القائمة الرئيسية

الصفحات

تلخيص كتاب الشرعية الجنائية

 


 الشرعية الجنائية 

  

تلخيص كتاب الدكتور جمال الدين عبد الآحاد


إعـــــداد الطالب الباحث:

 بن عجيبة نوفل

إشراف :
الدكتور  جعفر العلوي

 

 

إن العلوم القانونية هي التي تنظم العلاقات بين الناس أو بينهم و بين الدولة وهي علوم ذات صبغة اجتماعية. لا بد لها أن تعكس هذا التطور بما تصاحبه من تعقد في العلاقات والظواهر الاجتماعية وتأثير في القواعد القانونية الراسخة، ولعل الهدف الأساسي التي تسعى إليه هو الإسهام في ضبط تلك العلاقات بحيث تحفظ للإنسان حقوقه الأساسية التي لا يمكن النزول عنها أو إهدارها، بحيث يحدث التوفيق دائما بين مصلحة الفرد ونفع الجماعة.

والقانون الجنائي هو الممثل للقواعد التي تضعها الدولة لتنظم حق العقاب، وهو أخطر ما تمارسه الدولة باسم المجتمع في مواجهة الفرد ككائن اجتماعي.

وموضوعنا قيد الدرس هو "الشرعية الجنائية" أو مبدأ لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص.

وقبل التعرض لهذا المبدأ وتطبيقاته ونتائجه والأزمة التي يمر بها في وقتنا الحاضر لا بد من المرور على التيارات الفلسفية والفكرية التي أثرت في مسيرة القانون الجنائي حتى تتضح بصورة جلية المناخ الحضاري والأصول العامة للقانون الجنائي التي نشأ في رحابها مبدأ الشرعية وتطبيقاته المختلفة والتطورات التي أثرت فيه.

وتبعا لذلك سنعمل على تقسيم هذا البحث إلى ثلاثة فصول:

في الفصل الأول: أهم المدارس الجنائية، على أن نعالج في الفصل الثاني: مبدأ الشرعية وصيغه المختلفة في التشريعات المعاصرة ونتعرض لمبدأ الشرعية في الشريعة الإسلامية الغراء مع دحض الفكرة التي تقوم على وصم الشريعة بعدم الصلاحية ثم نتناول فيه فصل ثالث وأخيرا أهم نتائج مبدأ الشرعية.

 

الفصل الأول:
 المدارس الفقهية والعلمية للقانون الجنائي

 

تقديــم:

إن قواعد القانون الجنائي، كانت أداة للدولة في ممارسة سيادتها داخليا لتحقيق أمن المجتمع وطمأنينة أفراده بعد زوال حق الانتقام الفردي. ولكن الجنائي كان في نفس الوقت أداة للحاكم لتحقيق مصالحه الفردية فذاقت الشعوب كثير من تسلط الحكام والأمراء وممثلي السلطة.

مما أدى إلى قيام ثورات متعاقبة تهدف إلى تنظيم حق العقاب ووضع ضمانات تكفل إقامة العدل والمساواة بين الناس.

 

الإنسان والقانون الجنائي

إن الإنسان كفرد وكائن اجتماعي له مطالب يسعى لتحقيقها بالطرق المشروعة وله حقه في الحرية الشخصية وحقه في سلامة جسمه. وهناك تدخل الدولة لتضع القواعد الجنائية وترسم الأنماط السلوكية الآمرة، وتضع الضوابط بين حقوق الأفراد وتضمن حماية المجتمع ووقايته من ظاهرة الجريمة.

 

الأسس الفلسفية بحق العقاب

بعد تجاوز مرحلة الانتقام الفردي الذي كان يمارس في العصور البدائية. فأصبح أساس العقاب هو التكفير عن الإثم الذي ارتكبه الجاني فكانت العقوبة تتسم بالقسوة، وهنا تختلط الجريمة بالخطيئة الدينية حيث لم تكن هناك فواصل بين الجريمة الدنيوية والخطيئة الدينية.

فقامت المدارس الجنائية المختلفة لتسهم في تطوير القانون الجنائي بدراسة الجريمة والعقوبة.

 

المبحث الأول: المدرسة التقليدية

تطورت النظرة إلى الجريمة بفضل الثورة الجنائية الأخلاقية التي قادها الفقيه الإيطالي Cesare BECCARIA الذي ألف كتابه عن الجرائم والعقوبات، وقد كان هذا المؤلف يحق دستور الثورة الجنائية الأخلاقية التي قامت في النصف الأخير من ق 18.

 

الأساس الفلسفي للجريمة عند بكاريا

الجريمة عند BECCARIA تجد أساسها في أن الإنسان تتحكم فيه مصالحه وأهواؤه. فاللذة والألم هما المحركان للكائن الإنساني، ومن ثم يوجد صراع شهير يمثل صدمة كبرى للعواطف والغرائز الإنسانية. وهنا يتضح دور القانون في تهذيب تلك الغرائز ويخفف منها وينظم العواطف وسيتخلص من تلك الصدمة فكرة المنفعة العامة التي تمثل الأساس الحقيقي للعدالة الإنسانية، فالإنسان يتمتع بملكة الاختيار أكثر.

 

أثرت أفكار مونتسكيو وروسو على بكاريا

تأثر بكاريا بأفكار الفلاسفة والمصلحين في القرن 18 الذي اصطلح عليه تسميته بـ "عصر الأنوار" في فاعتنق أفكار مونسكيو الخاصة بالفصل الخاصة بالفصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية في كتابه "روح الشرائع" كما اعتمد على فكرة في العقد الاجتماعي.

والعقوبة وفقا لبكاريا يجب أن تكون متناسبة مع جسامة الجريمة بحيث لا تتجاوز مقدار الضرر أحدثته أو الفائدة التي تحصل عليها الجاني، كما يجب أن تكون العقوبة حالة وسريعة مؤكدة.

 

تقييد سلطة القاضي

طالب بكاريا بتحديد سلطة القاضي وتقييدها. فليس له أن ينشئ الجرائم فذلك من صلاحية المشرع، وتعتبر هذه النتيجة تطبيقا منطقيا لفكرة العقد الاجتماعي.

لا يجوز للقاضي إلا أن يطبق القانون على الجميع وفقا لقاعدة المساواة. بالإضافة إلى أنه نادى بإلغاء بعض الجرائم الدينية واستنكار التعذيب كوسيلة كحل المتهم على الاعتراف وعقوبة الإعدام والمصادرة العامة.

 

أفكار بنتام وفيورباخ

أسس بنتام العقوبة على فكرة الضرورة لا على العقد الاجتماعي الذي اعتبره وهما. أما الهدف من العقوبة هو نفع الجماعة التي تتحقق عن طريق الوقاية العامة أو المنع العام.

 

تقسيم بنتام وتقسيم بكاريا للجرائم

فرق بكاريا بين أنواع ثلاثة من الجرائم:

·        الجرائم التي تعرض المجتمع أو من يمثلونه للخطر.

·        الجرائم التي ترتكب ضد المواطنين.

·        الأعمال المنافية لما يأمر به القانون أو ينهى عنه.

أما بنتام فقد قسم الجرائم وفقا لمبدأ المنفعة.

·        جرائم خاصة التي ترتكب ضد الغير.

·        جرائم يرتكبها الفرد ضد نفسه.

·        جرائم شبه عامة وهي التي ترتكب ضد جماعة معينة.

·        جرائم عامة وهي التي تهدد مجموع المواطنين.

 

المبحث الثاني: المدرسة التقليدية

 

فكرة العدالة المطلقة

ظل المبدأ النفعي يمثل حجر الزاوية كأساس فلسفي للعقوبة بفضل مجهودات فقهاء المدرسة التقليدية الأوائل، حتى هوجم من أنصار ما يعرف بمدرسة العدالة المطلقة بزعامة الفيلسوف دايما نويل كانت (E. Kant) والفيلسوف الفرنسي (جوزيف دي مايستر J. de mastre) فالعقاب حسب هذه المدرسة تفرضه الضرورات الحلقية المستمدة من العدالة المطلقة ولا يحكمه الأساس النفعي.

 

الجمع بين فكرة العدالة والمصلحة

لم يكتب لفكرة العدالة الانتشار ولكنها أعطت المجال للمدرسة التقليدية الجديدة. على رأسهم روسي كارارا، أورتولان، جيزو، جيفروا، كوسان، إلى الجمع بين فكرتي العدالة والمصلحة.

فاتخذت دعامتين هما: فكرة فاعلية العقاب كوسيلة لحماية المجتمع من الإجرام والافترار الحر كأساس للمسؤولية الجنائية ويتضح العودة إلى الأساس الأخلاقي للمسؤولية الجنائية الذي يمتد أصله إلى الأساس الديني.

ولما كانت الجريمة تحدث في نفس الوقت ضررا اجتماعيا فحملت على التوفيق بين فكرة العدالة المستمدة من الأساس الأخلاقي وفكرة المنفعة على أساس ما يلحق المجتمع من ضرر.

 

المدرسة السجينة

اتخذت المدرسة التقليدية اتجاها سياسيا آخر اهتم بإصلاح السجون، وانبثق عن ذلك ما يعرف بالمدرسة السجنية وقام رواد هذا الاتجاه وعلى رأسهم شارل لوكاوبونفيل مارسانجي بدراسة العقوبة دراسة عملية واقعية، ومحاولة استخلاص الوسيلة التي توغر للعقوبة أكبر قدر من الفعالية ولإصلاح المجرم وتقويمه، وأنشأت الجمعية العامة للسجون في عام 1877 في فرنسا.

 

فكرة الاختيار الحر

الواقع أنه توجد درجات متفاوتة للاختيار الحر. وتوجد بالتالي حالات تكون الأهلية الجنائية ناقصة وليست منعدمة. أدى هذا التفكير إلى أن تتبنى المدرسة التقليدية فكرة المسؤولية الجنائية المخففة وطالبت بإدخال الظروف القضائية المخففة تبعا لذلك. ومن هنا بدأ التفكير في تفريد العقوبة وفقا للظروف الخاصة بكل مجرم.

 

أثر المدرسة التقليدية الجديدة

أضفت طابع رحيم على المدونات العقابية السارية في تلك الفترة. وظهور هذا التعديل الذي أدخل في قانون العقوبات الفرنسي 28 أبريل 1832 الذي ألفه وسائل التنكيل كقطع اليد قبل تنفيذ عقوبة الإعدام... ووضع سلم للعقوبات في الجرائم السياسية وتعميم نظام الظروف القضائية المخففة بالنسبة لجميع أنواع الجرائم. إلغاء عقوبة الإعدام بالنسبة لجريمته السياسية بناء على الدستور الصادر في 1847.

أثر المدارس التقليدية على حركة التقنيات الجنائية

ظهر ذلك واضحا فيما صدر من تشريعات جنائية كان لها صداها في بدء حركة التقنيات الحديثة، ومما انعكس على القوانين الوضعية حيث اتسمت بطابع الرحمة والاعتدال من تأثير المدرسة التقليدية الجديدة.

 

نشوء فقه القانون الجنائي

أعطت المدارس التقليدية لصياغة النصوص وتفسيرها وبيان العناصر المكونة بالإضافة إلى تحديد دور القاضي في تطبيق النص الجنائي مما أعطى للنص الجنائي ما يسمى بقدسية النص.

فالجريمة ليست إلا كيانا قانونيا مجرد، وتقديرها وتعريفها لا يكون إلا للمشرع، ويقتصر دور القاضي على تطبيق النصوص وفقا للمعايير التي يضعها المشرع نفسه فكان هدف القضية الجنائية إقامة العدالة والحقانية الجنائية.

 

المدرسة الوضعية الإيطالية

عملت هذه المدرسة على دراسة الجريمة كحقيقة إنسانية من روادها كلود برنار وأوجست كونت وسبنسر القائمة على دراسة الحقائق بأسلوب علمي عن طريق المشاهدة والتجربة. وسميت بالإيطالية تمييزا لها عن المدرسة الوضعية الفرنسية. حيث فسرت الجريمة على أساس اجتماعي. بالإضافة لأنها قامت على مجهودات ثلاثة من العلماء الإيطاليين:

لومبروزو، أنريكو فيري، جاروفالو.

والطابع العام المميز لهذه المدرسة هو إنكارها لفكرة الاختيار الحر. فأخذت بفكرة الجبرية أو الحتمية وبأن المسؤولية الجنائية قائمة على أساس المسؤولية الاجتماعية لا الأخلاقية.

بالإضافة إلى ما سبق يقول لومبروز بالمجرم الحكمي pseudo criminel وهو الذي يرتكب الجرائم بصورة غير عمدية وهو لا يعتبر مجرم من الناحية الأنتربولوجية لكنه كذلك وفقا لإجراءات الدفاع الاجتماعي.

والمجرمون في هذه الطائفة يصبحون مجرمين معتادي الإجرام عندما تطول إقامتهم في السجون والفريق الثالث من المجرمين بالصدفة.

 

تقدير نظرية لومبروزو

·        اعتماد المنهج العلمي فاعتمد على الملاحظة واستخلاص النتائج المؤيدة لتجاهه.

·        كانت دراسته قائمة على دراسة خصائص المجرم وهو في حالة سكون ليست دينامكية.

·        انتقده فيري، وهو زميله في تأسيس المدرسة الوضعية الإيطالية على أساس أنه عند بحثه في الأساس الأنتروبولوجي لم يلاحظ التفاوت في الأعمار بين الأشخاص.

·        عيب عليه طريقته الروائية في دراسته مما جعل الحصيلة العلمية الناتجة عن هذه الأبحاث غير واضحة وغير محددة.

·        بالإضافة إلى ميله للتعميم إذ يبحث حالات فردية ويستخلص منها قانونا ثابتا.

·        كما يجب على أنها تهدم القانون الجنائي وأنها تطلق العنان للعصابات الإجرامية وأنها تقضي على الحرية الشخصية. وتهدم بالأساس الذي يقوم عليه العقاب.

·        بالإضافة إلى لومبروزو لم يهتم بالعوامل الحضارية والاجتماعية التي تمثل جانبا له أهمية في بحث ظاهرة الجريمة.

وبالرغم من صحة هذه الانتقادات فإنه لا يمكن إغفال الأثر العظيم لهذه النظرية في علم الإجرام. فقد نبهت هذه الدراسة إلى بحث شخصية المجرم بعد أن كانت قاصرة على دراسة الجريمة بطريقة مجردة.

 

أنريكو فيري Anrico Ferri (1856-1929)

أعطى فيري للجريمة تحليلا مركبا، فالجريمة ليست إلا ظاهرة إنسانية. أي أثر لعدة عوامل ترتبط فيما بينها ارتباطا وثيقا بحيث لا يمكن الفصل بينهما، وهي ناتجة عن التكوين المعنوي والنفسي والمؤثرات الاجتماعية والطبيعية.

قسم فيري عوامل الجريمة كما حاول تصنيف المجرمين:

كما نادت هذه المدرسة بدراسة أشخاص المجرمين وتقسيمهم إلى طوائف معينة بسبب العوامل المؤثرة في سلوكهم. فالإجرام حسب نظر أصحاب هذه المدرسة ليس إلا ظاهرة طبيعية شأنه في ذلك شأن المرض. والمجرم مريض يجب على المجتمع علاجه.

لذا، فالغرض من العقوبة ليس الزجر أو الردع أو إرضاء شعور العدالة. وإنما هو إجراء يتخذه المجتمع لحماية نفسه ولعلاج المجرم وإصلاحه في المجتمع الذي يعيش فيه.

فالعقوبة يجب أن تقدر حسب خطورة كل مجرم مع الاعتماد على المنهج العلمي ومن حيث النتائج التي انتهوا إليها، ومن حيث التركيز على دراسة الإنسان من الناحية الأنتروبولوجية على أساس أنها هي المحور العلمي الذي تقوم عليه الجريدة كظاهرة إنسانية فحسب "فيري" المجرم ليس إنسان عادي وأنه نوع خاص من البشر يتميز بخصائص شاذة من الناحية الجثمانية والنفسية الوراثية والمنتسبة.

 

المطلب الأول: شيرازي لومبروزو Cesare LOMBROSO (1835-1909)

يعتبر أبو علم الإجرام معناه الحديث، تأثر لومبروزو بنظرية دروين في النشوء إلى الارتقاء... والفكرة الأساسية عند لومبروزو أنه يمكن تميز المجرم عن غير المجرم عن وجود ظاهرة جثمانية شاذة هي علامة الارتداد (Atovisin)، والانحطاط (Dégénération). فالشخص المرتد هو إلا حاصل إنتاج الأمراض الموجودة في أصوله البعيدة والتي تتجمع رويدا لتحدث أثرا رجعيا (الرجل البدائي).

 

كيفية توصل لومبروزو لنظريته

لاحظ لومبروزو أثناء عمله كطبيب في الجيش سلوك الجنود وأثناء تشريحه لجثة مجرم يدعى (Villala) فلاحظ تجويف في قاع الجمجمة شبي بذلك الذي يوجد في الحيوانات السفلى (القردة...) فألف كتابه المشهور "الرجل المجرم" في عام 1876.

 

خصائص الرجل المجرم عند لومبروزو

انتهى لومبروزو إلى أن الرجل المجرم صنف معين من الجنس البشري تتوافر لديه خصائص جثمانية وتشريحية معينة.

بالإضافة إلى الخصائص المتعلقة بالحواس مثلا قلة الإحساس بالألم، قلة السمع، عنف المزاج العام للشخصية...

فهي تتكون بالحواس والوظائف العضوية والتكوين الخلقي.

 

تقسيمات فيري لعوامل الجريمة

·        عوامل أنتروبولوجية أو شخصية

التكوين الجثماني للمجرم: تتضح الخصائص العضوية الشاذة للجمجمة *** للحساسية وللنشاط المتعلق برد الفعل.

·        التكوين النفسي للمجرم، ويدخل فيه كل أنواع الشذوذ الذي بالحواس وبصفة خاصة الحاسة الاجتماعية والمزاج الخلقي للجرم.

·        الصفات الخاصة بالمجرم وتدخل فيها السلالة والعمر والجنس والحالة المدنية والوظيفة والمسكن والطبقة الاجتماعية.

·        عوامل طبيعية

تتعلق بالبيئة الطبيعة: المناخ، طبيعة الأرض، الدورة اليومية والفصول التقلبات الجوية.

·        عوامل اجتماعية

تتعلق بالبيئة الطبيعية مثل: النقص في الكثافة السكانية، الهجرة، الرأي العام، العادات التقاليد والديانة، العائلة، الكحول، الحياة السياسية والتجارية والمالية، الإدارة العامة للصحة والتربية الاجتماعية والتشريع الجنائي والمدني.

 

طريقة البحث التي اتبعها فيري

بحث فيري كل حالة على حدة: وجمع بيانات كثيرة عن كل شخص، واستعمل وسائل المقابلة الشخصية مع هؤلاء الأشخاص، وقسم بحثه إلى قسمين:

-         القسم الأول: جمع البيانات والمقاسمات الخاصة بالناحية الجثمانية.

-         القسم الثاني: ويتعلق بالناحية النفسية.

 

تقسيم فيري للمجرمين

·        المجرم بالميلاد: هو نفس المجرم الذي نادى به لومبروزو، والتي توجد عنده الخصائص الأنتروتوبولوجية السابق ذكرها. ويحمل منذ ميلادة جرثومة الإجرام من أسلافه السابقين – هؤلاء تكون قوة المقاومة عنهم ضعيفة نظر للنزعة الإجرامية الكامنة عندهم فيكون ميلهم شديد للإحرام.

·        المجرم المجنون: وهو المصاب بمرض عقلي معروف أو بحالة عصبية مرضية.

·        المجرم العاطفي: وهو صنف معين من المجرم بالصدفة وغالبا من تكون جرائم اعتداء وتكون عادة دون ترصد حيث يندفع هذا النوع إلى الإجرام تحت تأثير ثورة عاطفية عنيفة.

·        المجرم بالصدفة: يثمل هذا النوع الجانب الأكبر من المجرمين يرجع إجرامهم إلى عوامل اجتماعية أو طبيعية أكثر منها جثمانية ونفسية.

·        المجرم المعتاد: يبدأ تاريخهم الإجرامي بعد الحكم عليه لأول مرة، ويكون في الغالب من أجل جريمة الاعتداء على الأموال.

بالإضافة إلى ما سبق هناك من المجرمين من لا يمكن إدراجهم تحت فئة معينة من الفئات السابقة.

لم تقتصر مجهودات أنريكو فيري على أسباب الجريمة وتصنيف المجرمين بطريقة علمية ولكنه قادة ثورة فكرية في القانون الجنائي.

فقد نادى بأن مبدأ الاختيار الحر، ليس إلا وهما، فالمسؤولية الجنائية قائمة بالنسبة لكل من يرتكب جريمة أيا كانت حالته الذهنية والعقلية، ويجب أن تتحدد الإجراءات تبعا لخطورة الإجرامية. وليس وفقا لدرجة جسامة فعله. فالإنسان مسؤول لأنه يعيش في جماعة.

 

نقد نظرية فيري

وجه أنصار النظرية التقليدية أو دعاة المذاهب الاجتماعية في تغير الجريمة فقد هوجمت أفكاره على أنها تهدر القيم والحقائق الخلقية التي يعتمد عليها القانون الجنائي وتقضي على الشرعية الجنائية.

ورغم ذلك نجح فيري في إعطاء تصور متكامل لكيفية معالجة الجريمة كظاهرة إنسانية عن طريق التخطيط لسياسة وقائية شاملة تتناول الفلاحية الاقتصادية والنظم السياسية للدولة وتنظيمها الإداري والمدني والناحية الدينية والعائلية و التعليمية.

 

رفائل جاروفالو (1852-1934):

هو الذي استعمل اصطلاح الجريمة الطبيعية (délit naturel) وهي حسب تجره هي السلوك الذي يؤذي المشاعر الخلقية الأساسية للإنسان أي المقومات الأخلاقية الأساسية توجد بأشكال متفاوتة في كل مجتمع إنساني.

ولقد فرق جاروفالو بين الجريمة الطبيعية بالمعنى السابق والجريمة المصطنعة أو الاتفاقية (conventionnel) وهي التي تتعلق بوجهة نظر المشرع بالنسبة لأفعال معينة.

وقد أدى هذا التقسيم إلى نتائج هامة حيث أوضحت السياسة الجنائية الواجب اتباعها حيال مرتكبي كل من الجرائم الطبيعية والاصطناعية.

 

خصائص المجرم عند جاروفالو

ينتهي جارو فالو بأنه لا يمكن تمييز بين المجرم عن غير المجرم بواسطة الأبعاد الجثمانية والتشريحية أو الملامح، لكنه يصر على أنه يمكن تمييز المجرمين بواسطة الشذوذ الخلقي والنفسي. أي تلك التي كانت موجودة عن الإنسان البدائي. أي أن هناك تشابه بين المجرمين وبين الأجناس البدائية والحيوانات الدنيا.

فالمجرمون يتميزون بوجود خصائص ارتدادية (régressif) غرائزهم بدائية، وهذا يعدم عندهم المشاعر الأساسية في إنكار الذات والعدالة ولا توجد لديهم القدرة على كبح جماح هذه الغرائز أو تقليلها.

وحسب جاروفالو فإن تشخيص الجريمة تمركزت حول نقطتين هامتين هما الجريمة الطبيعية والشذوذ النفسي أو الخلقي، أي النفس في حاسة إنكار الذات مرده إلى شذوذ خلقي أو نفسي.

·        هاجم جاروفالو كذلك التفرقة بين الشروع والشريعة التامة من حيث الجزاء وكذلك لم يعترف بالمسؤولية الخلقية ورتب الجزاء على أساس المسؤولية الاجتماعية.

تقسيم المدرسة الوضعية

·        لم تقتصر المدرسة الوضعية على النواحي التشريعية أو البيولوجية والنفسية.

·        إضفاء الطابع الشمولي الذي يجب أن يتم من خلال دراسة الجريمة، الإضافة إلى استعمال الأسلوب العملي في دراسة الجريمة، وتسليط الأضواء على شخصية المجرم بعد أن كان الانقسام قاصرا على دراسة الجريمة كحقيقة قانونية مجردة. وأوضحت أن الشخصية ذاتها ليست إلا نتاجا للتفاعل المستمر بين العناصر الداخلية والظروف الخارجية.

·        طالبت المدرسة الوضعية فكرة العقوبة بالمعنى التقليدي وإحلال بدائل العقوبات Substitus pénaux أي التي يطلق عليها التدابير الوقائية أو الاحترازية فألغت وظيفة العقوبة في الردع العام prévention général وركزت على التدابير الاحترازية وسيلة من وسائل تفريد العقوبة.

فالحالة الخطرة وليس الإذناب culp-bilite هي التي تحدد من يتخذ حيال المجرم من تدابير.

·        هزت المدرسة الوضعية الأساس الأخلاقي للمسؤولية الجنائية وإن كانت لم تنجح في القضاء عليه، ولكنها أثرت في مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات والذي يلتزم القاضي بتطبيقه على المجرمين دون تمييز.

 

مدرسة الدفاع الاجتماعي

فالدفاع الاجتماعي وفقا لهذه المدرسة دفاع عن المجتمع ضد من يخرج على نظمه وإرادته. وهذه الإجراءات تتميز بصفة رئيسية، أنها ذات طابع وقائي أو علاجي. ومن هذه التدابير ما هو غير محدد المدة ومنها ما هو ذو بيعة أبعادية استئصالية.

وحاول رواد هذه المدرسة نهج طريقة توفيقية منصبا على التفكير في السياسة الجنائية التي يجب اتباعها لدراسة الظاهرة الإجرامية والوقائية منها.

المدرسة التقليدية العلمية الجديدة

تندرج مجموعة من المدارس تحت هذا الإسم على أنه أهمها ثلاثة: المدرسة الإيطالية الثالثة (La tersa scuela) بزعامة أليمنا Alimena وكارنفالي Carnavali ومانزيني (Manzini). والمدرسة الإسبانية العلمية (pragmatique) بزعامة سالدانا (Saldana) والاتحاد الدولي الجنائي بزعامة برنس prins وفون ليست Von List وفان هامل Van Hamel.

 

المدرسة الإيطالية

اتفقت هذه المدرسة مع النظرية الوضعية في إنكار الاختيار الحر والمسؤولية الأخلاقية، وفي اعتناق الجبرية أو الحتمية. وتعترف في نفس الوقت بالعقوبة وبوظيفتها الرئيسية في الردع العام خلافا للمدرسة الوضعية وتنادي باستعمال تدابير الأمن معاملة الخطرين – اتجاه توقيفي.

 

المدرسة الإسبانية العلمية

انتقد سالدانا كل من الفلسفتين التقليدية الوضعية والتقليدية مطالبا بضرورة تجديد القانون الجنائي بطريقة علمية – التجربة والملاحظة.

كما نادى سالدانا بإلغاء الإعدام وأكد أن الوظيفة الرئيسية للعقوبة هي إصلاح المجرم وإعادته للتواؤم مع المجتمع ونظمه وقوانينه.

 

الاتحاد الدولي لقانون العقوبات

محاولة لإنقاذ بعض المبادئ الأساسية للقانون الجنائي التقليدي تحرك بعض الفقهاء التقليديين فاتجهت مجموعة منهم إلى تكوين الاتحاد الدولي لقانون العقوبات في عام 1880 بزعامة آدولف برنس وفون ليست وفان هامل.

الأساس الذي قام عليه هذا الاتحاد مبدأ الحياد في الصراع الفيلسوفي حول الاختيار الحر والحتمية، وأقر بعدم كفاية النظرية التقليدية في المسؤولية الأخلاقية لأن ذلك يؤدي إلى المفاضلة بين الحتمية والاختيار الحر.

وأعطى برنس مجالا للمسؤولية المخففة التي تترك المجتمع دون حماية في مواجهة المجرمين الخطرين.

وقد اعتمد الاتحاد الحالة الخطرة كأساس لسياسة جنائية جديدة لمواجهة الإجرام وتفريد المعاملة تبعا لشخصية كل مجرم والجمع بين العقوبة وتدابير الأمن أو التدابير الاحترازية.

طالب برنس بإضفاء الحماية الاجتماعية للبؤساء الذين يتركهم المجتمع بلا حماية فيندفعون إلى الإجرام.

 

مذهب جراماتيكافي الدفاع الاجتماعي

أعطى فيليبوجراماتيكا مضمونا ثوريا للدفاع الاجتماعي. وذلك بإجراء تعديل جذري في البنيان القانوني ذاته بل في البنيان الاجتماعي كله.

ويقول «إن الفرد نفسه هو الذي يجب الاهتمام به والنظر إليه بعين الاعتبار وليس الضرر التي تحدثه الجريمة».

فالواجب حسب جراماتيكا هو الدفاع عن الشخص (المضاد للمجتمع) أو (اللااجتماعي) في مواجهة المجتمع لأنه هو سبب إغراقه بواسطة وسائل علاجية وقائية.

وعليه يجب رسم سياسة اجتماعية شاملة للقضاء على مسببات الانحراف الاجتماعي أو –اللاجتماعية antisociabitas سواء من النواحي الاقتصادية أو الاجتماعية أو الصحبة أو العائلية.

 

نقد فكر جراماتيكا من القانون العقابي الشخصي

ركز على الجوانب الشخصية للفرد من النواحي البيولوجية والاجتماعية والنفسية هي محور القانون وليس جسامة الضرر الناتج عن الجريمة.

ولقد عيب عليه أنها تؤدي إلى العقاب على النوايا الإجرامية دون أن تخرج إلى حيز التنفيذ، التي قد تؤدي إلى إهدار كافة الضمانات التي حصل عليها الإنسان لحماية حقوقه الفردية وحريته الشخصية، وإلى الانتكاس بحقوق الإنسان والمواطن إلى ما كانت عليه في العصور القديمة والوسطى مما قد يؤدي إلى إهدار مبدأ الشرعية التي يعتبر ضمانة هامة للإنسان.

 

نقد فكرة جراماتيكا لإلغاء القانون الجنائي

كانت دعوة جراماتيكا إلى إلغاء القانون الجنائي سببا للثورة العارمة التي تعرض لها هذا المفكر الجريء. لأن دعوته كما قيل كانت منافية لمبدأ الشرعية (légalité). كما أن القول بإلغاء القانون يعرض النظام الاجتماعي للفوضى. فلا بد من الاحتفاظ بالقانون الجنائي بركنيه الأساسين الجريمة والعقوبة.

وحسب وصف الدكتور "علي راشد" أن دعوة الأستاذ جراماتيكا جديرة بالاحترام وأنها دعوة مثالية لم يحن الوقت لتحقيقها وإن كانت تليق بجميع خال من عوامل الاضطراب والخلل والتناقضات.

 

المطلب الثالث: مذهب مارك آسنل في الدفاع الاجتماعي

يمكن حصر الاتجاهات الرئيسية للدفاع الاجتماعي كما عبر عنهما المستشار آنسل في كتابه "الدفاع الاجتماعي الجديد" في المبادئ التالية:

·        الدفاع الاجتماعي يفترض وجود نظام جنائي لا يجعل الجزاء هو الوسيلة الوحيدة للتكفير عن الذنب ولكنه يسعه إلى حماية المجتمع من الإجرام.

·        يحقق الدفاع الاجتماعي الحماية الاجتماعية بواسطة تدابير غير عقابية تهدف تمنع ضرر المجرم سواء بواسطة الاستئصال أو الإبعاد أو باستعمال وسائل علاجية أو تهذيبية.

·        الدعوة إلى سياسة جنائية تعطي أهمية خاصة للمنع الخاص أو الشخصي وإقامة نظام للوقاية من الجريمة ومعاملة المجرمين وإعدادهم للتكيف الاجتماعي.

·        يجب أن تتم عملية التكيف على أساس إنساني باحترام الحقوق الأساسية للإنسان سواء كان متهما أو محكوما عليه. وذلك بالمحافظة على الضمانات الأساسية المترتبة على مبدأ الشرعية.

·        رفض الإغراق في النواحي الفنية القانونية واختلاق الصور القانونية مثل: فكرة استعارة الشريك للإجرام الفاعل ونظرية الجريمة المستحيلة، وافتراض العلم بأحكام قانون العقوبات. لأن ذلك فيه تعارض مع مبدأ الشرعية والسبيل إلى ذلك بأن ترتبط قواعده بقدر الإمكان بالحقائق الاجتماعية بالإنسان نفسه.

 

تقدير مذهب مارك آنسل

بالرغم من اعتدال مذهب آنسل لقد تعرض للانتقادات فقد اتهموه بأنه يهدف إلى الإلغاء التدريجي للقانون الجنائي وإنه يحاول إحياء الفلسفة الوضعية.

كما أنه يعتمد على نتائج علوم غير مؤكدة كعلم الإجرام. ويصدر معنى العقوبة كجزاء أخلاقي ووظيفتهما في المنع العام. بالإضافة إلى تجديده للحريات الفردية وينتهك مبدأ الشرعية.

لأن اعتماده على الخطورة الإجرامية فإنه يحل نظاما شخصيا غير دقيق محل حدود شرعية واضحة.


الفصل الثاني:

مبدأ الشرعية في القانون الجنائي

 

مبدأ الشرعية مبدأ عام

إن هذا المبدأ هو الذي يعبر عنه عادة ولا جريمة ولا عقوبة إلا بنص. وهذا المبدأ يطبق بالنسبة لكافة أنشطة الدولة سواء كانت دستورية أو قضائية أو إدارية يجب أن تلتزم بهذا المبدأ، الذي يعبر عنه بصفة عام (مبدأ احترام القانون) أو (مبدأ سيادة القانون).

وسنبحث في هذا الفصل مبدأ الشرعية في القانون الجنائي فنتناول فيه مبحث أول التأصيل الفلسفي لمبدأ الشرعية، ثم نتعرض لصيغ الشرعية المختلفة في القانون المكتوب أو القانون العرفي، ثم نتكلم في مبحث أخير وخاص عن صيغة الشرعية في الشريعة الإسلامية.

 

المبحث الأول: التأصيل الفلسفي لمبدأ الشرعية

يعتبر هذا المبحث أقدس ما تحرص عليه التشريعات الجنائية وحيث جاء ثمرة لكفاح طويل وشاق تحملته الإنسانية خلال مراحل تطورها.

ويرجع الفضل فيه إلى العالم الألماني (أنسلم فويرباخ) الذي كان أول من أطلق هذا الاصطلاح الشهير.

 


أساس مبدأ الشرعية

يعتبر (مبدأ لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص) نتيجة منطقية مترتبة على الأساس الأخلاقي للمسؤولية الجنائية رغم كل المحاولات القائلة بضحدهما. فالإنسان يجب أن تتوفر فيه ملكتا التميز أو الإدراك ثم الإرادة والاختيار حتى يمكن أن تتوفر الإذناب في حقه.

ولكي يكون ذلك يجب على المشرع أن ينذره مسبقا بالعقاب.

كما أن مبدأ الشرعية يجد أساسه في مبدأ فصل السلط (منتسكيو) في السلطة التشريعية هي صاحبة الاختصاص في إصدار القوانين والقاضي لا ينشئ القوانين وإنما يطبقها. والقول عكس ذلك معناه الافتئات على حق السلطة التشريعية (فالقانون هو المصدر الوحيد للتجريم) ومن ناحية أخرى فإن العقوبة أيا كنت وظيفتها نفعية أو تهذيبية أو استئصالية انتقامية فإنها لا تؤدي هذه الوظيفة إلا إذا علم بها الشخص.

ومن ناحية أخرى فإن مبدأ الشرعية يضمن ويحقق المساواة بين الناس أمام القانون بطريقة مجردة وعامة.

وترتبط مبدأ الشرعية قاعدة عدم رجعية القوانين الجنائية ومعناها أن القانون الجنائي لا يكون له أثر إلا بالنسبة للمستقبل ولا ينسحب أثره على ما وقع قبل إصداره.

 

الشريعة الإسلامية كانت سباقة لصياغة هذا المبدأ

قال تعالى: ) ما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ( صدق الله العظيم، وسوف نوضح ذلك وفق التطور التاريخي السابق على مبدأ الشرعية قبل أن نفرد مبحثا خاصا لتبيان أحكام الشريعة الإسلامية في هذا الموضوع.

 


التطور التاريخي السابق على مبدأ الشرعية

تبنت الثورة الفرنسية التي قامت عام 1789 هذا المبدأ فسطرته كأهم المبادئ التي تضمنها إعلان حقوق الإنسان والمواطن فهيأ ذلك المناخ للانتشال أوريا وفرنسا خاصة من ظلمات القرون الوسطى إلى عصر الإخاء والمساواة والعدالة. وانعكست على القانون الجنائي فحررته من التحكم والسلط والتعسف ووضعته في إطار الشرعية والقانونية.

 

الثورة الفرنسية ومبدأ الشرعية

بهرت الثورة الفرنسية العالم بشعاراتها في الحرية والإخاء والمساواة في القرن 18، وجعلت من مبدأ الشرعية أحد مبادئها الرئيسية التي أعلنتها للعالم في وثيقة حقوق الإنسان والمواطن، التي أصدرتهما بعد موافقة الشعب عليها في 26 أغسطس 1789.

ويعتبر هذا المبدأ ضمانة أساسية لحرية المواطن ضد تعسف السلطة التنفيذية أو التشريعية كما يكبح جماح السلطة التحكمية للقضاة.

 

تأكيد مبدأ الشرعية وتقنينه في التشريعات المعاصرة

تحت تأثير حركة الإصلاح التي قادها فلاسفة عصر الأنوار وعلى رأسهم روسو ومنسكيو وفولتير وديدرو، كما قادها الفيلسوف الإيطالي بكاريا إلى إعادة النظر في أسس القانون الجنائي وإعادة صياغتها وتقنينها من جديد.

 

صيغ الشرعية الجنائية

يقصد بصيغة الشرعية النصية إقرار الشرعية كمبدأ عام في التشريعات المكتوبة في الدساتير أو في القوانين أو عنهما معا.

 

التجريم في الإسلام وفلسفته

شرعت العقوبات لحماية المصلحة العامة المتمثلة في مصالح الإسلام، وهي الضرورات الخمس: المحافظة على الدين والنفس والعقل والنسل والمال.

فالجريمة كل فعل نهى الله عنه وعصيان ما أمر الله به يستحق فاعله العقاب المقرر عليه.

والعقاب إما دنيوي ويقوم بتنفيذه الحكام وولاة الأمور وإما عذاب أخروي ...

وهذه العقوبات على نوعين:

·        عقوبات نصية المحددة في القرآن الكريم والسنة النبوية.

·        عقوبات تفويضية متروك تحديدها لولي الأمر.

والجرائم في الشريعة الإسلامية:

·        جرائم حدود.

·        جرائم القصاص.

·        جرائم التعازير

 

جرائم الحدود

من الجرائم المقررة في القرآن الكريم أو السنة النبوية والتي تجب حقا خالصا لله تعالى. ولا يجوز التبديل فيهما بالزيادة أو النقصان، ولا يمكن تعديل نوعها أو وقفه تنفيذها لأي سبب من الأسباب.

والحدود مبينة في القرآن والسنة على سبيل القطع والحصر فلا وجه لتقرير حد في غيرها وجرائم الحدود سبعة:

حد الزنا – حد السرقة – حد شرب الخمر – حد الحرابة – حد القذف – حد الردة – حد البغي وإن كان هناك خلاف حول حد البغي.

 

 

 

ضمانات تطبيق الحدود

نظرا لخطورة تنفيذ الحد أحاطها الشارع الإسلامي بعدة ضمانات تلافيا لحدوث أي ظلم ودرء لكل شبهة.

فلا يجب الحد بمجرد الشك أو التهمة دونما يكون بالإقرار الصحيح وبشهادة الشهود.

منع القياس في الحدود لأنها واردة على سبيل الحصر، فالقياس إلحاق شيء بشيء للاتحاد.

 

جرائم القصاص أو الدية

هي جرائم الاعتداء على النفس ويطلق عليها لفظ الجنايات وهي تشمل جرائم القتل والجرح والضرب وتسمى عموما بجرائم الدماء.

والقصاص عقوبة مقررة للفرد أي العبد.

 

جرائم التعزير

ويقصد بها تلك الجرائم التي لم ينص الشارع الإسلامي في شأنها عقوبة معينة بحد أو قصاص مع ثبوت النهي عنها.

ومثال ذلك في حالة وجود شبهة في حد من الحدود فلا يوقع الحد وإنما تقرر عقوبة تعزيرية.

والفارق بين جرائم الحد والقصاص وجرائم التعازير أن جرائم الحدود والقصاص التي تكتمل شروطها.

شرعية الجرائم والعقوبات في الشرعية الإسلامية

تأخذ الشريعة الإسلامية كمبدأ عام بالنسبة لجميع الجرائم أيا كان نوعها بنظام الشرعية الجنائية. وقولنا هذا يؤسس كأصل عام «لا تكليف قبل ورود النص». وهذا حكم عام أنه لا يكفي صدور الأمر بالنهي عن فعل معين، وإنما يتطلب فضلا عن ذلك ضرورة العلم به.

 

عدم الرجعية في الشرعية الإسلامية

هذه القاعدة تمثل النتيجة المنطقية لمبدأ الشرعية، بل لقد نص القرآن الكريم على عدم الشرعية بنصوص قاطعة. فقال تعالى في سورة الأنفال: ) قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف (.

ومن ذلك يبدو كيف يحترم الإسلام الحقوق المكتسبة ولم يمسها، وهذا أصل من أصول احترام الحريات وحقوق الإنسان التي تتحدث عنها الدساتير المعاصرة.

 

 التزام قاعدة التفسير الضيق بالنسبة للنصوص الجنائية الإسلامية

إن جرائم الحدود والقصاص والدية مبنية بنصوص صريحة في كتاب الله وسنة رسوله. لذا هناك اتفاق على منع استعمال القياس بالنسبة لجرائم الحدود والقصاص والدية.

ويمكن أن نلاحظ أنه حتى الذين أجازوا القياس فإنهم وضعوه في ضيق، وضبطوه بمعايير وضوابط صارمة، حتى لا يخرج عن تلك المبادئ الكلبة.

 ولقد ازدهر الفقه الإسلامي وقدم شروحا استعان بها الولاة والقضاة في أحكامهم، ورغم ترك للقاضي بعض السلطات التقديرية، فإنما يكون ذلك فيما يتعلق بمقدار العقوبة وليس بعملية التجريم في ذاتها التي يجب أن يسبق تطبيقها إنذار، وأن تتفق مع المبادئ الكلية المنصوص عليها في الشريعة الإسلامية قال تعالى: ) وإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم مومنون بالله واليوم الآخر (.

لهذا فجرائم التعزير محددة بين حدين أدنى وأقصى. كل ذلك يدل على مدى إطلاق عقوبات جرائم التعازير التي يجب على أية حال ألا تتجاوز القدر اللازم للزجر والتأديب والإصلاح.

ولكن ذلك لا يمنع من الاعتراف بأنه حدث إساءات في بعض العهود لاستعمال الصلاحيات التي أباحتها لهم الشريعة الإسلامية، ولم يكن ذلك إساءة إلى بعض الأفراد، بقدر ما كان خروجا على أحكام الشريعة الإسلامية وإساءة وإساءة بالغة. ولكن ذلك لا يؤثر على المبادئ الأساسية للشريعة الإسلامية، لتبقى أحكامها خالدة على مر الزمان.


الفصل الثالث

 نتائج مبدأ الشرعية الجنائية

 

قبل الانتقال لدراسة نتائج الشرعية الجنائية وما تفرضه من التزامات على السلطتين التشريعية والقضائية. وتقتضي هذه الدراسة أن نتعرض لنستقبل مبدأ الشرعية الجنائية بعدما طرأ عليه من تطور وما وجه إليه من انتقادات.

وسوف نتناول في المبحث الأول: الالتزامات التي يفرضها المبدأ على المشرع والقاضي الجنائيين، ثم نناقش في مبحث ثان وأخيرا مستقبل مبدأ الشرعية الجرائم والعقوبات.

 

المبحث الأول: التزامات المشرع والقاضي في مجال التجريم

كما سبق وأن انتهينا للمبدأ الشرعية قيمة دستورية تضفي عليه قوة خاصة، ويطهر ذلك فيما يترتب عليه من التزامات على عاتق كل من المشرع الجنائي عند قيامه بالتشريح أو القاضي عند تطبيقه للتشريعات الجنائية.

 

المطلب الأول: التزامات المشرع الجنائي

فالمشرع هو صاحب السلطة الأساسية في التجريم، فالمشرع هو الذي تنكر عملية التجريم بما وضعه الدستور من الضوابط التي يجب أن تمر بها علمية التشريع تحقيقا لأكبر قدر من الدراسة والفحص، وتوفير الضمانات التي كفل بها الدستور حقوق الأفراد وحرياتهم.

ويؤدي ذلك إلى أن ليس السلطة التنفيذية أن تقوم بوظيفة التجريم وإلا كان ذلك إخلال بمبدأ الفصل بين السلط وإهدار لمبدأ الشرعية الجنائية. كما أنه ليس للسلطة القضائية أن يحرم فعلا لم ينص على تجريمه وإلا عد افتئاتا على حق السلطة التشريعية ومخالفة صريحة لمبدأ الشرعية وما يفرضه من التزامات.

ومن هنا فقد أصبح يدخل في عداد التشريعات الجنائية وليس فقط القوانين بالمعنى الدستوري الأصيل وإنما المراسيم بقوانين أو القرارات التي تصدر بين فترات انعقاد البرلمان، واللوائح التنظيمية التي تصدر بناء على قوانين.

 

التزام المشرع بالوضوح والبيان عند التجريم

إذا كان المشرع صاحب الاختصاص في عملية التجريم يجب عليه أن يكون واضحا عند تجريمه لنص معين، فيلتزم بأن يحدد أركان الجريمة تحديدا واضحا لا لبس فيه ولا غموض، وتبين العقوبة المقررة لها.

إن القاعدة الجنائية تتكون عادة من شقين ولا وجود لها بغيرهما وهما:

1-                           عنصر التجريم وهو بيان الفعل أو الامتناع الذي يحرمه الشارع ومكوناته وأركانه.

2-             عنصر تحديد العقوبة ونوعها وبيان مقدارها.

فإن تخلف هذين العنصرين كان النص معيبا وتعين على القاضي عدم تطبيقه. ويجب على أن النص أن يكون واضحا لا يحتمل اللبس أو الشك.

والالتزام بالوضوح والبيان في التجريم يصدق على السلطة التشريعية كما يصدق على السلطة التنفيذية وعند ممارستها للوظيفة التشريعية بناء على ما يخوله لها الدستور.

 

عدم الرجعية بالنسبة للتشريعات الجنائية

إذا كان المشرع الجنائي إذ يختص بإصدار النصوص الجنائية، فإنه يحظر عليه إصدار تشريعات جنائية تسري على الماضي، وهي النتيجة الرئيسية المترتبة على مبدأ الشرعية الجنائية.

وإذا أصدر المشرع نصا جنائيا ذا أثر رجعيا، كان هذا النص غير دستوري لما يمثله من انتهاك لحرية الأفراد. ومساس بحقوقهم المكتسبة ويتعين عدم تطبيقه.

 

التزامات المشرع بالنسبة للتشريعات الجنائية الإجرائية

القاعدة العامة أن التشريع الجنائي لا علاقة له بالتجريم. إذا أنه يترك هذا الواجب للتشريع الجنائي الموضوعي الذي يبين الأفعال المعاقب عليها، ويجدد العقاب نوعا ومقدارا.

والوظيفة الأساسية للقواعد الإجرائية الجنائية هي تحقيق العدالة الجنائية والتوفيق بين حقوق الفرد ومصلحة الجماعة في كافة مراحل الدعوى الجنائية والتوفيق بين مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة في كافة مراحل الدعوى الجنائية، التي تبدأ من مرحلة جمع الاستدلال حتى الحكم النهائي فيهما وتنفيذه. كذلك فإن قواعد الإجراءات الجنائية تتناول تنظيم المحاكم الجنائية على اختلاف أنواعها.

ونعتقد أن احترام مبدأ الشرعية يفرض على المشرع التزامات معنية فيما يتعلق بالتنظيم القضائي وقواعد الاختصاص وضمان استقلال القضاة وبعض القواعد الإجرائية الحماية والاحترام.

 

التنظيم القضائي الجنائي واختصاصات المحاكم الجنائية

تجدر الإشارة أن التنظيم القضائي لكل دولة يحفل بعدة أنواع من المحاكم ذات تشكيل مختلف، وفق ما تقرره القوانين في هذه الدولة أو تلك. فتوجد المحاكم العادية والمحاكم العسكرية والمحاكم الاستثنائية.

 

المحاكم الاستثنائية

هي المحاكم التي تخرج عن التنظيم القضائي القائم في الدولة مثل محاكم الثورة أو الشعب التي تتشكل عادة بعد الثورات أو الانقلابات... وتنشأ هذه المحاكم بقوانين أو قرارات خاصة، وتتبع عادة في هذه القوانين أو تلك القرارات.

هذه المحاكم طالما لم تلتزم بالإطار العام للتنظيم القضائي للدولة وبالإجراءات السابق وضعها في هذا التنظيم فإنها تتعارض مع مبدأ الشرعية، وهذه المحاكم ما دام أنها لم تلتزم بالإطار العام للتنظيم القضائي للدولة وبالإجراءات السابق وضعها في هذا التنظيم، فإنها تتعارض مع مبدأ الشرعية. ومبدأ الشرعية يفرض احترام مبدأ المساواة بين الناس جميعا أمام القانون وتخصيص محاكم معينة لمعاقبة الأشخاص بذواتهم يتعارض تعارضا صريحا مع مبدأ الشرعية. ذلك أنه يجب ألا يحرم المتهم من المحاكمة أمام قاضيه الطبيعي.

 

المحاكم العسكرية ومبدأ الشرعية

إن المحاكم العسكرية تعتبر تنظيما دائما وتختص بأنواع معينة من الجرائم زمن الحرب أو السلم بحسب ما بينه القانون المذكور. ولذلك لا نعتبرها محاكم استثنائية وإن كانت إجراءات المحاكمة أمامها تخضع لبعض القواعد الخاصة.

والمحاكم العسكرية هي محاكم دائمة، حيث أنها تختص بنظر الجرائم التي يرتكبها أفراد القوات المسلحة والملحقين بها أثناء خدمة الميدان، والجرائم التي تمس أمن الدولة وسلامة القوات المسلحة.

إن هذه المحاكم لا تخرج عن إطار الشرعية لأنها ضمن تنظيم دائم تقرره مسبقا قوانين الدولة.

 

استقلال القضاء وتحديد الاختصاص القضائي

يرتبط الاستقلال عن السلطة التنفيذية وعدم قابليتهم للعزل ارتباطا وثيقا مع مبدأ الشرعية الجنائية، وذلك بما يمثله من ضمان هام للقاضي والمتقاضي.

والقول بغير ذلك يعطي السلطة التنفيذية سلاحا هاما ترهب به القضاة فيكونوا آلة في أيديها، وتحرير المتهم من المحاكمة أمام قاضيه الطبيعي الذي نظم القانون.

 

التزامات القاضي الجنائي

القضاء لا يمكنه تقرير الجرائم وإنما عليه أن يفصل في الوقائع المعروضة عليه طبقا لأحكام التشريع الجنائي، لذا فإن مبدأ الشرعية يتطلب من القاضي الجنائي الالتزام بالقواعد التالية:

 

·        بيان التكييف القانوني للجريمة

يجب على القاضي الجنائي وهو بصدد تطبيق النص على واقعة معينة، أن يعمل على بيان التكييف القانوني للجريمة وتحديده. ويكون ذلك بإظهار العناصر المختلفة المكونة للفعل الإجرامي وبيان النص القانوني الذي ينطبق على ذلك الفعل، وفي حالة غياب النص وجب على القاضي الحكم بالبراءة.

وأنه لا يمكن للقاضي الاستناد للعرف أو إلى قواعد العدالة أو مبادئ القانون الطبيعي، أو إلى النظام العام أو العرف أو إلى خطورة الفعل المنسوب إلى المتهم على المجتمع مهما كانت مستهجنة أو ضارة لم يرد بشأنها نص في قانون العقوبات أو القوانين الجنائية التكميلية أو اللوائح.

 

عدم تطبيق القاضي الجنائي للتشريعات الجنائية بأثر رجعي

يتعين على القاضي الجنائي أن يتقيد بقاعدة عدم رجعية القوانين الجنائية عندما يثور تنازع في تطبيق هذه القوانين من حيث الزمان.

وهذه القاعدة تعد قاعدة دستورية مطلقة، تنص عليها أغلب التشريعات الجنائية، بل يمكن أن تذهب إلى أبعد من ذلك والقول بأن القاضي يلتزم بمبدأ الشرعية الجنائية ونتائجه حتى ولو لم ينص عليه الدستور والقانون الجنائي. لأن هذا المبدأ استقر في الضمير الإنساني والعالمي.

 

الالتزام بما حددته النصوص الجنائية من عقوبات

يمتنع على المحكمة الجنائية أن تقرر عقوبة لم ترد في النص التجريمي، أو تقرر عقوبة يختلف نوعها عن تلك المنصوص عليها.

ولا يتعارض مع هذا الالتزام استعمال القاضي لسلطته التقديرية في تشديد العقوبة كما في حالة العود، أو في تخفيفها وفقا لما يراه من ظروف قضائية مخففة.

 

عدم تكملة النصوص الجنائية

لا يمكن للقاضي الجنائي تكملة النصوص الجنائية الناقصة، ذلك أن وظيفته ليست التشريع وإنما تطبيق ما هو قائم من هذه النصوص وإلا اعتبر ذلك إهدار لمبدأ الشرعية الجنائية وافتئات على حق السلطة التشريعية.

ويكون النص الجنائي ناقصا إذا كان تعريف الجريمة تنقصه أركانها الأساسية أو بعضها أو إذا أغفل المشرع تحديد العقوبة.

 

التزام القاضي الجنائي بقواعد معنية في تفسير النصوص الجنائية

يمكن للقاضي الجنائي وهو بصدد تطبيق النصوص الجنائية أن يقوم بتفسيرها وتأويلها بحيث يستطيع تطبيقها على الوقائع المعروضة، والقاضي في عمله هذا مقيد بقيود معينة تفرضها عليه قاعدة الشرعية الجنائية.

 

تفسير النصوص الجنائية

يقصد بالتفسير تلك العملية الذهنية التي يمكن التوصل إلى المعنى الحقيقي للنص القانوني وشرحه، ليتسنى للقاضي تطبيق النص على الوقائع المعروضة عليه.

فالتفسير عملية يراد بها إظهار المعنى الذي أراده المشرع، وهو أمر ضروري بالنسبة لكافة النصوص القانونية وليس قاصرا على النصوص الغامضة وحدها. ذلك أن النص القانوني يكون في العادة مختصرا وعاما ومجردا.

 

أنواع التفسير

قسم الفقه التفسير من حيث المصدر إلى أنواع ثلاثة. التفسير التشريعي والتفسير الفقهي وأخيرا القضائي.

- ويقصد بالتفسير التشريعي ذلك الذي يصدر عن المشرع نفسه، ويكون إما وقت صدور النص أو بعد صدوره.

- والتفسير التشريعي يلتحق بالقاعدة القانونية الأصلية ويصبح جزءا منها.

- والتفسير الفقهي هو الذي يقوم به فقهاء القانون و الشراح، وهذا التفسير ليس ملزما للقضاء، وإنما قد يساعده في التوصل إلى حقيقة ما قصده المشرع.

- التفسير القضائي هو الذي يصدر عن القضاء عند قيامه بتطبيق القانون، لأن القانون لا يتدخل لتعريف المصطلحات التي يستعملها في صياغة نصوصه. لكنه غير ملزم حتى ولو صدر عن المحكمة العليا.

 

أساليب التفسير

عدم الفقه أسلوبية للقيام بتفسير النصوص القانونية لاستظهار حقيقة ما أراده المشرع وهما النظرية الموضوعية والنظرية الشخصية.

 

·        النظرية الشخصية: هي أن يبحث القاضي عند تفسيره للنص الجنائي نية المشرع عند وضعه للنص، وذلك من خلال الأعمال التحضيرية والمذكرات الإيضاحية له، ومن الظروف التاريخية التي دعت إلى إصداره.

·        النظرية الموضوعية: هي التي يراد بها التوصل إلى المصلحة الحقيقية التي أراد المشرع حمايتها عند إصداره للنص، والعبرة بذلك بما تؤدى إليه ألفاظ النص وما يقتضيه منطوقه، وللتوصل إلى المعنى الحقيقي للنص القانوني طريقان أو منهجان هما: المنهج اللفظي أو النحوي أو المنهج المنطقي أو الغائب معناه، أما المنهج المنطقي أو العقلي ................

والواقع أنه يجب عدم الفصل بين المنهجين لأنهما متكاملان لا يقوم أحدهما بوظيفته بغير الاعتماد على الآخر.

وفي حالة الشك ليس هناك مجال لإعمال قاعدة أن الشك يفسر لمصلحة المتهم، وذلك أن تطبيق هذه القاعدة مقصور على حالة ما إذا كانت الأدلة ضد المتهم غير كافية فلا يتوفر لدى القاضي حينئذ الاقتناع بإدانته، ومن ثم يتعين عليه أن يحكم بالبراءة.

 

عدم التوسع في تفسير النصوص الجنائية

والقول بغير ذلك يسمح للقاضي بأن يتوصل عن طريق التوسع في تفسير النص الجنائي وتأويله، إلى خلق قواعد جنائية جديدة. وهو ما يسمى بالتفسير المنشئ، وهذا ما تأباه طبيعة عمل القاضي في تطبيق النصوص التشريعية الجنائية.

 

عدم القياس في النصوص الجنائية

يفرق الفقه عادة بين نوعين من القياس، القياس القانوني والقياس القضائي. الأول يلجأ إليه القضاء لمعالجة الحالة المعروضة عليه والتي لا يوجد بشأنها نص بالرجوع إلى روح التشريع التي بشقيها من المبادئ العامة التي تسود النظام القانوني في مجتمع معين.

أما القياس القانوني: فهو الذي يستعمله القاضي عندما يحرم واقعة لم يرد بشأنها نص بناء على نص يتعلق بواقعة أخرى مماثلة.

ولقد تمسك الفقه والقضاء في معظم الدول بقاعدة عدم جواز استعمال القياس في المواد الجنائية.

المبحث الثاني: مستقبل مبدأ الشرعية

ظهرت في القرن العشرين إيديولوجيات معينة جعلت محور اهتمامها مصلحة الجماعة بغض النظر عن حقوق الفرد.

لذلك كله فقد تعرض مبدأ الشرعية لحملة عنيفة من الانتقادات التي تعبر عن اتجاهات إيديولويجية وفلسفية وعملية مختلفة، ولقد أثرت هذه الانتقادات مبدأ الشرعية.

لكن على العكس كان مرد هذه الانتقادات الاحترام المطلق لهذا المبدأ وما يؤدي إليه من نتائج وما يفرضه من التزامات على كل من المشرع والقاضي.

صحيح أن الالتزام الحرفي بالمبدأ قد أدى في بعض الأحيان إلى قصور القانون الجنائي عن معاقبة بعض الأفعال التي تحدث ضررا للأفراد والمجتمع. لكنه إلى جانب ذلك قد منع استبداد السلطة التنفيذية، ورتب حماية دستورية لحقوق الأفراد المكتسبة.

وعندما نريد أن نقيم مبدأ معين أو قاعدة كبرى لها مثل هذا الشمول والاحترام، فإننا يجب أن نحسب ما لها وما عليها، ثم نوازن بين إيجابياتها وسلبيتها، ويتوقف تقديرنا النهائي على رجحان كفة هذه الإيجابيات أو تلك السلبيات، وإنه لخير للمجتمع أن تفلت بعض الأفعال من العقاب على أن يتدخل المشرع لتجريمها، من أن تمس حريات الأفراد وحقوقهم المكتسبة بدون إنذار سبق.

 


تعليقات