القائمة الرئيسية

الصفحات

لا سلطة للمحكمة في تغيير التكييف الذي تعطيه النيابة العامة

 


لا سلطة للمحكمة في تغيير التكييف
الذي تعطيه النيابة العامة

 

عبد الكبير طبيح محام بهيئة الدار البيضاء

 

هناك سؤال مطروح على الساحة القضائية بخصوص امكانية، او عدم امكانية تغيير التكييف الذي تعطيه النيابة العامة للافعال التي يرتكبها متابع ما، من طرف المحكمة المعروضة عليها تلك المتابعة .

 

ولقد اثرنا ان نضفي على الخلاف الدائر بشان القضية المذكورة، صبغة الاشكالية، لما يثيره الجواب عنها من تعقيدات، ومن ضرورة استحضار مجموعة من المبادئ القانونية العامة، والنصوص الصريحة منها او الغامضة، والبحث بين كل هذا وذاك، على النسق السليم الذي يجمع بينها جميعها دون الاختلاف مع احدها، من جهة، ودون البعد عن تحقيق العدالة من جهة اخرى .

 

وانه من غير الضروري الاشارة الى انه من المكتسبات التي ظفر بها الفرد في صراعه التاريخي مع من ولاهم امره، مقابل تنازله عن بعض حقوقه الطبيعية هو علمه ومعرفته المسبقة لما عليه، ولما له، اي وجود نواميس وقوانين سابقة تنظم علاقته مع الغير، وعلاقته مع السلطة التي تحكمه، مفروض عليه احترامها، ومن شان مخالفتها تعرضه للعقاب .

 

وان ذلك المكتسب يتفرع عنه حق المتابع في معرفة، بصفة قبلية وخلال اجل معقول، التهم الموجهة اليه، حتى يتمكن من جمع الوسائل الكفيلة بالدفاع عن حقه وعن نفسه .

 

ولعل بعض القرارات الصادرة عن المجلس الاعلى وغيره من المراجع القضائية، باقرارها لمبدا سلطة المحكمة في تغيير التكييف الذي تعطيه النيابة العامة، تكون قد اتخذت موقفا، مخالفا لما نرمي اليه في هذا البحث .

 

وفي مجال توضيح هذا الموقف المخالف سنوجز الكلام في نقط ثلاث :

1) تذكير المبادئ

2) طرح الاشكال

3) الخلاصة المنطقية

***

1) تذكير بالمبادئ :

من المعلوم ان نظام الاتهام يختلف من بلد لاخر، وفقا للمعطيات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي يعرفها كل بلد على حدة، فهناك ما يعرف بقانونية المتابعة وهناك، في المقابل ما يعرف بملاءمة المتابعة .

 

وان كان نظام الاتهام المتخذ كركن من اركانه مبدا قانونية المتابعة، يلزم بتحريك المتابعة ضد كل من خرق قاعدة زجرية، فان الامر بالنسبة لنظام الاتهام المتخذ كركن له مبدا ملاءمة المتابعة، مختلف تماما، اذ يحق لجهاز الاتهام، في هذا الاطار الاخير، ان يتابع او لا يتابع .

 

وبخصوص نظام الاتهام في التشريع المغربي فان الامر يدخل في الزمرة الثانية، التي تعطي لجهاز الاتهام السلطة والامكانية في تحريك المتابعة ضد اي شخص يخرق قاعدة زجرية، او في عدم تحريك تلك المتابعة، علما ان القرار بعدم المتابعة الذي تصدره النيابة العامة، وليس قاضي التحقيق، وهذا هو الاستثناء الذي يؤكد القاعدة، لا يقبل اي طعن، الشيء الثابت من مقتضيات الفصل 38 من قانون المسطرة الجنائية والذي ينظم اختصاصات وسلطة وكيل الدولة سابقا، وكيل الملك حاليان اذ تنص الفقرة الثالثة منه على ما يلي :

يرفع الاجراءات الى هيئات التحقيق او الى الهيئات الحكم المختصة للنظر فيها او يقتصر على تركها بموجب مقرر قابل دائما للالغاء .

 

غير انه مما يجدر لفت النظر اليه هو ان صيغة " قابل دائما للالغاء" الواردة في الفقرة المذكورة لا تعني ان قرار وكيل الملك بعدم احالة الاجراءات على التحقيق قابل للطعن فيه، وانما تعني ان ذلك القرار قابل للالغاء من طرفه هو، اي من طرف وكيل الملك، وليس من طرف الغير، اذا ما ارتاى ذلك .

وهذه الامكانية تؤكد سلطة النيابة العامة في التصرف في المتابعة تحريكا او حفظا .

وان هذا الحق التشريعي لا يمكن لاي سلطة اخرى اقل شانا من التشريع ان تلغيه او تغير فيه مما تحتفظ معه النيابة العامة بسلطتها في تحريك المتابعة او عدم تحريكها ملاءمة للظروف والملابسات التي تعرض فيها كل قضية على حدة .

 

وان ما يعزز ذلك هو ان اقامة الدعوى العمومية، وحدها، وهو حق محتكر للنيابة العامة لا يشاركها فيه اي احد، حتى المتضرر فلا يحق له تحريك الدعوى العمومية الا اذا اردفها بالدعوى المدنية التابعة، وذلك تطبيقا لمقتضيات الفصل 34 من قانون المسطرة الجنائية .

 

وان ما يؤكد كون النيابة العامة هي المحتكر الوحيد لتحريك الدعوى العمومية، هو ان قاضي التحقيق بالرغم عن السلطات التي يعطيها اياه قانون المسطرة الجنائية والامكانيات التي خصه بها، نذكر على سبيل المثال ما نص عليه الفصل 77 من قانون المسطرة الجنائية، فانه اذا ما بلغت الى علمه افعال لم تقع الاشارة اليها في التماس اجراء التحقيق فانه لا يحق له ان يجري بشانها اي تحقيق، وانما يتعين عليه ان يرفع الامر للنيابة العامة، ويبقى لهذه الاخيرة السلطة في تحريك المتابعة، اي اقامة الدعوى العمومية، على الشخص المنسوب اليه تلك المتابعة ام لا، وهذا ما ينص عليه الفصل 85 من قانون المسطرة الجنائية في فقرتيه الاولى والرابعة كما يلي :

" لا يجوز لقاضي التحقيق ان يجري التحقيق الاعدادي الا بموجب ملتمس" .

" واذا بلغت الى علم قاضي التحقيق اعمال لم يشر اليها في التماس اجراء التحقيق فيتعين عليه ان يرفع حالا الى وكيل الدولة الشكايات والمحاضر التي تثبتها " .

 

وانه يتجلى مما سبق ان المبدا المعتمد في التشريع المغربي هو الاحتكار المعطى للنيابة العامة في تحريك الدعوى العمومية وحدها، ذلك الاحتكار الذي لا يمكن معه لاي جهة، في اطار التشريع الحالي، ان تنصب نفسها جهازا للاتهام بان تقيم دعوى عمومية، لم يحركها الجهاز المختص، اي النيابة العامة .

 

وانه لمن غير الضروري الاشارة الى ان اقامة الدعوى العمومية ليس الا تكييف فعل ارتكب من طرف فرد في مجتمع ما، باحدى الجرائم المنصوص عليها في سبيل الحصر في القانون الجنائي، فيصبح ذلك الفعل اما نصبا، او ضربا او اهانة لموظف، او غير ذلك من الجرائم .

 

وانه ينتج عن تلك المسلمة، ان الرغبة في اعادة او تغيير التكييف الذي سبق للنيابة العامة ان اعطته لفعل ما، هو في حقيقته وكنهه اقامة لدعوى عمومية، ما دامت هذه الاخيرة لا تعني الفعل الضار الذي يرتكبه فرد ما، وانما تعني المخالفة للقانون الجنائي منظور اليها من جانب النيابة العامة .

 

وان الحديث عن امكانية وصلاحية المحكمة المعروضة عليها تلك الدعوى العمومية، في تغيير التكييف القانوني الذي اعطته النيابة العامة لفعل ما، هو صلب الاشكالية التي نريد معالجتها .

 

2) طرح الاشكالية :

تذهب بعض القرارات القضائية، وكذا عدة آراء اخرى محترمة، الى ان للمحكمة الحق والصلاحية في اعادة تكييف الافعال المعروضة عليها، واعطائها التكييف القانوني الذي يراه القاضي - المعروضة عليه تلك الافعال- صحيحا، بعد ان تناقش القضية امامه .

ويدعم المدافعون عن هذا الراي، موقفهم بعدة دعائم لا تخلو من صحة ومن رغبة في ان يكون لكل فعل ضار جزاء زجري .

 

وفي المجال دفاعهم ذاك، يعتمدون على :

ان المحكمة الموضوع لا تعرض عليها االجريمة، اي الفعل الضار مكيفا باحدى الجرائم المنصوص عليها في القانون الجنائي، وانما تعرض عليها افعال، وانها، اي المحكمة، تقوم بعرض تلك الافعال على المتابع او الظنين .

وبعد ذلك تدينه من اجلها بعد ان تعطيها التكييف الذي تراه مناسبا لها، دون ان تكون مقصورة على التكييف الذي سبق للنيابة العامة ان اعطته لتلك الافعال .

 

ان المحكمة من مهامها تحقيق العدالة، وحسب هذا الراي، العدالة هي انزال العقاب بكل فرد ارتكب فعلا ضارا .

ان سلطة المحكمة في تغيير التكييف محصورة في حدود الجرائم المماثلة من حيث العقاب، اذ لا يرى البعض من هؤلاء ان للمحكمة الحق في تغيير التكييف اذا كان التكييف الجديد سيرفع من العقوبة، وان كان البعض الاخر يذهب الى ان للمحكمة تلك السلطة، بغض النظر عن العقوبة ارتفعت ام انخفضت .

 

وقبل ان احاول الرد على اصحاب هذا الراي، اود الاشارة الى النقط التالية :

ان التعامل مع القاعدة القانونية يجب ان يكون تعاملا مبنيا على الاحترام، اي ان نتعامل معها كما هي لا كما نريد لها ان تكون .

 

واذا كنا نتشبث بهذا النوع من التعامل مع القاعدة القانونية، فاننا في نفس الوقت نستحضر مختلف مدارس التفسير التاريخية منها او الاجتماعية والتي تعتمد كل منها منطقا تخلص له .

لكن تشبثنا بتطبيق القاعدة القانونية كما هي، دون اجتهاد فيها، تبرره الرغبة في حماية الفرد من المفاجآت، وضرورة علمه، بصفة قبلية، ما له وما عليه من جهة، وكذا استقرار نمط التعامل مع الجهاز القضائي من جهة اخرى .

 

وانه ما دام لا يوجد نص في التشريع المغربي يعطي صراحة للمحكمة حق اعادة التكييف، كما هو الحال في التشريع المصري، فان المحكمة لا تملك سلطة اعادة تكييف الجرائم المحالة عليها .

وبالفعل، وخلافا لما هو عليه الحال في المغرب، فان المشرع المصري اعطى للمحكمة السلطة والحق في ان تغير التكييف وان لا تتقيد  بالموقف الذي تتخذه النيابة العامة من واقعة ما، اذ نص في المادة 302 من قانون الاجراءات الجنائية على ما يلي :

" للمحكمة ان تغير الوصف القانوني للفعل المسند للمتهم" .

وانه يتبين اذن، ان المشرع المغربي لا يعطي للمحكمة مثل الامكانية والسلطة المعطاة للقاضي المصري .

 

ولنعد لان الى محاولتها للرد على الراي الاخر، والذي سبق لنا ان اختصرناه اعلاه، والرامي الى الدفاع على حق المحكمة، في ظل التشريع الحالي، في اعادة التكييف .

انه من غير الصحيح التشبث بكون المحكمة تعرض على الظنين الوقائع وتناقشه فيها، وبعد ذلك تطبق عليه القانون الواجب التطبيق .

 

ذلك، ان الدعوى العمومية ترفع الى المحكمة بواسطة استدعاء توجهه النيابة العامة متوفرة فيه الشروط المنصوص عليها في الفصل 367 من قانون المسطرة الجنائية، والذي ينص على :

" يوجه الاستدعاء بالحضور للمتهم وللشخص المسؤول عن الحقوق المدنية وللمطالب بالحق المدني" .

ويتضمن الاستدعاء بيان اليوم والساعة ومحل انعقاد الجلسة ونوع الجريمة وتاريخ ومحل اقترافها، والنصوص المطبقة بشانها، والا فيؤدي الاخلال بذلك الى البطلان .

 

وانه ليتضح اذن، ان المشرع لم يلزم فقط ان يخبر المتابع بنوع الجريمة وفصول المتابعة، وانما ان يقع ذلك الاخبار داخل اجل معقول قبل الحضور للجلسة، كما انه، اي المشرع، رتب على الاخلال بذلك جزاء خاصا الا وهو البطلان .

 

وان الممارسين للعمل القضائي يفهمون عندما يحدد المشرع جزاء خاصا لمخالفة ما، لقاعدة قانونية ما، ان هناك رغبة اكيدة منه في ضرورة تطبيق تلك القاعدة كما وقع النص عليها دون اجتهاد فيها .

وان من شان استدعاء متابع بناء على استدعاء مشار فيه الى جريمة ما والى فصل قانوني ما، من شان ذلك اجباره على البحث في حدود تلك الجريمة وذلك الفصل القانوني الذي يكون قد خالفه، عن الوسائل الكفيلة بالدفاع عن نفسه .

 

وان من شان مفاجأته بادانة مبينة على جريمة وعلى مخالفة لفصل قانوني، اخر، حرمانه بصفة واضحة من حقه في الدفاع عن نفسه، وهو حق مقدس لا منازعة فيه .

وبخصوص كون من مهام المحكمة عدم السماح لمتابع ما بالانفلات من العقاب، وان عليها التصدي لكل من يقدم اليها لإنزال العقاب به، هو راي يصطدم دون ان يصمد، مع مجموعة من المبادئ والقواعد الاساسية في جميع التشريعات الجنائية .

اذ انه من المتفق عليه ان الظنين يحال على المحكمة وهو بريء وان على جهاز الاتهام ان يقوم بإثبات الجرائم التي يدعي ان الظنين قد ارتكبها .

وان النيابة العامة عندما تقوم باثبات كون الظنين ارتكب التهم المنسوبة اليه من طرفها والمشار اليها في الاستدعاء الموجه اليه تقوم بتاكيد والدفاع عن الدعوى العمومية التي اقامتها وانه والحالة تلك، لا يمكن للمحكمة ان تدين الظنين من اجل تهم جديدة وغير تلك التي دافعت عنها النيابة العامة، بناء علىة وسائل استعملتها هذه الاخيرة لاثبات جرائم اخرى. ما دام ان حياد المحكمة يلزمها بالبت في النزاع دون التدخل لجانب ضد جانب اخر، وان قضية حياد المحكمة الجنحية، هو في حقيقته، حياد لمصلحة الظنين، حياد يستفيد منه هذا الاخير في اوسع نطاق، الشيء الثابت من المبادئ التالية :

1) ان الذي يطالب باثبات وقوع الجرائم هو النيابة العامة وليس اي جهاز اخر .

2) ان الظنين لا يطالب باثبات عدم وقوع الجرائم .

3) ان المحكمة في حالة اثبات ناقص من طرف النيابة العامة للجرائم المنسوبة للظنين، وظهر لها، اي للمحكمة، ان هناك شك صرحت ببراءة هذا الاخير .

4) ان المحكمة وبعد ان تكون النيابة العامة قد قامت باثبات التهم المنسوبة للظنين، وان تلك التهم ثابتة ولا شك فيها، فانها تمتعه بظروف التخفيف .

 

وانه يتجلى اذن ان هذه المبادئ الاولية والمطبقة من طرف العمل القضائي، تتناقض مع امكانية تغيير التكييف، تلقائيا من طرف المحكمة من اجل انزال العقاب بالظنين، بدعوى ان النيابة العامة قد اخطأت في ذلك التكييف .

وانه مما يعزز ان رغبة المشرع الحقيقية هي اعطاء النيابة العامة حق وسلطة التحكم في متابعة انه حتى عندما اعطى لغرفة الجنايات الحق في تغيير التكييف الذي تعطيه غرفة الاتهام للافعال المنسوبة للمتهم، فانه منعها ان تعتبر ظروف التشديد التي تكون قد ظهرت لها اثناء دراسة القضية ولم تقع الاشارة اليها في قرار الاحالة الا بعد الاستماع الى مطالب النيابة العامة، حيث ينص الفصل 487 من قانون المسطرة الجنائية على ما يلي :

" لا ترتبط المحكمة الجنائية بوصف الجريمة المقرر من طرف غرفة الاتهام ويتعين عليها ان تصف قانونيا الافعال التي تحال عليها وان تطبق عليها القانون الجنائي حسب نتيجة دراسة القضية المباشرة اثناء الجلسة .

 

بيد انه اذا تبين من الدراسة المذكورة وجود ظرف او عدة ظروف مشددة، لم تذكر في القرار بالاحالة، فلا يسوغ للمحكمة الجنائية ان تعتبرها الا بعد الاستماع بمطالب النيابة العامة ولايضاحات الدفاع" .

وانه يتضح من ذلك النص الصريح ان المشرع، حتى بالنسبة لمحكمة الجنايات حصر سلطتها في اعادة التكييف بالنسبة للافعال المحالة عليها من طرف غرف الاتهام .

 

لكن، هل بقي لغرفة الجنايات التي حلت بمقتضى الاجراءات الانتقالية، محل محكمة الجنايات، الحق في استعمال سلطة اعادة التكييف المنصوص عليها في الفصل المذكور .

نقول ان تلك السلطة وقع التقليص منها بالنسبة لغرفة الجنايات اذا ما قورنت مع تلك التي كانت لمحكمة الجنايات .

ذلك، انه اذا كانت محكمة الجنايات سابقا لا تحال عليها القضايا، وكل القضايا، الا عن طريق غرفة الاتهام (انظروا الفصل 435 من قانون المسطرة الجنائية)، فان غرفة الجنايات خلاف ذلك تماما .

ذلك ان غرفة الجنايات المحدثة بمقتضى الاجراءات الانتقالية والتي حلت محل محكمة الجنايات اصبحت تحال عليها القضايا من ثلاث جهات :

من الوكيل العام للملك في حالة التلبس بالجناية .

بامر الاحالة من قاضي التحقيق في الجنايات التي يجري فيها التحقيق .

بقرار الاحالة من طرف الغرفة الجنحية، والتي حلت محل غرفة الاتهام، عندما تلغي امرا بعدم المتابعة من طرف قاضي التحقيق (انظروا مقتضيات الفصل 13 من قانون الاجراءات الانتقالية للمسطرة الجنائية) .

وانه يتجلى مما سبق، ومن التعديلات التي ادخلت على قانون المسطرة الجنائية، ان رغبة المشرع تذهب الى الحد حتى من سلطة غرفة الجنايات في اعادة التكييف المنصوص عليها في الفصل 487 المذكور .

وسندنا في ذلك هو ان المشرع في التعديلات التي احدثها بمقتضى الاجراءات الانتقالية، وان نسخ مقتضيات الفصل 435 من قانون المسطرة الجنائية، وذلك باحداثه للفصل 13 من الاجراءات الانتقالية المذكور ووسع من الجهات التي لها الصلاحية في احالة القضايا على غرفة الجنايات الا انه لم يعدل ولم يلغ مقتضيات الفصل 487 المذكور، مما اصبحت معه الامكانية المشار اليها في ذلك الفصل، اي امكانية اعادة التكييف او الوصف، مقصورة فقط على الافعال التي تحال على الغرفة الجنائية من طرف الغرفة الجنحية وحدها باعتبارها الحالة محل غرفة الاتهام .

وبعد هذا كله، ما هي الخلاصة التي يمكن الانتهاء اليها؟، والتي يمكن ان تكون حاسمة ؟

 

الخلاصة المنطقية القانونية :

اعتقد ان استحضار المبادئ والنصوص ساعدنا على اخذ نظرة على الصبغة والكيفية التي هي مطروحة بها .

وان الراي الذي دافعنا عنه حاولنا ان نجد له سندا نصيا، اي حاولنا ان نبحث عن فصول قانونية تدعمه، ما دامت قواعد المسطرة الجنائية، هي قواعد اجرائية خلقت اساسا لحماية حقوق الفرد، اذ هي حقوق الدفاع متجسمة وقائمة .

 

وان الرد على انه لا يوجد اي فصل "يمنع المحكمة من اعادة التكييف" هو رد لا يستقيم، ما دام المشرع حدد لنا طريقة يجب علينا ان نتبعها لمحاكمة شخص ما، وقد تكون تلك الطريقة وتلك الاجراءات غير منطقية في نظرنا ولكننا ملزمين بتطبيقها ما دام ان الامر يتعلق بارادة المشرع، وهي ارادة مقدسة. كما هو الحال عندما يتقدم الزوج بشكاية بالخيانة الزوجية فلا نقوم بمتابعة ضد زوجته، بينما يحكم على شريكها بالجزاء .

وانه اذا كان الامر خلافا لما نرمي اليه، فما هو الجواب الصحيح عن السؤال التالي ؟

هل اعادة التكييف هو سلطة تقديرية للمحكمة ام انه واجب على هذه الاخيرة ؟

نعتقد ان في الجواب في هذا السؤال حسم للاشكالية المطروحة .

ذلك، انه اذا كانت اعادة التكييف هي مهمة واجبة على المحكمة، اي ان هذه الاخيرة تكون ملزمة بان تغير التكييف في اية نازلة عرضت عليها وظهر لها ان النيابة العامة اخطات في وصف او تكييف الافعال التي عرضت عليها، فان ذلك يستلزم وجود وسيلة لالزام المحكمة بذلك .

ونحن نعلم ان وسيلة الالزام في ميدان التشريع لا يمكن ان تكون الا نصا قانونيا اي وجود فصل قانوني يلزم المحكمة باعادة التكييف .

وانه نظرا لعدم وجود مثل هذا النص في قانون المسطرة الجنائية المغربي، فان الحديث عن الزامية اعادة التكييف هو حديث غير مقنع وغير مبني على اي اساس .

 

ونحن اذ نتناول هذه النقطة اود الاشارة الى ان المدافعين على الراي المخالف لا يمكنهم ان يتمسكوا بمقتضيات الفصل 350 من قانون المسطرة الجنائية وذلك لسببين :

السبب الاول : وهو ان ذلك الفصل اتى عندما كان يتكلم المشرع عن تصفية الصوائر القضائية .

السبب الثاني : هو ان ذلك الفصل وان تحدث عن تغيير الوصف الا انه لم يحدد الجهة التي لها سلطة ذلك التغيير، اذ ان النيابة العامة قد تتابع شخصا ما بالجرح خطا وبعد جريان المسطرة قد يموت المتضرر بسبب الاعتداء الاول فتتقدم بملتمس يرمي الى متابعة الظنين بالقتل خطا، مما يؤدي الى تغيير الوصف او التكييف قبل صدور الحكم لكن من طرف النيابة العامة .

 

وبعد ان ثبت لدنيا ان اعادة التكييف او الوصف لا يوجد في التشريع اي نص يوجبه فهل ان ذلك يدخل في السلطة التقديرية للمحكمة، ان شاءت اعادة التكييف وان لم تشأ حجمت عن ذلك .

اعتقد ان المحكمة لا يدخل في سلطتها التقديرية اعادة التكييف من عدمه، وذلك لسبب بسيط وهو ان من مهام قاضي النقض، اي المجلس الاعلى، مراقبة الوصف القانوني للافعال المبنية عليها المتابعة وذلك اذ تنص الفقرة الثانية من الفصل 568 من قانون المسطرة الجنائية :

" وتمتد مراقبته الى الوصف القانوني الذي تتسم به الوقائع المبنية عليها المتابعة الجنائية ……

وانه اذا كان الامر كذلك، فهذا يعني على ان وصف الجرائم هو مسالة قانون وليس مسالة واقع ما دامت انها تدخل في اختصاص مراقبة المجلس الاعلى .

وانه ما دام انها مسالة قانون فان اعادة التكييف او الوصف لا بد لها من نص قانوني يقررها .

لذا، نرى من خلال النصوص القانونية الجاري بها العمل، وانطلاقا من وضوح تلك النصوص ووجودها، الشيء الذي لا يمكن معه فتح المجال للاجتهاد، اذ لا اجتهاد مع النص، ان المحكمة الجنحية ليس لها ان تغير من التكييف او الوصف الذي تعطيه النيابة العامة للجرائم التي ترفعها اليها .

وان نفس الراي يطبق على الغرفة الجنائية عندما لا تحال عليها الافعال من طرف الغرفة الجنحية .

 

الأستاذ عبد الكبير طبيح

 

* مجلة المحاكم المغربية، عدد 32، ص 9 .


تعليقات