة تتولى التقويم للعمل القضائي وتنتخب الهيئة المشرفة على عمل القضاء هي من الامور الجدية في تأكيد استقلال القضاء وحسن سير المهمة القضائية. كما ان وجود شرعة اخلاقية للعمل القضائي ومعايير للسلوك الاجتماعي خاصة بالقضاة ما يؤمن حسن سير المرفق القضائي.

هذه الاشكال من المراقبة والمحاسبة التي يكفلها النظام القضائي ليست متوفرة جميعها في العالم العربي .

يخرج عن هذه المبادىء مثلاً المحاكم الاستثنائية كمحاكم امن الدولة في مصر وسوريا ولبنان والتي تطبق قوانين الطوارىء ولا تخضع احكمامها للمراجعة امام محكمة اعلى ولا تتضمن المحاكمة امامها الشروط الكفيلة بحق الدفاع .كذلك المجلس العدلي في لبنان حيث المحاكمة على درجة واحدة . اما المحاكم العسكرية فلا تتالف من قضاة .كما ان محاكم الاحوال الشخصية غالبا لا تتالف من قضاة ولا تخضع احكامها لنفس المعايير التي تضمنها المحاكمة العادلة .

 

مواطن الضعف في النظام القضائي:

ان المؤشر الرئيسي على ان الفساد آخذ في التفاقم الى حد الخروج عن السيطرة، هو وجود اختلال في وظائف النظام القضائي. ولهذا السبب هناك ضرورة مطلقة لاقامة حكم القانون. وتشير الدراسات الاستطلاعية في العديد من الدول الى تراجع نسبة الثقة من جمهور الناس في القضاء. ان الناس في بلدان كثيرة يعتبرون انظمتهم القضائية فاسدة بشكل ميؤوس منه. في لبنان مثلا" يشكل موضوع استقلال القضاء ونزاهتة موضوع مناقشة دائمة بين القوى السياسية والحكومة ولا سيما في القضايا الجنائية التي تحال على المجلس العدلي او القضايا التي تكتسب طبعا سياسيا مؤثرا على الجمهور . وفي بعض الدول هناك مشكلة اساسية تتعلق بتنفيذ الاحكام القضائية.

   اما الذين يسهمون في صنع هذا المشهد الخطر على سمعة العدالة فهم كثر:

-           يسهم المحامون الذين يطلبون الرشاوى للقضاة ويحتفظون بها في غالب الاحيان في تشويه صورة القضاء.

-           يسهم الموظفون في قصور العدل في اخفاء الملفات وتأخير موعدهااوتقريب موعدها لقاء رشاوى ومكافآت

-           يسهم الخبراء والشهود أيضا" فـي العمل القضائي ويساهمون فـي الحد من فاعليته.              

-  تسهم الضابطة العدلية بصورة أساسية في التحقيقات الجزائية في تشويه عمل القضاء. وكذلك الأطباء الشرعيون والهيئات الحكومية التي تعاون القضاء كهيئات السجل العقاري والعدلي والمفارز القضائية للتبليغات.

هكذا يكون القضاء أحيانا" في موقع ضعيف تجاه الهيئات والاشخاص الذين يعاونوه في انجاز المهمة القضائية.

وتمارس السلطة التشريعية تاثيرها على القضاء عن طريق سن القوانين التي تعرقل العدالة كقوانين العفو مثلا او كسن القوانين التي تلغي مفاعيل الاحكام القضائية او عن طريق تقييد القاضي في بعض اشكال تطبيق القانون ومنعه من حق التقدير وهذه امور حصلت في لبنان فضلا عن ذلك المناقشات البرلمانية التي تتناول اعمال القضاء والتي تعد من اشكال التاثير عليه وتجاوزا لاستقلاله .

 

لكن الأهم من ذلك كله ما تقوم به السلطة التنفيذية من أعمال للتدخل في القضاء أو للتأثير على عمل القضاة.

في بعض البلدان تملك السلطة التنفيذية صلاحية خاصة لتحريك الملفات الجزائية بوجه خاص، كالادعاء أمام محاكم أمن الدولة في بعض الدول العربية أو المجلس العدلي في لبنان. فالاحالة على المجلس العدلي او محاكم امن الدولة منوطة بالحكومة نفسها.

كما تملك السلطة التنفيذية التأثير في الملاحقة القضائية أم عدمها بواسطة النيابات العامة التي تعتبر في غالب الأنظمة ذراع الحكومة رغم أنها يجب أن تمثل الهيئة العامة للمجتمع وليس الحكومة. وفي طريق التأثير على هذه الملفات يتم التأثير على صورة القضاة أنفسهم.

كما تملك الحكومة في معظم الدول العربية سلطة التعيين والتشكيلات والمناقلات للقضاة وبواسطة هذه السلطة يمكن ان تعطي امتيازات للقضاة في مناصبهم او تقوم بمعاقبتهم او اقصائهم عن بعض الهيئات وعن بعض الملفات.

  ان سلطة تعيين القضاة وتشكيلهم ونقلهم وعزلهم هي غالبا بيد السلطة التنفيذية في معظم البلاد العربية .                   

    وتملك الحكومة وسائل اخرى للتأثير من خلال هدايا القضاة وتكريمهم وتقديم  المنازل والسيارات والامتيازات لابناء القضاة واقربائهم. ولعل أسوأ وسيلةللتأثير على القضاة تكمن في التشكيلات والمناقلات حيث يعين المرضي عنهم في مراكز حساسة جدا" ويبعد غير المرضي عنهم. وعن طريق الاقصاء هذا  يمكن ابعاد القضاة عن بعض الملفات. ومن المهم على هذا الصعيد ان تكون  التشكيلات والمناقلات وتوزيع الملفات من صلاحية القضاة انفسهم سواء الهيئة  العليا المشرفة على القضاء او رئاسة كل محكمة على حدة.

فعندما يفقد القاضي عطف السلطة التنفيذية قد يتعرض لضروب عديدة من التضييق والحرانات من الامتيازات بما في ذلك عدم الاهتمام بالمحكمة التي يعمل فيها آو متراكمة القضايا والملفات أمامه أو عرقلة عمله بواسطة الجهاز الإداري المعاون. وقد تلجأ الحكومة نفسها آلي استخدام وسائل الأعلام في نقد عمله والتشهير به.

وللتقليل من إمكانيات ذلك كله ومن فرص حدوثه تناط مسؤولية ادارة المحاكم من اعلى آلي ادنى بما في ذلك تحديد الميزانية المالية والخدمات

الادارية والتعيينات والنقل والتأديب بيد القضاة انفسهم وليس بيد الحكومة آو الموظفين الآخرين.

ومن بين وسائل التاثير على القضاة تبرز اهمية المداخلات التي يقوم بها القضاة انفسهم ولا سيما في الهيئات العليا على القضاة الادنى درجة .وتشكل هذه المداخلات واحدة من الاساليب التي تفسد العمل القضائي .

     وعندما يصل الامر الي حد شن هجمات النقد، او ممارسة الانتقادات العلنية لاسيما بواسطة النشر، او حتى بواسطة الخطب البرلمانية ويحدث هذا في جميع النظم الديموقراطية، فينبغي للقضاة الا يعتبروا انفسهم فوق النقد وعليهم ان يثبتوا مصداقيتهم بالوسائل التي يتيحها العمل القضائي نفسه والمرجعيات القانونية- كآراء الفقهاء الكبار ورجال القانون والمجلات العلمية القانونية، والهيئات القضائية الأعلى عندما تصدق احكامهم.

     فمن غير الجائز كبت النقاش في موضوع العدالة خارج النظام القضائي وداخله. خاصة عندما تثار قضايا تتعلق بالفساد.

     فمن الخطر جدا" اعطاء القضاة حصانة مطلقة عن المساءلة والنقد. لكن النقد ينبغي ان يكون منضبطا" وعادلا" ومعتدلا" وعلى الاخص ينبغي ان يتجنب السياسيون اصدار البيانات حول القضايا التي لا تزال قيد النظر بواسطة المحاكم وينبغي الا يستغلوا حصانتهم النيابية مثلا" كمشترعين لمهاجمة القضاة، آو التعليق على طريقة معالجتهم للقضايا المختلفة.

     كما ان من واجب المسؤول الرئيسي عن جهاز القضاء في الحكومة

( وزارة العدل) ان يعتبر بأن واجبه يفرض عليه ان يدافع عن اعضاء جهاز القضاء ضد الانتقادات المفرطة والهدامة بواسطة زملاء له في الحكومة آو البرلمان. كما يتعين على رئيس القضاء ان يلعب دورا" مهما" في ان يتحدث نيابة عن جميع القضاة في تلك القضايا النادرة التي تتطلب اتخاذ موقف جماعي.

     وفي المستوى الادنى لنظام المحاكم، يمكن استعمال وسائل فاسدة متنوعة من اجل افساد نظام العدالة. وتشتمل هذه على محاولة التأثير على مجرى التحقيق وعلى القرار بمباشرة الدعوى. حتى قبل ان تصل القضية آلي المحكمة واغراء مسؤولي المحكمة باضاعة الملفات وارجاء القضايا آو تخصيصها لقضاة صغار وافساد القضاة انفسهم والذين غالبا" ما يتقاضون رواتب ضئيلة آو تكون لديهم قابلية للتأثير بسرعة بوعود كالترقية مثلا". آو عن طريق رشوة محامي الخصم لكي يعملوا ضد مصلحة زبائنهم.

     ان مراجعة طريقة معالجة سجلات المحاكم واستحداث وسائل تعقب حديثة يمكن ان تفعل الكثير من اجل القضاء على الفساد على المستوى الصغير الذي يتفشى في المحاكم في بلدان كثيرة.

 

     من الواضح ان هذه الممارسات الفاسدة تستدعي عملا" على عدة جبهات فاولئك المسؤولون عن التحقيقات واقامة الدعاوى يجب عليهم ان يفرضوا معايير سلوك عالية على مرؤوسيهم، والموظفون في المحاكم يجب ان يكونوا مسؤولين عن سلوكهم امام القضاة، وان يخضعوا للعقاب بواسطة القضاة عندما يضيعون الملفات مثلا". وجهاز القضاء نفسه يجب ان يصر على وجود معايير اخلاقية عالية ضمن صفوفه مع ايلاء عناية كافية للشكاوى وعند الضرورة ان تقوم فرق التفتيش بزيارة المحاكم الدنيا لضمان انها تقوم بوظيفتها حسب الاصول.

     كما يتوجب ايضا" تشجيع الجمعيات القانونية ونقابات المحامين على اتخاذ اجراءات صادقة ضد الاعضاء الذين يتصرفون بطريقة فاسدة.

ان حقيقة ان النظام قد يكون هو نفسه فاسدا" لا يعني بأن المحامين انفسهم يجب ان يكونوا جزءا" من ذلك النظام. بسبب انهم حاولوا في الواقع ممارسة مهنتهم في بيئة فاسدة، بيئة كانوا "مضطرين" فيها آلي اللجوء آلي الفساد هم انفسهم من اجل الحصول على خدمات يوجد لزبونهم حق شرعي فيها، لكنه كان يمنع بطريقة غير قانونية من الحصول عليها، آو ما يطلق عليه اسم الفساد وفقا" للقانون. يجب اعادة النظر في هذا الموضوع والضرر الذي يحدثه للمجتمع. فان دفع الاكرامية آو البخشيش يمكن ان يتم التسامح به مع البواب آو الحاجب آو الخادم ولا يمكن ان يتسامح به على مستوى رجل القانون (المحامي).

   ونقطة الضعف التي يمكن للقاضي ان يجد نفسه فيها كالتقاعد والاحالة على المعاش في ظل رواتب ضئيلة، فان ذلك يجب ان يعالج من قبل الدولة نفسها لتمكين القاضي من ان ينهي حياته بصورة مرضية وتقوم بعض الانظمة بمكافأة القاضي المتقاعد باعطائه منصبا" دبلوماسيا" او صفة استشارية، ويلجأ القضاة غالبا" آلي مهنة التعليم آو ممارسة مهنة المحاماة وهذا ما يحافظ على كرامتهم.

التعيينات في الجهاز القضائي:

    ان وظيفة القاضي ان يفسر القانون لكي يطبقه على الحالة المعروضة عليه وفقا" للمبادىء الاساسية للتفسير. وبهذا المعنى يجب ان يكون القاضي مستقلا" في فهم القانون لا تأثير عليه لاي سلطة اخرى. لكنه ليس مخولا" ابدا" في ان يتصرف بطريقة اعتباطية آو تحكمية.

لقد اصبح الحق في الحصول على محاكمة عادلة امام محكمة نزيهة حقا" من حقوق الانسان الاساسية المتعارف عليها عالميا".

    ان الافراد الذين يختارون لمناصب قضائية يجب ان يمتلكوا النزاهة والمقدرة والتدريب المناسب والمؤهلات المناسبة في حقل القانون. وبهذا المعنى ان المحاكم الاستثنائية التي لا يتوافر فيها هذا الشرط اي التخصص العلمي القانوني تعد مخالفة لمبدأ المحاكمة العادلة والمحكمة النزيهة. وعلى هذا الصعيد فان المحاكم العسكرية آو المحاكم التي يتولاها قضاة من غير تخصص قانوني لا تؤمن العدالة وهذه موجوده في العالم العربي من خلال محاكم امن الدولة والمحاكم العسكرية ومحاكم الاحوال الشخصية المستقلة عن النظام القضائي ولا تطبق القانون المدني العام  . ويجب الا تنطوي عملية الاختيار على تمييز ضد شخص ما على اساس العرق او الاصل او الجنس او الدين او الرأي السياسي وغير السياسي، او الاصل القومي او الاجتماعي او الملكية او الولادة او المكانة. لكن لا يعتبر عملا" من اعمال التمييز الاصرار على ان يكون المرشح لمنصب قضائي مواطنا" من مواطني البلد المعني. فالقضاء سلطة تمارس من ضمن السيادة الوطنية.

  أما الطريقة التي يتم بها تعيين القضاة، ومن ثم ترقيتهم، تعتبر حاسمة بالنسبة لاستقلاليتهم، فمن الضروري الا ينظر اليهم كمعينين سياسيين، بل كاشخاص عينوا اعترافا" بمقدرتهم وحيادهم السياسي.

  ينبغي ان يكون الجمهور واثقا" بان القضاة اختيروا على اساس الجدارة وتقديرا" لنزاهتهم ومؤهلاتهم وليس بسبب ولاءاتهم السياسية آو الحزبية.

  وعلى هذا الصعيد تشكل المباراة المفتوحة بين المرشحين لتولي منصب قضائي من الشروط الضرورية لتأمين هذا المبدأ. وفي العديد من البلدان العربية بما فيها لبنان هناك معهد للدروس القضائية فيختار القاضي وفقا" لمباراة ثم يقوم المعهد بتأهيله لمدة ثلاث سنوات.

   تختار البلدان المختلفة طرقا" متباينة في تعيين واعادة تعيين وترقية القضاة. يمكن ان يشارك في عملية الاختيار كل من السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية، والقضاء نفسه، وفي بعض البلدان ممثلو مهنة المحاماة والمجتمع المدني.

   ان القضاء الدستوري غالبا" ما يتم اختياره من قبل السلطتين التنفيذية والتشريعية وبالتوازن بينهما. هكذا هو الامر في فرنسا مثلا" وفي لبنان.

في الولايات المتحدة مثلا"، يصل الامر في بعض المناطق الي اختيار القضاة بواسطة الانتخاب الحر. وفي حين يشكل هذا عملا" ديموقراطيا" مميزا" الا انه لا يخلو من مخاطر الانحياز السياسي والاختيار السياسي على حساب الكفاءة. ففي كل مرة يجري الاختيار على اساس الانتخاب ينبغي ان يحاط بضمانات واسعة وكافية لاختيار الافضل انطلاقا" من التدقيق في قائمة المرشحين والتأكد من المقدرة المهنية والاخلاقية وعدم الحزبية.

   ومع ذلك فان احتمال قيام القضاة بحملات انتخابية لانتخابهم او اعادة انتخابهم هي عملية غير مستساغة. فمن حق الفرد ان يحصل على محاكمة عادلة امام محكمة نزيهة محايدة ومن غير المؤكد حصول ذلك في ظل اختيار القاضي وفقا" لعملية سياسية يحتاج فيها آلي رضى الناس ومحاباتهم والتودد لهم.

هناك مخاطر كافية ايضا" في جعل التعيين في الجهاز القضائي بيد السلطة التشريعية آو السلطة التنفيذية، آو القضاء نفسه على وجه الحصر. وكقاعدة عامة فعندما تكون هذه السلطات مسؤولة عن التعيين وعندما يكون هناك اقتناع بضرورة استقلال القضاء، فان التعيين يشتمل حقيقة على درجة معينة من التعاون والتشاور بين السلطة القضائية وبين الجهة التي تقوم بالتعيين فعلا".

   ولكن اذا شعر الجمهور ان عملية التعيين تقتصر على فئة معينة من الناس آو انها مشوبة باعتبارات سياسية، عندئذ ربما تكون هناك حاجة للجوء آلي مؤسسة من خارج مجتمع القضاء ومع ان هؤلاء الناس ليسوا على كفاءة خاصة للاختيار وتقدير الاوضاع المهنية والكفاءة الا انهم يستطيعون الحيلولة دون وقوع اساءة التصرف آو الانحياز السياسي.

   ينبغي ان تستند ترقية القضاة الي عوامل موضوعية خاصة: المقدرة، النزاهة، الخبرة، وينبغي ان تكون الترقية بمثابة مكافأة على المقدرة المهنية المميزة والا تكون بمثابة هدية على قرارات حزبية محابية للسلطة السياسية التنفيذية آو التشريعية.

ومن وسائل تحديد عمل القضاء وتقييمه يمكن انشاء سجلات للمحاكم تبين مدى انجازاتها وتحدد للقضاة فيها علامات على هذه الانجازات من بين الامور المهمة في ذلك تصديق احكامها من الهيئات الاعلى وعدم نقض آو فسخ آو ابطال هذه الاحكام.

   كما ان اختيار القضاة من اجل الترقية ينبغي ان يكون من شأن القضاة انفسهم، واذا كان للسلطة التنفيذية من رأي في هذا الامر فينبغي ان يكون باقل قدر ممكن. ان احتمال منح الترقية لمكافأة على كون القاضي (لطيفا") مع السلطة التنفيذية يجب الا يكون واردا" ابدا".

اشتراط أسباب العزل:

  ان عزل القاضي هو أمر خطير، لذلك يجب الا يسمح بحدوثه، اذا كان هذا العزل حاصلا" لان الحكومة ترغب في ذلك، بل ينبغي ان يتم وفقا" لاجراءات

محددة وملائمة، والتي يلعب فيها باقي القضاة ولاسيما هيئات الرقابة والتأديب دورا".

 

  ومن الضروري ان يكون للمحاكم صلاحيات ووسائل لرد التدخل الحكومي. واذا لم يكن الامر كذلك، فان عزل القاضي يمكن ان يقوض مفهوم استقلالية القضاء. ومع ذلك فمن الواجب ان يكون القضاة عرضة للمحاسبة دائما"، والا فان السلطة المنوطة بهم تكون عرضة للفساد.

ينبغي ان يكون ممكنا" عزل القضاة في حالات استثنائية فقط مع ضرورة عرض اسباب العزل امام هيئة ذات صفة قضائية وان يتاح للقاضي موضوع المساءلة حق الدفاع. ان مشاركة القضاء نفسه في تنظيم وضبط اعضائه بطريقة علنية شفافة يعتبر عموما" افضل لضمان استقلال القضاء.

  من البديهي ان يتمتع القاضي بحصانة ضد دعاوى التعويض عن الاضرار التي قد تنجم عن اجراءات غير سليمة آو تقصير اثناء ممارسة القاضي لوظائفه القضائية. شرط الا يعني ذلك ان الشخص المظلوم لا يستطيع ان يجد طريقة لتصحيح الوضع آو استرداد موقعه القانوني السليم وحقه. بل ان عليه ان يطالب بحقه من الحكومة لا من القاضي. وتعتمد بعض الانظمة القضائية كما هو الحال في لبنان على دعاوى مساءلة الدولة عن اعمال قضاتها.

   وينبغي ان يكون القضاة عرضة للعزل آو التوقيف عن العمل فقط لاسباب تتعلق بانعدام القدرة آو السلوك، والتي تجعلهم غير لائقين للقيام بواجباتهم. وقد اناط النظام القضائي اللبناني هذه المهمة بمجلس القضاء الاعلى الذي يشرف على القضاء لاعلان عدم اهلية القاضي لممارسة مهامه. واعطى النظام القضائي اللبناني القاضي نفسه حق مراجعة مجلس شورى الدولة (القضاء الإداري) للطعن في قرار مجلس القضاء الاعلى.

   ومن المألوف ان يكون قضاة الدرجات الاولى، او المحاكم البدائية أقل خبرة من قضاة المحاكم العليا. وهذا هو السبب الذي يقوم التنظيم القضائي في غالب البلدان على حق الطعن بالاحكام عبر استئنافها وتمييزها امام المحاكم الاعلى رتبة.

   وفي بعض الدول التي يوجد فيها محاكم استثنائية مثل محاكم امن الدولة او المجلس العدلي، حيث تتم المحاكمة على درجة واحدة غير قابلة للمراجعة وفي قضايا سياسية تمس أمن الدولة الداخلي والخارجي فيجب الاعتناء باختيار اكفأ القضاة لهذه المهمة والحرص الشديد على الاجراءات، ويجب ان تكون هناك

 

ضمانات رادعة لئلا يتحول القضاة سلطة خارجة المحاسبة، ويسيئون استعمال موقعهم هذا.

مدة اشغال الوظيفة والمكافأة:    

 

   كلما تعلق الامر بكبار القضاة او بالهيئات القضائية العليا كان من  الضروري أكثر ضمان استقلال القضاء. ومن ضمن الضمانات على هذا الصعيد تحصين القاضي ماديا" ومعنويا". فالقاضي يجب ان يحصل على مرتب ومكافأة مناسبة لعمله، ومن حق القاضي ان يظل في مركزه القضائي ومهمته ولا ينتقل اضرارا به، فاذا لم يكن القاضي مطمئنا" لدوره ولاستقراره المادي والمعنوي وموقعه الوظيفي فان الامر ينعكس على سلوكه القضائي.

   ان مبدا استمرارية القضاة في مراكزهم وعدم نقلهم آو تنحيتهم عن رؤية بعض الملفات وعدم تعرضهم للعزل الا لسبب مشروع وفق آلية محاسبة قانونية وبواسطة اجراءات قضائية مناسبة وعادلة، هو أمر مهم. كما ان مبدأ " ديمومة" العمل القضائي ضرورية حتى سن التقاعد المعمول به وفق الانظمة الوظيفية. وهذا ما يحد من قدرة السلطة التنفيذية على التأثير بعمل القضاء. وهذا المبدأ مبدأ الحصانة ضد النقل والعزل هو الذي يعطي القاضي قوة في مواجهة السلطة التنفيذية ويمنعه من محاباتها والتودد لها والعمل بتوجيهاتها بعيدا" عن الضمير والقانون. فلا يجوز للقاضي اذن ان يرتهن في استمرار عمله لاي سلطة خارجة عن النظام القانوني القضائي نفسه.

الادارة القضائية:

         هناك مجال واسع في معظم البلدان لازدهار الفساد داخل ادارة المحاكم. ويتراوح الفساد بين التلاعب بالملفات بواسطة موظفي المحكمة آلي سوء الادارة في توزيع القضايا على القضاة.

    لذلك هناك توجه بان تمنح البلدان قضاتها سلطة ادارة المحاكم وميزانية المحاكم التي توفرها الدولة. وفي العادة تكون هناك شخصية سياسية مسؤولة رسميا" عن الميزانية امام المجلس التشريعي الذي يوافق على الميزانية. وقد تمت المصادقة على هذا الحل بواسطة الخمسين دولة المستقلة الاعضاء في الكومنولث عام 1993 حيث اشار وزير العدل آلي ان تزويد الاجهزة القضائية بميزانياتها الخاصة بها قد ادى آلي دعم استقلال المحاكم ووضع القضاة في ظروف تمكنهم من مضاعفة الفعالية التي تعمل بها المحاكم.

 

 

مواثيق السلوك:

ان من اهم المبادىء التي تحكم العمل القضائي لتعزيز استقلال القضاء ترك القضاة انفسهم يتولون محاسبة القضاة. هناك عدة وسائل لذلك. لكن احد الخيارات التي تساعد على ضمان شفافية وقانونية المساءلة ايجاد معايير موضوعية سليمة ومنها ميثاق السلوك. وقد أقر قضاة لبنان ميثاق شرف بهذا المعنى في نهاية العام 2004. وهذا الميثاق يجب تطويره بواسطة القضاة انفسهم ليشمل كل سلوكيات القضاة.

         وقد استخدم ميثاق السلوك للفت نظر القضاة وتنبيههم أحيانا" لممارستهم القضائية والاجتماعية. كظهور القضاة في الحفلات السياسية والاجتماعية العامة وبعض السلوكيات التي يقوم بها ابناء القضاة خصوصا" الابناء المحامين.

رقابة الممتلكات والسلوك:

         تنص بعض قوانين البلدان على ضرورة ان يقوم الموظف او القائم بخدمة عامة منتخبا" كان أمر معينا" ومن بين هؤلاء القضاة بالكشف عن ممتلكاتهم وثرواتهم قبل وبعد ممارسة الوظيفة. وفي لبنان ينص قانون الاثراء غير المشروع على ذلك وعلى وجود التزام القاضي قبل مباشرة عمله بالتصريح عن ممتلكاته وثرواته والا عد مستقيلا".

         اضافة لهذه الوسيلة في مراقبة السلوك هناك قوانين في بعض البلدان تتعلق بالحصول على المعلومات وتعليل القرارات الادارية. ويشكل تبسيط العمل الإداري في المحاكم ووضوحه وشفافية العمل الإداري لا سيما الخبرة واستدعاء الشهود امورا" مساعدة أيضا" على سلامة العمل  القضائي. ويشكل وجود اجهزة فعالة للتبليغات ونظام شفاف للخبراء في منع ادارة المحاكم من التلاعب بالملفات والقضايا.

 

فاعلون آخرون في النظام القضائي:

     ان القضاء ليس هو الوحيد الذي يحتاج آلي الاستقلال، الذي يمكنه من فرض سيادة القانون.

    ربما كان الامر كذلك في القضايا المدنية والادارية اما على صعيد القضاء الجنائي فهناك فاعلون آخرون يتعين على القضاء الجنائي الاعتماد عليهم.

   ومن هؤلاء المدعون العامون (قضاة النيابة العامة) والمحققون واجهزة الضابطة العدلية والخبراء في الاستقصاء والادلة الجنائية والاطباء الشرعيون وهناك أيضا" ادارة السجون.      

وفي هذا المجال يتم التأثير السياسي بصورة أكثر فاعلية لان النيابة العامة هي ذراع الحكومة على هذا الصعيد ولها حرية كبيرة في الملاحقة وفي حفظ الملفات وهناك بعض الانظمة ينتخب فيها المدعون العامون ويخضعون بصورة لافته للتأثيرات السياسية والحزبية.

ان المحاكمة العادلة تفترض:

-إعمال مبدأ قرينة البراءة المفترضة حتى إثبات العكس .

-         تقصير مدة التوقيف الاحتياطي على ذمة التحقيق.

-         وضوح التهمة الموجهة إلى المشتبه فيه او المدعى عليه.

-         حقه في اختيار محاميه وتنظيم دفاعه.

-         حقه في ان يحاكم بسرعة امام محكمة عادلة ونزيهه.

-         حقه بان تتوفر له اسباب الدفاع والبحث عن ادلة البراءة.

-         عدم خضوعه لوسائل الاكراه.

كل هذه الامور تقع بين دوائر الضابطة العدلية والنيابات العامة (الادعاء العام).

   ومن الممكن ان يتم التلاعب بنظام العدالة بتأثير من وزارة العدل والنيابات العامة والاجهزة التي تشكل الضابطة العدلية.

   فضلا" عن ان التحقيقات الجنائية يجب ان تحاط بالسرية منعا" للتلاعب بها من وسائل الأعلام وممارسة هذه الوسائل ضغوطا" على نظام العدالة.

وهناك طريقتان للتعامل مع موضوع النيابة العامة آو سلطة الملاحقة:

الاولى: هي جعل النيابات العامة جزءا" من القضاء نفسه وتأمين استقلالها الكامل عن وزارة العدل والاحتفاظ لها ببعض الصلاحيات الادارية ولكن مع استحداث نظام مراقبة( حق استئناف قراراتها).

 

الثانية: هي الإبقاء على النيابات العامة جزءا" من نفوذ وزارة العدل ومنعها بالتالي من اتخاذ قرارات ادارية وحصر دورها في تحريك الدعوى العامة والملاحقة والتضييق الشديد على دورها في التحقيق.

ومن الواضح ان الامور في العالم لم تصل آلي نظام دقيق على هذا الصعيد (تجربة الاصلاح في فرنسا).

 

    ان الاقتراح الابرز هو ان يعين النواب العامون من قبل مجالس القضاء وفصلهم بالتالي عن وزارة العدل وهو من الاقتراحات الاكثر أهمية. ولكن الاهم هو تعزيز ضمانات البراءة المفترضة في مرحلة التحقيقات والملاحقة.

المسؤول الرئيسي عن القضاء:

     بحسب النظام القانوني في عدد من البلدان فان المدعي العام ليس فقط عضوا" في السلطة التنفيذية، بل هو أيضا" المسؤول الرئيسي عن القضاء في الدولة. وبحكم منصبه هذا يتصرف المدعي العام باعتباره "حارس المصلحة العامة" وهو يتمتع بسلطات واسعة وبسلطات تقديرية فيما يتعلق بمباشرة الدعاوى الجنائية ومتابعتها ووقفها. ويتحمل المدعي العام ايضا" مسؤولية تقديم المشورة آلي الحكومة حول الامور المتعلقة بالادارة العامة والحكم، ويعتمد الانجاز السليم لهذه الوظائف على النزاهة والتحرر من التأثيرات السياسية للاحزاب، والذي يمكن ان يتعرض للتهديد في حال ما اذا كان المدعي العام يخضع لسيطرة مجلس الوزراء واذا كان المجلس التشريعي واقعا" تحت هيمنة السلطة التنفيذية.

   لقد جرى التفكير في دور المدعي العام في دعم حكم القانون بواسطة البلدان الخمسين المستقلة الاعضاء في الكمونولث عندما اجتمع وزراء العدل فيها عام 1993. وتوصل الاجتماع آلي ان وظيفة المدعي العام تلعب دورا" محوريا" من حيث تقديم النصح للحكومة بشأن القوانين التي تحكمها ومن حيث قيام المدعي العام ببذل كل ما بوسعه آو بوسع الحكومة لضمان ان يظل الحكم ضمن حدود القانون وضمان التزام الحكومة والدوائر الرسمية المعايير الدولية لحقوق الانسان، وتفحص وامعان النظر في الشريعات الجديدة آو المقترحة. ومن اجل دعم دور المدعي العام آو المسؤول الرئيسي عن القضاء دعا المشاركون آلي توفير التدريب وغير ذلك من البرامج التي تضمن بان يكون لدى جميع المسؤولين الحكوميين ادراك واضح لمسؤولياتهم في ضمان ان تكون حقوق المواطنين موضع احترام والامر المهم هنا هو ان هذه الدعوة كانت تشمل اعضاء الشرطة.

 

المدعون العامون المستقلون:

   يمكن في بعض الحالات ان تعتمد ثقة الجمهور في نزاهة وانفتاح انظمته المحاسبة.

   ويمكن اعتماد لجان تحقيق في القضايا التي تثير مسائل حساسة على مستوى الجمهور.

   لقد تم الاعتماد في الولايات المتحدة على المحقق الخاص في فضيحة ووترغيت.

وتعتمد بعض الانظمة القانونية على تعيين مدع عام مستقل خاصة في قضايا الفساد. وفي حالات الاشتباه في اصحاب المناصب العليا في الحكومة.

بعض المؤشرات على تقييم القضاء:

من المؤشرات الهامة على تقييم اوضاع القضاء:

- حق القضاء في مراجعة بعض القرارات الحكومية.

الطعن بدستورية القانون ومراقبة اعمال الادارة وعلى هذا الصعيد يلعب المجلس الدستوري دورا" مهما" في مراقبة التشريع ويلعب القضاء الإداري (مجلس شورى الدولة) دورا" مهما" في مراقبة القرارات الادارية.

- مدى نفاذ القرارات القضائية وخاصة بحق الادارة. وقد استحدثت بعض البلدان بعض الضمانات لذلك ومنها الغرامات الاكراهية وسريان الفوائد تلقائيا" على القرارات القضائية غير المنفذة.

 

- إمكانية اطلاع القضاة على سير العمل والأنظمة القضائية المختلفة. وحق القضاة في تكوين جمعيات عامة لهم تعرض قضاياهم ومطالبهم.

- تنظيم مهنة المحاماة وخضوعها للمساءلة والمحاسبة من قبل الهيئات النقابية وإيجاد نظام لآداب المهنة. وقد بات شائعا" هذا الامر في العديد من الدول. وتخضع القرارات التأديبية للمحامين إلى المراجعة القضائية.

 

   كما ان اعتماد نظام اجراءات (اصول محاكمات) دقيق وفعال يمنع تلاعب المحامين بالملفات ونظام الجلسات واصول الاثبات.

- مدى ضمان اختيار كبار القضاة دون الخضوع لنفوذ الحكومة، ولاسيما قضاة الهيئات العليا. وقد يتم ذلك وفق نظام تسلسل الدرجات من حيث الخبرة والكفاءة.

 - مدى قدرة القضاة على اصدار قرارات ضد الحكومة دون تعرضهم للانتقام. سواء في قضايا مالية كبيرة آو في قضايا جنائية سياسية. وبالتالي يجب تحرير القضاة من تدخل الحكومة في تعديل رواتبهم ومخصصاتهم ومكافآتهم. فلا يكون للحكومة مثلا" تعيين قضاة في لجان آو حرمانهم من ذلك تعطى عليها مكافآت آو مخصصات اضافية.

- ضمان اصول المراقبة على حركة ملفات القضاة. الاسراع في بت الملفات آو تأخيرها. وهذا يكفله القانون فيما يسمى قانونا" الامتناع عن احقاق الحق. فهناك مراجعات ادارية وقضائية ضد تعسف المحكمة في تحريك الملف.

-         الاجراءات السابقة للمحاكمة الجنائية، وهي اجراءات تقوم بها الاجهزة الامنية المسماة ضابطة عدلية. كيف تتصرف بالملفات وكيف تحضر اعمال التحقيق تمهيدا" للمحاكمة. ان الاهتمام بمرحلة الاجراءات التحضيرية هو من الضمانات الاساسية لسير العدالة.

-         مدى ملاءمة نظام الادارة في المحاكم لفكرة العدالة عبر التبليغات واستدعاء الشهود واستخدام الخبراء ودفع الكفالات، ومدى حق الطعن بهذه الاجراءات.

-         واخيرا" مدى قدرة الجمهور نفسه على مساءلة القضاة وفق نظام مراجعة قضائية مضمونة، سواء بالشكوى الادارية لهيئات الرقابة والتفتيش ام بواسطة دعوى مساءلة القضاة. عدا عن نظام استئناف الاحكام والطعن بها امام هيئة اعلى.

بعض المؤشرات لتقييم المسؤول الرئيسي عن القضاء.

    تطرح في هذا المجال الاسئلة التالية:

_هل ان المدعي العام كحارس للمصلحة العام أو الممثل للمجتمع مفهوم من الحكومة.ومقبول من الجمهور؟

_هل هناك وضوح لحدود العلاقة بين سلطة المدعي العام بصفته مرتبطا" بتوجيهات الحكومة وبين الاستقلال الضروري الذي يجب ان يتمتع به كعضو من أعضاء القضاء؟

_هل المدعي العام يملك صلاحيات ادارية واسعة غير مراقبة لا تخضع للطعن (مثل التوقيف الاحتياطي وباي شروط) وهل له صلاحيات على النيابات العامة مطلقة في تحريك الدعوى العامة ووقفها. وهل تملك النيابات العامة الاخرى حرية التحرك ام لا؟ وهل تتقيد بتوجيهات المدعي العام الاول؟

_هل هناك تنظيم قانوني واضح وصريح في صلاحيات النائب العام أم ان الامر متروك لتقديره الشخصي؟

_هل يملك النائب العام قبول او رفض دعوى الجمهور دون رقابة من هيئات قضائية اخرى؟

تتطلب سيادة القانون ان تتم الملاحقات القانونية نيابة عن الدولة بطريقة عادلة ومعقولة. لذلك فان رفع دعوى جزائية، او رفض رفعها يجب الا يكون بدافع اعتبارات غير ملائمة، خاصة السياسية منها بل يجب ان يكون الدافع هو المصلحة العامة والحاجة لتحقيق العدل.

    من اصعب الامور القانونية هو تقدير متى يمكن اقامة دعوى جزائية، وتقع هذه المسألة في صميم نظام العدالة.

  ومن الواضح ان اعتبارات الفشل اوالخسارة او المصلحة السياسية المحتملة، او عرق او اصل او ديانة الشخص المشتبه به هي اعتبارات خارجة عن الموضوع تماما".

  ومع ذلك، فان مسائل مهمة اخرى، والتي قد تؤثر على صنع القرار يمكن حلها فقط من خلال ممارسة الرأي المستقل. ولكي يصبح من الممكن ممارسة صنع القرار بطريقة عادلة وشفافة ينبغي ان لا يتلقى المدعي العام التوجيه من أي حزب سياسي اوأي جماعة من جماعات المصالح. ومنصب المدعي العام يمكن مساواته بمنصب قضائي عال لذلك فان المحاسبة يمكن استعمالها من خلال نصوص قانونية تقضي بان يكون العزل مستندا" الي سبب معين. ومن بين الضمانات التي تقرها قوانين اصول المحاكمات مبدأ الرد والتنحي وحيث تطبق على النيابات العامة.

  وعندما نريد اجراء محاكمات ينبغي ان تكون هناك قواعد توجيهية واضحة وان توضع في متناول المحامين والجمهور الاوسع والتي يتقرر على ضوئها ما هي انتهاكات القانون التي ينبغي اخذها بالحساب لدى اتخاذ قرار باجراء محاكمة وما هي الانتهاكات التي ينبغي استثناؤها.

  وعلى هذا الصعيد تلحظ بعض القوانين حق الطعن بالاجراءات وابطالها والتعويض عن الاخطاء مما يعزز استقلال القضاء.

 

بعض المؤشرات الاخرى:

  

-   مدى ثقة الجمهور بالاجراءات والقرارات التي تم اتخاذها في ملاحقة معينة ودون التأثر بالاعتبارات السياسية

   - هل المسؤول عن هذه التحقيقات يعمل وفق قواعد توجيهية معينة وواضحة؟

- هل وضع مثل هذه القواعد يساعد على ثقة الجمهور؟

-         هل ممكن للجمهور ان يعرف هذه القواعد التي تحرك الاجراءات القضائية؟

-         ما هي الأسباب التي يمكن ان تحول دون معرفة الجمهور بالوسائل المستخدمة بالتحقيق؟


تعليقات