القائمة الرئيسية

الصفحات

محكمة النقض: الوكالة الظاهرة يشترط فيها أساسا مساهمة صاحب الحق بخطئه، سلبا أو إيجابا في خلق مظهر خارجي للوكالة يكون من شأنه أن يجعل الغير المتعامل مع الوكيل، عن حسن نية، معذورا في اعتقاده بصحة هذه الوكالة

 


ملف 3702/1986        قرار2499       بتاريخ 16/11/1987

 

 

إن المحكمة عندما أيدت الحكم الابتدائي، اعتبرت أن المطلوبة كمالكة، لم تصدر من مسيرها وكالة حقيقية لمن تصرف باسمها وبالتالي لم تساهم في خلق الوضع الظاهر الذي تحتمي به الطالبة، حتى يتأتى القول بسريان التصرف الذي أبرمه الوكيل المزعوم مع الطالبة، في حقها إذ أن التمسك بنظرية ( الوكالة الظاهرة ) وتطبيق أحكامها يتطلب  أساسا مساهمة صاحب الحق بخطئه، سلبا أو إيجابا في خلق مظهر خارجي للوكالة يكون من شأنه أن يجعل الغير المتعامل مع الوكيل، عن حسن نية، معذورا في اعتقاده بصحة هذه الوكالة وهو ما لم يتوفر في هذه النازلة، ولاسيما بعد ثبوت زورية الوكالة وبذلك تكون المحكمة قد أجابت ضمنيا عما تمسكت به الطالبة .

 

 

باسم جلالة الملك

 

وبعد المداولة طبقا للقانون

في شأن وسيلة النقض الأولى: 

حيث يستفاد من القرار المطعون فيه، ومن بقية وثائق الملف، أن الشركة المدنية العقارية "بوريد" ممثلة في شخص مسيرها السيد بوروش شومسكي تقدمت أمام المحكمة الابتدائية بالدار البيضاء بمقال تعرض فيه أنها مالكة لعقار كائن بالدار البيضاء يتكون من أرض عارية مساحتها 2650 مترا مربعا، ذي رسم عقاري عدد 53.307 يدعي "لاشانص" وأنها عندما قررت عرضه للبيع لاحظت باندهاش، أن العقار المذكور باعه شخص يدعي مورودانيل انوري بصفته وكيلا عن السيد بوروش شومسكي أحد مسيري شركة بورين الشركة المدنية العقارية "لاشانص" الممثلة في شخص مديرها الوحيد السيد مزعلك التازي على يد مكتب العراقي، وبما أن الوكالة التي وقع البيع بها مزورة لأنها أنشئت في باطان [فرنسا] يوم 1980-10-5 الذي كان فيه السيد بوروش شومسكي في المغرب ، وأن الأمر يتعلق بعملية لم تشارك فيها قط شركة بوريد ومسيرها، وأن التوقيع المنسوب إلى السيد شومسكي ليس توقيعا له، فإن المدعية تطلب الحكم بإبطال عقد البيع وبالتشطيب عليه في المحافظة العقارية من الرسم العقاري عدد 53.307 ص

وبعد إيقاف النظر في القضية في انتظار البت في القضية الجنائية الجارية لدى محكمة الاستئناف بالدار البيضاء تحت عدد 83-239 في شأن التزوير، وصدور الحكم فيها بتاريخ 16 دجنبر 1982 تحت عدد 490 بإدانة مرودانييل بالتزوير واستعمال وثيقة مزورة ومعاقبته بعشرين سنة سجنا حضر بتاريخ 21 نونبر 84 نائب المدعية وأكد مقاله، كما حضر نائب المدعى عليها ولم يحضر مورودانييل ونظرا لوجوده في حالة فرار تقرر تعيين قيم في حقه، وبجلسة  26 دجنبر 84 أصدرت المحكمة حكما قضت فيه بإبطال عقد البيع المتعلق بالعقار موضوع الرسم عدد 53.307 س وبالتشطيب عليه من الرسم المذكور، بعلة أن عملية البيع لم تشارك فيها المدعية وأن مسيرها لم يسبق له أن أعطى أي توكيل، استأنفته الشركة المدعي عليها "لاشانص" مبينة في أوجه استئنافها أنها اشترت بمقتضى وكالة صادرة عن مدير المدعية وتحمل ثلاث تأشيرات رسمية مختلفة من أجل التعريف بإمضاء السيد شومسكي: 

 1  تأشيرة صادرة عن عمالة باطان الفرنسية ومؤرخة في 6 أكتوبر 1980

 2 -  تأشيرة صادرة عن القنصل العام للمغرب بفرنسا

 3 -  تأشيرة صادرة عن وزارة الخارجية بفرنسا

وأن هذه السلسلة من الخواتم الرسمية كانت تعطي للوكالة صبغة رسمية قانونية وأن الشخص الذي وقع تزوير توقيعه ليس هو الشركة المدعية بل السيد شومسكي، وأنها تتمسك بمبدأ الوكالة الظاهرة، وأنه طبقا لهذا المبدأ فإن الموكل يلزم بما ألزم به وكيله الظاهر، وأنها حسنة النية، وأن الحكم الابتدائي لم يتطرق لمناقشة هذه المبادئ القانونية مكتفيا بالاستناد إلى القرار الصادر عن محكمة الجنايات بتاريخ 83-12-16 والقاضي بإدانة السيد مورودانييل بالتزوير واستعماله، مع أن هذا القرار إن دل على شيء فإنما يدل على أن المستأنفة كانت حسنة النية ولم تكن لها يد في الأفعال الإجرامية، وإلا لما وقع استدعاء مديرها كمجرد شاهد، ثم أن العقد الذي وقع التصريح بزوريته هو عقد الوكالة وليس عقد البيع، وأنه كان ينبغي لمن وقع ضحية هذا الإحتيال أن يطالب بالتعويض ممن احتال عليه من غير أن يكون في وسعه أن يمس حقوق الغير ذي النية الحسنة، مع العلم أن المبلغ المؤدى للوكيل قد وقع تحويله على يد مكتب الصرف إلى السيد شومسكي وتوصل به فعلا... ملتمسة إلغاء الحكم الابتدائي والحكم من جديد برفض الطلب.

وبعدما أجابت الشركة المستأنف عليها بأنها هي المالكة وليس شومسكي، وأن ما استدلت به الشركة المستأنفة هو صحيح في حد ذاته، لكن إذا تعلق الأمر بوكالة صحيحة، لا بوكالة مزورة ووقع الحكم بزوريتها وأن المستأنفة إذا كانت تؤكد أن المصالح الإدارية قد اعتبرت الوكالة صحيحة، فإن هذه المصالح ليس من مهامها مراقبة التزوير بقدر ما يهمها مراقبة الإجراءات الشكلية المتطلبة، لأن ذلك موكول لأصحاب المصلحة.... أصدرت محكمة الاستئناف قرار قضت فيه بتأييد الحكم الابتدائي بعلة أن إرادة الطرف البائع أضحت منعدمة بعد ثبوت زورية الوكالة المعتمدة عليها، وأن أحكام الوكالة الظاهرة لا تنطبق على الوكالة المزورة التي لا تتوفر على الشروط المطلوبة فيها، وهو القرار المطلوب نقضه.

وحيث تعيب الطاعنة القرار المذكور بخرق الفصلين 349 و 359 من قانون المسطرة المدنية ، والفصل 64 من ظهير 12 غشت 1913 المتعلق بالتحفيظ العقاري، انعدام التعليل وانعدام الأساس القانوني، وخرق القانون، ذلك أن الطاعنة أثارت في جميع مراحل الدعوى، منذ افتتاحها إلى مقالها الاستئنافي، أنها تعتبر مشترية حسنة النية لا يمكن أن تواجه بزورية عقد الوكالة الذي زكته كل من الدولة الفرنسية والدولة المغربية باعتباره وضعا ظاهرا تجب حمايته، خصوصا وقد ساهم في إنشائه وجود نسخة من الرسم العقاري في يد الوكيل الذي تبدو عليه مظاهر الشخصية والنخوة والوقار، وأن عقد الشراء المبني على هذه الوكالة التي آخذت مظهرا صحيحا وقع تسجيله بالرسم العقاري وطبقا للفصل 66 من ظهير 12 غشت 1913 فإن التسجيل يعطي لكل حق عيني حماية قانونية ولا سيما بالنسبة للطاعنة التي أبرم ممثلها عقد الشراء عن حسن نية وفق مقتضيات الفصل 103 من قانون الالتزامات والعقود إلا أن المحكمة لم تناقش مسألة حسن النية الذي تمسكت به الطالبة ولم تجب عنه، ذاهبة إلى أنها ليست غيرا، أو انها طرف في عقد الشراء، في حين أن هذا العقد لم يكن موضوع المناقشة بل الذي كان موضوعا لها هو عقد الوكالة، ومع ذلك أيدت الحكم الابتدائي الذي لم يكن بدوره معللا.

لكن ، حيث إنه علاوة على كون المحكمة لم تؤسس حكمها على عدم توفر حسن نية الطالبة ، وإنما أسسته  كما يتجلى من تعليلاته  على عدم وجود وكالة حقيقية صادرة ممن نسبت إليه  إذا أن مبدأ حسن النية لا يكفي وحده  في هذه النازلة  للقول بنفاذ التصرف الذي أبرمه الوكيل المزعوم باسم المطلوبة مع الطالبة، بعد أن ثبتت زورية الوكالة التي تذرع بها الوكيل المذكور للتعاقد مع الطالبة، فإن المحكمة قد أجاب ت صراحة عن هذا الدفع بكونه مردودا، لكون الوكالة التي انبنى عليها عقد البيع مزورة مما تكون معه الوسيلة مخالفة للواقع.

وفي شأن الوسيلة الثانية المتخذة من خرق الفصلين 345 و 359 من قانون المسطرة المدنية والفصول  228 و 622 و 926 من قانون الالتزامات والعقود انعدام التعليل، انعدام السند القانوني، وخرق القانون، ذلك أن القرار المطعون فيه اعتبر أن دفع الطالبة بكون زورية الوكالة لا يمكن أن تواجه به لأنها تعتبر من الغير حسن النية وتنطبق عليها أحكام الوكالة الظاهرة، هو دفع مردود لأنها كانت طرفا في العقد، في حين أنها أوضحت في مذكرتها أنه ينبغي التمييز بين عقد الوكالة الذي لم تكن طرفا فيه، وعقد البيع الذي تظهر فيه كمشترية، مع أن طبيعة هذه القضية تدخل ضمن الحالات التي تشملها الوكالة الظاهرة وتتطلب دراسة وتحليلا لنقطتين تستقل إحداهما عن الأخرى، وهما مسألة التوكيل، والعقد المبرم، فبالنسبة للتوكيل، يمكن القول بأنه إذا لم تكن الطاعنة محقة في التمسك بمبادئ الوكالة الظاهرة فإنه لم يبق من الممكن فتح المجال لتطبيق أية وكالة ظاهرة، مع أن المشرع خصص لمعالجة هذه النقطة الباب الثالث من القسم السادس من قانون الالتزامات والعقود تحت عنوان آثار الوكالة في مواجهة الغير، وهذا دليل على أنه يميز بين الوكالة في حد ذاتها من جهة، والأغيار من جهة أخرى بحيث ينبغي عند معالجة أي مشكل من هذا النوع، عدم الخلط بين وضعية الوكيل والموكل من جهة، والغير من جهة أخرى، وأن المحكمة اعتبرت، وبصفة خاطئة، الطاعنة طرفا في النزاع الأساسي المتعلق بالوكالة، في حين أن الفصل 926 من قانون الالتزامات والعقود ينص في فقرته الثانية على أن التحفظات والعقود السرية ما بين الوكيل والموكل والتي لا تظهر من الوكالة نفسها لا يجوز الاحتجاج بها على الغير ما لم يقم الدليل على انهم كانوا يطالبون بها عند العقد، الفصل 922 من نفس القانون  الذي يزيد ذلك توضيحا  ينص على أنه ليس للغير أية دعوى على الوكيل بوصفه هذا، بحيث أن علاقته مع الموكل لا يمكن أن تكون لها أية أثار على الغير حسن النية، والفصل 228 من نفس القانون المذكور يقول: أن الالتزامات لا تلزم إلا من كان طرفا في العقد فهي لا تضر الغير ولا تنفعهم إلا في الحالات المذكورة في القانون فيتجلى من كل هذا أن أثار عقد الوكالة [كيفما كانت] لا يمكن أن تضر الطاعنة أو تواجه بزوريتها لكونها لم تكن طرفا فيها ولكون مظهرها كان سليما وتتوفر فيه الشروط المقررة عموما في الوكالات، ومن هنا فإن المحكمة لم تناقش بتاتا مسألة حسن النية التي وقع بسطها على هذا النحو أمامها، ثم ذهبت إلى أن الطاعنة ليست غيرا وأنها طرف في العقد، وهي تعني بالتأكيد عقد البيع، في حين لم يسبق لها أن ادعت أنها غير بالنسبة للبيع بل هي غير في عقد الوكالة، و أنها لما عللت قرارها على هذا النحو جعلته ناقص التعليل.

لكن حيث أنه، وبقطع النظر عن عدم مناقشة كون الطاعنة غيرا في عقد الوكالة، وطرفا في عقد البيع، أو ليست كذلك، طالما لم يكن لذلك أي تأثير على النتيجة التي أقرها القرار المطعون فيه، فإن الثابت لدى المحكمة كما يتبين من تعليلات قرارها المذكور  أن الوكالة التي انبنى عليها شراء الطاعنة مزورة، وأن البائع لم يكن له حين أبرم العقد معها حق التصرف فيما باعه لها، ولا سلطة التوقيع على العقد ولذلك فقد كانت على صواب عندما اعتبرت أن عقد البيع أبرم ممن لا صفة له في إبرامه، معللة بذلك قرارها تعليلا كافيا، مما تكون معه العلة المنتقدة علة زائدة لا يتوقف منطوق الحكم عليها وبالتالي تكون معه الوسيلة غير مرتكزة على أساس.

وفي شأن الوسيلة الثالثة المتخذة من خرق الفصلين 345 و 359 من قانون المسطرة المدنية، والفصلين 922 و  926 من قانون الالتزامات والعقود و مبادئ الوكالة الظاهرة، انعدام التعليل، انعدام السند القانوني، وخرق القانون ذلك أن المحكمة بعدما ذكرت بشروط الوكالة الظاهرة الثلاثة، اعتبرت أن الشرط الثالث المتعلق بالمظهر الخارجي لهذه الوكالة الذي يجعل الشخص المتعامل معذورا فيما اعتمدت من وجود وكالة قائمة، غير متوفر، في حين أنه وقع الإدلاء بسلسلة من الحجج من أجل إثبات هذا العذر، فقد سبق للطاعنة أن أبرزت عند عرض وقائع النازلة مجموعة من الحجج تثبت أن االمظهر الخارجي للوكالة كان صحيحا ولا يتطرق إليه أي شك وأن تصرف الوكيل عند تنفيذه لمهمته كان معقولا، فالخواتم الثلاثة الرسمية الموضوعة على الوكالة من طرف موظفين سامين في فرنسا من أجل التعريف بإمضاء شومسكي، قد خلقت مظهرا خارجيا جعل كل من اطلع على هذه الوثيقة يقتنع بصلاحيتها، ومن جملتهم المسؤولون في المحافظة العقارية بالدار البيضاء وفي مكتب الصرف المغربي، ومحرر العقد، فلم يكن  والحالة هذه  باستطاعة الطاعنة التي تمسكت بحسن نيتها أن تشك في مشروعية الوكالة، خصوصا وأن الوكيل كان يحمل نسخة من الرسم العقاري وأن التعامل مع الوكيل الظاهر مثله مثل التعامل مع الدائن الظاهر والوارث الظاهر المنصوص على أحكامها في الفصلين 239 و 240 من قانون الالتزامات والعقود يجعل الطاعنة التي لم تتمكن من معرفة الحقيقة أجدر بالحماية من المطلوبة، وهكذا تكون المحكمة عندما بتت على هذا النحو، ولم تجب عن هذه الدفوع، قد جعلت قرارها ناقص التعليل.

لكن، حيث يتجلى من القرار المطعون فيه، ومن بقية وثائق الملف، أن المحكمة عندما أيدت الحكم الابتدائي، اعتبرت أن المطلوبة كمالكة، لم تصدر من مسيرها شومسكي وكالة حقيقية لمن تصرف باسمها، بالتالي لم تساهم في خلق الوضع الظاهر الذي تحتمي به الطالبة، حتى يتأتي القول بسريان التصرف الذي أبرمه الوكيل المزعوم مع الطالبة، في حقها، إذ أن التمسك بنظرية "الوكالة الظاهرة" وتطبيق أحكامها يتطلب  أساسا  مساهمة صاحب الحق بخطئه سلبا أو إيجابا، في خلق مظهر خارجي للوكالة يكون من شأنه أن يجعل الغير المتعامل مع الوكيل، عن حسن نية، معذورا في اعتقاده بصحة هذه الوكالة، وهو ما لم يتوفر في هذه النازلة، ولا سيما بعد ثبوت زورية الوكالة، وبذلك تكون المحكمة قد أجاب ت ضمنيا عما تمسكت به الطالبة من غير أن تكون بحاجة إلى تتبعها، وبتفصيل، في مناحي أقوالها، مما تكون معه الوسيلة  كسابقتها  غير مرتكزة على أساس.

 

لهذه الأسباب

قضى المجلس الأعلى برفض الطلب وبتحميل صاحبته الصائر

وبه صدر الحكم بالجلسة العلنية المنعقدة بالتاريخ المذكور حوله بقاعة الجلسات العادية بالمجلس الأعلى بالرباط وكانت الهيئة الحاكمة متركبة من رئيس الغرفة المدنية السيد محمد بنعزو والمستشارين السادة: أبو مسلم الحطاب مقررا  محمد الجيدي  أحمد الحسوني  محمد بنعبود وبمحضر المحامي العام السيدة أمينة بنشقرون وبمساعدة كاتب الضبط السيد محمد بولعجول.

 

   * عن منشورات المجلس الأعلى في ذكراه الاربعين 1997     


تعليقات