القائمة الرئيسية

الصفحات

ملاحظات حول قانون المسطرة المدنية بعد تجربة عشر سنوات

 


ملاحظات حول قانون المسطرة المدنية بعد تجربة عشر سنوات

 

إعداد هيئة المحامين بالدار البيضاء

 

يعتبر القضاء معلمة من معالم حضارة كل دولة، ورمزا من رموز سيادتها، وما فتئت الجهود تبذل من طرف المسؤولين على قطاع العدالة قصد الوصول بالعدالة الى المكانة اللائقة بها، خصوصا عندما تصبح المحاكم تنوء من عبء كثرة القضايا وتزايدها ويصبح البطء هو الخاصية الاساسية لفصل المنازعات عن طريق القضاء ويعجز مأمورو واعوان قسم التبليغ والتنفيذ عن القيام بمهامهم التي تعتبر من اهم ادوات سير الدعوى، فحتى اذا ما صدرت الاحكام بقيت لمدة طويلة حبرا على ورق بدون تنفيذ، وبعبارة اخرى فان مرفق القضاء يعاني من البطء - مع اننا في عصر السرعة - وعدم سلامة تبليغ الاستدعاءات والاحكام وعدم تنفيذها مما جعل القضاء لا يقوم بدوره الاساسي، على احسن ما يرام، وهو اشاعة العدل بين الناس.

 

فلهذا وقع التفكير لاعادة النظر في قطاع العدالة منذ سنة 1974، حيث وقع تغيير جدري على التنظيم القضائي للمملكة، فتبنى المشرع نظام القضاء الفردي، والغى محاكم السدد، واحدث محاكم الجماعات والمقاطعات، وتخلى عن نظام المحلفين المستشارين في الجنايات، والغى غرفة الاتهام ووزع اختصاصاتها على الغرفة الجنحية لدى محكمة الاستئناف وعلى الوكيل العام للملك وعلى قاضي التحقيق لدى نفس المحكمة. والى جانب التنظيم القضائي الجديد فقد احدث المشرع - في نفس السنة - قانونا جديدا للمسطرة المدنية ( قانون 28/9/1974) تحذوه الرغبة في تيسير الاجراءات وتبسيطها، وتحقيق السرعة في البت، فكرس من جديد نظام الشفوية، وتخلى عن كثير من قيود التقاضي وقلص من طرق الطعن واقر التنفيذ التلقائي.

 

وبعد عشر سنوات من دخول قانون المسطرة المدنية، حيز التنفيذ والتطبيق، يحق لنا ان نتساءل ويتساءل معنا رجال القانون - عن ايجابيات وسلبيات هذا القانون، وحول ما اذا كان هذا الاخير قد اعطى النتائج المتوخاة من طرف المشرع ام لا، وسنحاول ابراز ذلك من خلال المحاور الاتية:

1- تبسيط الاجراءات.

2- السرعة في البت.

3- معضلات التنفيذ.

4- الثغرات التي تكتنف قانون المسطرة.

*   *

المحور الاول :
تبسيط الاجراءات:

لا غرو انه من الاهداف الاساسية التي ينشدها المشرع، وهو يضع نصوص المسطرة المدنية، هي ازالة كل التعقيدات التي من شانها ان تعترض سبل المتقاضين لممارسة الحقوق المخولة لهم دستوريا، فمكنهم من ولوج مرفق القضاء باسهل الطرق وايسر الوسائل، وبدون كتابة أي مقال، اذ اكتفى بتقديم الدعوى بمقتضى تصريح لكاتب الضبط : فاقر بذلك مبدا الشفوية الذي كان معروفا في قانون المسطرة المدنية القديم.

 

هكذا، فاننا سنعطي بعض الملاحظات الخاطفة على تلك المبادئ :

 

أ‌-   الشفوية :

ان مبدا الشفوية الذي كرسه المشرع المغربي، في قانون المسطرة المدنية الحالي ليس فقط ذلك المبدا المألوف في قواعد المسطرة والذي تتم به المرافعات والمناقشات والذي يعتبر مكملا لمبدا علانية الجلسات بل هو ذلك المبدا الذي يحقق اشراف الراي العام على عمل القضاء للوصول الى قضاء عادل.

 

فبقدر ما بدات بعض التشريعات تضيق من هذا المبدا ازاء كثرة القضايا وازدياد اعباء القضاة، الذين لا يسمح لهم وقتهم بسماع كل المرافعات والمناقشات الشفوية، والاكتفاء بابداء مستنتجات الخصوم بواسطة مذكرات مكتوبة فان المشرع المغربي قد وسع هذا المبدا فقضى في الفصل 31 على ان الدعوى ترفع الى المحكمة الابتدائية، بمقال مكتوب موقع من طرف المدعى او وكيله او بتصريح يدلي به المدعي شخصيا ويحرر به احد اعوان كتابة الضبط المحلفين محضرا.

الا ان الواقع العملي يشهد بعدم نجاح تلقي الدعوى بمقتضى تصريح شفوي من المدعي، ففي الصورة التي يرفع فيها المدعي دعواه عن طريق تقديم تصريح بذلك فقد يعتري ذلك التصريح، في غالب الاحيان، نقص او تتسرب اليه بعض الاخلالات الشكلية، مما يسمح له باتمام ذلك النقص او اصلاح ذلك الاخلال بمقتضى مقال مكتوب فيقع في مشكل تمطيط المسطرة وتعقد الاجراءات.

وبذلك فاننا لا نرى أي مبرر للبقاء على طريقة تقديم الدعوى بواسطة تصريح لدى احد اعوان كتابة الضبط لعدم تحقيق اية فائدة تذكر من ذلك.

 

كما ان التجربة، قد اثبتت عدم الجدوى من المسطرة الشفوية، بصفة عامة، اذ يسبب ذلك ترام القضايا امام المحاكم، ويزيد في ارهاق كتاب الجلسات وفي مجهودات القضاة الذي يضطرون في الجلسة الى اخذ اقوال الاطراف بتفصيل وتدقيق، ناهيك عن الاغفال الذي يمكن ان يحدث لكاتب الضبط وهو يقوم بتحرير محضر الجلسة.

 

وهكذا، فان الطريقة الناجعة هي اتباع المسطرة الكتابية في جميع القضايا ما عدا القضايا الاستعجالية، وقضايا الاحوال الشخصية، والقضايا الاجتماعية، فنرى ان تكون القاعدة هي المسطرة الكتابية وان الاستثناء هو المسطرة الشفوية الا اذا قرر القاضي مناقشة الخصوم شفويا كأن تكون الخصومة منطوية على بعض المسائل الدقيقة او على المستندات تحتاج الى تصحيح دقيق، الا انه يجب ان لا ننسى كذلك ما للشفوية من فوائد اذ تبث الحياة والحركة في ادارة العدالة.

 

فالمسطرة الكتابية تحقق للجلسة هيبتها وجلالها ووقارها في القضايا التي تدرج اثناءها، وعلى الرغم من ان هذه المسطرة لا تحقق كثرة الانتاج، فان تنظيم كتابة الضبط تنظيما دقيقا وتنشيط القاضي للقضايا المحالة عليه، وتضافر تلك الجهود يحقق انتاجا قد يكون اهم من الانتاج في ظل المسطرة الشفوية، فيمكن التاكيد ان المسطرة الكتابية هي الوسيلة الوحيدة لاخراج العدالة المغربية من مرحلة الانصاف الى مرحلـــة التقنيــــــة (ذ. محمد ميكو، قواعد المسطرة في المادة الاجتماعية 1981 هامش صفحتي 66 و67).

 

ب‌- ومن صور تبسيط الاجراءات كذلك ان المشرع منح للقاضي سلسلة انذار الخصوم، عند الاقتضاء، لاتمام البيانات غير التامة او التي وقع اغفالها (الفقرة الاخيرة من الفصل 32) وانه في حالات البطلان او الاخلالات الشكلية المسطرية، فان للقاضي ان لا يقبل الدفوع المتعلقة بهذه الحالات الا اذا تضررت بالفعل مصالح الاطراف (الفصل 49).

 

الا انه من الناحية العملية، فاننا لا نجد تطبيقا لهذه القواعد خصوصا اذا لاحظنا ان المحاكم تتمسك بالفصل الاول في كثير من الحالات التي لا تدعو اليها ضرورة تطبيق الفصل المذكور.

 

كما ان التطبيق العملي للفصلين 32 و142 لا يتسق وروح التشريع، فالفصل 32 وان كان يستلزم في صحيفة الدعوى بيان عدة بيانات الا انه في الفقرة الاخيرة يجعل لزاما على القضاء المطالبة، عند الاقتضاء، بتحديد البيانات، ولكن دون اعطاء نفس الامكانية، للمحكمة للمطالبة باتمام البيانات غير التامة، مما حدا بالمجلس الاعلى ان لا يقبل اية مذكرة بيان اوجه الاستئناف بعد فوات الاجل القانوني للطعن بالاستئناف، ونرى ان يتدخل المشرع تمشيا مع روح المرونة والتبسيط لتعديل الفقرة الاخيرة من الفصل المذكور ويفسح المجال لاتمام البيانات - المذكورة في الفصل - الى تاريخ الجلسة الاولى على الاقل ( يراجع بخصوص مناقشة اجتهاد المجلس الاعلى للفصل 142 التعليقين المقدمين من الاستاذين احمد عاصم واحمد باكو - مجلة المحاماة العدد 16 صفحة 71).

 

ج‌- واذا كان المشرع قد حد من سلطة القاضي في تسيير الدعوى فانه في كثير من الحالات قد ترك للاطراف

   حرية واسعة في رفع الدعوى الا انه لم يترك هذه الحرية دون قيود بل فسح المجال لتدخل القاضي في كثير

   من الاجراءات القضائية، واحتفظ للقاضي بالسلطة والهيمنة على الدعوى مما يمكنه من توجيهها في

   طريقها السليم للحيلولة دون الركون الى وسائل المماطلة والكيد لكسب الوقت، فنص في الفصــــل 46  من 

   ق م  م على انه " يفصل في القضية فورا او تؤجل الى جلسة مقبلة، يمكن تعيين تاريخها حالا للاطراف مع

   الاشارة الى ذلك في سجل الجلسات، الا انه من الناحية العملية فان هذه الحرية، وان كانت لم تترك في يد

   الافراد وتركت بين يدي القاضي، فانها كثيرا ما لا تحسن بعض المحاكم استعمالها فتؤجل القضايا بدون أي

    سبب مع اعتبارها جاهزة لجلسة اخرى، او تجعلها في التامل لمدة غير معينة قد تصل احيانا الى عدة

    شهور، فالاحرى بالمشرع ان لا يترك مثل هذه المسالة بيد القاضي تفاديا لتاجيلات متتالية، فنرى، اذا  

   اقتضى الحال، تاجيل القضية لاصدار الحكم، ان يقع تعيين اليوم الذي سيتم فيه النطق به، واذا اقتضى نظر

   القاضي التاجيل لسبب او اخر فيتعين بيان اسباب التاجيل في محضر الجلسة، فيقضي بذلك على يسمى بـ 

   "نوم القضية في التامل".

 

ومن الامثلة على حرية المحكمة في تسيير الدعوى ما نص عليه الفصل الثالث من " ان القاضي يبت في حدود الطلبات ولا يسوغ له ان يغير تلقائيا موضوع او سبب هذه الطلبات، ويبت دائما طبقا للقوانين المطبقة على النازلة، ولو لم يطلب الاطراف ذلك بصفة صريحة" واذا كان المشرع يهدف من هذا النص عدم تقييد الاطراف بتاسيس الدعوى على النصوص القانونية التي غالبا ما يجهلونها، فان في هذا النص ما يشكل خرقا لحقوق الدفاع اذ ان المدعى عليه قد يركز جوابه على ضوء القوانين التي اسست عليها الدعوى دون ان يناقش القوانين الاخرى التي يمكن تطبيقها على النازلة، فيفاجأ بتطبيقها من طرف القاضي تلقائيا وقد يكون المدعى عليه لم يستنفذ بعد كل وسائل دفاعه بخصوص تلك القوانين فيكون ذلك خرقا لحقوق الدفاع، وكثيرا ما نرى في الحياة العملية، ان المحكمة تغير الاساس القانوني للدعوى، وكمثال على ذلك ما تحكم به المحاكم بخصوص قضايا اكرية المحلات التجارية، فقد تؤسس الدعوى مثلا على ظهير 24 ماي1955 ويتبين للمحكمة ان التنبيه الذي وجه  في نطاق هذا الظهير مختل قانونا فتطبق على النازلة مقتضيات اخرى كظهير 5 يناير1953 ( راجع مثلا قرار المحكمة الابتدائية بالدار البيضاء عدد 2/1/84 في الملف الاستعجالي 2891/82) وللتخفيف من المساس بحقوق الدفاع فاننا نرى ان يقيد المشرع سلطة القاضي بتوجيه انذار للاطراف قبل تطبيق القانون الذي يراه مناسبا للنازلة.

 

د‌-  وفي مجال الوكالة فانه يلاحظ ان مشرع قانون المسطرة المدنية الحالي في الفصل 33 قد وسع من نطاق فكرة الوكالة، فاسندها، الى جانب المحامين، لاشخاص لا ينتمون لسلك المحاماة كالازواج والاقارب والاصهار من الاصول او الفروع او الحواشي الى الدرجة الثالثة.

 

ويظهر هذا الاتساع، اولا، في تعدد الاشخاص حيث امتد الى الاصول والفروع والحواشي، فضلا عن ان مقتضيات تلك الوكالة، قد جاءت غامضة - من حيث الاشخاص - اذ ان المشرع قد اغفل التنصيص صراحة على امكانية الوكيل من انابة غيره من المحامين، ونرى ان ذلك ممكن ان لم يكن ممنوعا من الانابة صراحة في التوكيل وعدم امكانية من انابة غيره من غير المحامين الا اذا منح الصلاحية في ذلك صراحة ( ف 900 ق ل ع).

 

ويتجلى الاتساع، ثانيا، في ان النص جاء مطلقا بخصوص موضوع التوكيل فلم يعين المواضيع التي لا يجوز فيها التوكيل الا بتفويض خاص. كما فعل بالنسبة للمحامين في الفصل 5 من قانون 79/19 الذي تنظم بموجبه نقابات المحامين ومزاولة مهنة المحاماة، فيبقى التساؤل حول امكانية تخويل الوكيل الاقرار بالحق والتنازل عنه والصلح والتحكيم واليمين والتنازل عن الحكم، او التنازل عن طريق من طرق الطعن، والادعاء بالزور، وتجريح القاضي ومخاصمته او أي تصرف اخر من التصرفات القانونية، ونرى في حالة هذا التساؤل الاستعانة للجواب عليه بالفصول 891 و892 و894 ق ل ع.

 

فالتوسع في نطاق الوكالة مجاف للقانون رقم 79/19 الذي يجعل التوكيل حكرا على اشخاص متخصصين هم "المحامون" وفي ذلك التوسع تقليص للضمانات القانونية التي يهدف المشرع تحقيقها حينما اسند بصفة اساسية، حق الوكالة لرجال فنيين حتى يوفر بذلك للمتقاضين الضمانات الناتجة عن تكوين المحامي وخضوعه الى مراقبة الهيئة التي ينتمي اليها.

 

هـ-   وفي باب عروض الوفاء والايداع، فبعدول المشرع عن المقتضيات الواردة في المسطرة الملغاة (الفصول370 الى 378) يكون بذلك قد اثقل كاهل رؤساء المحاكم الابتدائية بالطلبات المتعلقة بالعروض الحقيقية، والتي لا نرى أي مبرر للالتجاء ، في شأنها، الى رئيس المحكمة للحصول على اذن للقيام بها، خصوصا وان مثل هذه العروض لا تفيد الا ابراء ذمة المدين (الفصل 175 م م) اما العروض التي يمكن ان يترتب عنها حق ما كالعروض المتعلقة بممارسة الشفعة والتي ينتج عنها حق استحقاق المبيع فان مثل هذه العروض تخضع لمراقبة قضائية عن طريق مسطرة التصحيح من طرف محكمة الموضوع، بالاضافة الى ان الفصل 176 م م اعطى امكانية، تقديم دعوى للمطالبة ببطلان العروض او الايداع.

 

ومما يزيد الامر تعقيدا هو ان مسطرة العروض العينية، والايداع في الفصول 171 الى 178 م م لم تكن واضحة بالقدر الكافي مما يخلق صعوبات عملية كثيرا ما يقع فيها الرجوع الى رئيس المحكمة، او يقع الفصل فيها من طرف مأمور التبليغات والتنفيذات القضائية الذين ليست لهم الصلاحية في ذلك حسب القانون كالحالة التي يرغب فيها المدين التراجع عن عرض لم يقبله الدائن، فهل للمدين ان يسترد من خزانة كتابة الضبط ما اودعه، دون اجراءات، ام ان الامر يتطلب اجراءات يجب القيام بها من طرف المدين اتجاه الدائن؟، ثم ما هي المسطرة التي يجب سلوكها بهذا الخصوص ؟ هل يقع الرجوع ثانية الى رئيس المحكمة للاذن مرة اخرى للمدين بسحب المبلغ المودع؟ ثم هل يضطر المدين لاخبار الدائن برجوعه عن العرض؟ واذا كان الامر كذلك فما هي وسيلة الاخبار التي يجب على المدين سلوكها ؟ ان الوسيلة المجدية التي نراها هي اخبار الدائن بذلك على يد احد مأموري قسم التبليغات والتنفيذات القضائية، والذي لا يتاتى الا باستصدار امر بذلك من طرف رئيس المحكمة في اطار الفصل 148 م م.

 

وبذلك فاننا نرى تبسيطا للاجراءات الرجوع الى مسطرة العرض العيني بواسطة اعوان كتابة الضبط - كما كان عليه الامر سابقا - دون الحاجة الى استصدار امر يأذن فيه رئيس المحكمة بذلك، لان في تلك العودة تخفيف من الحمل الثقيل الذي تعاني منه كتابة الضبط بالقسم الاستعجالي وتخفيف كذلك من الزيادة في النفقات التي تحثمها الضرورة.

 

و- وكمثال اخر على صور تبسيط الاجراءات المسطرية ما تبناه المشرع في المسطرة في القضايا الاجتماعية، اذ ان المشرع  في التنظيم القضائي الجديد قد الغى المحاكم الاجتماعية وجعل اختصاصاتها منوطة بالقسم الاجتماعي امام المحاكم الابتدائية، رغبة منه في تحقيق مبدا وحدة الجهة القضائية وجعل احكامها خاضعة لقواعد خاصة وهي : الواردة في الفصول 269 الى 294 مع تطبيق القواعد المتبعة امام المحاكم الابتدائية ما لم تكن منافية لتلك القواعد الخاصة.

 

فالمشرع في المسطرة الحالية، قد ابقى على كثير من الاجراءات التي جاءت بها المحاكم الاجتماعية، خصوصا تلك المتعلقة منها بتبسيط الاجراءات كاعتماد وسائل الاثبات الحرة، الا انه كثيرا ما لا يطبق الفصل 280 تطبيقا حسنا، فنجد ان اغلبية الاحكام تامر باجراء بحث عن طريق الاستماع الى الشهود واجراء خبرة في الحالات التي لا تستلزم ذلك مما يزيد المسطرة تعقيدا.

 

كما ان المشرع قد اعتمد طريقة خاصة لتقديم الاستئناف فنص في الفصل 287 على تقديمه بتصريح لدى كتابة ضبط المحكمة الابتدائية او بواسطة رسالة مضمونة مع الاشعار بالتوصل، ونلاحظ ان هذه الطريقة غير مطبقة عمليا، الا نادرا، سيما وان المحاكم الاستئناف تكلف فيما بعد الطرف المستانف بتقديم مذكرة لبيان اوجه استئنافه تطبيقا لقاعدة المسطرة الكتابية امام محاكم الاستئناف وبالتالي نكون امام تعقيد للاجراءات.

 

المحور الثاني:
السرعة في البت:

ان المشاغل الآنية لرجال فقه قانون المسطرة المدنية والهموم اليومية التي تقض مضاجع رجال القانون - وخصوصا رجال الدفاع - هي تلكؤ الاجراءات المسطرية، وبطؤها بكيفية لا يتحقق معها العدل، لان القضاء لا يكون اكثر عدلا الا اذا وقع البت في امور الناس في اسرع الاوقات، ووقع التنفيذ في احسن الظروف وفي زمن وجيز. اما اذا قضى في زمن طويل فان ذلك ليس عدلا كاملا، وهكذا فان تراخي الاجال لا يحقق العدل المتوخى مما يجعل اصحاب الحقوق كثيرا ما يعزفون - على مضض - عن الالتجاء الى القضاء بسبب بطء الاجراءات فتهضم بذلك، وبصورة غير مباشرة، حقوقهم المشروعة.

 

وتحقيقا لمبدا سرعة الاجراءات المسطرية، فانه يستحسن مراعاة عامل السرعة الذي تفرضه الحياة العصرية التي تعتمد على سرعة المعاملات واستقرار المراكز القانونية، فاذا كانت رغبة المشرع في قانون المسطرة المدنية الحالي هي تحقيق العدالة في اسرع وقت ممكن فيحق لنا التساؤل الى أي مدى تحققت هذه الرغبة.

 

ان الذي يؤكد حرص المشرع المغربي على عدم اطالة اجراءات التقاضي هي المقتضيات الواردة في الفصول المتفرقة منها على الخصوص.

 

1) ان الفصل 16 اتى بمقتضيات في الاختصاص النوعي لا تستسيغها القواعد القارة في فقه قانون المسطرة المدنية فهكذا خرج المشرع عن قواعد الاختصاص المألوفة فتراجع - عن صيغة الوجوب التي كانت مستعملة في الفصل 124 من ق م م القديم والتي توجب على القاضي ان يصرح بعدم الاختصاص النوعي تلقائيا وفي جميع اطوار القضية، فاصبح ذلك الوجوب امكانية متاحة للقاضي، والتراجع الثاني عن تلك القواعد يكمن في ان الدفع بعدم الاختصاص النوعي تجب اثارته من قبل الاطراف قبل كل دفع او دفاع، ولا يمكن اثارته امام محكمة الدرجة الثانية الا اذا كان الحكم غيابيا فالملاحظ ان المشرع قد وضع الاختصاص النوعي على قدم المساواة مع الاختصاص المكاني الذي لا تعتبر قواعده من النظام العام مما يترتب معه تضييق في ممارسة حقوق الدفاع، فقد يكون الدفع بعدم الاختصاص النوعي وجيها امام قاضي المستعجلات، الا ان هذا الاخير لسبب من الاسباب يرى عدم اثارته من تلقاء نفسه فيصدر قراره في مسالة موضوعية بصفته قاضيا للمستعجلات مما يقلص من حق دفاع المحكوم عليه بخصوص اجل الطعن بالاستئناف المحدد في 15 يوما بدلا من 30 يوما لو كان الحكم صادرا عن محكمة الموضوع، كما يترتب عن مخالفة قواعد الاختصاص النوعي افراغ نظام التقاضي على درجتين - الذي تقره اغلب التشريعات الحديثة منها التشريع المغربي - من فحواه كان يصدر الحكم حضوريا مخالفا لقواعد الاختصاص النوعي فلا يبقى المجال لاثارة هذا الدفع امام محكمة الدرجة الثانية، بالاضافة الى ان مقتضيات الفصل 16 التي لا تسمح لمحكمة الدرجة الثانية بتطبيق القواعد الخاصة بالاختصاص النوعي تتناقض مع المقتضيات الواردة في الفصل الثالث الذي اعطى الصلاحية للمحكمة - بما في ذلك محكمة الاستئناف - للبت طبقا للقوانين المطبقة على النازلة وقد تكون تلك القوانين متعلقة بالاختصاص النوعي.

 

ولعل هدف المشرع من اقرار القواعد الواردة في الفصل 16 هو اختصار اجراءات التقاضي، وذلك بحسم مسالة الاختصاص امام المحكمة الابتدائية، بحيث لا يبقى المجال فيما بعد لاثارته امام محكمة الدرجة الثانية التي قد تقضي بعدم الاختصاص نوعيا فتحيل الملف من جديد على قاضي الدرجة الابتدائية، فيكون في ذلك مضيعة للوقت.

 

وبمقارنة الفصل 16 بالفصل 359 م م الذي يحدد حالات النقص في خمس حالات من بينها " عدم الاختصاص" نلاحظ ان هناك تناقضا بين الفصلين اذ كيف يعقل عدم التمسك بالدفع بعدم الاختصاص النوعي امام محكمة الاستئناف لاول وهلة الا اذا كان غيابيا وعدم امكانية المحكمة تلك من اثارته تلقائيا، وفي نفس الوقت يسمح المشرع ببناء طلب النقض على وسيلة خرق قواعد الاختصاص النوعي وهو الشيء المسلوب من صلاحيات محكمة الاستئناف.

 

وعليه، فان الاختصاص النوعي لا يزال في نظر القانون المغربي من النظام العام، ولا يمكن اعتباره غير ذلك، بدليل ان المشرع قد اوجب تبليغ النيابة العامة عدة دعاوي في اغلبها لها صلة بالنظام العام، ومنها على الخصوص القضايا التي تتعلق بعدم الاختصاص النوعي، كما ان المشرع في الفصل 152 قد اصر على اعتبار الاختصاص النوعي من النظام العام فتراجع عن المقتضى الذي كان منصوصا عليه في الفصل 222 من ق م م القديم، فسلب الاطراف حرية الاتفاق فيما بينهم على اسناد الفصل في الجوهر لقاضي الامور المستعجلات.

 

وتاكيدا للسرعة المتوخاة فان المشرع قد اوجب على الطرف المثير للدفع المتعلق بعدم الاختصاص المكاني ان يبين المحكمة التي ترفع اليها القضية تحت طائلة عدم القبول، فيرفع الملف عند الحكم بعدم الاختصاص الى المحكمة المختصة عن طريق الاحالة بقوة القانون، وبدون صائر أي بدون الزام الطرف المدعي باعادة الدعوى من جديد.

وهكذا فقد اصبحت الاحالة وجوبية بعد الحكم بعدم الاختصاص المكاني واصبحت المحكمة المحال عليها الملف ملزمة بالبت.

 

وخلاصة لكل ذلك فان الفصل السادس عشر قد خلق اشكاليات وصعوبات بسبب عدم دقة صياغة الفصل المذكور الذي نقترح ان تعاد صياغته على الشكل الاتي :

" يجب على الاطراف الدفع بعدم الاختصاص المكاني قبل كل دفع او دفاع.

الفقرات 2، 3، 4 بدون تغيير.

يمكن للاطراف الدفع بعدم الاختصاص النوعي في جميع مراحل الدعوى ويجب على القاضي ان يثيره تلقائيا في جميع اطوار الدعوى.

الفقرة الاخيرة تلغى".

 

اما بخصوص الفصل 17 فاننا نقترح الصياغة الاتية:

" يجب على المحكمة التي اثير امامها الدفع بعدم الاختصاص ان تبت فيه فورا".

 

2) الاستدعاء والتبليغ :

ان المعضلة الكبيرة التي تعرقل سير الاجراءات المسطرية، وتنفيذ القرارات والاحكام القضائية هي معضلة التبليغ.

فالتبليغ - سواء الاستدعاء او القرار او الحكم - ضرورة لا غنى عنه، ومطلب رئيسي من مطالب تحقيق العدالة فلا يمكن تصور اتخاذ أي اجراء من اجراءات الدعوى او التنفيذ ما لم يتم تبليغ الطرف المعني في الدعوى بشكل سليم واصولي، ومطابق لما نص عليه القانون، فهو اجراء اساسي يتعين اجراؤه للسير في الدعوى او بدء في مباشرة التنفيذ او بدء سريان آجال الطعون، فهو اجراء تدور عليه الدعوى في جميع مراحلها الى مرحلة التنفيذ، وبذلك كان انعكاس هذا الاجراء قويا على الاجراءات المسطرية فيه تتحقق السرعة او يحصل البطء ويزداد عبء العدالة وتراكم الملفات نتيجة التاخيرات المتتالية، بسبب اخفاق تبليغ الاستدعاءات او الاحكام.

 

ولتحقيق سرعة البت والتعجيل بالتنفيذ فانه يجب ان ينصب الاهتمام بالدرجة الاولى على التغلب على الصعوبات التي تعترض تبليغ الاستدعاءات والاحكام والقرارات القضائية.

فالقاعدة التي اقرها المشرع المغربي في الفصل 37 من م.م هي ان التبليغ يتم بواسطة احد اعوان كتابة الضبط او عن طريق البريد المضمون مع الاشعار بالتوصل، او بالطريقة الادارية او عن الطريق الدبلوماسي او حسب المقتضيات الواردة في الاتفاقيات الدولية.

 

اما بالنسبة للشخص المطلوب تبليغه، فلكي يكون التبليغ سليما حسب الفصل 38 يجب ان يسلم اليه شخصيا، او في موطنه الى اقاربه، او خصمه او لكل شخص اخر يسكن معه.

 

ونلاحظ على هذا الفصل الذي يسمح بان يكون التسليم في موطن المطلوب تبليغه الى اقاربه، فيه خطورة كبيرة تمس حتما، بحقوق المطلوب تبليغه لان المشرع استعمل عبارة " اقاربه" بصورة مطلقة بدون ان يحدد درجة القرابة، ونرى ان يقع الاقتصار على الازواج والاصول والفروع والاخوة، ممن يدل ظاهرهم على انهم اتموا السادسة عشرة من عمرهم، على ان لا يكون تناقض بين مصلحة المطلوب تبليغه مع مصالح اولئك، وبالمناسبة ننتقد ما ذهب اليه المجلس الاعلى بخصوص قبول تبليغ الاستدعاء للقاصر ( قرار 246 الغرفة المدنية، قضاء المجلس الاعلى عدد 30).

 

كما ان المشرع قد توسع في نفس الفصل في التبليغ بواسطة الغير كمستخدم المطلوب تبليغه او أي شخص اخر يسكن معه. الا ان هؤلاء الاغيار كثيرا ما لا يعبئون بتلك التبليغات فيهملونها مما يلحق ضررا جسيما بالشخص المعني ونرى انه من الفائدة الغاء العبارة الاخيرة من الفقرة الاولى من الفصل 38 والتي تنص على " او خدمه او لكل شخص اخر يسكن معه".

 

اما بالنسبة لوسيلة التبليغ، فنرى ان التبليغ بالبريد المضمون مع الاشعار بالتوصل لا يحقق الغاية المرجوة خصوصا وان المشرع المغربي قد سكت عن الحالة التي يرجع فيها الطي بملاحظة ادارة البريد " غير مطلوب" اذ لا تصل الرسائل الى ذويها مما جعل الاجتهاد القضائي في مثل هذه الحالة لا يعتبر الطي قد سلم تسليما صحيحا، مما يضيف تاخيرات جديدة ترتب بطء وتعقيد الاجراءات، ونرى التراجع عن هذه الوسيلة، لان الابقاء على هذه الوسيلة لا يخفف العبء على اعوان التبليغ ولا يحقق نتيجة تذكر. اما البديل عن هذه الوسيلة، فنرى انه اذا تعذر على العون او السلطة الادارية تسليم الاستدعاء بسبب ان المحل مغلق، وهي الحالة المألوفة التي يلجأ فيها الى البريد المضمون، ان يضع العون الطي بالمحل المغلق لفترة معينة وبعدها يقع تنصيب قيم على المطلوب تبليغه.

 

اما الوسيلة الخاصة، بالتبليغ عن طريق قيم فحتى تعطي آثارا محمودة فيجب الاهتمام بمؤسسة القيم، وذلك بمباشرة مراقبة فعلية، على اعمال كتاب الضبط الذين يقومون بذلك الاجراء حتى لا يبقى تعيينهم شكليا بدون أي عمل مجدي، وفي نفس الوقت فان مهام  القيم تتطلب تسديد مصاريف التنقل والبحث عن الشخص المطلوب تبليغه.

 

اما عن الاجل الفاصل بين التبليغ واليوم المعين للحضور بالجلسة، او ممارسة الطعن، فان المشرع المغربي في المسطرة الحالية، قد سكت عن اجل المسافة الذي كان منصوصا عليه في الفصل 59 م م ق ولعل المشرع اراد بذلك تحقيق عامل السرعة فميز بين الحالة التي يكون فيها موطن او محل اقامة المطلوب تبليغه في مكان مقر المحكمة الابتدائية او بمركز مجاور لمقر المحكمة (مع ملاحظة انه لم يعط معيارا او ضابطا للمركز المجاور) وبين الحالة التي يكون فيها المطلوب تبليغه في أي محل اقرب من تراب المملكة، ونرى ان القاعدة التي اعتمدها المشرع المغربي في الحالة الثانية هي قاعدة قاسية خصوصا بعد اتساع رقعتنا الترابية باسترجاع اراضينا الصحراوية، فلذلك نحبذ الرجوع الى مبدا التنصيص على اجل المسافة كما كان عليه الحال من قبل ( يوم لكل 20 كلم)، بالاضافة الى ان هناك عدة قوانين خاصة تحيل على اجل المسافة مما يخلق صعوبة في كيفية حسابه.

 

اما الحالة الشاذة التي استحدثها المشرع في الفصل 50 بخصوص التبليغ الحال للحكم بالجلسة، فان المشرع وان كان يقصد بذلك الاسراع في انهاء النزاع فان في ذلك خطر محدق على الطرف المحكوم عليه.

فالواقع العملي المعاش قد اثبت عدم جدوى تلك الوسيلة.

ويلاحظ التناقض الظاهر بين هذه الوسيلة، وبين مقتضيات الفصل 142 الذي يستوجب ان يكون المقال الاستئنافي متضمنا موضوع الطلب والوقائع والوسائل المثارة الشيء الذي يقترب من الاستحالة، اذ كيف يعقل ان تثار الدفوع او يقدم استئناف- على الشكل المتطلب قانونا- ضد حكم لم يحرر ولم يعلل.

 

ولذلك فانه نظرا لما في تلك القاعدة من عدم احترام حقوق الدفاع فانه يتعين الغاؤها خصوصا وانها مجمدة واقعيا.

وبصفة عامة، فان التبليغ مرتبط اساسا بالاشخاص المنوطة بهم هذه المهمة وهم الاعوان القضائيون الذين احدثت هيئتهم بمقتضى قانون رقم 41.80 ( ظهير شريف 1.80.440 بتاريخ 17 صفر1401 الموافق 25/12/1980 ج. ر3564 بتاريخ 8/2/1981) فيجب انتقاؤهم من مستوى علمي رفيع ومن ذوي الاخلاق الحسنة، والمروءة، وتعطاهم امكانية مادية ومعنوية للقيام بتلك المهام في احسن الظروف وحتى لا ينزلقوا في مهاوي المحسوبية وفي المجاملات، لان عملهم هو الذي يعجل بالاجراءات في البت وفي التنفيذ، او على العكس يشل الدعوى في جميع مراحلها، فلابد اذن من اعادة النظر في اختيار الاعوان القضائيين وفي امكانياتهم والتشديد على مراقبتهم.

 

3) الخبرة :

في الماضي كان اللجوء الى الخبرة استثنائيا لا يطرق بابها الا في المسائل الفنية الدقيقة الشيء الذي يجعل القاضي مضطرا الى الاستعانة، باراء الخبراء، الا ان تغيير ظروف الحياة العصرية وتقدم التقنية والجنوح نحو التخصص وتعقد المعاملات جعل التردد على باب الخبراء كثيرا، فاصبحت الخبرة ذات اهمية في سير القضية، فضلا على انه من الناحية العملية التطبيقية فان اغلب المحاكم تقضي باجراء خبرة في المواد الاجتماعية وفي النقط التي ليست لها اية صبغة تقنية ولا يتوقف الحكم فيها على راي الخبير كما هو الحال مثلا في تقدير الواجبات القانونية المترتبة عن عقد الشغل والتي حدد القانون كيفية تقديرها وحسابها مما يجعل الخبراء يتدخلون في بعض النقط القانونية، فيكون ذلك خرقا للفصل 59 م م من جهة وتطول بذلك المسطرة من جهة ثانية.

 

كما ان توجيه الملف الى الخبير - بعد اداء صوائر الخبرة - تعترضه صعوبات تتسبب في عرقلة سير الملف في طريقه العادي مما يتعين معه وضع مقتضيات تشريعية للحث على انجاز الخبرة في اقرب الاجال، كتحديد اجال احالة الملف على الخبير واجال لوضع التقرير بكتابة الضبط والاجل الذي يفصل بين وضع الخبرة وتعيين الملف بالجلسة، فالحياة اليومية، تشهد ان ذوي المصلحة كثيرا ما يترددون على كتابة الضبط للبحث عن مصير الملف بعد صدور قرار تعيين الخبير مما يكلف مشقة لهيئة الدفاع، وللتغلب على هذه المصاعب فاننا نرى اعادة النظر في الفصل 60 م م وذلك بتحديد اجل صارم غير قابل للتمديد الا مرة واحدة وبشرط لمدة لا تفوق شهرا وبقرار معلل بناء على طلب صريح من الخبير لانجاز مهمته. كما نهيب بكتابة الضبط - الى حين تدخل المشرع - الاسراع بارسال  الملفات الى الخبراء وخلال اجل 5 ايام من تاريخ اداء مصاريف الخبرة.

 

ونرى، من جهة اخرى، ان يرفق مع تقرير الخبير الذي يقدم الى المحكمة ما يثبت استدعاء الاطراف من طرف الخبير حتى تستطيع المحكمة مراقبة المقتضيات الآمرة الواردة في الفصل 63 اذ كثيرا ما يقع التصريح بابطال الخبرة او باجراء خبرة مضادة بسبب عدم احترام تلك المقتضيات كما نرى كذلك انه يجب التنصيص على ان يوجه الخبير مباشرة نسخة من التقرير الى محامي الاطراف، وفي الاخير فان على المحاكم وهي تعين الخبراء ان تراعي في ذلك جانب التخصص.

 

4) اختصار طرق الطعن:

ان القاعدة المميزة التي استجدها المشرع في قانون المسطرة المدنية الحالي هي : " ان التعرض والاستئناف ضدان لا يجتمعان" بمعنى ان المشرع تحقيقا للسرعة، ارتأى ان يقلص من طرق الطعن وآجالها.

فبالنسبة لطرق الطعن فقد الغى التعرض الا بالنسبة للاحكام التي لا تكون قابلة للاستئناف أي في الاحكام الغيابية التي بتت في موضوع الدعوى الذي يقل عن 3000 درهم، كما الغي الطعن بالاستئناف في الاحكام التي ليس لها وصف " غيابي" وبتت في موضوع الدعوى الذي لا تتجاوز مبلغ 3000 درهم أي الاحكام الانتهائية الى غاية مبلغ 3000 درهم، ( الفصل 19 م م)، وتراجع كذلك عن الاعتراض عن الاوامر بالاداء واستبقى طريق الطعن فيها بالاستئناف.

 

ونرى انه في اقرار هذه القاعدة بعض المساس بحقوق الدفاع لان مبلغ 3000 درهم ليس بالمبلغ الزهيد الا بالنسبة لبعض الطبقات الميسورة، اما بالنسبة لعموم المتقاضين، فان ذلك المبلغ يكتسي اهمية ملموسة ثم كيف يستساغ عدم امكانية فتح الطعن بالاستئناف في الاحكام الانتهائية التي يشوبها بطلان في الموضوع او في الاجراءات ؟ قد يقع الرد على ان تلك الامكانية ممكنة بالطعن عن طريق النقض الا اننا نرى ان في ذلك اغراق المجلس الاعلى بالنظر في القضايا الاقل اهمية فهذه القاعدة تضر بحرمة كل جهل او تسرع.

 

فالتقليص من طرف الطعن فيه انكماش لنظام التقاضي على درجتين الذي يعتبر، بحق، ضرورة ملحة لتحقيق العدالة لان هو الاسلم والاضمن لحقوق المتقاضين فله فائدة وقائية لان ذلك يحمل قضاة الدرجة الاولى على توخي العناية في اعمالهم والتزام العدالة في احكامهم، وله كذلك فائدة علاجية اذ يتمكن المتقاضون من اعادة النظر في الطريقة التي استعملوها في معالجة قضاياهم ( يراجع تفصيل هذه النقطة في التقرير الذي قدمه الاستاذ عبد الوهاب محفوظ تحت عنوان: " نظام التقاضي على درجتين" للمؤتمر السادس لاتحاد المحامين العرب سنة 1961 بالقاهرة).

 

ولذلك فاننا نرى الرجوع الى القواعد التي كانت مقررة في المسطرة المدنية الملغاة بخصوص فتح باب التعرض الى جانب باب الاستئناف لان في ذلك رفع العنت على محاكم الاستئناف وعلى المجلس الاعلى الذي يجب عدم اشغاله الا بالقضايا ذات الاهمية القصوى وبخرق القانون، وسيتحقق ذلك بفعالية اكثر اذا ما عدنا الى قواعد طرق الطعن كما كان عليه الامر في ظل قانون المسطرة المدنية السابقة.

 

ومن المسائل الجديدة كذلك في باب الاستئناف هو عدم امكانية استئناف الاحكام التمهيدية الا في وقت واحد مع الاحكام الفاصلة في الموضوع وفي نفس الاجال، وذلك تفاديا للتعقيد وتعطيل مصالح المتقاضين، لان استئناف الاحكام التمهيدية باستقلال عن الاحكام الموضوعية، يؤدي الى تشعيب القضية ويجعل النزاع الواحد مفككا ويستغرق زمنا طويلا لا تتحقق معه العدالة، الا ان الصعوبة، التي تعترض تطبيق الفصل 140 من قانون المسطرة المدنية، هي الطبيعة القانونية للاحكام التمهيدية مما جعل المجلس الاعلى يعطي مفهوما واسعا للاحكام التمهيدية، فاعتبر انها تلك الاحكام التي تفصل في جزء من موضوع الدعوى بصفة قطعية كالبت في المسؤولية مثلا ولكنها لا تنهي الدعوى ( الاستاذ الفيلالي محمد " الحكم التمهيدي" مجلة رابطة القضاة العددان 2 و3 السنة 17).

 

ويشهد الواقع العملي لتطبيق الفصل 140 ان المسطرة تطول بسبب استئناف بعض الاحكام التي يصعب تمييز طبيعتها مما يطيل النزاع اذ يقع ايقاف البت في الموضوع الى ان يقع البت في الاستئناف المرفوع ضد ذلك الحكم الذي  لم ينه الفصل في الدعوى الا انه بت في نقطة موضوعية بصفة قطعية.

 

وللخروج من هذه الصعوبة الدقيقة نرى ان يتدخل المشرع لبيان المقصود بالاحكام التمهيدية او ينص على عدم جواز استئناف الاحكام التي تصدر اثناء سير الدعوى ولا تنتهي بها الخصومة الا بعد صدور الحكم المنهي للخصومة كلها كما فعل المشرع المصري في الفصل 212 من قانون الاجراءات المدنية والتجارية.

 

اما بالنسبة لاجال الطعون فالملاحظ ان المشرع قد اختصر منها وجعلها ملائمة لعنصر السرعة الا اننا نرى اضافة اجال المسافة الى اجال الطعون على اساس المسافة الفاصلة بين موطن الطاعن ومقر المحكمة التي يجب تقديم طلب الطعن امامها.

 

5) حق التصدي :

ومن عوامل السرعة كذلك، حق التصدي المنصوص عليه في الفصلين 146 و368 م م، فالتصدي امام محكمة الاستئناف هو امر مقبول بل وجوبي لان في ذلك ربح للوقت بعد ان حرقت القضية عدة اجراءات، فلا يستساغ بعد الغاء الحكم الابتدائي الامر بالاحالة على المحكمة الابتدائية، وهذا ما اقره الفصل 146 م م، الا ان هذا الفصل اوجب التصدي للحكم في الجوهر اذا كانت الدعوى جاهزة للبت فيها.

ونعتقد ان العبارة الاخيرة في الفصل 146 " اذا كانت الدعوى جاهزة" يكتنفها بعض الغموض اذ يبقى السؤال مطروحا متى نكون امام قضية جاهزة او غير جاهزة؟

 

ونرى، من جهتنا، اقرار وجوب التصدي في جميع حالات الالغاء الا في حالتي الحكم بعدم الاختصاص او عدم قبول الدعوى، ففي هاتين الحالتين فقط يجب احالة القضية على المحكمة الابتدائية اما فيما عداهما فتحقيقا للسرعة فيجب ان يكون التصدي واجبا.

 

اما التصدي امام المجلس الاعلى الذي استحدثه المشرع في الفصل 368 م م، فلا نجد له أي مبرر قانوني او منطقي للان المجلس الاعلى ليس درجة من درجات التقاضي، ولا ينبغي ان يكون كذلك، فضلا عن ذلك فان اعطاء امكانية التصدي للمجلس الاعلى فيه مساس بحقوق الدفاع، فقد لا يلتفت الطرفان اثناء النظر في النقض الى مناقشة الوقائع الذي يدور حولها موضوع الحق، فيفاجأ هذا او ذاك باستعمال حق التصدي من طرف المجلس الاعلى فيحرم بذلك من تقديم اوجه دفاعه في الموضوع، وتضيع عليه درجات التقاضي ( يراجع خلاف هذا الراي - في مجلة المحاكم المغربية لسنة 48 عدد 5 "هل يجب اصلاح نظام المجلس الاعلى" بقلم الاستاذ محمد الفاسي الفهري).

 

وفي الوقت الذي نحرر فيه هذا التقرير فان لجنة التشريع بالبرلمان قد انتهت من مناقشة مشروع بالغاء الفصل 368 بالاجماع على ضرورة الغاء حق التصدي الذي يتنافى ومهمة المجلس الاعلى.

 

6) المساطر الخاصة بالاستعجال ومسطرة الامر بالاداء:

تناول المشرع الاوامر بناء على طلب في الفصل 148 والمستعجلات في الفصل 149 الى 154 والاوامر بالاداء من الفصول 155 الى 165 م م.

فبخصوص الفصل 148، فبالاضافة الى الملاحظات التي سبقت اثارتها عند الكلام على تبسيط الاجراءات، فانه يلاحظ ان القاعدة هي ان مثل هذه الاوامر لا تستلزم التعليل لسكوت المشرع عن ذلك الا انه في حالة الرفض التي يكون فيها الامر قابلا للاستئناف فان التعليل يكون واجبا مما  يتعين معه التنصيص على ذلك صراحة من طرف المشرع، والمسالة الجديدة التي اضافها المشرع في النص المذكور هو ان الرئيس ينيب عنه في القيام بمهامه اقدم القضاة ونرى استبدال ذلك " بنائبه"، لان اقدم القضاة لا يكون، دائما، وبالضرورة هو الكفء من الناحية القانونية.

 

اما بالنسبة للفصل 149 فلعل القاعدة الاساسية التي ابتكرها المشرع هي انه اذا كان النزاع معروضا على محكمة الاستئناف مارس هذه المهام رئيسها الاول.

وقد وقع نقاش حاد حول تأييد هذه القاعدة من جهة ومعارضتها من جهة ثانية.

ان كانت هذه القاعدة تقرب النزاع من المتقاضين وتجعل من السهل على الرئيس الاول ان يطلع عن كثب على ملف النازلة المعروض على محكمته، فان في احداث هذه المؤسسة الجديدة امام محكمة الاستئناف مساس بحقوق الدفاع اذ في ذلك مخالفة صريحة للمبادئ العامة في قانون المسطرة المدنية التي تمنح الخصوم حق التمتع بالتقاضي على درجتين، فهذه القاعدة تضيع على الاطراف درجة من درجات التقاضي الى جانب الخطورة القائمة في تواجد تلك المؤسسة وكمثال على تلك الخطورة صدور امر بالحراسة القضائية وعدم امكانية الطعن فيه لسكوت النص اذ ان القاعدة في فقه المسطرة ان لا طعن بدون نص.

 

ونعتقد انه قد آن الاوان لازالة هذا الاختصاص وابقاء جميع الحالات الواردة في الفصل 149 من اختصاص رئيس المحكمة الابتدائية، او فتح باب الطعن في الامر الصادر عن الرئيس الاول بالتظلم او الاحالة امام محكمة الاستئناف في هيئتنا الجماعية.

 

ومن الصعوبات الاخرى التي يحدثها تطبيق هذا الفصل هو ان الرئيس يكون مختصا للبت في الحالات الواردة فيه، بالاضافة الى الحالات المشار اليها في الفصل 148 والتي يمكن لرئيس المحكمة الابتدائية ان يبت فيها بصفته قاض 148 بل بصفته قاضيا للامور المستعجلة، أي قاضي الفصل 149، ففي الوضعية الاخيرة التي يبت الرئيس في احدى الحالات الواردة في الفصل 148 ولكنه بصفته قاضي الفصل 149، فهل تخضع هذه الاوامر، من حيث طرق الطعن، لمقتضيات الفصل 148 حيث لا تقبل الاستئناف، الا في حالة الرفض، ام انها تخضع لما تخضع له اوامر الفصل 149، أي انها تقبل الاستئناف في جميع الاجال طبقا للفصل 153؟

نشير هنا ان هذه الصعوبة قد عرضت على المجلس الاعلى فاصدر قرارا بان الاوامر الصادرة في الفصل 149 في احدى الحالات الواردة في الفصل 148 لا يمكن الطعن فيها بالاستئناف استنادا الى الفصل 153 ( قرار 271 بتاريخ 15/4/1981 في الملف المدني عدد 76.327 "غير منشور").

 

وفي الاخير فانه يتعين اعادة صياغة الفصلين المذكورين لان في صياغتهما كثيرا من الغموض مما يخلق عدة اضطرابات على الصعيد العملي.

اما مسطرة الامر بالاداء فمقتضياتها تحقق كثيرا من السرعة الا ان هذه المؤسسة لا تعرف الاقبال الذي يجب ان يكون عليها، ونعتقد ان السبب يرجع بالدرجة الاولى الى انه لا يمكن الحكم - بمقتضى هذه المسطرة - الا باصل الدين والصوائر القضائية دون  التعويض الذي يعتبر من المطالب الهامة، او يرغب الدائن في الحصول عليه لجبر الضرر الحاصل له من جراء التوقف عن الاداء في وقت حلول الدين، اما الفوائد القانونية فانه يلاحظ ان محكمة الدار البيضاء تحكم بها رغم سكوت النص فضلا انه لا يمكن تطبيق الاكراه البدني كوسيلة لتنفيذ الامر بالاداء.

 

وحتى تؤدي مؤسسة الامر بالاداء مهمتها - بكيفية واسعة - وهي ايصال الحق لاصحابه في اقرب وقت وبايسر الاجراءات فانه يتعين ان يضاف الى المسائل التي يجب الحكم بها حسب النص عنصري التعويض والفوائد القانونية او الاتفاقية، حسب القواعد العامة الخاصة بالفوائد.

 

اما مقتضيات الفصل 165 فلا نجد لها أي مبرر لعدة اسباب منها على الخصوص ان منح أي اجل، لصالح المدين، للوفاء بالدين المحكوم به عليه مناف لروح المسطرة المتعلقة بالامر بالاداء التي تهدف الى الاسراع باقتناء الدين الثابت بدون أي تاخير، ثم ان المقتضيات المتعلقة بالاجل الاستعطافي او مهملة الميسرة المنصوص عليها في الفصل 440 م م تغنينا عن مقتضيات الفصل 165 م م.

* * *

المحور الثالث:

مرحلة التنفيذ:

لعل ابرز ما يلفت النظر في قانون المسطرة المدنية الحالي هو مبدا التبليغ والتنفيذ التلقائيين، بمعنى ان كتابة الضبط تقوم، تلقائيا، بتبليغ الاحكام والاوامر بدون طلب من المستفيد من الحكم وحتى قبل ارجاع الملف من مصلحة التسجيل، كما ان مأمور التنفيذ طبقا للفصل 428 م م لا يحتاج لمباشرة عملية التنفيذ ان يتوصل بطلب من طرف من له المصلحة في التنفيذ، ويعتبر ذلك عدولا جوهريا عما كان عليه الامر في الفصل 294 م م ق اذ لا تباشر اجراءات التنفيذ الا بناء على طلب الخصم المحكوم له.

ونستطيع التاكيد ان نظام التبليغ التلقائي قد حقق بعض النتائج الايجابية، فكان عاملا للاسراع، لولا انتظار انتهاء اجراءات التسجيل للبدء في التنفيذ.

 

اما التنفيذ التلقائي فلم يكن، عمليا، تنفيذا تلقائيا ما دام ان مأمور التنفيذ ينتظر الى ان تؤدي واجبات التنفيذ من طالب التنفيذ، فهذا النظام لم يعط النتيجة المتوخاة منه وهي الاسراع في التنفيذ بابسط الاجراءات وبالتالي حل مشكل قسم التنفيذ الذي يتخبط في صعوبات لم تجد حلها الى حد الآن، ان لم نقل باستفحالها بصورة لم يسبق لها مثيل، ولعل ذلك يرجع الى عدة عوامل منها على الخصوص:

1- التنفيذ التلقائي.

2- بعض المشاكل المتولدة عن التنفيذ.

 

1) التنفيذ التلقائي

ان التنفيذ في ظل المسطرة المدنية الملغاة كان يبدأ اولا بتسليم المحكوم له، الذي يرغب في تنفيذ الحكم نسخة تنفيذية منه ( الفصل 265 م م ت) بعد مراقبتها من ادارة التسجيل، ويتقدم بعد ذلك بطلب الى قسم التبليغات والتنفيذات القضائية لتعمل على تبليغ الحكم الى الطرف المحكوم عليه واعذاره بان يفي بما قضى به الحكم خلال 20 يوما ( 295 م م ق) ثم في الاخير فان الراغب في التنفيذ يتقدم بطلب الى قسم التنفيذ لتمارس اجراءات التنفيذ.

 

اما المسطرة المتخذة في سنة 1974 فان التبليغ يتم بكيفية تلقائية والى المحكوم عليه من طرف قسم التبليغ حتى قبل مراقبة الحكم من طرف ادارة التسجيل، وبهذا الاجراء تتحقق بعض الفوائد اذ يقع الاسراع في بداية اجل الطعن فقط اما التنفيذ فلا يباشر الا بعد اعادة الملف من ادارة التسجيل حيث يستدعي كاتب الضبط، بمجرد ما يصبح كل حكم قابلا للتنفيذ، الطرف المستفيد من هذا الحكم لاثبات اداء الحقوق الواجبة الاستخلاص لعملية التنفيذ ونكون بهذا الاجراء قد اضفنا عبئا لكتابة الضبط التي تضطر الى فتح ملفات لجميع الاحكام الصادرة في الموضوع، ثم ثانيا تعمل على استدعاء من له مصلحة في التنفيذ لاداء الرسوم في جميع الملفات.

 

وهكذا نلاحظ ان مصلحة التنفيذات لدى كل محكمة ابتدائية تعمل على تبليغ جميع الاحكام وتجهيز جميع الملفات التي وقع فيها التبليغ باعلام ذوي المصلحة باداء الرسوم، وقد تكون نسبة مهمة من تلك الاحكام التي وقع تبليغها، او ان الملفات التبليغية التي وقع اعلام الخصوم باداء واجبات التنفيذ قد انتهت اما بالتنفيذ الارادي او عن طريق الصلح، او عدم اتجاه رغبة المحكوم له في متابعة قضيته الى مرحلة التنفيذ لسبب او لاخر كتنازله الضمني، او علمه بان المحكوم عليه قد توفي ولم يترك خلفا عاما او فقد المحكوم عليه للصفة او الاهلية او ان المحكوم له لم تعد له الصفة والمصلحة في متابعة القضية.

 

وقد دلت المؤشرات بقسم التبليغات والتنفيذات القضائية على ان هناك عدة ملفات قد انتهت باحدى الوسائل السابقة ورغم ذلك سخرت لها مجهودات وبذلت لها امكانيات من طرف مأموري التبليغات والتنفيذات بدون جدوى.

 

لذلك نرى ان الواقع العملي قد حكم على التنفيذ التلقائي بعدم الفائدة التي توخاها المشرع، وهي السرعة ورفع الضغط على قسم التنفيذ، مما يتحتم معه الرجوع الى نظام التنفيذ بناء على طلب المستفيد من الحكم، لان في هذا النظام تحقيق للسرعة، وتخفيف الضغط على قسم التنفيذ وعدم ضياع مجهودات كتابة الضبط سدى، واختصار من نفقات الدولة.

 

وبالفعل لقد صدقت رؤيانا، اذ في الوقت الذي نتأهب فيه لطبع هذا التقرير يصدر ظهير شريف مـؤرخ فـــــــي 9 محرم1405 (5 اكتوبر1984) يتضمن الامر بتنفيذ القانون رقم 82/18 المتعلق بتعديل الفصول 428 و429 و433 و435  من قانون المسطرة المدنية ( جريدة رسمية بتاريخ 6/2/1985 عدد 3771) وبذلك يعود المشرع الى نظام التبليغ والتنفيذ بناء على طلب المستفيد من الحكم، فالفصل 433 في تعديله الجديد ينص على ان "يبلغ كل حكم قابل لتنفيذ بطلب من المستفيد من الحكم او من ينوب عنه "، اما الفصل 429 فينص على انه " تنفذ الاحكام الصادرة من محاكم المملكة في مجموع التراب الوطني بناء على طلب من المستفيد من الحكم او من ينوب عنه".

 

والملاحظة الاساسية التي يمكن ابداؤها بخصوص هذا التعديل ان المشرع قد  استحدث مسطرة خاصة في الحالة التي تفقد فيها النسخة التنفيذية اذ اسند الاختصاص للحصول على نسخة تنفيذية ثانية لقاضي المستعجلات الذي يصدر قراره بعد استدعاء ذوي المصلحة ( الفصل 435).

 

وننوه بالمقتضى الجديد الذي، ولا شك، سيرفع الحرج والصعوبات التي كانت تعترض المحاكم والاطراف عند فقدان النسخة التنفيذية اذ كان الاختصاص يرجع الى المحكمة الاخيرة التي صدر عنها الحكم او القرار.

 

فالمشكل الذي يعاني منه المتقاضون ورجال الدفاع هو بطء التنفيذ، الا ان الرجوع الى التنفيذ بناء على طلب المستفيد من الحكم لا يتحقق معه وحده الهدف بل يتعين اعادة النظر في المراحل التي تلي صدور الحكم كمرحلتي التبليغ والتسجيل.

 

فبالنسبة لمرحلة التبليغ فاننا نعتقد انه لحصول التبليغ في ظروف حسنة وفي اسرع وقت لا بد من اعادة النظر في اختيار الاشخاص الذين يسند اليهم القيام بهذه المهمة الخطيرة والدقيقة، وتمكينهم من الامكانيات المادية والمعنوية حتى يعملوا بكل مسؤولية وتحت مراقبة شديدة ريثما يدخل نظام الاعوان القضائيين - الذي هو مهنة حرة - حيز التنفيذ، وبالمناسبة، ننادي بالتعجيل بدخول هذه المهنة حيز التطبيق خصوصا وان التجربة في فرنسا قد اعطت نتائج محمودة.

 

اما بالنسبة لمرحلة التسجيل، فيكاد الجميع يتفق على ان هذه المرحلة هي مرحلة معاناة، مرحلة تشل فيها الاحكام ويوقف فيها التنفيذ ( بدون نص او قرار) لعدة شهور، مما يستوجب حتما وبدون انتظار او تردد ايجاد حل عاجل لهذا المشكل العويص عن طريق التشريع.

 

وفي هذا المضمار، نقترح الزام مصلحة التسجيل بارجاع الملف الى كتابة الضبط في اجل 30 يوما ( مثلا) من تاريخ توصلها به، سواء وقع استخلاص الواجب او لم يستخلص، على ان تعطى لها الامكانية لاستخلاص الواجب اثناء التنفيذ او بعده، والزام كتابة الضبط من جهة اخرى على العمل على ارسال الملف الى مصلحة التسجيل خلال اجل عشرة ايام ( مثلا) من تاريخ النطق بالحكم.

 

ونقترح الصيغة الاتية:

" ينبغي على كتابة الضبط ان تحيل على مصلحة التسجيل جميع الملفات المحكوم فيها خلال اجل لا يتعدى عشرة ايام من تاريخ النطق بالحكم، ويجب على مصلحة التسجيل، تلك، ان تعيد بدورها الملفات المذكورة - في جميع الاحوال - الى كتابة الضبط خلال 30 يوما من تاريخ توصلها بها، وفي الحالات التي لم تستخلص فيها واجبات التسجيل يؤشر بذلك على النسخة التنفيذية حتى يتم اجراء حجز تلقائي من طرف مأمور التنفيذ لفائدة مصلحة التسجيل".

 

2) المشاكل المتولدة عن التنفيذ:

اما المشكل الثاني الذي يتخبط فيه القضاء، والذي له علاقة بمرحلة التنفيذ، فهو مشكل طلبات ايقاف التنفيذ، اما المعجل بقوة القانون او القضائي، واما ايقاف التنفيذ لوجود صعوبة مادية او قانونية في التنفيذ، وهذا المشكل لم يعرف طريقه، بعد، الى الحل رغم المجهودات التي ما فتئ القضاء يبذلها.

وتكمن اسباب هذه المشاكل في غموض النصوص التشريعية بكيفية يصعب معها التأويل او التفسير وغياب قاضي التنفيذ.

 

أ‌-   غموض بعض النصوص المتعلقة بالتنفيذ :

لا احد يجادل ان الفصل 436 م م الذي يتناول الصعوبات الواقعية والقانونية، لايقاف تنفيذ الحكم او تاجيله قد خلق هو نفسه، للقضاء، صعوبة كبيرة في معرفة المقصود بعبارة " صعوبة واقعية او قانونية" وتزداد الصعوبة اكثر امام غياب الاحكام التمهيدية للمسطرة المدنية، او على الاقل عدم نشر هذه الاحكام ان وجدت.

فالواقع المعاش بالمحاكم يشهد بان اثارة دعاوي بخصوص الصعوبات الواقعية والقانونية يزداد يوما عن يوم بسبب عدم وضوح النص فاغرق القسم الاستعجالي ومكتب الرئيس الاول بدعاوي في اغلبها تتعلق بموضوع الصعوبات اما لايقاف التنفيذ او تاجيله او الاستمرار فيه برفع صعوبة ما.

 

ونعتقد انه للتقليل من مثل هذه الدعاوي يتعين وضع معيار يحدد مفهوم الصعوبات الواقعية والقانونية التي يقصدها المشرع حتى لا يفتح المجال - امام الجهتين القضائيتين السابقتين - للدعاوي التي لا علاقة لها بالتنفيذ خصوصا وانه كثيرا ما يلتجأ الى الفصلين 436 و149 للمطالبة بايقاف التنفيذ للاحكام او القرارات التي لم يقع الطعن فيها او المشمولة بالنفاذ المعجل بقوة القانون حيث لا يمكن مطالبة ايقاف التنفيذ بالطريق العادي لطلب ايقاف التنفيذ عن طريق الفصلين 147 و136 م م كما انه يلاحظ ان الطلبات التي تقدم في ذلك الاطار لا علاقة لها بمرحلة التنفيذ اذ يثير اصحابها بعض المسائل التي كان بامكانهم اثارتها في مرحلة الدعوى عن طريق الدفوع.

 

اما بالنسبة لطلب ايقاف التنفيذ امام المجلس الاعلى الذي اقره المشرع بصفة استثنائية في الفصل 361 فاننا نلاحظ انه لم يستعمل استعمالا حسنا من طرف المجلس الاعلى الذي يستعمل سلطته التقديرية بكيفية واسعة دون ان يعتد بالعبارة التي استعملها المشرع " بصفة استثنائية" مما دفع وزارة العدل ان تفكر بجد في الغاء الفقرة الاخيرة من الفصل 361، وبالفعل علمنا انه قد عرض على لجنة التشريع بالبرلمان مشروع بالغاء ايقاف التنفيذ امام المجلس الاعلى.

 

ويظهر ان هناك اتجاها قويا يؤيد الغاء الفقرة الاخيرة من الفصل 361، نعم، انه يجب عدم تشغيل المجلس الاعلى بالملفات المتعلقة بطلبات ايقاف تنفيذ الاحكام او القرارات التي لا تشكل خطورة، الا ان هناك بعض الحالات الخطيرة التي يجب اخذها بعين الاعتبار خصوصا اذا لاحظنا مستوى بعض القرارات التي يؤدي تنفيذها - لولا باب ايقاف التنفيذ امام المجلس الاعلى - الى ضرر كبير لا يمكن جبره باي ثمن.

 

لذلك نرى اتخاذ موقف وسط بين الالغاء والابقاء اما بوضع قيود على السلطة التقديرية للمجلس الاعلى وهو يبت في طلبات ايقاف التنفيذ واما بتحديد الاحوال التي يجوز فيها للمجلس ايقاف التنفيذ كما هو الحال مثلا في قضايا حل الشركات وافراغ المحلات التجارية وطرق اكتساب الملكية وتسجيل التفويتات بالرسوم العقارية.

 

وهكذا نقترح بالنسبة للاقتراح الاول تعديل الفقرة الاخيرة من الفصل 361 على الصيغة الاتية :

" يمكن للمجلس ايضا عندما يتبين له ان القرار المطعون فيه بالنقض يشوبه اخلال او خرق واضح لنص قانوني وبشرط ان يؤدي تنفيذ هذا القرار بصفة خطيرة - في حالة نقضه - الى صعوبة في ارجاع الحالة الى ما كانت عليه - يمكن ان يامر بايقاف تنفيذ القرار كلا او بعضا.

 

ينبغي ان يبت المجلس في الطلب خلال 30 يوما ابتداء من تقديمه.

يجب على المجلس ان يعلل قراره بصفة صريحة بابراز مدى توفر الشروط السابقة ذكرها.

واذا تعلق الامر بايداع مبلغ مالي ان يامر الطرف المحكوم عليه بايداع كفالة قصد ضمانه اداء المبلغ المحكوم به.

واذا قضى المجلس بايقاف التنفيذ يجب عليه ان يبت في طلب النقض خلال سنة من صدور قرار ايقاف التنفيذ".

 

اما الاقتراح الثاني لتعديل نفس الفقرة فنقترح الصيغة الاتية :

" يمكن للمجلس وفقا لنفس الشروط وبصفة استثنائية ان يامر بايقاف تنفيذ حكم او قرار - كلا او بعضا - صدر بحل الشركة او بافراغ محل تجاري او صناعي او بتسجيل التفويتات بالرسم العقاري او قضى بكسب الملكية باي طريق من طرق اكتساب الملكية".

 

ب‌- قاضي التنفيذ :

ان قانون المسطرة المدنية باسناده الاختصاص في البت في الصعوبات الواقعة والقانونية المتعلقة بالتنفيذ لرئيس المحكمة الابتدائية وللرئيس الاول لمحكمة الاستئناف بصفتهما قاضيين للمستعجلات قد اضاف عبئا جسيما الى اعبائهما ومهامهما الجسام.

 

ومن المستحسن ان لا يسند اليهما ذلك فيقع صرفهما عن مهامهما الادارية كتنسيق العمل وتوزيعه بين القضاة واقسام المحاكم وغرفها.

 

ولهذه العلة فاننا ندعو ضرورة احداث نظام " قاضي التنفيذ" الموجود في بعض الدول اذ بمقتضى هذا النظام يجري التنفيذ تحت اشراف ومراقبة قاض معين لهذه الغاية، فيتعين على مأموري التنفيذ عرض الملفات التنفيذية على القاضي ليرسم الخطوات التي يجب اتخاذها لاجراء التنفيذ وكذلك عرض الملف عقب كل نزاع او صعوبة او اشكال، كما يمكن لهذا القاضي ان يراقب الملفات التنفيذية مرحلة بعد اخرى، وهل تسير الملفات سيرها العادي دون تعثر؟

 

ومن ناحية اخرى يعرض على قاضي التنفيذ كل ما يثور اثناء التنفيذ من عراقيل مادية كفتح الباب بالقوة مثلا، او عقبات قانونية فيقوم بتذليلها باصدراه لقرارات واوامر ادارية او ولائية او قضائية - سواء بطلب من ذوي المصلحة او من مأمور التنفيذ او تلقائيا - فيتم بذلك الاشراف الكامل على عملية التنفيذ فتقل - او تضمحل - الاخطاء التي تعودناها في مرحلة التنفيذ.

 

ونتمنى ان يستغل المشرع الفرصة بانشاء قاضي التنفيذ وهو بصدد التفكير في اقرار مهنة الاعوان القضائيين الذي ستكون مهامهم القيام بالاجراءات التبليغية والتنفيذية بدل كتابة الضبط التي تئن من تراكم الملفات وعجز في الاطر وفقر في الامكانيات.

 

وباحداث هذه المؤسسة - مؤسسة قاضي التنفيذ - ستتحقق المراقبة القضائية على عمليات التنفيذ فتتقلص بذلك الصلاحيات الواسعة التي يتمتع بها، الان، مأمور التنفيذ اذ بامكانهم ان يحفظوا الملفات دون مراقبة سبب ذلك من طرف السلطة القضائية، مما يضطر معه طالبو التنفيذ، بمشقة، الى المطالبة باخراج الملفات من الحفظ لمواصلة اجراءات التنفيذ بعد وقت طويل وبمصاريف اضافية.

*  *

المحور الرابع :

بعض الثغرات في ق م م:

باستعراضنا لنصوص قانون المسطرة المدنية الحالي، ولو في عجالة قصيرة، نستطيع ان نلاحظ كثيرا من الثغرات، منها ما يتعلق بصلب القواعد القانونية ومنها ما يتعلق بعيب في الصياغة. وهذه الثغرات تظهر بشكل واسع، ومتناثرة بين فصول المسطرة. وسوف لا نتعرض لمجموعها بل سنكتفي ببعضها الذي له الاحروية.

تناول المشرع قواعد الاختصاص المحلي في الفصول 27 الى 30، وهي قواعد تتعلق بالاختصاص القضائي الداخلي، وفي المقتضيات العامة الختامية اضاف المشرع بعض الايضاحات للمقتضيات التي تنظم هذا النوع من الاختصاص ( من الفصول 518 الى 527)، كالموطن ومحل الاقامة، والموطن المختار، وموطن الاجنبي ومحل الاقامة. الا انه رغم هذه الاضافات التي يمكن ان تساعد على ايجاد الحلول لبعض الصعوبات التي تعترض القضاء، فان الفراغ لا زال موجودا في التشريع حول قواعد الاختصاص القضائي الدولي الذي سكت عنه المشرع المغربي رغم ما يكتسيه من اهمية قصوى لتعلقه بالنظام العام مما يطرح كثيرا من الصعوبات في عديد من الحالات، كحالة نزاع بين مغربيين خارج الوطن في شأن مسائل النفقة، او ما يتعلق بالدين كاليمين القانونية، الذي يتطلب اداؤها شكليات معينة تختلف باختلاف الديانات والمعتقدات والمذاهب، او حالة دعاوي انعدام الاهلية والترشيد والتحجير وعزل الوصي او المقدم، ولا يكون لهؤلاء او ممثليهم او للمدعى عليه موطن بالمغرب، واخيرا حالة، دعوى من الشركة التي يوجد مركزها الاجتماعي بالخارج ولكن يوجد فرعها - الذي يكون قد تعامل مع الوطني - في المغرب.

 

اما جانب الجلسات وشكليات الاحكام فمن صياغة الفصل 36 يتبادر الى الذهن وللوهلة الاولى ان القاضي يستدعي المدعي والمدعى عليه الى الجلسة حالا فقط دون محاميهما لسكوت النص عن استدعاء هذا الاخير، ورفعا لاي التباس فانه يتعين اضافة عبارة " محاميهما" فتصبح الفقرة الاولى من الفصل 36 كما يلي:

" يستدعي القاضي حالا الاطراف ومحاميهم، كتابة والى جلسة يعين يومها ويتضمن هذا الاستدعاء "

كما ان الفصل 50 الذي يحدد بيانات الحكم قد اغفل ذكر المحكمة التي يصدر فيها الحكم وكذلك المادة التي صدر بصددها، والوصف القانوني الذي يجب ان يعطى له، فيتعين اذن اضافة هذه البيانات الى محتويات الحكم لما في ذلك من فائدة عملية.

ويشير الفصل 51 الى وجوب توقيع اوراق المحاضر بعد كل جلسة، من جانب القاضي وكاتب الضبط، ونرى ان يقع توقيع المحاضر - من طرفهما معا - في اعقاب انتهاء كل مرافعة وعلى المقاعد وقبل رفع الجلسة.

 

اما في الفرع المتعلق بالابحاث وبالاخص الاستماع الى الشهود، فان المشرع لم يطرح الفرضية التي يقيم فيها الشاهد خارج الوطن اذ لم يحدد المسطرة الواجبة الاتباع في الاستماع اليه، ونقترح انه اذا كان الشاهد اجنبيا ان يتم الاستماع اليه عن طريق الانابة القضائية واذا كان مغربيا يستمع اليه عن الطريق القنصلي، ونلاحظ من جهة اخرى، ان الفصل 82 قد سكت عن الحالة التي يكون فيها الشاهد اصم وابكم، مما يتعين تقنين هـــذه الحالة - خصوصا وان هذه العاهة ليست من اسباب نقصان الاهلية - بالاستماع اليه اذا امكن بيان مراده بالكتابة او الاشارة بصورة لا لبس فيها ولا غموض، كما ان المشرع لم يستثن من الاشخاص الذين لا يجوز الاستماع اليهم كشهود - لوجود مانع - الافراد الذين لهم اسرار مهنية.

 

وبصدد قواعد الاحالة فان الفصل 109 قد اشار - خطأ - الى امكانية "تاخير" القضية بطلب من الخصوم او من احدهم اذا سبق ان قدمت الدعوى بمحكمة اخرى في نفس الموضوع او اذا كان النزاع مرتبطا بدعوى جارية، ولا نرى اية فائدة من هذا النص الا باصلاح هذا الخطأ باستبدال كلمة " تاخير" بكلمة (احالة) لان المقصود هو احالة الملف للارتباط بين دعويين وليس الهدف هو التاخير الملف.

 

وفي الفرع الخاص بالتنازل، فان المشرع قد اقر قاعدة مفادها انه اذا تعرض الطرف المواجه على التنازل بالنسبة للدعوى او لحق الترافع بعلة انه قدم دعوى مقابلة او لسبب اخر بت القاضي في صحة التنازل بحكم قابل  للاستئناف (120).

والملاحظ ان هذا الفصل قد جاء واسعا في اسباب التعرض عن التنازل باستعماله عبارة " او لسبب اخر" - كان المحبذ التقليص من الاسباب التي تدعو المواجه بالتنازل الى الاعتراض، فلا يلتفت مثلا، الى الاعتراض بسبب عدم اختصاص المحكمة او طلب الاحالة او بطلان مقال الدعوى او لاي سبب يكون القصد منه منع المحكمة من المضي في سماع الدعوى.

 

وفي باب الاستئناف فان المشرع في الفصل 135 لم يميز بين الاستئناف المقابل والاستئناف الفرعي كما فعلت بعض التشريعات كالتشريع المصري، رغم اختلاف القواعد المطبقة على كل نوع من الاستئنافيين فالاستئناف المقابل الذي هو يجوز للمستانف عليه رفعه الى ما قبل اقفال باب المرافعة وقد يرفع خلال الاجل القانوني للاستئناف الاصلي او بعده. اما الاستئناف الفرعي فهو الذي يرفع بعد مضي اجل الاستئناف الاصلي او بعد قبول الحكم قبل رفع الاستئناف الاصلي، ويسمى تبعيا لانه يتبع الاستئناف الاصلي صحة وزوالا.

وفي التنفيذ المعجل بقوة القانون، فاننا نرى اعادة صيغة الفقرة الاخيرة من الفصل 147 كما يلي:

" لا تطبق مقتضيات الفقرات الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة من هذا الفصل اذا كان التنفيذ المعجل بقوة القانون، عدا اذا كان القاضي غير مختص نوعيا او اذا كان الحكم باطلا" لانه ليس من الحق والانصاف عدم قبول ايقاف تنفيذ ضد حكم او قرار مشمول بالنفاذ المعجل بقوة القانون وقد تجاوز فيه القاضي سلطته وصلاحياته او كان قرارا باطلا بقوة القانون، اذ لا يعقل ان تضفى عليه الحماية، بعدم قبول ايقافه والا كنا امام مجافاة للحق والعدالة.

 

وفي المسطرة الخاصة بالقضايا الاجتماعية، فاننا نسجل ان الاحكام التي تصدر في النزاعات المتعلقة بالشغل او الخلافات الناشئة بين المشغل والاجير او في قضايا الضمان الاجتماعي هي احكام مخالفة للفصل 270، اذ تصدر دائما، ولحد الان، من القاضي بانفراد دون مشاركة المستشارين مع ان تشكيل المحكمة الاجتماعية، من النظام العام لانها جزء من التنظيم القضائي للمملكة الذي لا يقبل اي اخلال بقواعده وبالتالي لا يمكن التذرع بالفقرة الاخيرة من نفس الفصل.

 

ومن المسائل التي لها علاقة بالصياغة، ما جاء في الفصل 303 ( المتعلق بتعرض الغير الخارج عن الخصومة) حيث وقع استعمال عبارة " لم يستدع هو من ينوب عنه في الدعوى" كما كانت مقاصد المشرع في خلق مؤسسة " تعرض الخارج عن الخصومة" هي حماية الطرف الذي له المصلحة في النزاع ولم يتم ادخاله في الدعوى فالاجدر بالمشرع تغيير لتلك الصياغة واستبدالها بالصياغة الاتية : "لم يكن طرفا في الدعوى".

 

وفي باب التحكيم، فالملاحظة البارزة حول قواعد التحكيم ان المشرع المغربي لم يهتم بالتحكيم الدولي، مما يجعل القضاء المغربي يعاني من فراغ موحش في هذا المجال، خصوصا عندما تعرض عليه القرارات التحكيمية الاجنبية لتذييلها بالصيغة التنفيذية. كما انه في ميدان التحكيم كثيرا ما تحيل الاتفاقيات الدولية على قانون الاجراءات لمحكمة البلد الذي سيقع فيه الاستدلال بالمقرر التحكيمي الاجنبي، كما هو الحال مثلا في اتفاقية نيويورك 1958 في فصلها الثالث الذي يتضمن قاعدة اسناد بهذا الخصوص. وبذلك فاننا ننادي بتدخل المشرع لسد هذا الفراغ باستحداث احكام خاصة على التحكيم الدولي، كما اننا نلاحظ ان المشرع قد اوجب (لفي الفصل 309 الفقرة الثانية) الكتابة بخط اليد للشرط التحكيمي اذا تعلق الامر بتحكيم في منازعة تجارية، ونرى ان هذا الالزام ليس له أي مبرر ولا فائدة منه ولم يعد يساير الفكر المعاصر ولا يعتبر ملائما لمرونة وسرعة التعامل التجاري، وهكذا فقط انقلب شرا على المعاملات التجارية.

 

وبالنسبة لاحترام حقوق الدفاع، فان الفصل 341 فيه تقييد لحقوق الدفاع واعتداء على حرمة الدفاع، اذ لا تبقى للدفاع قدسيته التي ارادها له المشرع الا بالتراجع عن مقتضيات هذا الفصل وابقاء العقوبات التاديبية في يد مجلس هيئة المحامين، ولا نرى لهذا الفصل أي موضوع امام المقتضيات التأديبية، المنصوص عليها في الباب الخامس من القسم الاول من قانون تنظيم نقابات المحامين ومزاولة مهنة المحاماة التي تفي وتستجيب لكل الحالات التي تستحق التاديب، والجدير بالذكر، في هذا الصدد، ان المشرع الفرنسي قد تراجع عن نفس المقتضى الوارد في الفصل 342 لعدة اسباب معقولة منها على الخصوص، ان المحكمة وهي تتخذ تلك التدابير التاديبية، تتاثر وتصدر قراراتها التاديبية على الفور بدون فحص دقيق للنزاع بالاضافة الى ان في ذلك خرقا لمبدا التقاضي على درجتين، اذ لا تقبل هذه القرارات أي طعن.

ومن ضمن الضمانات التي يجب توفيرها للمتقاضين لعلاقتها بحقوق الدفاع، تطبيق الفصل 342 تطبيقا فعليا بوجوب تلاوة تقرير المستشار المقرر بالجلسة لان في ذلك سلامة لسير المسطرة في مسارها العادي والطبيعي وتاكيد على الضمانات القوية التي يتوخاها المشرع.

 

اما المقتضيات الخاصة بالمسطرة امام المجلس الاعلى، فليس لدينا ما نضيفه الى ما سبق اللهم الا - الاشارة الى ان المجلس الاعلى كثيرا ما يلجأ الى البحث عن اسباب عدم القبول، الشيء الذي يتنافى وروح المشرع، ويؤدي بالتالي الى ضياع حقوق المتقاضين، كان يمكن ان تسبغ عليها حماية من طرف المجلس لو انه تصدى لطلب النقض في الموضوع، وتناول الرد على الوسائل المثارة في الطلب.

 

اما في حقل التنفيذ، فان المقتضى المنصوص عليه في الفصل 437 - الذي يستوجب تقديم شهادة بعدم التعرض او الاستئناف ضد الحكم المطلوب تنفيذه - ففيه كثير من العنت ويعتبر عرقلة امام تنفيذ ذلك الحكم الذي يجب ان يتم بكل سرعة اما الفصل 441 فيستدعي الامر التعجيل بتعديله وذلك بفتح ابواب طرق الطعن وبقائها مفتوحة حتى ولو بعد التنفيذ لان في ذلك احتراما لحقوق الدفاع.

 

* مجلة المحاكم المغربية، عدد 38، ص 96.

 


تعليقات