القائمة الرئيسية

الصفحات

حصيلة الإصلاحات القضائية 1965-1995

 


حصيلة الإصلاحات القضائية
1965-1995

ذ. النقيب عبد الرحيم الجامعي

ذ. أحمد شوقي بنيوب (محام بهيئة القنيطرة)

 

التصدي لإشكالية الإصلاح القضائي في ضوء التجربة وحصائلها، وفي أفق متطلبات وضرورات المستقبل،  أمر يستوجب الإقرار بمبدأين جوهريين:

الأول: إن بإمكان قضاء عادل قوي ومستقل، أن يلعب فعليا دوره في صيرورة توطيد دولة الحق والقانون وتقدمها.

الثاني: إن معالجة الإشكالية، تستوجب حوارا شاملا وشفافا، اعتبارا لكون القضاء أعظم رافعة للحاضر وأنبل رهان على المستقبل.

 

ومن أجل المساهمة المتواضعة في قضية هذا الملف الاستراتيجي اعتمد العرض التصميم الآتي:

المبحث الأول: موقع القضاء في الدستور.

المبحث الثاني: الإصلاحات القضائية 1965-1995: مسيرة متقطعة، مبتورة ومرممة.

المطلب الأول: إصلاح 1965 أو الإعلان المتأخر عن مبادئ السيادة.

المطلب الثاني: إصلاحات 1974.

الفرع الأول: عناصر المشروع الإصلاحي وغاية المشرع منه وأية منهجية للتقويم.

الفرع الثاني: النظام الأساسي لرجال القضاء: هيمنة السلطة التنفيذية على السلطة القضائية.

الفرع الثالث: تأسيس مفهوم خاطئ للقضاء الشعبي.

الفرع الرابع: التراجع عن مكتسبات وإعلان مبادئ وتعليقها وعدم تطوير التشريع.

الفرع الخامس: إصلاحات معزولة عن أساسها المادي.

المطلب الثالث: هاجس الإصلاح بين الإقرار الضمني بالأزمة وغياب التصور الاستراتيجي 1990-1995.

الفرع الأول: المحاكم الإدارية: الاختيار السليم والضمانات الناقصة.

الفرع الثاني: المعالجة الجزئية لقانون المسطرة الجنائية.

الفرع الثالث: القضاء الجماعي تقدم معزول عن التصور الشامل.

المبحث الثالث: أية حصائل لأية إصلاحات.

المطلب الأول: مردودية العدالة.

الفرع الأول: اختلالات بنيوية ومزمنة.

الفرع الثاني: شلل فعالية الجهاز القضائي.

المطلب الثاني: القضاء والتنمية.

المطلب الثالث: القضاء وضمان الحريات.

خلاصات مركزية.

المبحث الرابع: الإصلاح القضائي: عناصر للتفكير (التأصيل الدستوري ? إدارة العدل وإدارة القضاء ? من التجارب إلى التأسيس).

 

المبحث الأول : موقع القضاء في الدستور

أكد دستور 1992 نفس القواعد التي رسمتها الدساتير السابقة (1962، 1970 و 1972) بخصوص موقع وطبيعة القضاء، بحيث نص على:

- " القضاء مستقل عن السلطة التشريعية وعن السلطة التنفيذية" ف.80.

- " يعين الملك القضاة بظهير شريف باقتراح من المجلس الأعلى للقضاء" ف.82

- " يسهر المجلس الأعلى للقضاء على تطبيق الضمانات الممنوحة للقضاة فيما يرجع لترقيتهم وتأديبهم" ف.85.

 

وباستقراء هذه النصوص في حد ذاتها، وفي موقعها من الهندسة الدستورية يتبين أن الدستور لم يعتمد نفس التصورات والمرتكزات التي صاغ بها موقع ودور كل من السلطتين: التنفيذية والتشريعية، إذ في الوقت الذي يتحدث فيه عن مجالاتها وسلطهما ونوع العلاقات القائمة بينهما، لم يلمح لأي دور لهذا القضاء ولمكانته ولمدلول الاستقلال نفسه، وهو ما ترك الباب مفتوحا لنقاش دستوري وفقهي، يطرح التساؤل على الأصل، هل القضاء سلطة، وظيفة، جهاز أم مؤسسة؟.

 

ومع اعتبار سلطات الملك في تعيين القضاة باقتراح من المجلس الأعلى، وفي أن الأحكام تصدر وتنفذ باسمه، وفي رئاسته للمجلس الأعلى للقضاء، على غرار ما هو عليه الوضع بالنسبة للعديد من الدساتير، من حيث دور رؤساء الدول، فإن الإشكال حول دور القضاء وطبيعته بالنسبة للدستور المغربي يبقى قائما، بالمقارنة مع دساتير دول أخرى، تجمعها مع المغرب روابط عدة سواء من حيث التاريخ أو الجغرافيا.

 

فالدستور الفرنسي لسنة 1958 نص في الفصل 66 على أن " السلطة القضائية هي الحامية للحريات الفردية" ومثيله الإسباني لسنة 1978? تؤكد مادته التاسعة:" المواطنون والسلطات العامة يخضعون للدستور والنظام القضائي" وينظم الباب السادس منه ( من ف 117 إلى 127) دور القضاء ومكانته. وتؤكد العديد من مواده على الولاية الفعلية للسلطة القضائية بوصفها السلطة الوحيدة المخولة لتطبيق القانون، ومنع تدخل أي سلطة أخرى فيما يتعلق بتعيين رجالها وترقيتهم وتأديبهم وأن ممارسة السلطة القضائي تطال إصدار الأحكام وتنفيذها، ونص الدستور على منع المحاكم الاستثنائية، وأن المجلس العام للسلطة القضائية هو الجهاز الإداري للقضاء، بل وذهب الدستور الإسباني بعيدا في ترسخ مبدأ إلزام الدولة بالتعويض في حالة الأضرار الناتجة عن خطأ قضائي.

 

وفي سياق المقارنة عربيا، نصت المادة 166 من الدستور المصري:" القضاة مستقلون، لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون ولا يجوز لأية سلطة التدخل في قضايا أو شؤون العدالة".

وفي ضوء ذلك يتضح " أن الدستور المغربي لا ينعت القضاء بوصف " السلطة" ولا بما يوحي بها، فيقتصر على ذكره بأسلوب مبتور كوظيفة أو مهمة رئيسية من مهام الدولة، في حين يتحدث بصراحة وبتفصيل عن الهيئتين التشريعية والتنفيذية كسلطتين سياسيتين، أو كمظهري الحكم الأساسيين، ولا يتغير موقف الدستور بصدد استقلال القضاء حيث يستعمل النص العربي العبارة بدون أية إضافة ويعمد نص اللغة الفرنسية إلى تعبير السلطة المخففة Autorité"(1).

 

ــــــــــــــــــــــــــــــ

1 -  الدكتور الإدريسي العلمي المشيشي، استقلال القضاء وفصل السلطات، ندوة القضاء بالمغرب واقع وآفاق، مجلة القانون والقضاء 1990- عدد 6 ص: 23.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

 

وإذن ولغاية 1992، فإن الوثيقة الرئيسية للدولة المغربية قد حسمت في عدم اعتبار القضاء سلطة، وبالنتيجة لم تقرر له بالولاية الفعلية، كما لم تدقق في مدلول الاستقلال وفي الضمانات الفعلية لا سيما في حالتي العزل والنقل.

وبذلك فإن الدستور المغربي (وفي سياق تعاقبه) عندما أورد هذا الموقع الضعيف والمبتور للقضاء ولدوره، قد ألقى بظلال عدة، قريبة وبعيدة على تجربة عمرها الآن ثلاث عقود ونيف من الزمن.

 

المبحث الثاني : الإصلاحات القضائية 1965-1995
مسيرة متقطعة، مبتورة ومرممة

 

تقديم

يستهدف هذا المبحث الوقوف عند المحطات الكبرى التي طبعت مسيرة القضاء المغربي، وذلك بغاية فحص المشاريع التي وضعت على نفسها مهمات إصلاحه والفلسفة التي تحكمت فيها والنظرة التي شكلت خلفية لها.

المطلب الأول: إصلاح 1965 أو الإعلان المتأخر عن مبادئ السيادة

بتاريخ 26/1/1965 صدر الظهير المتعلق بتوحيد المحاكم، مقتضبا ومختصرا في منطوقه وأهدافه، (ظهير من 8 فصول) ومن بين ما ورد فيه:

- أن جميع المحاكم المغربية باستثناء المحكمة العسكرية والمحكمة العليا للعدل أصبحت موحدة بالمملكة المغربية بمقتضى هذا القانون (ف1).

 

- أن النصوص الشرعية والعبرية وكذا القوانين المدنية والجنائية الجاري بها العمل حاليا،

- تصبح إلى أن تتم مراجعتها مطبقة لدى المحاكم المذكورة في الفصل الأول.

- وأن القضايا الشرعية والعبرية تصبح في الدرجة الأولى من اختصاص محاكم السدد وفي الدرجة الثانية من

  اختصاص المحاكم الإقليمية (ف2).

- لا يمارس وظيفة قاض بمحاكم المملكة المغربية من لم يحمل الجنسية المغربية (ف.4). 

- إن اللغة العربية هي وحدها لغة المداولات والمرافعات والأحكام في الحاكم المغربية (ف.5).

وبالرجوع إلى هذه المقتضيات يتضح أن إرادة الدولة، انحصرت فقط وبعد مرور عقد من الزمن (1956-1965) على مجرد ترسيم مبادئ السيادة الوطنية، التي تحقق جزء كبير منها مباشرة بعد إعلان الاستقلال وفي غمرة النشوة والحماس الوطنيين ومن بين هذه المبادئ:

- ظهير 7/3/1956 ? 19/3/1956 الملغيان لكل " مراقبة على تدبير شؤون العدل"    

- ظهير 4/4/1956 المحدث للمحاكم العادية،

- التي حلت محل المحاكم الإقليمية والمفوضية التي كان يطلق عليها المحاكم المخزنية،  

- ظهير 8/12/1956 ? 25/8/1956 اللذين وضعا لحل وضعية القضاء الشرعي والمحاكم العرفية،   

- ظهير 21/9/1957 التوحيدي،

- الذي ألغى محكمة الاستئناف بتطوان وأعاد هيكلة تنظيم محكمة الاستئناف بطنجة المحدثة بمقتضى ظهير

  11/4/1957-      

- وفي سياق التوحيد صدر ظهير 12/8/1958 الذي ألغى المحاكم الإسبانية الخليفية،     

- كما صدر بتاريخ 21/9/1957 وفي إطار توحيد المحاكم الظهير الذي ألغى المحكمة العليا الشريفة وضم غرفها والمندوبية المخزنية إلى محكمة الاستئناف بالرباط.

- وبتاريخ 27/9/1957 صدر الظهير المحدث للمجلس الأعلى الذي شكل العمود الجوهري لعملية توحيد القضاء الوطني.

 

وبذلك تكون الأسس الكبرى للسيادة الوطنية في ميدان القضاء، قد وقع تثبيتها واقعيا مع بداية الاستقلال.

ومع ذلك تبقى القيمة الرمزية لإصلاح 1965 " كإصلاح وطني، لأنه جاء استجابة لواقع اجتماعي ومتطلبات سياسية، تجلت في إجماع جميع التيارات السياسية على هذا الإصلاح لإتمام ما هو من صميم السيادة الوطنية، في تعريب القضاء ومغربته وتوحديه"(2).

 

ومع التأكيد على الأهمية التاريخية لإصلاح 1965، في تثبيت العديد من مقومات ومرتكزات السيادة الوطنية المغربية، تجدر الملاحظة مع ذلك أن إرادة الدولة من الإصلاح لم تذهب إلى النهاية التي تستوجبها ضرورات بلد مستقل، فلم يشمل الإصلاح الرامي إلى المغربة والتوحيد والتعريب، المنظومات القانونية للبلاد، إذ بقيت جل القوانين الموروثة عن العهد الاستعماري قائمة ونافذة، بما فيها تلك التي تتعارض مع مقومات بلد مستقل كما لم تتجه إرادة الدولة إلى إعادة بناء القوانين المنسجمة والمستجيبة لحاجيات بلد في طريق النمو (الإداري، المدني التجاري مثلا)  بل بالعكس في ظل قانون التوحيد تسربت قوانين أسست لقضاء استثنائي ويعتبر ظهير 6/10/1972 المحدث لمحكمة العدل الخاصة، حالة قانونية ذات دلالات بليغة.

 

ــــــــــــــــــــــــــــ

2)  . محمد السماحي، المحطات الثلاث للقضاء المغربي، المرجع السابق، ص: 41.

ــــــــــــــــــــــــــــ

 

وفي الإجمال فإن ظهير 26/1/1965  قد أعاد الاعتبار للمواطن المغربي في هويته وشخصيته الوطنية، وبذلك تكون الحصيلة العامة لهذا الإصلاح في أنه الإعلان الرسمي عن مبادئ السيادة الوطنية في مجال القضاء.

 

المطلب الثاني: إصلاحات 1974

تمهيد

تعتبر مرحلة 1974 محطة بارزة في مسيرة السياسة التي وضعت على نفسها مهمات الإصلاح القضائي، وتكمن أهمية تقدير هذه المرحلة والوقوف عندها وتشخيصها للاعتبارات الآتية:

1-      أنها شهدت ميلاد عدة قوانين خلال صيف وخريف 1974،

2-      مست بنية التنظيم القضائي المغربي وبعض توجهاته.

3-      أن جميع القوانين الصارة في هذه المرحلة،

4-      أنجزت في غياب المؤسسة التشريعية.

5-      أن مقتضيات هذه الإصلاحات صدرت بعد مرور 18 سنة على إعلان مبادئ السيادة الوطنية في ميدان

          القضاء،

6-      ومن الممارسة القضائية،

7-      وبعد مرور عقد من الزمن على إعلان ظهير 1965،

8-      وكذا بعد مرور أربع سنوات على رفع حالة الاستثناء،

9-      وهو ما يفترض في واضعي هذه الإصلاحات،

10-     أنهم أسسوا مشاريعهم على ضوء حصيلة كاملة: تشريعية،

11-     تنموية،

12-     قضائية.

13-     أن هذه الإصلاحات رهنت  - ولازالت - مصير النظام القضائي خلال مرحلة من أغنى مراحله (1974-

           1990).

ولا حاجة للتذكير بتفاصيل هذه القوانين، لأنها أضحت معروفة ووقعت الممارسة في ضوئها، بل واستنفذت إمكانياتها، عدا عن أن المجال لا يسمح بها، بل إن غاية هذا المطلب هو الوقوف عند مميزات هذه المشاريع التي وضعت على نفسها الإصلاح، ومحاولة تقييم مفهومها وصولا إلى معرفة حصائلها.

 

الفرع الأول: عناصر المشروع الإصلاحي وغاية المشرع منه وأية منهجية للتقويم

يشتمل المشروع الإصلاحي لسنة 1974 على عدة ظهائر من بينها وبصفة جوهرية القوانين الآتية:

- ظهير 15/7/1974 المتعلق بالتنظيم القضائي.

- ظهير 15/7/1974 المتعلق بمحاكم الجماعات ومحاكم المقاطعات.

- ظهير 28/9/1974 المتعلق بالإجراءات الانتقالية.

- ظهير 11/11/1974 المتعلق بالنظام الأساسي لرجال القضاء.

وإذا كان من الصعب الوقوف عند الإرادة الفعلية للمشرع من هذه القوانين لغياب الأعمال التحضيرية/ مادامت قد صدرت في غياب برلمان قائم، إذ لا نجد وثائقا وأوراقا تعكس دوافع وأسباب النزول، وهو أمر له مغزاه في جميع الأحوال، لكن باستقراء هذه القوانين، وبالنظر إلى الأعمال والدراسات الفقهية والأكاديمية التي تناولت هذه القوانين يمكن المجازفة بالقول أن أهداف إصلاحات 1974 كانت ترمي إلى:

- التنظيم الهيكلي للقضاء.

- تقريب القضاء من المتقاضين.

- تبسيط إجراءات المسطرة وسرعة البت في المنازعات.

وإذن إلى أي حد شكل هذا المشروع، مشروعا إصلاحيا بالنظر إلى حصيلة 18 سنة التي سبقته، واعتبارا للآفاق التي راهن عليها؟

 

ومن هذه الزاوية بالضبط، واعتبارا لكون موضوع معاجلة هذا العرض هو حصيلة الإصلاحات، يجب التمييز من الناحية المنهجية والتقويمية بين حدين ضروريين: الحد الأول ويمس بعض المكتسبات القانونية، سواء الشكلية أو الجوهرية، التي طالت هذا القانون أو ذاك.

 

الحد الثاني وهو أمر آخر ويتعلق بالتقويم الإجمالي لهذا المشروع برمته.

فالبنسبة للحد الأول، لا يمكن لأي فاعل قانوني أن يغض الطرف عن بعض المكتسبات التي وردت بهذا القانون أو ذاك، وهي التي صاغها التقرير الختامي لندوة " القضاء المغربي واقع وآفاق" بقوله:

" أما المرحلة الرابعة، فقد حملتها تعديلات 1974? وقد جاء هذا الإصلاح الأخير بدوره بمجموعة من الإيجابيات ونذكر منها على سبيل المثال، على مستوى القانون الدولي الخاص، إخضاع مسطرة الأحوال الشخصية للأجانب للقانون المغربي بوصفه المحكمة المرفوع إليه النزاع، وكذا العمل على توحيد نظام تنفيذ الأحكام الأجنبية بالمغرب وهو ما يشكل مظهرا من مظاهر استكمال السيادة الوطنية وتلافي ازدواجيات مسطرية لم يعد لها مبرر مقبول في الوقت الراهن وقد أحسن ظهير المسطرة المدنية عندما أولى عناية خاصة لمبحث القضاء الاستعجالي، وإن ظلت قاصرة في نظر المهتمين بهذا الموضوع"(3).

 

ــــــــــــــــــــــــــــ

3) من التقرير الختامي لندوة فاس، المرجع السابق، ? 347.

ــــــــــــــــــــــــــــ

 

أما فيما يتعلق بتقويم المشروع في حد ذاته وفي سياقه التاريخي وآفاقه المستقبلية بيانه كما يلي:

الفرع الثاني: النظام الأساسي لرجال القضاء: هيمنة السلطة التنفيذية على السلطة القضائية.

يعتبر النظام الأساسي لرجال القضاء، الحلقة الأخيرة في سلسلة ظهائر المشروع الإصلاحي لسنة 1974? ويجلي هذا القانون الغموض الذي طبع الدستور فيما إذا كان القضاء يتعلق بسلطة أو بمهمة من المهام الرئيسية للدولة، كما يبلور مفهوم (قواعد الضمانات) التي اعتبرها الدستور ممنوحة لرجال القضاء.

ويتسم هذا القانون بطابعين رئيسيين يسمان بنيته وتوجهاته:

الأول: أن القاضي كشخص، مطلوب أمام مخاطبه الرئيسي الذي هو وزير العدل.

الثاني: أن وظيفة المجلس الأعلى للقضاء، وظيفة استشارية.

وهكذا، ند أن السيد وزير العدل عضو الحكومة، وأحد المراكز الحيوية في السلطة التنفيذية هو المصدر الرئيسي لتنظيم "سلطة" القضاء، ومن خلاله تتحكم الإدارة عمليا في سائر مراحل وأطوار التعيين والترقية والنقل والانتداب والتأديب.

 

فوزير العدل يحدد شروط المشاركة في المباراة ومواد الاختبار وتنقيطها وكذا تشكيل لجنة المباراة وهو الذي يعين المرشحين الفائزين، وينفرد بتقدير السبب الخطير والمبرر لإعفاء المحلق القضائي، وتنفرد الإدارة بالسلطة التأديبية في حق الملحقين القضائيين.

 

أما أحكام الترقية فإن القانون قد رهنها بعدة شروط ففي حالة الترقية السريعة والمتوسطة وفي غياب مقاييس موضوعية، يلعب الرئيس التسلسلي المباشر للقاضي دورا حاسما، اعتبارا للتقييم الذي يصدره والمودع بملفه السري بالإدارة المركزية، وما عدا ذلك فالانتقال من درجة لأخرى، يتوقف على وجود مناصب شاغرة في الدرجة وأن يكون القاضي مسجلا في لائحة الأهلية، وفي هذه الحالة فإن تحديد المناصب المالية من عدمها يعود في نهاية الأمر، لسلطة أخرى من الجهاز التنفيذي هي وزارة المالية.

 

وينطبق نفس المقتضى عمليا على معيار الأهلية، إذ أن وزير العدل الذي يحضر لائحة الترقية ليس ملزما بمضمون الاستشارة المقدمة إليه من طرف المجلس الأعلى.

إلا أن أعظم ما يمس استقلال السلطة، هو ما يتعلق بحصانتي العزل والنقل، ففي حالة النقل وهو أنواع، النقل بناء على طلب شخصي للقاضي، لا يمس " مبدأ عدم القابلية للنقل"? مادام يعبر عن تلبية لرغبة شخصية، وبدون ضغوط خفية، أما النقل التلقائي تبعا لمنطوق الفصل 55 من النظام الأساسي فنتيجة لترقية أو إحداث محكمة أو حذفها أو لتدارك نقصان في عدد القضاة، يكون له تأثير خطير على سير محكمة من المحاكم، فهذه الحالات تقتضي بدورها تقديرا يتجاوز حدود التطبيق الحرفي لمبررات النقل، ذلك أن التقدير يجب والحالة هاته، أن يبنى على أسباب فعلية تتأسس على الضمانات والأسباب التي يقوم عليها مبدأ استقلال القضاء، ولا يمكن أن يقوم بهذا التقدير المصلحة القضائية في النهاية تتحكم فيه واقعيا وزارة العدل، كما أن يمكن أن يتخذ سببا من طرف جهة أجنبية إما لتعزيز مركز أو لتصفية حساب.

 

كما أن قضاة النيابة والذين قد يصبحون في أي وقت قضاة حكم،  يوضعون مباشرة تحت رقابة السلطة التنفيذية في شخص السد وزير العدل الذي يسمح بنقلهم لأي سبب من الأسباب، وليست هناك من قوة إلزام حتى من الناحية المعنوية لاستشارة المجلس الأعلى.

 

ويعتبر أخطر إجراء يمس مفهوم الاستقلال وهو النقل في إطار الانتداب الذي يمنح لوزير العدل إمكانية القيام به ولاشك أن هذه السلطة غير مقيدة بأي معيار ولا بنص لرقابة المجلس الأعلى فيه.

 

ويتحدد الإشكال في هذه الحالة، في مبررات وأسباب الانتداب والغاية من القرار، وهو موضوع إشكالية النازلة التي تصدت لها المحكمة الإدارية(4) في إطار دعاوي الإلغاء بقولها:" وعليه، فإن للانتداب شروطا لابد أن تتوفر حتى يكون مبررا، فالوزير في هذه الحالة لا يملك الفكاك من الاختصاص المقيد والغاية الملزمة، فإذا كانت حجة الإدارة في إصدار القرار، كما جاء في جوابها هو الخصاص الذي تشكو منه محكمة الاستئناف المنتدب إليها الطاعن، فكيف

 

ــــــــــــــــــــــــــــ

4) المحكمة الإدارية بالرباط حكم رقم ملف عدد 127/94، السيد العبادي/ السيد وزير العدل.

ــــــــــــــــــــــــــــ

 

كانت شكوى محكمة الاستئناف، هل أدلت الإدارة بكتاب من رئيسها الأول يشكو لها ذلك الخصاص؟ أم كان ذلك من وحيها؟

وهذا ما لم تستطع إثباته، ثم إن شرط ملء الفراغ، بدوره غير قائم مادام شرط الحاجة غير ثابت، أضف إلى ذلك، أن المنطق يقضي أنه لا يمكن إحداث فراغ في جهة لملء فراغ في جهة أخرى، وإلا كان الهدف من الانتداب غير مبرر، فالطاعن عين بمقتضى ظهير لرئاسة المحكمة الابتدائية بالرباط وانتدابه إلى محكمة الاستئناف سيحدث فراغا في المنصب المذكور وهو الجدير بالإسراع بملئه، قبل البحث عن ملء رئاسة غرفة، وقد استقر الفقه والقضاء على أنه أيا ما كان مدى السلطة التقديرية التي يعترف بها للإدارة في نطاق معين، فإن أمرا واحدا لا يمكن أن يكون محلا للسلة التقديرية وهو الهدف أو الغاية، ذلك أن سلطة الإدارة بالنسبة للهدف هي دائما سلطة مقيدة ولا يمكن أبدا أن تكون سلطة تقديرية تخرج عن رقابة القضاء...وبالتالي يكون القرار المطعون فيه مشوبا بعين تجاوز السلطة ويتعين إلغاؤه".

 

كما يتمتع السيد وزير العدل أيضا بسلطة تحريك المتابعة التأديبية وسلطة تكييف المتابعة سيما بالنسبة لعقوبات الدرجة الأولى، وبالنسبة للباقي ينهى دائما - وهو المصدر الوحيد - إلى المجلس الأعلى الأفعال المنسوبة.

وفي انتظار صدور قرار المجلس الأعلى المحالة عليها الأفعال، يجدر التنبيه بأن هذا الأخير ليس ملزما بقوة القانون بإجراء بحث تكميلي، كما تبرز أيضا الازدواجية التي يتمتع بها السيد وزير العدل بصفته سلطة اتهام وصفة  وصفة قضاء الحكم، وبالإضافة إلى ما ذكر، يتمتع السيد وزير العدل بسلطات أخرى منها ما يطال قيما معنوية/ كاشتراط القرار الفردي لوزير العدل عند مزاولة نشاط يتعلق بالتعليم أو المستندات القانونية وبضرورة إذنه عند التأليف الأدبي، العلمي، الفني لإشفاع صفة القاضي بالمادة القابلة للنشر.

 

كما نص النظام الأساسي على منع القضاة من تأسيس نقابات مهنية أو الانتماء إليها وهو ما يتعارض مع مشروع المبادئ الأساسية المتعلقة باستقلال القضاء لهيئة الأمم المتحدة بتاريخ 29/11/1985.

وأمام هذه الضوابط القانونية وغيرها، لا يعدو المجلس الأعلى للقضاء، الهيئة الاستشارية أن يكون في النهاية مجرد مبارك لحصيلة ما يقدم إليه من طرف السلطة التنفيذية.

 

هكذا يتجلى إذن أن السلطة التنفيذية تشكل قاعدة تنظيم السلطة القضائية وأن هذا النظام يجلي الغموض الذي تركه الدستور، وسنلاحظ أن هذه المقتضيات تجعل من القانون المغربي قانونا متأخرا وإلى حد بعيد بالنسبة لدساتير دول أخرى.

 

فالدستور المصري ينص على أن " القضاة غير قابلين للعزل وينظم القانون مساءلتهم تأديبيا" ودستور ألمانيا الاتحادية يؤكد على " عدم جواز عزلهم أو وقفهم عن العمل بصفة نهائية أو مؤقتة قبل انتهاء مدة وظيفتهم وعلى غير رغبة منهم، كما لا يجوز تعينهم في وظيفة أخرى أو إحالتهم على التقاعد إلا بموجب حكم قضائي.

وفي المملكة المتحدة " تقضي الأعراف الدستورية بعدم عزل قاض إلا إذا أوصى البرلمان بمجلسيه (اللوردات والعموم) بعزله".

 

كما نص دستور الولايات المتحدة الأمريكية " على أن للقضاة الحق في الاستمرار في شغل مناصبهم ما داموا حسن السلوك، ويتم عزل القاضي بعد أن يوجه إليه اتهام نيابي ويصدر ضده حكم يقضي بطرده".

ونص الدستور الياباني على " عدم جواز عزل القاضي إلا عن طريق الاتهام (من قبل السلطة التشريعية) فيما عدا الأحوال التي يصدر فيها حكم قضائي يقرر عجزه عن القيام بأعمال وظيفته بسبب مانع جسماني أو عقلي"(5).

الفرع الثالث: تأسيس مفهوم خاطئ للقضاء الشعبي.

 

جاء ظهير 17/7/1974  كعنصر رئيسي في المشروع الإصلاحي لسنة 1974? يؤسس لإحداث محاكم الجماعات في الجماعات القروية ولمحاكم المقاطعات في الجماعات الحضرية.

وتتألف من محاكم وأعوان لكتابة الضبط أو الكتابة ويعين حكام المقاطعات وحكام الجماعات من بين القضاة ومن بين الأشخاص الذين لا ينتمون للهيئة القضائية وغي هذا الإطار يختار لكل حاكم نائبان.

 

ــــــــــــــــــــــــــــ

5) جميع هذه الإحالات أوردها الأستاذ نصرت حيدر القاضي بالمحكمة الدستورية العليا، دمشق حول استقلال القضاء، مجلة المحاماة عدد 189، ص: 20.

ــــــــــــــــــــــــــــ

 

وبالرجوع إلى مسطرة التعيين تحدث القانون عن هيئة انتخابية تعين لجنة تتكون من ستة أطراف من بينهم القائد أو خليفة المقاطعة، رئيس مجلس الجماعة وعضو منتخب من طرف هذا المجلس ورئيس الغرفة الفلاحية أو الغرفة التجارية ( إلى جانب رئيس المحكمة الذي تقع الجماعة داخل دائرة نفوذه وقاضيان من الرئاسة والنيابة العامة وممثل من نقابة المحامين).

 

والمسطرة أمام المحاكم شفوية ومعفاة من جميع الرسوم، وتعقد جلساتها بصفة علنية وتصدر الأحكام وتذيل بالصيغة التنفيذية ولا تقبل بذلك أي طعن ( مع مراعاة مقتضيات الفصل 21) وتوكل إلى السلطات الإدارية مهمة تبليغ وتنفيذ الأحكام في القضايا المدنية والجنائية.

 

   هذا التصور بتركيز، انبنى من الأصل على مفهوم خاطئ للقضاء الشعبي، ذلك أن هذا القانون انحاز لفائدة اتجاه في القانون، تقليدي وغير متطور، ضدا على اتجاه آخر يقر بهذا القضاء الشعبي ويعتمد الخبرة بما هي، معطى فني وعلمي " وفي جميع الأحوال نجد التصور الشعبي يتأرجح بين اختيارين كبيرين أو متطرفين يتمحور الأول منهما حول الصفة الشعبية بمعناها البدائي حيث لا يطلب من القاضي أي تكوين معين إن لم نقل أي تكوين بالمرة، ويتمحور الثاني حول مفهوم هامشي للتخصص يتجلى في تعيين القاضي من بين التقنيين الذين لهم تكوين في المجالات غير القانونية مثل الأطباء والمحاسبين والمهندسين في الكهرباء أو غيرها وعلماء الاجتماع والاقتصاد"(6).

 

ــــــــــــــــــــــــــــ

6)  الادريسي العلمي المشيشي، المسطرة الجنائية/المؤسسات القضائية، القضاة الشعبيون، ص: 75.

ــــــــــــــــــــــــــــ

 

وبذلك استند فعلا إلى تصور بدائي غريب ومخالف لما جرى به العمل" في القضاء المخزني لأن القائد أو الباشا في هذا الأخير كانا يمثلان السلطة التنفيذية أو الهيئة الحاكمة المسؤولة عن النظام على كل حال، وجاء مختلفا عن تطبيق المستشارين المحلفين الذين كانوا يعملون إلى جانب قضاة مهنيين ويعبرون ولو نظريا عن الرأي العام من دائرة المحكمة ويتميز أخيرا عن قضاء مجالس الجماعات لأن هذا كان جماعيا يتبلور في قرار شيوخ القبيلة المعتمدين من قبلها وفي العمل بالأعراف والعادات والتقاليد السائدة فيها مع الإمكانية الغالبة في الالتجاء إلى الشريعة والقضاء الشرعي عند الاقتضاء، يبتعد قاضي الجماعة والمقاطعة المستحدث سنة 1974 عن كل هذه التصورات(7).

 

كما أعطى هذا القانون للسلطة التنفيذية موقعا في مسطرة الانتخاب والتعيين وأحيانا في إعداد المسطرة ما قبل قضائية وفي تنفيذ الأحكام، مما مس بصفة صريحة بشخص السلطة القضائية وبمدلول الاستقلال نفسه، كما مس بالضمانات الذي يستوجبها مبدأ المحاكمة العادلة ومن بينها على سبيل المثال، منع ممارسة الطعون ضد الأحكام، وتنصيب الحاكم خصما حكما عندما يجرحه أحد الأطراف عدا عن المس بحرمة المسكن إذ يمنح للحاكم صلاحية الأمر بانتداب أحد ضباط الشرطة للتفتيش دون نص القانون على الضمانات وصولا إلى إشراف السلطة على تنفيذ الأحكام دون رقابة قضائية.

 

كما أنه تأسس على مفهوم غير عصري على الإطلاق، والخاص بمبدأ المهام في مجتمع اضمحلت فيه قيم التضامن الجماعية، لفائدة مصلحة الفرد مما يجعل مبدأ مجانية المهام العمومية محل نظر في مواجهة الزبونية واستغلال النفوذ.

ولقد أثار هذا الظهير منذ صدوره ردود فعل كادت أن تصل حد إجماع فقهي وحقوقي، وتعتبر فتوى الفقيه والمفكر الراحل علال الفاسي في حد ذاتها ذات قيمة رمزية عالية " يشتمل على فصول سبق أن تحدثنا عن كونها تغير هيكل القضاء وتفرق بين أحكام حكام الجماعات وحكام المقاطعات الحضرية وهو ما يتنافى مع مقتضيات حق المواطنين في المساواة أمام القضاء وأمام القانون...

 

ــــــــــــــــــــــــــــ

7) المرجع السابق، القضاء الشعبي في القانون.

ــــــــــــــــــــــــــــ

 

ففيه مخالفة لقواعد الدستور حينما يقرر في الفصل الأول كيفية هيئة الانتخابات لحكام الجماعات وحينما يجعل هذه الهيئة تحت رئاسة  القائد الذي تسلم إليه نتائج الانتخابات ليرفعها ولاشك عن طريق وزارة الداخلية لوزير العدل الذي يقدمها لجلالة الملك قصد إصدار الظهير بتعيين المختارين كحكام"(8).

وفي الإجمال بقي ولازال هناك سؤال معلق حول هذا الإصلاح: ما مدلول قضاء من هذا النوع بالنسبة لبلد حديث ومستقل؟

 

الفرع الرابع: التراجع عن مكتسبات والإعلان عن مبادئ وتعليقها وعدم تطوير التشريع.

إن سمات أخرى تطبع هذه المشاريع، وتتقاطع كلها عند محطة التشريع وتطال ثلاثة مستويات.

 

الأول: التراجع عن عدة مكتسبات قانونية.

الثاني: الإعلان عن مبادئ وتعليقها.

الثالث: عدم تطوير التشريع.

وهذا التداخل الثلاثي الخاص بهذه المستويات يطرح التساؤل في الأصل حول مفهوم الإصلاح، اعتبارا لكون التشريع يعتبر مقدمة للإصلاح وأحد روافعه الرئيسيين، وبتركيز ذلك بيانه كما يلي:

المستوى الأول: التراجع عن العديد من المكتسبات القانونية.

 

تخللت المشاريع الإصلاحية لسنة 1974 (التنظيم القضائي/المسطرة المدنية/ ظهير الإجراءات الانتقالية) عدة تراجعات مست عدة قوانين للشكل والجوهر، ويمكن تركيزها فيما يتعلق بالتنظيم القضائي والمسطرة المدنية من جهة، والمسطرة الجنائية من جهة أخرى.

 

ــــــــــــــــــــــــــــ

8) الفتوى كما أوردتها جريدة العلم، عدد 13291 وتاريخ 21/12/1986.

ــــــــــــــــــــــــــــ

 

من جهة التنظيم القضائي والمسطرة المدنية (على سبيل المثال فقط).

- التراجع عن القضاء الجماعي وإحداث القضاء الفردي،-   

- إفراغ نظام التقاضي على درجتين من محتواه (باعتبار ما كان تمنحه المحكمة الإقليمية بصفتها محكمة ذات صفتين).

 

- التوسيع في مبدأ تمثيل الأطراف أمام القضاء،-      مما مس بشروط ممارسة العالة وبمقتضيات مهنة المحاماة.

- التضييق من قاعدة المسطرة الكتابية وحصرها في خمس حالات.

من جهة المسطرة الجنائية.

كما طالت المسطرة الجنائية بصفة خاصة عدة تراجعات من بينها على سبيل المثال:

- توسيع سلطات النيابة العامة بتحريكها للدعوى العمومية ومباشرتها في الجنايات مما قاد إلى عدم التمييز بين سلطة التحقيق وسلطة الاتهام،-   

- التخلي عن إلزامية التحقيق وتضييق نطاقه في الجنايات،

- أفقد مؤسسة قاضي التحقيق دورها الأصيل الذي من أجله وجدت ومنح لمحاضر الضابطة إمكانية واسعة للنفاذ،

- حذف غرفة الاتهام،

- قاد إلى حرمان المتهم من إحدى مراحل التقاضي ومن عدم إمكانية مراقبة إجراءات التحقيق،

- المستوى الثاني: الإعلان عن مبادئ وتعليقها.

جاء ظهير الإجراءات الانتقالية، ناصا على أن قانون المسطرة الجنائية يبقى مطبقا بصفة انتقالية، إلى أن يدخل القانون الجديد للمسطرة الجنائية في حيز التطبيق.

 

أما مشروع المسطرة الجنائية الذي أعلن عنه سنة 1974 فلم ير النور مطلقا، مما أصبح معه ظهير الإجراءات الانتقالية هو القاعدة والأساس وهيمن علت إجراءات الشكل وسير المحاكمة لمدة تزيد عن 20 سنة ولازال...

وتكمن السلبية البالغة لهذا الوضع أنه في الوقت الذي وقع فيه التراجع عن العديد من مكتسبات القانون الأصلي للمسطرة الجنائية لسنة 1959? بمقتضى هذا القانون الانتقالي وقوانين أخرى، حصلت تطورات عظيمة الأهمية في التشريع الجنائي (الشكلي والجوهري) على الصعيد العالمي، والتزم المغرب بعدة اتفاقيات وأوفاق دولية، كما حدثت تطورات كثيرة على الظاهرة الجنائية نفسها، بينما ظلت المقتضيات المعمول بها والتي افترضت بأنها مؤقتة هي السائدة مما أفضى بالسياسة الجنائية المغربية (المسطرة الجنائية والقانون النائي، أحد عناصر هذه السياسة) إلى أن تصبح " قاصرة عن مواكبة التحولات العالمية في موضوع حقوق الإنسان وناقصة عن درجة الإسهام في بناء دولة الحق والقانون وفي خلق التنمية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية المنشودة، وذلك دون إهدار للتوازن المطلوب بين حقوق المجتمع المغربي في ضمان أمنه واستقراره وقاية وحماية من الجريمة بمختلف أصنافها ومشاربها، وبين حقوق وضمانات الفرد قبل وأثناء وبعد محاكمته"(9).

 

المستوى الثالث: عدم تطوير التشريع.

ومع إصلاحات 1974? كان قد مر على استقلال المغرب 18 سنة وحصلت تطورات واختبارات وتوجهات شتى على الصعيد الاقتصادي، وبجميع فروعه وقطاعاته، وكان من الطبيعي أن يتلاءم التشريع المغربي مع هذا الوضع ليلعب القضاء دوره في التنمية ويساهم بشكل فعال في الاستقرار والنمو الاقتصادي.

وكان حريا بواضعي الإصلاحات أن يسارعوا إلى إصلاح ما هو أعمق من تقريب القضاء من المواطنين وتبسيط إجراءات المسطرة، التي هي من بديهيات أي نظام قضائي، وذلك بالتصدي للمدونات اللصيقة بالعمليات التنموية، وهو الأمر الذي لم يحصل، إذ بقيت المدونات الكبرى: القانون المدني، مدونة الشغل، القانون التجاري،...تعيد تأكيد المبادئ التي سطرت مع بداية العقود الأولى للقرن الحالي.

 

ــــــــــــــــــــــــــــ

9) التقرير الختامي الصادر عن المناظرة الوطنية حول السياسة الجنائية بالمغرب، فاس 10/12/1995 - مجلة الإشعاع، عدد 12 ، ص: 321.

ــــــــــــــــــــــــــــ

 

الفرع الخامس: إصلاحات معزولة عن أساسها المادي.

يفترض في المشروع الإصلاحي القضائي الرامي إلى تقريب القضاء من المتقاضين، وتبسيط إجراءات المسطرة وهيكلة التنظيم القضائي، أنه قد تأسس على قاعدة مشروع آخر، يرمي تطوير البنى والمؤسسات التحتية الكفيلة بضمان الفعالية القضائية، هذا إن لم يكن هذا المشروع مجرد فرع للمشروع الإصلاحي، وهو الأمر الذي لم يحصل، إذ تم تدشين مجموعة من المحاكم الابتدائية والمراكز القضائية وعدد من محاكم الاستيناف، بدون أي تخطيط أو تجهيز فعليين، إذ ظلت أجود البنايات تعود إما إلى العهد الاستعماري أو إلى الإنجازات التنموية لعهد الاستقلال، وأقحم مئات القضاة ورجال الدفاع وآلاف المتقاضي في مؤسسات تفتقد إلى أبسط شروط الكرامة الإنسانية.

ففي الوقت الذي انتقلت فيه القضايا المسجلة لدى جميع المحاكم من 786791 قضية سنة 1975 إلى 1380075 قضية سنة 1993 كانت نسبة استثمار الرأسمال البشري، تتقدم بخطى بطيئة للغاية، فمن 1198 قاض سنة 1977 إلى حوالي 2400 قاض سنة 1994? في الوقت الذي يتحدث فيه عن الحاجة إلى خصاص لا يقل عن 1500 قاض خلال بداية 1995.

 

وفي الوقت الذي استقرت فيه سنة 1987 على 976854 قضية مسجلة كانت الأجور لا تتجاوز 3000 درهم بالنسبة و 60 % من القضاة، ? 4500 درهم بالنسبة و 32 % منهم مع العلم أن مجموع عددهم لغاية هذه السنة لم يتجاوز بعد 1900 قاض.

 

وبالموازاة مع ذلك ظلت مرتبة وزارة العدل من الميزانية العامة للدولة ثانوية للغاية، إذ اتسمت نفقات الاستثمار بالركود والهامشية:

 

 الجدول

*****

*****

وفي ظل هذه الوضعية المالية تم التخلي عن عشرات المشاريع الرامية إلى تشييد بنايات للمحاكم، فالمجلس الأعلى الذي تقرر مشروع بناؤه في التصميم الخماسي السابق عن مخطط المسار، وقع التراجع عنه وحذفت من ميزانية 1986 الاعتمادات التي كانت مخصصة لبناء المحاكم الابتدائية في كل من بركان، ورزازات، سيدي سليمان، أزيلال، القنيطرة، ميسور، تزنيت. وبذلك تركت العدالة ورجالاتها وكتابة ضبطها لتشتغل في حجرات ضيقة ودهاليز مظلمة، وحتى ما هو متقدم، سادته مظاهر الإهمال وانعدام الصيانة.

 

وظلت الأحوال المادية لكتاب الضبط والأعوان في تدهور مريع فلحدود سنة 1994 تتراوح المرتبات بالنسبة و 90% منهم ما بين 1500 درهم و 3000 درهم.

 

كما تفتقر أغلب المحاكم لخزانات قانونية وعلمية، بل إن أحسن المكاتب التي يستقر بها القضاة لا تتجاوز تجهيزات مكتبية بسيطة للغاية (طاولات وكراسي) بل إن بعضهم ولغاية 1995 لا يتوفر حتى على كراسي للجلوس.

هذا، وتجري جلسات معظم المحاكم في قاعان تفتقد لأبسط شروط العمل الإنساني (ضيقة، إنارة ضعيفة، تجهيزات قديمة، بدون مكبرات صوت بدون تدفئة...)كما لازالت تنعقد جلسات أخرى بمكاتب القضاة.

هذه بتركيز ، ومجال هذا العرض لا يسمح ? هي الأرضيات التي انطلقت عليها المشاريع الإصلاحية.

 

ــــــــــــــــــــــــــــ

·        من ميزانية الدولة لسنوات 86  و87 و 88 و 89

ــــــــــــــــــــــــــــ

 

المطلب الثالث: هاجس الإصلاح بين الإقرار الضمني بالأزمة وغياب التصور الاستراتيجي 1990-1995.

شهد مطلع التسعينات بداية صحوة، حول ما آلت إليه أوضاع ونتائج السياسات التي وضعت على نفسها مهمات إصلاح الوضع القضائي، ويمكن اعتبار الخطاب الملكي الافتتاحي والتأسيسي للمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان بتاريخ 8/5/1990  حدا جوهريا بين مرحلتين كبيرتين ولبنة جوهرية في صيرورة بناء دولة الحق والقانون التي يعتبر القضاء أحد أركانها الرئيسيين، وباستحضار هذا الخطاب الملكي، نقف على المدلول العميق للقضايا التي أثارها، ومن بينها:

-" يجب أن نأخذ بعين الاعتبار حقوق المواطنين بالنسبة للسلطة والإدارة والدولة لبناء دولة القانون"،

-" إن للمواطنين حقوق وواجبات وحتى من أدينوا في المحاكم يجب أن يكونوا في مأمن من الجوع والمرض ومن التعسفات".

 

-" يجب على الدولة والنظام القضائي تمكين المواطن من كرامته"

-" ليس للسلطة الحق في أن تتجاوز حدودها"

-" من حق المواطن أن يشتكي بضابط الشرطة أو بضابط الدرك أو القائد الذي تعسف عليه" (10).

ويمكن في هذا السياق أيضا التذكير بعناصر أخرى:

- تنصيص ديباجة دستور 92 على التزام المغرب بحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها ،-     

- إحداث المجلس الدستوري،  

- إنشاء المحاكم الإدارية،      

- الرجوع إلى القضاء الجماعي،      

- تعديل بعض فصول قانون المسطرة الجنائية،       

- إلغاء ظهير 1935.

- بداية مناقشة مدونة الشغل والتفكير في طرح مدونات الأعمال،-   والقانون الجنائي والمسطرة الجنائية.

إن جميع هذه المسارات وعلى أهميتها التاريخية في صيرورة بناء دولة الحق والقانون، تلتقي مجتمعة على مجرى مصب رئيسي في الدولة والمجتمع هو مصب القضاء.

 

ومع التأكيد على أن ملف القضاء، بدأت تنفض عنه تراكمات التهميش والإقصاء التي طالته في عز أيامه وفي عز لحظات تطور البلاد، فإن ملفه لازال في حالة تردد شديدة بين الإقرار الضمني بالأزمة وبحصائل التجربة برمتها (كما سيبسط المبحث الثالث بعض مظاهرها وعناصرها فقط) وبين غياب التصور الاستراتيجي بالنسبة لآفاقه المستقبلية.

 

ذلك أن القضاء في إيطاليا حاليا أبلغ تعبير على ذلك، بل بالعكس فالبنسبة لبلد متأخر مثل المغرب من شأن قضاء عادل قوي نزيه ومستقل استقلالا فعليا عن السلطتين التشريعية والتنفيذية أن يدشن فعليا صيرورة توطيد دولة الحق والقانون، وأن يلعب دوره الفعلي في التنمية والتقدم الاقتصادي والاجتماعي.

 

وبذلك تبدو المحاولات الإصلاحية التي دشنها عقد التسعينات قاصرة عن متطلبات الإصلاح الاستراتيجي وبعض المبادرات الإصلاحية للسنوات الأخيرة تعكس هذا الاتجاه وبيانها كما يلي:

الفرع الأول: المحاكم الإدارية، الاختبار السليم والضمانات الناقصة.

 

بعد تأخر دام قرابة سبعة وثلاثين سنة على الاستقلال، جاء ظهير 10/9/1993 ليعلن عن قفزة نوعية لتطوير القضاء الإداري.

إلا أن هذا المشروع الحضاري في مسيرة دولة الحق والقانون، بقي منذ الأعمال التحضيرية محكوما بتردد بارز بين الرغبة الفعلية في الإقلاع وبين عدم استكمال كافة مقتضياته ومتطلباته وتبرز بعض النواقص الآتية هذا الوضع:

- عدم خلق محاكم استئنافية وهيئة عليا،

- يطعن أمامها بالنقض في أحكامها،

- تمتيعا للأطراف بكافة درجات التقاضي،   

- عدم إعطاء الولاية العامة للمحاكم الإدارية في إطار الاختصاص النوعي،       

- عدم توسيع صلاحيات مؤسسة المفوض الملكي للدفاع عن الحق والقانون،       

- عدم توفير إمكانية الطعن في القرار الشفوي الصادر عن الإدارة وأحيانا بدون تعليل،   

- عدم حل إشكالية تنفيذ الأحكام الصادرة عنها،-      مما يمس بمصداقيتها وقوتها.

وفي انتظار أن تعطى هذه التجربة نتائجها يجدر التنبيه إلى أن الدولة ولغاية شروع المحاكم الإدارية في عملها لم تقم بدورها الإعلامي الرامي إلى وضع هذا الحدث في  سياقه الحضاري، خاصة بالنسبة لمجتمع ألف وتعود على اعتبار السلطة والإدارة من المحرمات.

 

الفرع الثاني: المعاجلة الجزئية لقانون المسطرة الجنائية ظهير 30/12/1991

نشر بتاريخ 1/1/1992? ظهير 30/12/1991 القاضي بتعديل بعض فصول قانون المسطرة الجنائية (68  و 69 و76 و82 و127 و154، وكذا الفصلين 2 و 17).

وانصبت هذه التعديلات على القواعد الخاصة  :

- تخفيض مدة الوضع تحت الحراسة النظرية والاعتقال الاحتياطي،

- وضع آماد لبعض آجال الاعتقال الاحتياطي،       

- وضع حد لإجبارية الاعتقال في إطار الفصل 76 من ق.م.ج،     

- تسييج حالة الاعتقال ببعض الضمانات،     

- تأكيد حضور دفاع المشتبه فيه لدى الاستنطاق الأولي للنيابة العام' وكذلك بالنسبة للذي يجريه قاضي التحقيق،-      

- إقرار مبدأ اللجوء إلى الفحص الطبي عند تقديم المشتبه إلى النيابة العامة.

 

وبذلك جاءت هذه النصوص لتؤكد من الناحية المبدئية مشروعية المطالبات القانونية والحقوقية التي ما انفكت هيئة الدفاع ومكونات المجتمع المدني وجميع اتجاهات الرأي العام الوطني تطالب بها على امتداد العقود السابقة.

وعلى أهمية هذه التعديلات، فإن الخلفية الإصلاحية التي تأسست عليها لازالت محكومة بالتردد بين الإقرار بتأخر قانون المسطرة الجنائي الحالي وبين متطلبات وحاجيات العدالة الجنائية وهو ما يفرض على " المشرع أن يتجاوز مرحلة التعديلات الجزئية الترميمية وأن يفكر جديا في تعديل شامل لمقتضيات المسطرة الجنائية في اتجاه صيانة الحقوق المشروعة للمواطن المغربي جاعلا نصب أعينه على الخصوص ضرورة التراجع عن أبرز تعديلات 1962 و 1974 وعلاوة على ذلك يجب توجيه أقصى ما يمكن من العناية إلى الطريقة التي تطبق بها النصوص"(11).

الفرع الثالث: القضاء الجماعي تقدم معزول عن التصور الشامل.

 

صدر بتاريخ 10/9/1993 الظهير الذي أعاد التنظيم القضائي مبدئيا إلى مرحلة القضاء الجماعي.

وبغض النظر عن النقاش الذي أثاره هذا القانون عند صدوره فيما إذا كان ضرورة أو اختيارا، فإن الرجوع إليه من جديد، شكل مكسبا هاما، لكنه يعكس مرة أخرى النظرة الجزئية لقضية التعاطي مع ملف الإصلاح القضائي إذ لم يوضع في سياق تصور شامل، بحيث ظلت القضايا المرتبطة به غائبة ومن بينها:

- نظام التدريس وإشكالية التخصص بالمعهد الوطني للدراسات القضائية،-  

- نظام التكوين المستمر للقضاة،-     

- الخصاص الذي تعانيه المحاكم من حيث عدد القضاة،-    

- إعادة هيكلة وتنظيم كتابة الضبط في تطور جديد وشامل للإدارة القضائية برمتها،-      

- الأوضاع المادية والمعنوية للقضاة،-

- بعض آليات العمل القضائي (خزانات،-      توحيد الاجتهاد القضائي.   

- مؤسسة قاضي التنفيذ،-      

- معضلة التجهيزات والبنايات،-      

- إعادة النظر في أنظمة التدريس بكليات الحقوق.

 

المبحث الثالث

أية حصائل لأية إصلاحات

يستهدف هذا المبحث الوقوف عند بعض النتائج والحصائل الكبرى لمجمل السياسة التي وضعت على عاتقها قضية الإصلاح القضائي.

 

ــــــــــــــــــــــــــــ

11) الدكتور محمد عياط، هوامش على تعديلات قانون المسطرة الجنائية، مجلة الإشعاع، عدد 7? ? 227.

ــــــــــــــــــــــــــــ

 

إن محاولة تلمس هذه الحصائل، تقتضي استحضار الأهداف والمهام المنوطة بالسلطة القضائية.

ما بين 26 غشت و 6 شتنبر 1985 انعقد مؤتمر الأمم المتحدة السابع لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين بمدينة ميلانو بإيطاليا، وبمشاركة نخبة عالمية متنوعة (قضاة، محامين قانونيين) أسفرت أعمالهم عن مشروع رفيع خاص يتعلق بإعلان أممي بشأن استقلال العدالة(12).

ولقد حدد أهداف ومهام السلطة القضائية بقوله:

" تشمل أهداف السلطة القضائية ومهامها:

أ - تطبيق القانون تطبيقا حياديا بصرف النظر عن الأطراف.

ب - تعزيز مراعاة حقوق الإنسان وتحقيقها ضمن حدود الوظيفة القضائية نفسها.

ج - كفالة فرص العيش والأمن للناس جميعا في ظل حكم القانون"

 

وينقسم هذا المبحث حسب المطالب الآتية:

الأول: على مستوى مردودية العدالة،

الثاني: على مستوى القضاء والتنمية،

الثالث: على مستوى القضاء والحريات العامة.

المطلب الأول: مردودية العدالة.

اتسمت مردودية العدالة المغربية في ضوء الشروط التي فصلها المبحث الثاني بطابعين دائمين.

الأول: استمرار اختلالات بنيوية ومزمنة.

الثاني: شلل فعالية الجهاز القضائي.

 

ــــــــــــــــــــــــــــ

12) نشرته مجلة المحامي عن جمعية المحامين الكويتيين، عدد دجنبر 1985

ــــــــــــــــــــــــــــ

 

الفرع الأول: اختلالات بنيوية ومزمنة:

طبعت مردودية العدالة المغربية مع بداية السبعينات وإلى الآن اختلالات البنيوية والمزمنة الآتية:

- عدم التناسب بين عدد رجال القضاء والقضايا الرائجة،-   

- عدم التوازن بين القضايا المحكومة وغير المحكومة والمخلفة،-   

- الاختلال بين القضايا المحكومة على مستوى كافة الدرجات.

لم تشرع وزارة العدل في تسليم المعلومات والإحصائيات إلى المصالح الوطنية المشرفة على الإحصاء والتخطيط إلا مع بداية سنة 1972? أما البيانات التي تعطي صورة مفصلة نسبيا، فلم تشرع وزارة العدل في نشرها إلا مع سنة 1975.

 

وبالرجوع إلى هذا  التاريخ يلاحظ نمو مضطرد في نسبة القضايا المسجلة والمحالة على المحاكم والتي لم تنزل عن 700000 سنة 1975 وانتقلت إلى 900000 سنة 1983 لتشهد ارتفاعا وصل إلى مليون ? 300000 قضية سنة 1993.

 

وسيطلب من رجال القضاء وبصفة خاصة سنة 1981 بمقتضى منشور السيد وزير العدل عد 934 " تصفية جميع الدعاوي القديمة التي يرجع تقييدها إلى ما قبل سنة 1981 حسب أقدميتها وتسلسل تاريخها، والشروع في البت فيها بكامل السرعة للقضاء على المتراكم ولو أدى الحال إلى إحداث غرف لهذه الغاية توكل إليها مهمة هذه القضايا القديمة والتعرف عليها من (...) أجل وتقرير حلول قضائية مناسبة لها دون إخلال بحقوق الدفاع(13)  ومع العلم أن عدد القضاة سنة 1980 لم يكن يتجاوز 1700 قاض.

 

ورغم التقدم الجزئي الذي سجلته القضايا المحكومة سنة 1983 إذ صدر 929991 حكم وقرار بالقياس لسنة 1980? 761934 حكم وقرار، فإن نسبة المخلف ظل يتراوح ما بين 494692 سنة 1980 ? 523393 ملف سنة 1990 ليرتفع إلى 702023 سنة 1993.

 

ويبرز الجدول الآتي هذه الوضعية*

13) فقرات من توصيات اللجنة القضائية لوزارة العدل أوردته جريدة الاتحاد الاشتراكي بتاريخ 1/12/1990.

جميع هذه الإحصائيات مأخوذة من عن النشرة الإحصائية السنوية لمديرية الإحصاء،·    الوزارة الأولى،·        وزارة التخطيط،·    من سنة 1975 إلى 1993.

جدول رقم 1: نموذج للإنتاج القضائي الوطني

(جميع درجات التقاضي والمجلس الأعلى)

1993  1990 1987 1983 1980 1975 السنة/الحركة 

1.380075   1.019195  976854     921589     775547     786791     المسجل       

1.254998   967414     962702     929991     761934     644623     المحكوم      

702023      523393     484695     551980     494692     غير منشور   غير المحكوم 

 

كما أحدثت حركة الملفات المسجلة وقلة عدد القضاء اختلالا آخر جسده الإنتاج

 الوطني لمختلف درجات المحاكم، ففي الوقت الذي عرفت فيه المحاكم الابتدائية أعلى نسبة من حيث الإنتاج، إذ استقرت في المتوسط في 67% تضاف إليها نسبة إنتاج المراكز القضائية التي بقيت تحافظ على معدل 12% بقي إنتاج محكمة الدرجة الثانية وغرفها في المتوسط لا يتعدى 13%، ليبقى في النهاية إنتاج المجلس الأعلى في حدود 1,5%.

 

ويبرز الجدول التالي وضعية هذه الاختلالات.

جدول رقم 2: نسب القضايا المحكومة حسب مختلف الدرجات.

مجلس الأعلى   محاكم الاستئناف      غرف الاستئناف      المحاكم الابتدائية      المراكز القضائية  الدرجات سنة 

1,3 % 13,8 %             67,9 %     17,0 %     1981

1,7 % 13,7 %             71,0 %     13,6 %     1983

1,85 %       13,60 %   1,90 %     68,64 %   14,01 %   1984

1,90 %       14,80 %   1,36 %     69,56 %   12,38 %   1985

1,73 %       16,56 %   1,23 %     67,90 %   12,52 %   1987

1,60 %       16,87 %   1,53 %     67,14 %   12,87 %   1988

1,84 %       17,66 %   1,57 %     66,97 %   11,96 %   1989

1,9 % 16,9 %     1,3 %       69,3 %     10,6 %     1990

 

وستنعكس هذه الأوضاع المتسمة بالاختلال بين عدد القضايا الرائجة وعدد رجال القضاء، وعلى مطالبة قضاة الدرجة الأولى بالإسراع في تصفية الملفات المعروضة، وعلى انتقال جزء كبير من المحكوم منها والمستأنف والذي تمثل فيه القضايا الجنحية والجنائية نسبة عالية.

 

فمن أصل 1019195 قضية محكومة وطنيا سنة 1990 بمختلف الدرجات كان عدد المحكوم في المادة الزجرية وحده يصل إلى 310499 ابتدائيا ? 109627 استئنافيا.

وستؤثر هذه الاختلالات إلى حد بعيد على عمل المجلس الأعلى، ففي ظل بنايته المعروفة، وعدم استقرار أغلب رجالة بالرباط وقلة عددهم، سنة 1985?89 مستشارا ? 130 سنة 1989? إذ سنفهم إلى أي حد تراكمت المخلفات لديه، بل وفي حصول اختلالات كبرى في إنتاجه العام، فما بين سنة 1990 وسنة 1993 ظلت نسبة عطائه في المادة المدنية لا يتجاوز 16 %  ? 2 % في المادة الإدارية، بينما اكتسحت الملفات الجنحية أغلب إنتاجه بمعدل 55 %.

 

وستؤثر وضعية من هذا النوع بدون شك على قضايا المردودية ، والاجتهاد القضائي وتوحيده.

 الجدول ********

 

الفرع الثاني: شلل فعالية الجهاز القضائي.

أدت مجموع الشروط المحيطة بعمل القضاء والتي بسطنا عددا من عناصرها سابقا إلى التأثير بصفة مباشرة على فعالية الجهاز القضائي وذلك ما تبرزه المظاهر الآتية:

 

1. التبليغ:

تكتسي إجراءات التبليغ حجية قانونية حاسمة لما لها من آثار قانونية منتجة على المراكز والأوضاع والحقوق القانونية وتتسم إجراءات التبليغ في الممارسة الفعلية بالمظاهر الآتية:

- قلة الأعوان المكلفين بالتبليغ،-       

- ضعف وسائل النقل وانعدامها بالنظر إلى اتساع الدائرة الجغرافية،-       

- ضعف تكوين وخبرة بعض المبلغين،-     

- ضعف أجورهم وانعدام حوافز التشجيع والمكافأة،

- تأخر التبليغ المنجز عبر السلطة الإدارية وانعدام رقابة فعلية عليه،-      

وقد انتبهت اللجنة القضائية لوزارة العدل بشأن هذا الإشكال وسجلت " عدم كفاية عدد الأعوان المكلفين بالتبليغ بالنسبة إلى عدد القضايا الرائجة أمام المحاكم واتساع دوائرها القضائية وهو أمر ينذر بعواقب وخيمة قد تؤدي إلى شلل فعالية الجهاز القضائي بأكمله(14).

 

هذا وتجدر الملاحظة أن قانون المسطرة المدنية لسنة 1974? لم يول إشكالية التبليغ (والتنفيذ أيضا) المكانة التي تستحقها، وكان على النظام القضائي أن ينتظر 7 سنوات ليصدر ظهير 95/12/1980 الخاص بالأعوان القضائيين و 10 سنوات أخرى لنشر المرسوم التطبيقي 17/8/1988 وسنتان إضافيتان للشروع في التنفيذ.

ومع أهمية هذا النظام ودوره الحيوي فإنه لازال يحتاج إلى ضوابط وقواعد مسطرية متعددة لتأسيسه ولضمان فعاليته أكثر.

 

2. تحرير الأحكام

لقد أدى التزايد المضطرد للقضايا المسجلة، ومطالبة وزارة العدل بالتصفية السريعة للملفات إلى بروز الظواهر الآتية:

14) من توصيات اللجنة القضائية لوزارة العدل أوردتها جريدة الاتحاد الاشتراكي بتاريخ 1/12/1990.

 

- إصدار الأحكام قبل تحريرها،-      

- ضعف التعليل.

"...فإنه يبدو من الضروري الحرص على إصدار الأحكام محررة ومعللة وفي الحالة التي تدعو الضرورة إلى إصدار الأحكام قبل تحريرها، فإن هذا التحرير يجب أن يتم في أقرب وقت لتفادي الصعوبات التي قد تنجم عن التأخير في الإنجاز(15).

 

3. طبع الأحكام

تتم عملية طبع الأحكام في الشروط الآتية:

- قلة الراقنات وعدم توفر مصالح للصيانة بكتابات الضبط،-

- تسليم بعض كتابات الضبط صورا للأحكام والقرارات كما حررت خطيا،-

- التأخير في تسليم النسخ مما يؤثر إما على الإحالة على محكمة الدرجة الثانية،

- أو تأخير عملية التنفيذ.

 

4. التنفيذ

وتتجلى صور ضعفه البالغة فيما يلي:

- تماطل أجهزة الدولة والمكاتب العمومية وشبه العمومية رغم اكتساب الأحكام حجية الأمر المقضى به،-

- تأخر التنفيذات الواقعة على عدد واسع من شركات التأمين،-      

- التأخر الشديد في تنفيذ الأحكام المتعلقة بتسخير القوة العمومية.

- نمو شعور لدى المتقاضي بعدم جدوى اللجوء إلى القضاء وهو ظاهرة خطيرة للغاية.

المطلب الثاني: القضاء والتنمية.

افتقدت المشاريع الإصلاحية القضائية على امتداد العقود السابقة للمرتكزات الكفيلة بأن يلعب القضاء دوره في المشروع التنموي.

 

وتتلخص الانتقادات التي وجهها الاقتصاديون والمستثمرون في تقادم التشريع الاقتصادي والاجتماعي الذي ظلت أغلب مقتضياته تعود إلى العهد الاستعماري أو

15) المرجع السابق.

 

 إلى قوانين وضعت في عهد الاستقلال، وتقادمت مقتضياتها.

ولقد لخص تقرير البنك الدولي الأخير هذه الوضعية بقوله:" إن النظام القضائي لم يتكيف مع التنمية الاقتصادية للبلاد" بينت دراسة القطاع الخاص التي قام البنك الدولي بها مختلف شكاوي أوساط رجال الأعمال من الآلة القضائية، نقص تكوين القضاة في القانون التجاري، والبحري والبنكي، كما في قانون البناء والتعمير، وغياب نشر ممنهج للقوانين وجهاز كامل لمرجعية النصوص الجاري بها العمل، كما أن ضعف خزانات المحاكم تساهم في الطابع المفاجئ للقرارات القضائية ويفسر غياب الموظفين الإداريين والكتابة وفقر التجهيز المادي البطء التي تتم به الأحكام(16).

 

كما أصبح الاقتناع متزايدا بأن عملية الاستثمار والإقلاع الاقتصادي لا تحتاج فقط إلى الحوافز التشجيعية فحسب، بل إلى إدارة سريعة فعالة وإلى قضاء فعال وسريع قادر على مراقبة مدى نظامية القرارات الإدارية الصادرة عنها، وبرأي المختصين والفاعلين الاقتصاديين فإن توفير المناخ المؤسسي والقانوني بشكل العنصر الحاسم في وضعية البنيات التحتية الأساسية للاستثمار نفسه.

وبالنسبة لبلادنا مثلا بقيت مدينة الدار البيضاء ومحيطها، المنطقة الأكثر قدرة وجذبا على استقطاب الاستثمار والنشاط الاقتصادي، تفتقد إلى محكمة تجارية نموذجية ومن بين العوائق الكبرى التي حالت دون أن يجد القضاء موقعه في المشروع التنموي.

تأخر وغياب المدونات والقوانين الآتية:

- مدونة التجارة،-       مدونة الشغل،-       أنظمة التأمين،-      أنظمة التحكيم التجاري الدولي،-    محاكم الأعمال،-       قانون الإيجارات العقارية، قانون الإشهار.

المطلب الثالث: القضاء وضمان الحريات من نظرية العدل إلى نظرية الأمن.

شهدت العقود الماضية صراعا ما بين مكونات المجتمعين المدني والسياسي من جهة والسلطة التنفيذية من جهة أخرى من أجل تثبيت الحريات الديموقراطية.

 

ــــــــــــــــــــــــــــ

16) كما نشرته جريدة العلم بتاريخ 6/10/1995.

ــــــــــــــــــــــــــــ

 

وبدلا من اجل يجري هذا الصراع بناء على المقتضيات والقواعد التي تفرضها مقومات دولة الحق والقانون، عملت السلطة التنفيذية على خلق فجوة بين القضاء من جهة، والمجتمع المدني والرأي العام من جهة أخرى، كما تشهد على ذلك ملفات عديدة ومتنوعة.

 

ففيما يتعلق بالحريات الفردية والجماعية، حرية التعبير، الصحافة، الجمعيات، الحقوق الثقافية والاجتماعية والنقابية والسياسية، عمدت السلطة التنفيذية إلى تعبئة وشحن الضابطة القضائية من أجل تجهيز ملفات جنحية افتقدت لأبسط قواعد البحث والتحري، ومست قواعد الكرامة الإنسانية المتأصلة وأحيلت الملفات بتزكية من طرف النيابة العامة أو قضاء التحقيق على المحاكم التي خضعت بدورها لحصار وضغط نفسي ومعنوي وطلب من القضاء أن يفصل فيها.

وإذ يجب التسجيل وباعتزاز بعض الأحكام والقرارات القضائية التي طبقت مقتضيات المحاكمة العادلة، فإن العديد من الأحكام والقرارات الأخرى، خاصة في ميدان حرية النشاط النقابي والسياسي، خضعت لتأثير مراكز وجماعات الضغط والنفوذ مما أدى إلى المس بمبدأ المساواة وسيادة القانون وشرف السلطة القضائية.

 

وبدلا من أن يترك القضاء حرا، ومستقلا للبت فيما يعرض عليه، نظرا لأن الوقوف أمام القضاء يشكل صورة من صور التمدن والحضارة، صدرت أحكام وقرارات خرقت حقوق الدفاع ومست بكافة الضمانات الأساسية التي تضمنها قوانين الشكل والتزامات الدولة بالاتفاقيات الدولية وطلب من القضاء العدول عن نظرية العدالة لفائدة نظرية الأمن...

ولقد شكل تأثير السلطة التنفيذية على السلطة القضائية والمس بسمعته ومركزه، حافزا للمتقاضين والمواطنين والمجتمعين المدني والسياسي من أجل التشبث والدفاع عن فكرة استقلال القضاء وحياده والعمل على تثبيتها.

خلاصات مركزية، في ضوء ما سبق يمكن استخلاص ما يلي:

أولا: عدم إقرار الدستور المغربي للقضاء بصفة والولاية الفعلية وغموض مفهومي الضمانات الفعلية الواجبة له ومدلول الاستقلال، مكن القوانين الأدنى من الدستور من نفوذ السلطة التنفيذية عليه.

ثانيا: لم يكن القضاء والعدالة قضية من القضايا الاستراتيجية للدولة، بل مهمة من أحد مهامها وقطاعا من القطاعات المهمشة.

 

ثالثا: انعدام استراتيجية للدولة في مجال العدالة والقضاء، أدى إلى تهميشه ومحدودية دوره في الحقل الوطني العام، مما جعل السياسة التي وضعت على نفسها مهمات إصلاحه، أقرب إلى تدابير وإجراءات منها إلى مشاريع إصلاحية.

رابعا: أن هذه التدابير والإجراءات حكمها منطق التراجع والترميم وعدم التأسيس للمستقبل، مما لم يمكن القضاء من أن يلعب دوره الفعلي والكامل في ترسيخ العدالة وتنمية البلاد وتقدمها وبناء دولة الحق والقانون.

خامسا: إن مجمل هذه السياسة وبتراكماتها القاسية أدت بالعدالة إلى أزمة حادة، وإلى خلق قلق مؤلم وعام حول نتائجها، وهو ما يشكل أعظم حافز ضاغط ومستعجل لوضع الملف برمته كقضية إستراتيجية للتداول وفي اعتباره أعظم رهان على المستقبل.

 

المبحث الرابع:

الإصلاح القضائي، عناصر للتفكير

التأصيل الدستوري

ويكاد ينعقد الإجماع  على أن القضاء الحديث يقوم أصلا على اعتبار القضاء سلطة قائمة بذاتها تؤدي رسالتها، في ظل استقلال وحياد كاملين عن السلطتين التشريعية والتنفيذية ومع إثبات الولاية الكاملة له للبت في كل الدعاوي وولاء الجميع لقراراته وأحكماه وأوامره، وهذا الإطلاق لا يمكن أن يستمد أسسه وقواعده ومكانته إلا من خلال تأصيل دستوري صريح واضح وثابت، وأن يتم تجنب إناطة حق هذه الأسس للتشريع كليا أو جزئيا، أو حق تفسيره أو تحديد مداه إلى المراسيم أو غيرها، لأن في ذلك يكمن مظهر النقص ومن ثمة يحتدم الجدل بين بعض الآراء والاختيارات التي ترى إقامة رقابة على أعماله وإن اختلفت مستوياتها ومضامينها.

 

إنه بعيدا عن قواعد الفن السياسي والحكمة في إضفاء وصف السلطة أو وصف الوظيفة على القضاء، فإن القيمة الدستورية لمكانة القضاء والنص على ولايته ومساواة الجميع أمامه، هو الكفيل بإعطاء صورة فعلية للنظام القضائي المغربي، ومن منطلق ذلك سيعطى في العمق البعد المؤسساتي والبعد الفلسفي لنظامنا القضائي المغربي مما سيضفي عليه الحماية المتوخاة الفاصلة بينها وبين كل تأويل أو اجتهاد أو قياس.

 

إدارة العدل وإدارة القضاء

إن إدارة جهاز العدالة، كإدارة أجهزة الدولة الأخرى تخضع للسلطة التنفيذية، والقائمون على إدارة هذا الجهاز ملتزمون قانونيا ونظاميا وسياسيا بما تمليه الأهداف التي ترسمها برامجهم العامة.

ولما كانت رعاية الدولة وولاية السلطة التنفيذية يستوجب بالضرورة نفوذهما في تحديد الأولويات في محيط من التوازنات بين مختلف القطاعات، وتحت تأثير عوامل سياسية واقتصادية وداخلية وخارجية.

 

فإنه بدون تردد، تبقى إدارة العدالة وتحديد مضامينها الإدارية من حيث تنظيم التسيير الإداري وخلق الانسجام بين مختلف مرافقها وضبط التعاون والتنسيق بينها وبين المرافق الإدارية الأخرى والمختلفة التابعة للدولة، يبقى ذلك من مهام وفلسفة الإدارة، ومظهر من مظاهر سيادتها في مجال التنظيم الإداري يخضع له الموظفون الإداريون الملزمون بتنفيذ أوامر رؤسائهم وتطبيق تعليماتهم لضمان حسن سير المرفق العام واستمرار يته وحيويته.

 

أما إدارة القضاء، صلاحياته، سلطاته، وشؤون القضاة، حصانتهم، ترتيبهم، تأديبهم وبصفة عامة ولايتهم وإشرافهم على سير الإجراءات القضائية والقانونية، فإن وظيفتهم هاته ومجال اختصاصهم هذا، مرده الأصلي يعود إلى قاعدة النيابة عن الملك وهي نيابة عن مؤسسة دستورية متميزة عن السلطات الأخرى والمؤسسات المقررة في الدستور وهو ما يعطي لمفهوم التصورين " إدارة العدل وإدارة القضاء" صيغه ومبرراته.

 

وإنه انطلاقا من هذه القاعدة، فإنه لابد وأن يتم رسم وإرساء قواعد جديدة في إطار المجلس الأعلى للقضاء وأن يزكى تفويضهم ونيابتهم المباشرة عن الملك، بإشرافهم المباشر دون تدخل السلطة التنفيذية، سواء في اختيار القضاة أو تعيينهم أو نقلهم وتأديبهم، وإعطائهم الدور التقريري المباشر دون إخضاعهم لرقابة، وهي مهمة تقتضي بالطبع النظر في النظام القضائي من جهة، والمجلس الأعلى للقضاء من جهة أخرى.

 

لابد أن يعطى للقضاء في إطار المجلس الأعلى صلاحية رسم الاستراتيجية القضائية الوطنية، بمعنى إقرار اختصاصهم المباشر في مجال البت في توزيع الخريطة القضائية سواء منها تأسيس وإنشاء المحاكم، وتحديد عدد الموظفين وضبط الاحتياجات البشرية والمادية لها، والنظر في كل ما يقود نحو إرساء بناء قوي وسليم للجهاز القضائي انطلاقا من خلفية مجردة عن كل تأثير ووضع المبادئ والأحكام الأساسية لمسيرة القضاء مستقبلا.

 

لابد أن يقرر لإدارة القضاء ولمؤسسة المجلس الأعلى للقضاة صلاحية ذات مدلول أمني حمائي نهضوي، وهي صلاحية لدراسة حاجياته المادية، أي وضع تصوره للميزانية التي يحتاجها الإشراف القضائي، والاحتياجات الضرورية التي يمكنها أن تنهض بإدارة القضاء وأن تكون مقترحاته في إطار المقترحات المحددة في ميزانية إدارة العدالة أو وزارة العدل، وذات أثر أخلاقي على المؤسسة التشريعية، بمعنى تجنب مناقشتها، إلا إذا تطلب الأمر الزيادة في حجمها طبعا، من قبل الحكومة وأعضاء البرلمان.

 

إننا لا نرى في ذلك دعاية ومنحى يهدف إلى خوصصة قطاع العدل وإدارة القضاء، ولا دعوة لخلق دولة القضاة، بل إن البعد غير هذا، إذ أن البعد الحقيقي هو إعطاء انبعاث حقيقي يسير نحو الأمام، أي نحو تجسيد الاستقلال ليس على المستوى الإداري التنظيمي فقط، بل نحو استقلال يخدم رفع الضمانات ويقلل من فرص التبعية والضغوط، ويصل بالتالي إلى هدف تحديث وعصرنة الجهاز، وإلى الرفع من حيويته.

 

الاندماج في إطار عولمة مهام ودور القضاء، أي تبني مبادئ وفلسفة القضاء العصري وأخلاقيات وآداب ومواصفات المرجعيات الدولية في مجال " مقاولة القضاء" إن صح التعبير، ودون أن يعني ذلك إهمال التراث القضائي المغربي، أو الخصوصيات الثقافية المتأصلة في مجتمعنا، أو الابتعاد عن الواقع المغربي، بل إن ما يطرحه هذا الموضوع بالضبط ينبني من جهة على استخدام آليات أساسية تخدم العدالة، تلكم القواعد الأخلاقية التي جاءت بها الإعلانات والعهود الدولية في مجال حقوق الإنسان ومبادئ المحاكمة العادلة، والتي فرضت في ومع النظام الدولي، الجديد وأضحى التعامل معها لبنة أساسية في جسم التصور الجديد لمهام القضاء وعصرنته، ومن جهة أخرى،  على فك العزلة والانفتاح على محيد جغرافي واسع يحقق القضاء بواسطته تواصله مع أنماط قضائية أخرى وثقافات دولية تغنيه على تطوير إبداعه واجتهاده وتجعله قادرا وبيقين، على دخول عالم المنافسة القضائية.

 

إن اندماج قضائنا المغربي في إطار التنظيمات الدولية (الاتحاد الدولي للقضاة مثلا) وتفاعله في نسق مع أجهزة حكومية (لجن وبرامج وتنظيمات تابعة للأمم المتحدة مثلا) واشتراكه الفعلي في آليات غير حكومية تهتم بمجالات ودور واختصاصات القضاء (منظمات لحقوق الإنسان، لجن دولية مهتمة باستقلال القضاء) من شأنه أن يحيط القضاء المغربي بكثير من الضمانات، بل ستحقق له مكانة فاعلة وأساسية، وتمكن من دعم مكوناته الداخلية وترفع قدرته على استخدام المادة القضائية بكل ثقل لتطوير التنمية.

 

وبنفس الروح، فإن شراكة فعلية في إطار هيئة عليا للدراسات والبحوث، تتطلب إحداث مؤسسة وطنية تضم قضاة أغنتهم التجربة، وأساتذة قانون مشهود لهم علميا، ومحامين متمكنين يشرفون على:

- وضع برامج للدراسات ومناهج التعليم والتكوين داخل المعهد الوطني للدراسات القضائية ومعاهد تكوين المحامين،-     

- وضع خطط علمية قانونية وتحديد دلالات ومفاهيم التكوين المستمر وإعادة التأهيل،-    

- وضع تصورات وبرامج خاصة للاستثمار في المجال القانوني،-   والبحث عن إمكانية تشجيع القطاع الخاص وتحسيسه لتوظيف بعض من إمكانياته التقنية والمالية لفائدة تطوير البحث والنشر والإنتاج في ميادين قانونية،-       

- الإشراف على سياسة إعلامية خاصة بمجال العدالة باعتبارها أداة ناجعة تقرب المواطن من حقوقه ومسؤولياته والتزاماته،

- وحلقة وصل تربط الأجهزة القضائية والسياسة العامة في ميدان العدالة بكل أطراف العملية القضائية،

- وتضعهم أمام صورة قطاعنا القضائي ومكوناته وإمكانياته ودوره ومردوديته.

 

من التجارب إلى التأسيس

تمر الشعوب بتجارب وتضع الدول مخططات زمنية ومرحلية تنهض بمقتضاها بالتنمية في شتى مجالاتها،، والمغرب مارس بدوره ومن منظور سياسة المراحل في قطاع العدالة بصفة خاصة، حيث يمكن أن نلاحظ أن اجتهاده في هذا المجال أعطى حالة خاصة هي " الحالة القائمة" وكيفما كان تقييمنا وحكمنا النهائي، ومهما اختلفنا في إيجابيات وسلبيات الماضي، فإننا جميعا وبإلحاح شديد مدعوون إلى أن نقول كلمتنا، ونساهم بجهودنا في صنع استراتيجية مستقبل قضائنا ومقومات عدالتنا على المدى البعيد، وتجنب ملامسة إصلاحات جزئية كيفما كانت أهميتها في الظرف الراهن.

 

ومن هنا يكون المحامون بدورهم مدعوون إلى التوجه نحو إصلاح أوضاعهم وتنظيم مهنتهم وإعلان المقاطعة مع السلبيات الذاتية والموضوعية التي تؤثر على دورهم، والتفكير في نطاق هيئاتهم إلى ما يعزز استقلالهم الحقيقي.

القنيطرة 11/11/1995.

 


تعليقات